← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الخبر الصادق عنه، وكل ذلك منتفٍ في صفات الله تعالى (١). فالكيفية ثابتة لله تعالى لكنها مجهولة لنا غير معقولة، ولهذا كان شعار أهل السنة والجماعة في هذا الباب، تلك الكلمة العظيمة للإمام مالك ﵀، حيث ثبت عنه أنه لما سُئل عن كيفية الاستواء، قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" (٢).

стр. 107

وجاء عن وكيع بن الجراح (١) أنه قال عن أحاديث الصفات: "نسلم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف هذا، ولِمَ جاء هذا" (٢). وقال أبو عبيد (٣) -وقد ذكر بعض أحاديث الصفات-: "هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء، بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يفسر هذا، ولا سمعنا أحدًا يفسره" (٤). والتأكيد على هذا المعنى -وهو نفي العلم بالكيفية- كثير في كلام السلف. قال ابن تيمية: "ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو" (٥).

стр. 108

وقال ابن القيم: "العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف: (بلا كيف) أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم. فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كله، والجمال كله، والعلم كله، والقدرة كلها، والعظمة كلها، والكبرياء كلها؟ ... " (١). * * *

стр. 109

المبحث الأول: (خلق الله آدم على صورته) وفيه أربعة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح. * المطلب الرابع: في بيان معنى قوله ﷺ : (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون).

стр. 110

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك -نفر من الملائكة جلوس- فاستمع ما يُحَيُّوْنَكَ فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن) متفق عليه (١). - وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) رواه مسلم (٢). بيان وجه الإشكال استشكل بعض أهل العلم قوله ﷺ : (خلق الله آدم على صورته)، حيث فهموا أن القول: بإعادة الضمير على الله تعالى في هذا الحديث، يلزم منه التشبيه -تشبيه صورة آدم بصورة الله تعالى- ولذلك اختلفوا في متعلق الضمير على أقوال يأتي بيانها قريبًا إن شاء الله تعالى.

стр. 111

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم -رحمهم الله تعالى- في هذا الحديث وما في معناه، وعلى أي شيء يعود الضمير في قوله ﷺ : (خلق الله آدم على صورته)، وجملة الخلاف يعود إلى أربعة أقوال هي كالتالي: القول الأول: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد على غير الله تعالى: ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) يعود إلى المضروب. قال الحافظ ابن حجر: "واختلف في الضمير على من يعود؟ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه، ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها" (١). ولعل مراد الحافظ رحمه الله تعالى بقوله "فالأكثر ... " أي: أكثر أهل التأويل كابن حبان والبيهقي (٢) والقاضي عياض (٣)

стр. 112

والقرطبي (١) وغيرهم. قال ابن حبان ﵀ تعليقًا على حديث: (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته): "يريد صورة المضروب؛ لأن الضارب إذا ضرب وجه أخيه المسلم ضرب وجهًا خلق الله آدم على صورته" (٢). أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَلَا يُعْرَفُ هذا القَوْل عَن أحَدٍ مِنْهُمْ سِوى ابن خزيمة وابن منده (٣) عليهما رحمة الله. قال ابن خزيمة: "توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله: (على صورته) يريد صورة الرحمن عز ربنا وجل عن أن يكون هذا معنى الخبر، بل معنى قوله: (خلق آدم على صورته): الهاء في هذا الموضع كناية عن

стр. 113

اسم المضروب والمشتوم، أراد ﷺ : أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أُمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب، والذي قبح وجهه، فزجر ﷺ أن يقول: (ووجه من أشبه وجهك) (١)؛ لأن وجه آدم شبيه وجوه بنيه، فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، كان مقبحًا وجه آدم صلوات الله عليه وسلامه الذي وجوه بنيه شبيهة بوجه أبيهم، فتفهموا -رحمكم الله- معنى الخبر: ولا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل، وتحملوا على القول: بالتشبيه الذي هو ضلال" (٢). واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - التعليل في قوله ﷺ : (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) رواه مسلم (٣). فقوله: (فإن الله خلق آدم على صورته) بيان لسبب النهي عن ضرب الوجه، وهو أن آدم ﵇ خُلِقَ على صورة المضروب، ولذلك عنون ابن حبان على هذا الحديث بقوله: "ذكر العلة التي من أجلها زُجر عن هذا الفعل" (٤). وقال البيهقي: "وإنما أراد -والله أعلم- فإن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب" (٥). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها" (٦). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا ضرب أحدكم

стр. 114

فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته) (١). قال الحافظ ﵀ تعليقًا على هذا الحديث: "وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك" (٢). وتقدم استدلال ابن خزيمة ﵀ بهذا الحديث. ٣ - أن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه. قال ابن خزيمة رحمه الله تعالى عن هذه الأحاديث: "تأولها بعض من لم يتحر العلم على غير تأويلها، ففتن عَالَمًا من أهل الجهل والغباوة صلهم الجهل -بمعنى: الخبر- على القول: بالتشبيه، جل وعلا عن أن يكون وجه خلق من خلقه مثل وجهه، الذي وصفه الله بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه" (٣). وتقدم قوله ﵀: "فتفهموا -رحمكم الله- معنى الخبر، ولا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل، وتحملوا على القول: بالتشبيه الذي هو ضلال" (٤).

стр. 115

وأما حديث: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا ... )، متفق عليه (١). فقد جعلوا الضمير فيه عائدًا إلى آدم ﵇ (٢)، كما قال به أبو ثور (٣) وابن خزيمة والخطابي (٤) وأبو الشيخ الأصبهاني (٥) وابن مندة (٦) والبيهقي، -فقد نقل قول الخطابي وأقره عليه (٧) - والقاضي عياض (٨) والقرطبي (٩)، واحتمله ابن حجر (١٠) وعزاه ابن قتيبة إلى أهل

стр. 116

الكلام (١)، وهو كما قال (٢)، فان هذا القول لا يعرف لأحد من أهل السنة غير أبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ وابن منده عليهم رحمة الله. قال أبو ثور ﵀: "إنما هو على صورة آدم ليس هو على صورة الرحمن" (٣). وقال ابن خزيمة ﵀: "فصورة آدم ستون ذراعًا التي أخبر النبي ﷺ أن آدم ﵇ خلق عليها، لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم، فظن أن قوله: (على صورته): صورة الرحمن، صفة من صفات ذاته جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار (٤)، قد نزه الله نفسه وقدس عن صفات المخلوقين، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " (٥). وقال الخطابي ﵀: "قوله: (خلق الله آدم على صورته)، الهاء: وقعت كناية بين اسمين ظاهرين، فلم يصلح أن تصرف إلى الله لقيام الدليل على أنه ليس بذي صورة سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فكان مرجعها إلى آدم، والمعنى: أن ذرية آدم إنما خلقوا أطوارًا، كانوا في مبدأ الخلقة نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم صاروا صورًا أجنة إلى أن تتم مدة

стр. 117

الحمل، فيولدون أطفالًا، وينشؤون صغارًا إلى أن يكبروا فيتم طول أجسامهم، يقول: إن آدم لم يكن خلقه على هذه الصفة، لكنه أول ما تناولته الخلقة وجد خلقًا تامًا طوله ستون ذراعًا" (١). واستدل أصحاب هذا التأويل بما يلي: ١ - حديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ... ). قال القاضي عياض: "قوله هنا: (طوله ستون ذراعًا) يبين الإشكال ويزيح التشابه ويوضح أن الضمير راجع إلى آدم نفسه" (٢). وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لهذا الحديث: "وهذه الرواية تؤيد قول من قال: إن الضمير لآدم، والمعنى: أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالًا، ولا تردد في الأرحام أطوارًا كذريته، بل خلقه الله رجلًا كاملًا سويًا من أول ما نفخ فيه الروح ثم عقب ذلك بقوله: (وطوله ستون ذراعًا) فعاد الضمير أيضًا على آدم" (٣). ٢ - أن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه وهذا ظاهر في استدلال ابن خزيمة ﵀ بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ كما تقدم. وكذا قول الخطابي في الضمير: "فلم يصلح أن تصرف إلي الله ؛ لقيام الدليل على أنه ليس بذي صورة سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ " (٤). فالحامل لهم على هذا التأويل هو الفرار من التشبيه. القول الثاني: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعلى هذا جمهور أهل السنة، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو ممن

стр. 118

انتصر لهذا القول وأطال الكلام جدًا على هذا الحديث (١) -قال: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك" (٢). وممن أشار إلى هذا القول -أيضًا- وأثبت صفة الصورة لله تعالى بهذا الحديث: إسحاق بن راهويه والإمام أحمد، فعن إسحاق الكوسج (٣) أنه قال: قلت لأحمد: (لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) (٤)، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح.

стр. 119

وقال ابن راهويه: "صحيح ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي" (١). وسئل الإمام أحمد فقيل له: يا أبا عبد الله: الحديث الذي رُوي عن النبي ﷺ : (أن الله خلق آدم على صورته) على صورة آدم؟ فقال: فأين الذي يروى عن النبي ﷺ : (أن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن ؟ وأي صورةٍ كانت لآدم قبل أن يخلق؟ (٢). وصرح الإمام أحمد ﵀ بأن القول: بإعادة الضمير على آدم أو على

стр. 120

الرجل المضروب: قول الجهمية (١). فقال ﵀: "من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة لآدم قبل أن يخلقه" (٢). وقال عبد الله (٣) بن الإمام أحمد: "قال رجل لأبي: إن فلانًا يقول في حديث رسول الله ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته)، فقال: على صورة الرجل! قال أبي: كذب هذا، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟ " (٤). وممن قال بهذا القول -أيضًا- الآجري (٥) ﵀، فقد عقد بابًا

стр. 121

بعنوان: "الإيمان بأن الله خلق آدم على صورته بلا كيف" (١)، ثم ساق هذا الحديث بطرق متعددة، ثم قال: "هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يُقال فيها: كيف؟ ولِمَ؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر" (٢). وأيضًا قال بهذا القول ابن قتيبة (٣)، وأبو يعلى الفراء (٤)، وأبو إسماعيل الهروي (٥)، فقد عقد بابًا بعنوان: "إثبات الصورة له " (٦)، ثم ساق تحته حديث أبي هريرة: (خلق الله آدم على صورته). وكذا قوام السنة إسماعيل التيمي الأصبهاني (٧)، والشيخ عبد الله أبو بطين (٨)، وعبد العزيز بن باز (٩)، ومحمد العثيمين (١٠)، عليهم رحمة الله.

стр. 122

واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - ظاهر النصوص السابقة والتي فيها قوله ﷺ : (خلق الله آدم على صورته)، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، وذلك بإرجاع الضمير إلى الله تعالى. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى عند هذا الحديث: "وإذا ثبتت صحته فغير ممتنع الأخذ بظاهره من غير تفسير ولا تأويل" (١). وسئل ﵀ عن هذا الحديث فقال: "لا نفسره كما جاء الحديث" (٢). قال القاضي أبو يعلى تعليقًا على هذا الكلام: "فقد صرح بالقول: بالأخذ بظاهره، والكلام فيه في فصلين: أحدهما: جواز إطلاق تسمية الصورة عليه سبحانه ... الفصل الثاني: في إطلاق القول: بأنه خلق آدم على صورته وأن الهاء راجعة على الرحمن" (٣). وسئل الإمام أحمد -أيضًا- عن هذا الحديث فقال: "نقول كما جاء الحديث" (٤). ٢ - حديث ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن). فقالوا: هذا نص صحيح صريح غير قابل للتأويل (٥).

стр. 123

ولأهمية هذا الحديث في هذا الباب وكونه فيصلًا وقاطعًا للنزاع في هذه المسألة، فقد أثار نقاشًا واسعًا، خاصة بين بعض العلماء المعاصرين (١). وفيما يلي توضيح وبيان لهذا الحديث بشيء من التوسع فأقول: جاء هذا الحديث من طريقين: أحدهما موصول والآخر مرسل: أما الموصول فهو من رواية الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم ... ) (٢).

стр. 124

وأما المرسل فهو من رواية سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء: قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن) (١). وقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث بين مصحح ومضعف: فممن صححه: إسحاق بن راهويه (٢) وأحمد (٣)، والحاكم (٤)، وابن تيمية (٥)، والذهبي (٦)، وابن حجر (٧).

стр. 125

وأما الذين ضعفوه فعلى رأسهم ابن خزيمة، والمازري (١)، والألباني، عليهم رحمة الله. أما ابن خزيمة فقد وجه إلى هذا الحديث ثلاث علل، وزاد عليها الألباني علة رابعة وهي كالتالي: العلة الأولى: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسل الثوري ولم يقل: عن ابن عمر. والعلة الثانية: أن الأعمش مدلس ولم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت. والعلة الثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت مدلس أيضًا ولم يعلم أنه سمعه من عطاء. وأما العلة الرابعة التي ذكرها الألباني فهي: أن جرير بن عبد الحميد -راوي هذا الحديث عن الأعمش- قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ (٢). وقد أجاب أهل العلم عن هذا التعليل بجوابين: أحدهما مجمل، والآخر مفصل: أما المجمل فهو: أن تضعيف ابن خزيمة ﵀ مقابل بتصحيح غيره كإسحاق وأحمد عليهما رحمة الله، وهما أعلم بالأسانيد والعلل منه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث: "قد صححه إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، وهما أجل من ابن خزيمة باتفاق الناس" (٣).

стр. 126

وأما الجواب المفصل: فهو بتتبع هذه العلل، الواحدة تلو الأخرى والجواب عنها: أما العلة الأولى وهي: كون الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، حيث أرسله ولم يصله كما فعل الأعمش. فالجواب عنها: أن مخالفة الثوري للأعمش لا تضر ولا تؤثر لأن الأعمش ثقة حافظ، وكان يسمى المصحف من صدقه، قال فيه يحيى القطان (١): هو علامة الإسلام، وقال ابن عيينة (٢): سبق الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى، وقال شعبة (٣): ما شفاني أحد من الحديث ما شفاني الأعمش، وقال ابن عمار (٤): ليس في المحدثين أحد

стр. 127

أثبت من الأعمش (١). فمخالفة الثوري للأعمش لا تُعِلُّ حديثه؛ لأن معه زيادة علم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ (٢). ثم إنه ليس بين الطريقين -الموصول والمرسل- اختلاف؛ لأن المرسل قد بينه الموصول فهو مفسر له، فالطريق التي فيها رواية عطاء عن النبي ﷺ مباشرة -دون ذكر ابن عمر- قد بينتها الطريق الأخرى والتي فيها رواية عطاء عن ابن عمر عن النبي ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من المعلوم أن عطاء بن أبي رباح إذا أرسل هذا الحديث عن النبي ﷺ ، فلا بد أن يكون قد سمعه من أحد، وإذا كان في إحدى الطريقين قد بين أنه أخذه عن ابن عمر كان هذا بيانًا وتفسيرًا لما تركه وحذفه من الطريق الأخرى، ولم يكن هذا اختلافًا أصلًا" (٣). وأما العلة الثانية وهي: تدليس الأعمش فإنها لا تؤثر في صحة الإسناد؛ لأن الأعمش معدود في الطبقة الثانية من المدلسين، وهم الذين احتمل الأئمة تدليسهم وأخرجوا لهم في الصحيح، لإمامتهم وقلة تدليسهم في جنب ما رووا كالثوري أو لأنهم لا يدلسون إلا عن ثقات كابن عيينة، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه: "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" (٤). ثم إن الثوري قد تابع الأعمش في رواية هذا الحديث عن حبيب بن

стр. 128

أبي ثابت كما هو عند ابن خزيمة في كتاب التوحيد -وقد تقدم- إلا أنه مرسل (١) وقد صحح الألباني إسناده (٢). وأما العلة الثالثة: وهي تدليس حبيب بن أبي ثابت، فإنه وإن كان معروفًا بالتدليس (٣)، إلا أن الذي يترجح في روايته هذه أنه لم يدلس فيها وأنه قد سمعه من عطاء وإن لم يصرح بذلك، ويدل على ذلك أنه كان يروى عن ابن عمر ﵄ مباشرة، فلو كان قد دلس في هذا الحديث لكان جديرًا أن يرويه عن ابن عمر ﵄ بدون واسطة ليحصل له بذلك علو الإسناد، ولكن لما رواه عن عطاء عن ابن عمر ﵄ دلَّ ذلك على أنه لم يدلس في روايته (٤)، وقد قال فيه يحيي بن معين (٥): ثقة حجة. وقال الذهبي: وهو ثقة بلا تردد (٦). ثم إن حديث أبي هريرة -الآتي قريبًا- يعضده ويقويه ويشهد له. وأما العلة الرابعة والتي ذكرها الألباني ﵀ وهي: أن جرير بن عبد الحميد قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ. فالجواب عنها أن يقال: "إن هذا الحديث قد رواه عن جرير أئمة حفاظ مثل إسحاق بن راهوية وقد جزم بصحة الحديث، وأبي معمر

стр. 129

وإسماعيل بن موسى وهارون بن معروف ونحوهم، ولم يذكر أحد منهم أنه أخطأ فيه، بل رووه قابلين له وتلقاه عنهم العلماء بالقبول، فهذا برهان واضح أن جريرًا قد حفظه، هذا لو لم يروه غير جرير، فكيف وقد رواه عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن حبيب عن عطاء إلا أنه أرسله؟ ! " (١). ويشهد لهذا الحديث: ما رواه أبو هريرة ﵁ والذي جاء من وجهين: أحدهما: من طريق ابن لهيعة عن أبي يونس سليم بن جبير عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن) (٢). والثاني: من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه) (٣).

стр. 130

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -وهو يتكلم على حديث ابن عمر-: "وأيضًا فقد روي بهذا اللفظ من طريق أبي هريرة، والحديث المروي من طريقين مختلفين لم يتواطأ رواتهما، يؤيد أحدهما الآخر ويستشهد به ويعتبر به، بل قد يفيد ذلك العلم، إذ الخوف من تعمد الكذب أو من سوء الحفظ، فإذا كان الرواة ممن يعلم أنهم لا يتعمدون الكذب، أو كان الحديث ممن لا يُتواطأ في العادة على اتفاق الكذب على لفظه، لم يبق إلا سوء الحفظ، فإذا كان قد حفظ كل منهما مثل ما حفظ الآخر، كان ذلك دليلًا على أنه محفوظ" (١). بل أشار شيخ الإسلام إلى أن عطاء لو لم يذكره إلا مرسلًا لكان فيه كفاية؛ لأنه من أجلِّ التابعين قدرًا، فإنه هو وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والحسن البصري أئمة التابعين في زمانهم، وجزمه بهذا الخبر العلمي عن النبي ﷺ في مثل هذا الباب دليل على ثبوته عنده (٢). تنبيه: أشار بعض أهل العلم كابن فورك (٣)، والبيهقي (٤)، والمازري (٥)،

стр. 131

والقرطبي (١)، وغيرهم، إلى أنه يحتمل أن يكون بعض الرواة قد نقله بهذا اللفظ - (على صورة الرحمن) - بناءً على ما وقع في قلبه من معناه. ولكن هذا الاحتمال باطل عارٍ من الدليل، فلا ترد بمثله الأحاديث، ومنشأ هذا الاحتمال هو استبعاد عود الضمير على الله تعالى، لأن هذا على مذهبهم يلزم منه تشبيه الله تعالى بخلقه، ولكن هذا اللازم غير مسلم كما سيأتي. الخلاصة: أن هذا الحديث -وهو حديث ابن عمر- صححه جمع من أهل العلم كإسحاق وأحمد والحاكم وابن تيمية والذهبي وابن حجر وغيرهم، وذكروا له شواهد تعضده وتقويه، وضعفه آخرون كابن خزيمة والمازري، وتبعهم في ذلك الألباني فأعله ابن خزيمة بثلاث علل، وزاد عليها الألباني علة رابعة تمت الإجابة عنها فيما تقدم، والله أعلم. القول الثالث: أن الضمير في قوله (على صورته) يعود على الله وتكون إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كما في قوله تعالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وكما يقال في الكعبة: بيت الله ... وهكذا. وبهذا جزم ابن خزيمة ﵀ -بناءً على افتراض صحة حديث (على صورة الرحمن) - فقال بعدما أعل الحديث بما تقدم: "فإن صح هذا الخبر مسندًا بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت، وحبيب قد سمعه من عطاء بن أبي رباح، وصح أنه عن اين عمر -على ما رواه الأعمش- فمعنى هذا الخبر عندنا: أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه، لأن الخلق يضاف إلى الرحمن، إذ الله خلقه، وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن لأن الله صورها، ألم تسمع قوله : ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]،

стр. 132

فأضاف الله الخلق إلى نفسه، إذ الله تولى خلقه، وكذلك قول الله : ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، فأضاف الله الناقة إلى نفسه ... " (١). القول الرابع: إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، وهذا مروي عن الإمام مالك (٢) ﵀، فقد روى العقيلي بسنده عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سأل الإمام مالك ﵀ عمن يحدث بهذا الحديث الذي قالوا: (إن الله خلق آدم على صورته)؟ فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا ونهى أن يحدث به أحد، فقيل له: إن أناسًا من أهل العلم يتحدثون به، قال: من هم؟ قيل: ابن عجلان عن أبي الزناد، فقال: لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء، ولم يكن عالمًا، ولم يزل أبو الزناد عاملًا لهؤلاء حتى مات وكان صاحب عمال يتبعهم (٣). * * *

стр. 133

المطلب الثالث: الترجيح مما لا ريب فيه أن الصورة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وإضافة الصورة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف -على ما جاء في القول الثاني- كما هو مقتضى ظاهر لفظ الحديث، ولا يجوز تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره لمجرد توهم التشبيه والتمثيل، فإن هذا شأن أهل البدع، أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بما صح من أحاديث الصفات كلها، ويجرونها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته مع نفي المماثلة على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك ... ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم، والسنة في عامة أمورهم كأبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة" (١). ولا فرق بين إثبات هذه الصفة -الصورة- لله تعالى وبين إثبات بقية الصفات، فما يقال فيها من توهم المشابهة والمماثلة، يقال في بقية الصفات كاليدين والوجه والعين وغيرها.

стр. 134

قال ابن قتيبة ﵀: "والذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك، لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد" (١). وقال القاضي أبو يعلى ﵀ عن هذا الحديث: "والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه لا كالصور، كما أطلقنا تسمية ذات ونفس لا كالذوات والنفوس" (٢). وقد جاءت عدة أحاديث صحيحة في إثبات الصورة لله تعالى -غير ما تقدم- ومن ذلك ما يلي: ١ - حديث أبي هريرة ﵁: أن ناسًا قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : (هل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ ) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (هل تُضَارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ ) قالوا: لا يا رسول الله قال: (فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول، أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه) متفق عليه (٣).

стр. 135

قال القاضي أبو يعلى: "اعلم أن هذا الخبر يدل على إثبات الصورة وعلى الإتيان ... وأنه غير ممتنع جواز إطلاق الصورة لا كالصور" (١). ٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية -وهو بمعنى الحديث السابق- وفيه: (حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها ... ) متفق عليه (٢). ٣ - حديث معاذ ﵁ قال: احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا فثوَّب بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ، وتجوَّز في صلاته، فلما سلَّم دعا بصوته فقال لنا: (على مصافكم كما أنتم)، ثم انفتل إلينا فقال: (أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، أني قمت من الليل، فتوضأت فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي، فاستثقلت، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة ... ) (٣).

стр. 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 138

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فقوله: (فإذا أنا بربي في أحسن صورة) صريح في أن الذي كان في أحسن صورة هو ربه" (١). مناقشة الأقوال المرجوحة: أما القول الأول: وهو الذي ذهب إليه ابن خزيمة (٢) وغيره، والذي

стр. 139

فيه إعادة الضمير على غير الله تعالى، ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)، قالوا: بإعادة الضمير على المضروب. وفي حديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ... ) جعلوا الضمير فيه عائدًا إلى آدم ﵇. فيجاب عنه بجوابين أحدهما مجمل، والآخر مفصل: أما المجمل فهو أن يقال: هذا تأويل بعيد جدًا عن ظاهر اللفظ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، كما أن في هذا القول موافقة لأهل الكلام المحرفين لنصوص الصفات عن ظاهرها، ولهذا عد الإمام أحمد هذا التأويل من تأويلات الجهمية وأنكره أشد الإنكار، فقال ﵀: "من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي .. ". ولمَّا قيل له: إن فلانًا يقول في حديث رسول الله ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته): على صورة الرجل، قال: "كذب هذا، هذا قول الجهمية .. " (١). وعند التأمل نجد أن الشبهة التي أوقعت إمام الأئمة -ابن خزيمة- وغيره في هذا التأويل هي: توهم المشابهة، ولذلك اجتهد في تأويله وصرفه عن ظاهره، فجعل متعلق الضمير في كل حديث غيره في الحديث الآخر. ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه ... ) جعل الضمير عائدًا إلى المضروب.

стр. 140

فلما أتى إلى الحديث الآخر ورأى أن هذا التأويل لا يستقيم معه -لأن النبي ﷺ قال ابتداءً: (خلق الله آدم على صورته) - جعل الضمير فيه عائدًا إلى آدم ﵇. ولما أتى إلى حديث ابن عمر ﵄: (لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن)، ورأى أنه غير قابل للتأويل جعله -على فرض صحته- من باب إضافة الخلق إلى خالقه، كل ذلك فرارًا من التشبيه. ومما يدل على ذلك قوله -كما تقدم (١) -: "فصورة آدم ستون ذراعًا، التي أخبر النبي ﷺ أن آدم ﵇ خلق عليها، لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم، فظن أن قوله: (على صورته): صورة الرحمن، صفة من صفات ذاته جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار (٢) قد نزه الله وقدس عن صفات المخلوقين، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " (٣). وقوله أيضًا عن هذه الأحاديث: "تأولها بعض من لم يتحر العلم على غير تأويلها، ففتن عَالَمًا من أهل الجهل والغباوة، حملهم الجهل بمعنى: الخبر على القول بالتشبيه، جل وعلا عن أن يكون وجهُ خلقٍ من خلقه مثل وجهه الذي وصفه الله بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه" (٤). وقوله تعليقًا على لفظة: (على صورة الرحمن): "قد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء، عالَم ممن لم يتحر العلم، وتوهموا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات فغلطوا في هذا غلطًا بينًا، وقالوا مقالة شنيعة، مضاهية لقول المشبهة، أعاذنا الله وكل المسلمين من قولهم" (٥).

стр. 141

فهذه النقول عن إمام الأئمة ﵀ تؤكد أنه لجأ إلى تأويل هذا الحديث؛ لتوهمه أن حمله على ظاهره يقتضي التشبيه، فأوله تنزيهًا لله تعالى عن صفات المخلوقين. وهذه هي الشبهة التي بنى عليها أهل الكلام مذهبهم في أسماء الله تعالى وصفاته. ولذلك عد أهل العلم هذا التأويل من ابن خزيمة زلَّة لا يجوز أن يتابع عليها، لأن فيه خروجًا عن منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهو: إجراء نصوص الصفات على ظاهرها دون التعرض لتأويلها، وإثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله ﷺ في سنته من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تمثيل ولا تكييف، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي (١) في كتابه الذي سماه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفضول) -ذكر فيه الأئمة الاثني عشر المتبوعين في العلم، وهم: الشافعي، ومالك، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان (٢) -: فأما تأويل من لم يتابعه عليه الأئمة فغير مقبول، وإن صدر

стр. 142

ذلك التأويل عن إمام معروف غير مجهول نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن خزيمة تأويل الحديث: (خلق آدم على صورته)، فإنه يفسر ذلك بذلك التأويل، ولم يتابعه عليه من قبله من أهل الحديث لما روينا عن أحمد رحمه الله تعالى، ولم يتابعه -أيضًا- من بعده ... قلت (١): وقد ذكر الحافظ أبو موسى المديني (٢) فيما جمعه من مناقب الإمام الملقب بقوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي صاحب كتاب: (الترغيب والترهيب)، قال: سمعته يقول: أخطأ محمد بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يطعن عليه بذلك، بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب. قال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قلَّ من إمام إلا وله زلة، فإذا ترك ذلك الإمام لأجل زلته، ترك كثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يفعل" (٣). وقال الذهبي في ترجمة الإمام ابن خزيمة: "وكتابه في (التوحيد) مجلد كبير، وقد تأوَّل في ذلك حديث الصورة، فليعذر من تأوَّل بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده -مع صحة

стр. 143

إيمانه وتوخيه لاتباع الحق -أهدرناه وبدعناه، لقلَّ من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه" (١). ثم إن هذا الحديث ليس في حمله على ظاهره ما يقتضي التشبيه، بل نحن نثبته ونجريه على ظاهره مع نفي التشبيه. قال قوام السنة إسماعيل التيمي: "فصل في الرد على الجهمية الذين أنكروا صفات الله ، وسموا أهل السنة مشبهة، وليس قول أهل السنة: إن لله وجهًا ويدين وسائر ما أخبر الله تعالى به عن نفسه موجبًا تشبيهه بخلقه، وليس روايتهم حديث النبي ﷺ : (خلق الله آدم على صورته) بموجبه (٢) نسبة التشبيه إليهم، بل كل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله ﷺ فهو حق، قول الله حق، وقول رسوله حق، والله أعلم بما يقول، ورسوله ﷺ أعلم بما قال، وإنما علينا الإيمان والتسليم، وحسبنا الله ونعم الوكيل" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن قيل: قوله ﷺ : (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ... )، هذا الحديث إذا حمل على صورة الله تعالى كان ظاهره: أن الله طوله ستون ذراعًا، والله تعالى -كما قال ابن خزيمة- جل أن يوصف بالذرعان والأشبار ... قيل: ليس هذا ظاهر الحديث، ومن زعم أن هذا ظاهره، أو حمله عليه فهو مفتر كذاب ملحد، فإن فساد هذا معلوم بالضرورة من العقل والدين كما تقدم، ومعلوم أيضًا عدم ظهوره من الحديث، فإن الضمير في قوله: (طوله) عائد إلى آدم الذي قيل فيه: (خلق آدم على صورته)، ثم قال: (طول آدم ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة).

стр. 144

فهذه الضمائر كلها عائدة إلى آدم، وهذا منها أيضًا، فلفظ الطول وقدره ليس داخلًا في مسمى الصورة، حتى يقال إذا قيل: (خلق الله آدم على صورته) وجب أن يكون على قدره وطوله" (١). إذا تبين هذا وهو: وجوب حمل النص على ظاهره، وأن ظاهره لا يقتضي التشبيه، فما معنى كون آدم خلق على صورة الله تعالى؟ الجواب عن هذا أن يقال: الواجب إذا جاءت الآية من كتاب الله تعالى أو صح الحديث عن رسول الله ﷺ : الإيمان والتصديق بهما، واعتقاد ما جاء فيهما، والتسليم والانقياد لهما، ولا يجوز السؤال عن كيفية ما جاء فيهما من الصفات، فإن الله تعالى أخبرنا أنه متصف بالصفات، ولم يخبرنا عن كيفية هذه الصفات، فنَكِلُ علمها إلى الله تعالى، مع اعتقادنا أنها لا تماثل صفات المخلوقين، فالله تعالى كما قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقد عقد الإمام ابن بطة (٢) بابًا بعنوان: "الإيمان بأن الله خلق آدم على صورته بلا كيف". ثم قال: "كل ما جاء من هذه الأحاديث، وصحت عن رسول الله ﷺ ففرض على المسلمين قبولها، والتصديق بها، والتسليم لها، وترك الاعتراض عليها، وواجب على من قبلها وصدَّق بها أن لا يضرب لها المقاييس، ولا يتحمل لها المعاني والتفاسير، ولكن تمر على ما جاءت ولا

стр. 145

يقال فيها: لِمَ؟ ولا كيف؟ إيمانًا وتصديقًا، ونقف من لفظها وروايتها حيث وقف أئمتنا وشيوخنا، وننتهي منها حيث انتهى بنا، كما قال المصطفى نبينا ﷺ ، بلا معارضة ولا تكذيب ولا تنقير ولا تفتيش، والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل، فإن الذين نقلوها إلينا هم الذين نقلوا إلينا القرآن وأصل الشريعة، فالطعن عليهم والرد لما نقلوه من هذه الأحاديث، طعن في الدين ورد لشريعة المسلمين، ومن فعل ذلك فالله حسبه والمنتقم منه بما هو أهله" (١)، ثم ساق ﵀ عددًا من طرق هذا الحديث. وقال الكرجي بعد ما ساق عددًا من أحاديث الصفات، والتي منها: (خلق الله آدم على صورته): " .. إلى غيرها من الأحاديث، هالتنا أو لم تهلنا، بلغتنا أو لم تبلغنا، اعتقادنا فيها وفي الآي الواردة في الصفات: أن نقبلها ولا نحرفها ولا نكيفها ولا نعطلها ولا نتأولها، وعلى العقول لا نحملها، وبصفات الخلق لا نشبهها، ولا نعمل فكرنا ورأينا فيها، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها، بل نؤمن بها ونَكِلُ علمها إلى عالمها، كما فعل ذلك السلف الصالح، وهم القدوة لنا في كل علم" (٢). وقال الذهبي ﵀: "أما معنى حديث الصورة فنرد علمه إلى الله ورسوله، ونسكت كما سكت السلف مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيء" (٣). وذهب بعض أهل العلم إلى أن معنى الحديث هو: بيان أن آدم ﵇ خلق ذا وجه متصفًا بصفة السمع والبصر والكلام، كما أن الله تعالى كذلك، فهو مخلوق على صورة الله من هذه الحيثية، ولا يلزم من ذلك المماثلة. قال ابن القيم ﵀: "وقوله: (خلق آدم على صورة الرحمن) لم يرد
следующие страницы →