← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

سادسًا: أسباب استشكال النصوص، أو الاشتباه فيها: لا ريب أن استشكال النصوص له أسباب متعددة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية جملة منها فقال: "قد يكون في القرآن آيات لا يعلم معناها كثير من العلماء، فضلًا عن غيرهم، وليس ذلك في آية معينة، بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا، وذلك تارة يكون لغرابة اللفظ، وتارة لاشتباه المعنى بغيره، وتارة لشبهة في نفس الإنسان تمنعه من معرفة الحق، وتارة لعدم التدبر التام، وتارة لغير ذلك من الأسباب" (١). وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام يمكن إرجاعه إلى سبب واحد، وهو: الغلط في الفهم، وثمة سبب آخر بالغ الأهمية، وهو: ضعف الرواية، وذلك عندما يكون النص حديثًا مرويًا عن النبي ﷺ ، ولعل شيخ الإسلام لم يذكره لأنه في معرض الحديث عن القرآن، وهذا السبب غير وارد فيه، كما هو معلوم. وعلى هذا، فاستشكال النصوص راجع إلى أمرين أساسيين: أحدهما: الغلط في الفهم. والثاني: ضعف النص. ولهذا قال ابن القيم في نونيته: "فإذا تعارض نص لفظ وارد ... والعقل حتى ليس يلتقيان فالعقل إما فاسد ويظنه ... الرائي صحيحًا وهو ذو بطلان

стр. 72

أو أن ذاك النص ليس بثابت ... ما قاله المعصوم بالبرهان" (١) وقال أيضًا: "وما يُؤتى أحد إلا من غلط الفهم أو غلط في الرواية، متى صحت الرواية وفهمت كما ينبغي تبيَّن أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق، وبالله التوفيق" (٢). فالسبب الأول: الغلط في الفهم: وهو سبب ظاهر في استشكال كثير من النصوص، والناس متفاوتون فيه تفاوتًا عظيمًا. قال ابن تيمية: "قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها، فتكون مشكلة بالنسبة إليهم، لعجز فهمهم عن معانيها" (٣). وقال الشاطبي (٤): "لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم" (٥). وقال أيضًا: "لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية، ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جارٍ على مهيع واحد، ومنتظم إلى معنى واحد، فإذا أدَّاه بادي الرأي إلى ظاهر اختلاف، فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف، لأن الله تعالى قد شهد له أن لا اختلاف فيه ... " (٦).

стр. 73

وقال المعلمي (١): "اعلم أن الناس تختلف مداركهم وأفهامهم وآراؤهم، ولا سيما فيما يتعلق بالأمور الدينية والغيبية، لقصور علم الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته، ولهذا كان في القرآن آيات كثيرة يستشكلها كثير من الناس، وقد أُلفت في ذلك كتب، وكذلك استشكل كثير من الناس كثيرًا من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، منها ما هو من رواية كبار الصحابة أو عدد منهم ... وبهذا يتبين أن استشكال النص لا يعني بطلانه" (٢). وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -فيما تقدم (٣) - بعض الأسباب المؤدية إلى الغلط في الفهم، ويمكن إجمالها بما يلي: ١ - غرابة اللفظ. ٢ - اشتباه المعنى بغيره. ٣ - وجود شبهة في نفس الإنسان تمنعه من معرفة الحق .. ٤ - عدم التدبر التام. وزوال الإشكال الناتج عن هذا السبب يكون بتدبر النصوص، وإدامة النظر والتأمل فيها، وهو ما أمر الله تعالى به حيث قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]،

стр. 74

فإن ظهر له المعنى وزال عنه الإشكال، وإلا رجع إلى أهل الذكر الذين يعلمونه، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. وأعظم معين على إزالة الإشكال ودفع الاشتباه: اللجوء إلى الله تعالى بدوام الاستغفار، وكثرة الابتهال، والإلحاح في الدعاء بأن يورثه علم ما أشكل عليه، فإن الله تعالى إذا علم من عبده صدق اللجوء، وحسن النية، وصواب الطريقة، أعانه ووفقه وسدده وهداه، ودفع عنه ما أشكل عليه. قال ابن تيمية: "إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء أو الحالة التي تشكل علي، فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل، حتى ينشرح الصدر، وينحل إشكال ما أشكل" (١). ومما يشار إليه هنا أن هذا السبب هو الذي أوقع كثيرًا من أهل البدع في استشكال كثير من النصوص، حيث ابتدعوا معتقدات باطلة، وجعلوها هي الأصل الذي يجب اعتقاده والبناء عليه، ثم نظروا في الكتاب والسنة، فما أمكنهم تأويله أوَّلوه، وإلا قالوا: هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة التي لا ندري ما أُريد بها، فجعلوا بدعهم أصلًا محكمًا، وما جاء به الرسول ﷺ فرعًا ومشكلًا إذا لم يوافقه. والواجب أن يجعل ما أنزله الله من الكتاب والحكمة أصلًا في جميع الأمور، وإليه يرد ما استشكل من ذلك (٢). قال ابن تيمية مبينًا تخبط أهل البدع وتناقضهم في استشكال النصوص: "ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعل الفريق الآخر مشكلًا:

стр. 75

فمنكر الصفات الخبرية ... يقول: نصوصها مشكلة متشابهة ... وكذلك يقول من ينكر العلو والرؤية: نصوص هذه مشكلة. ومنكر الصفات مطلقًا يجعل ما يثبتها مشكلًا دون ما يثبت أسماءه الحسنى. ومنكر معاني الأسماء يجعل نصوصها مشكلة. ومنكر معاد الأبدان وما وُصفت به الجنة والنار يجعل ذلك مشكلًا أيضًا. ومنكر القدر يجعل ما يثبت أن الله خالق كل شيء وما شاء كان، مشكلًا ... " (١). وأما السبب الثاني فهو: ضعف النص، فكثيرًا ما يستشكل الناس حديثًا مرويًا عن النبي ﷺ ؛ لمخالفته لصحيح المنقول أو صريح المعقول مخالفة ظاهرة، لا يمكن القول معها بمفهومه ودلالته، وعند تأمل درجته والنظر في سنده نجد أنه لا يصح عن النبي ﷺ ، وببيان ضعفه يزول إشكاله. قال ابن تيمية: "لا يُعْلَمُ حديثٌ واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف، بل موضوع" (٢). ومما يحسن التنبيه عليه أن اتهام الفهم عند استشكال النص يجب أن يكون مقدمًا على اتهام النص نفسه وتضعيفه -ما لم يكن ضعفه بَيِّنًا- فلا يسوغ الاستعجال في رد النصوص وتوهينها لمجرد استشكالها، فكثيرًا ما يؤتى المرء من قبل رأيه وفهمه واجتهاده. قال المعلمي: "وبالجملة: لا نزاع أن النبي ﷺ لا يخبر عن ربه وغيبه بباطل، فإن رُوي عنه خبر تقوم الحجة على بطلانه فالخلل من الرواية، لكن

стр. 76

الشأن كل الشأن في الحكم بالبطلان، فقد كثر اختلاف الآراء والأهواء والنظريات، وكثر غلطها، ومن تدبرها وتدبر الرواية وأمعن فيها، وهو ممن رزقه الله تعالى الإخلاص للحق والتثبت، علم أن احتمال خطأ الرواية التي يثبتها المحققون من أئمة الحديث أقل جدًا من احتمال خطأ الرأي والنظر، فعلى المؤمن إذا أشكل عليه حديث قد صححه الأئمة، ولم تطاوعه نفسه على حمل الخطأ على رأيه ونظره أن يعلم إن لم يكن الخلل في رأيه ونظره وفهمه فهو في الرواية، وليفزع إلى من يثق بدينه وعلمه وتقواه، مع الابتهال إلى الله فإنه ولي التوفيق" (١). وقال أيضًا: "الاستشكال لا يستلزم البطلان، بدليل استشكال كثير من الناس كثيرًا من آيات القرآن ... والخلل في ظن البطلان أكثر جدًا من الخلل في الأحاديث التي يصححها الأئمة المثبتون" (٢). * * *

стр. 77

المبحث الخامس: ترجمة موجزة للبخاري ومسلم عليهما رحمة الله أولًا: الإمام البخاري رحمه الله تعالى: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه (١) الجعفي البخاري. - كانت ولادته رحمه الله تعالى يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة. - ونشأ يتيمًا حيث توفي والده وهو صغير فنشأ في حجر أمه، فأحسنت تربيته وتنشئته حتى غدا مولعًا بالعلم وأهله، فأصبح يتنقل بين حلقات العلم والمحدثين وهو في سنٍّ مبكرة (٢). يقول ﵀: "أُلهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب"، قيل: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ قال: "عشر سنين أو أقل" (٣)، ثم خرج منها وبدأ يختلف إلى علماء عصره وأئمة بلده، يأخذ عنهم ويراجعهم ويناقشهم، ثم خرج من بلده طلبًا للعلم والحديث حتى أصبح إمامًا في العلم ورأسًا في الحديث، يقصده طلاب العلم ومريدوه من كل حدب وصوب.

стр. 78

وكانت أول رحلة قام بها البخاري هي رحلته إلى مكة للحج، وهو في سن السادسة عشرة من عمره تقريبًا. قال ابن حجر (١): "فكان أول رحلته على هذا سنة عشر ومائتين، ولو رحل أول ما طلب لأدرك ما أدركته أقرانه من طبقة عالية" (٢). وقد أكثر البخاري رحمه الله تعالى بعد ذلك من الرحلة إلى سائر الأمصار في طلب العلم والحديث. حدَّث البخاري عن نفسه فقال: "لقيت أكثر من ألف رجل: أهل الحجاز والعراق والشام ومصر لقيتهم كرَّات، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، وبالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان" (٣). وقد رُزق البخاري رحمه الله تعالى حافظة قوية، وذكاءً حادًا، وذهنًا متوقدًا، واطلاعًا واسعًا. رُوي عنه أنه قال: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي

стр. 79

ألف حديث غير صحيح (١) " (٢). وليس أدل على قوة حافظة البخاري وتوّقد ذهنه من تلك الحادثة التي حدثت له ببغداد، وذلك أنه لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، فجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة رجال، كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك إلى البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحدًا بعد الآخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدًا تلو الآخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه.

стр. 80

فلما عرف البخاري أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع حتى أتى على تمام العشرة، فردَّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل (١). ثناء العلماء عليه: لقد أثنى على البخاري رحمه الله تعالى -في سعة علمه وقوة حفظه وبراعته في علم الحديث- عدد كبير من أهل العلم والفضل في سائر الأمصار، وليس المثنون عليه هم تلامذته أو من جاء بعدهم فقط، بل حتى شيوخه وأقرانه قد دانوا له بالفضل واعترفوا له بالعلم والحفظ وإليك بعض أقوالهم: قال علي بن المديني (٢): "ما رأى مثل نفسه" (٣). وقال فيه أحمد بن حنبل: "ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل" (٤). وقال نعيم بن حماد (٥): "محمد بن إسماعيل فقيه هذه

стр. 81

الأمة" (١). وقال ابن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم هذه السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري" (٢). وقال أبو عيسى الترمذي (٣): "لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كثير أحدٍ أعلم من محمد بن إسماعيل" (٤). مصنفاته: لقد صنف البخاري رحمه الله تعالى العدد الكثير من الكتب والمؤلفات، وإليك أشهر الكتب المطبوعة: ١ - الجامع الصحيح، وهو المعروف بصحيح البخاري.

стр. 82

٢ - التاريخ الكبير. ٣ - التاريخ الأوسط. ٤ - التاريخ الصغير. ٥ - الأدب المفرد. ٦ - خلق أفعال العباد. ٧ - القراءة خلف الإمام. وفاته: كانت وفاته ﵀ "ليلة السبت عند صلاة العشاء -ليلة الفطر- ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر يوم السبت لغرة شوال من سنة ست وخمسين ومائتين، وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا" (١). ثانيًا: الإمام مسلم رحمه الله تعالى (٢): هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن وَرْدٍ القشيري النيسابوري (٣). - اختلف في مولده على أقوال أصحها ما ذهب إليه ابن الصلاح والنووي وغيرهما أنه ولد سنة ست ومائتين (٤).

стр. 83

وقد نشأ ﵀ في بيت علم وجاه، فقد كان والده متصدرًا لتربية الناس وتعليمهم، ومن كان هذه حاله فلا شك أنه سيكون له أثر واضح على ابنه نحو طلب العلم والتزام حلقات التعليم (١). وقد بدأ الإمام مسلم ﵀ في طلب العلم وسماع الحديث في سن مبكرة، وكان أول سماع له سنة ثماني عشرة ومائتين، وعمره آنذاك اثنتا عشرة سنة (٢). ثم رحل بعد ذلك في طلب العلم والحديث رحلةً واسعةً، فقد رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر وخراسان والري وغيرها من بلدان العالم الإسلامي (٣). ومن العلماء الذين استفاد منهم الإمام مسلم وتأثر بهم وسلك سبيلهم ونهج نهجهم، خاصة في تأليف كتابه الصحيح: الإمام البخاري ﵀، فقد كان شيخه وأستاذه. قال الخطيب البغدادي (٤): "إنما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذا حذوه، ولما ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه" (٥).

стр. 84

وقال النووي: "وقد صح أن مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث" (١). ثناء العلماء عليه: لقد حظي ﵀ بثناء عطر وذكر جميل من علماء عصره ومن بعدهم، وما ذاك إلا لجلالة قدره وعظيم منزلته في نفوس المسلمين، خاصةً بعد كتابه (الصحيح) الذي يعد -هو وصحيح البخاري- أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. وفي ما يلي أذكر نتفًا مما قيل في الثناء عليه: قال محمد بن بشار (٢): "حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى" (٣). وقال فيه الخطيب البغدادي: "أحد الأئمة من حفاظ الحديث" (٤). وقال ابن الصلاح: "رفعه الله ﵎ بكتابه الصحيح هذا إلى مناط النجوم، وصار إمامًا حجة يبدأ ذكره ويعاد في علم الحديث وغيره من العلوم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (٥).

стр. 85

وقال النووي: "هو أحد أعلام أئمة هذا الشأن، وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ والإتقان، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان، والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان، والمرجوع إلى كتابه والمعتمد عليه في كل الأركان" (١). ونعته الذهبي بعدة أوصاف فقال عنه مرةً: "الإمام الحافظ حجة الإسلام" (٢). وقال مرةً: "الإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق" (٣). وقال مرة ثالثةً: "الحافظ أحد أركان الحديث" (٤). مصنفاته: صنف الإمام مسلم ﵀ تصانيفَ عديدة ومؤلفات فريدة، ولكن لم يصلنا منها إلا النزر اليسير وأغلب تصانيفه -إن لم تكن كلها- في الحديث وعلومه، كأوهام المحدثين، وأسمائهم، وطبقاتهم، وفي العلل وغيرها: وإليك سرد أهم كتبه المطبوعة: ١ - المسند الصحيح وهو المعروف بصحيح مسلم. ٢ - الأسماء والكنى. ٣ - التمييز. ٤ - الطبقات. ٥ - المنفردات والوحدان (٥).

стр. 86

وفاته: توفي رحمه الله تعالى عشية يوم الأحد، ودفن يوم الإثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين. وقد ذكروا قصة عجيبة في سبب وفاته فقالوا: إنه عقد له مجلس للمذاكرة، فذُكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخلن أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أُهديت لنا سلة فيها تمر، فقال: قدموها إليّ، فقدموها إليه، فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث، قال الحاكم (١) -الراوي لهذه القصة-: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مرض ومات (٢). * * *

стр. 87

المبحث السادس: مكانة الصحيحين عند الأمة لقد حظي الصحيحان باهتمام بالغ وعناية فائقة من أهل العلم لم تحصل لغيرهما من كتب السنة، كما هو واضح من كثرة المؤلفات التي ألفت عليهما من شروحات ومستخرجات ومستدركات، وتعاليق وملخصات ... ولا عجب من ذلك فهما أول الكتب المؤلفة في الصحيح المجرد، كما أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، ولذلك فقد تلقتهما الأمة بالرضى والقبول، وتواردت أقوال أهل العلم في الثناء عليهما وإعظام شأنهما وبيان منزلتهما، وإليك بعض أقوالهم في ذلك: قال ابن الصلاح: "أول من صنف الصحيح: البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم، وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري ... وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز" (١). وقال النووي: "أول مُصَنَّف في الصحيح المجرد: صحيح البخاري ثم مسلم، وهما أصح الكتب بعد القرآن" (٢). وقال أيضًا: "اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان: البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من كتاب البخاري ومسلم" (٤).

стр. 88

وقال أيضًا: "ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن وما جمع بينهما" (١). وقال ابن كثير عن هذين الكتابين: "هما أصح كتب الحديث" (٢). وقال ابن أبي العز: "الصحيحان اللذان جمعهما البخاري ومسلم أصح الكتب المصنفة، هذا الذي عليه أئمة الإسلام" (٣). وقال السخاوي: "وبالجملة فكتاباهما أصح كتب الحديث" (٤). وقال العيني (٥): "اتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب الله تعالى أصح من صحيحي البخاري ومسلم" (٦). ومما يزيدهما جلالة وقدرًا في نفوس الأمة ما تميَّز به البخاري ومسلم عليهما رحمة الله من الحفظ والإتقان، والحرص على الدقة والتحري، والاجتهاد في التثبت والتوثق: - فالبخاري قد انتقى أحاديث كتابه انتقاءً دقيقًا من بين عددٍ كبير من الأحاديث، حيث يقول: "أخرجت هذا الكتاب -يعني: الصحيح- من زُهَاءِ

стр. 89

ستمائة ألف حديث" (١). ومثله مسلم حيث قال: "صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة" (٢). - والبخاري أيضًا قد استغرق وقتًا طويلًا في تصنيف صحيحه، مما يدل على شدة تحريه وتأنيه، وعدم عجلته، قال ﵀: "صنفت كتابي (الصحيح) لستَ عشرةَ سنةً" (٣). ومثله مسلم حيث قال تلميذه أحمد بن سلمة (٤): "كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمسَ عشرةَ سنةً" (٥). - كما أن البخاري قد التزم الصحة فيما يخرجه من الأحاديث، واشترط في ذلك أرقى وأعلى شروط الصحة. قال ﵀: "ما أدخلت في كتابي (الجامع) إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول" (٦). وأما شرطاه اللذان تميز بهما فهما: ١ - أن يكون الراوي قد عاصر شيخه.

стр. 90

٢ - أن يثبت سماع الراوي من شيخه (١). ومثله مسلم، حيث قال: "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه" (٢). إلا أنه رحمه الله تعالى نزل في شرطه عن البخاري، فلم يشترط إلا المعاصرة مع إمكان اللقيا (٣). لكنه تميَّز عن البخاري بميزة فريدة، وهي أنه يجمع طرق الحديث في مكان واحد، ولا يكررها -غالبًا- ولا يقطعها ولا يفرقها بين الكتب والأبواب، بخلاف البخاري رحمه الله تعالى فإنه يقطع الحديث الواحد حسب مواضيعه، فيضعه في موضعين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، مما يُشَكِّلُ صعوبةً كبيرةً في الحصول على كامل الحديث. قال النووي: "وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة وهي كونه أسهل متناولًا، من حيث إنه جعل لكل حديث موضعًا واحدًا يليق به، جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها، وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها، ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه، بخلاف البخاري فإنه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة، وكثير منها يذكره في غير بابه الذي يسبق إلى الفهم أنه أولى به، وذلك لدقيقة يفهمها البخاري منه، فيصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث، فقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا في مثل هذا، فنفوا رواية البخاري أحاديث هي موجودة في صحيحه في غير مَظَانِّهَا السابقة إلى الفهم" (٤).

стр. 91

مآخذ بعض أهل العلم على هذين الكتابين: أخذ بعض أهل العلم -كالدارقطني (١) وغيره (٢) - على البخاري ومسلم في صحيحيهما مأخذين: أحدهما: أنهما لم يستوعبا الأحاديث التي على شرطهما. والثاني: انتقادهما في بعض الأحاديث المخرجة في كتابيهما، وعددها: (٢١٠) أحاديث، انفرد البخاري منها بـ (٧٨) حديثًا، وانفرد مسلم بـ (١٠٠) حديث، واشتركا جميعًا بـ (٣٢) حديثًا (٣). أما المأخذ الأول فصحيح: فإن مما لا شك فيه أن البخاري ومسلمًا عليهما رحمة الله لم يستوعبا في صحيحيهما كل الأحاديث الصحيحة، لكنهما لم يلتزما بذلك، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم والحديث (٤)، بل إن البخاري ومسلمًا قد نصا على ذلك أيضًا كما تقدم (٥)،

стр. 92

وقد نُقل عنهما تصحيح أحاديث ليست في كتابيهما، وإنما هي في السنن وغيرها، كما في نقل الترمذي عن البخاري (١). وبناءً على هذا، فإن إلزام الدارقطني وغيره لهما بإخراج أحاديث صحيحة قد تركاها مع أنها على شرطهما ليس بلازم. قال النووي رحمه الله تعالى: "وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة، فإنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه، وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح، كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله، لا أنه يحصر جميع مسائله" (٢). وقال السخاوي: "ولكنهما لم (يعُمَّاه) أي: يستوعبا كل الصحيح في كتابيهما، بل لو قيل: إنهما لم يستوعبا مشروطهما لكان موجهًا، وقد صرح كل منهما بعدم الاستيعاب ... وحينئذ فإلزام الدارقطني لهما في جزء أفرده بالتصنيف، بأحاديث رجال من الصحابة رُويت عنهم من وجوه صحاح، تركاها مع كونها على شرطهما، وكذا قول ابن حبان (٣): ينبغي أن يُناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما: ليس بلازم" (٤).

стр. 93

وأما المأخذ الثاني وهو: انتقاد بعض الأحاديث المخرجة في صحيحيهما، فقد انتدب لها عدد من العلماء والحفاظ فأجابوا عنها كلها، ومن أشهر من تعرض لذلك الإمام النووي في شرحه لمسلم، والحافظ ابن حجر في هدي الساري. غير أنهما -وغيرهما من أهل العلم والحديث- قد استثنيا عددًا قليلًا من هذه الأحاديث المنتقدة يصعب الجواب عنها، لأن الحق فيها والصواب مع النقاد. قال الإمام ابن الصلاح بعد تقريره لصحة ما في كتابي البخاري ومسلم، وأن الأمة قد تلقت ما فيهما بالقبول، قال: "إذا عرفت هذا فما أخذ عليهما من ذلك وقدح فيه معتمد من الحفاظ، فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة" (١). وقال النووي بعد ذكره لمن انتقد بعض أحاديث الصحيحين: "وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره" (٢). قال ابن حجر تعليقًا على كلام النووي: "هو الصواب، فإن منها ما الجواب عنه غير منتهض" (٣). وقال أيضًا، بعد جوابه عن كل الأحاديث المنتقدة على البخاري: "هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد، المطلعون على خفايا الطرق، وليس كلها من أفراد البخاري بل شاركه مسلم في كثير منها ... وليست كلها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف" (٤).

стр. 94

وهذا الكلام من الحافظ ابن حجر ﵀ غاية في الدقة والإنصاف، والتجرد من التعصب والهوى والإفراط، فحسبك به من إمام حافظ ناقد بصير. وختامًا، فإنه لا يضير الصحيحين ما انتقد عليهما، ولا ينقص ذلك من شأنهما وقدرهما، بل لو قيل: إن ذلك لا يزيدهما إلا مكانة وشرفًا ورفعة وقدرًا، لما كان ذلك بعيدًا، لأننا إذا علمنا أنهما قد اشتملا على أحاديثَ كثيرةٍ -تعد بالألوف- ولم يشكل منها إلا هذا النزر اليسير من الأحاديث، ازددنا يقينًا بجلالتهما وعظيم منزلتهما. قال ابن حجر بعد ذكره للأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري والجواب عنها: "فإذا تأمل المنصف (١) ما حررته من ذلك، عظم مقدار هذا المصنف في نفسه، وجلَّ تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم، وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم" (٢). * * *

стр. 95

الباب الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في باب الإيمان بالله تعالى وتحته فصلان: * الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في الأسماء والصفات. * الفصل الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في القدر.

стр. 96

الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في الأسماء والصفات (١) وفيه تمهيد وأحد عشر مبحثًا: * التمهيد: بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات. * المبحث الأول: (خلق الله آدم على صورته). * المبحث الثاني: (وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة). * المبحث الثالث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا .... ). * المبحث الرابع: (لا يمل الله حتى تملوا). * المبحث الخامس: (مرضت فلم تعدني ... ). * المبحث السادس: (ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله).

стр. 97

* المبحث السابع: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله ... ). * المبحث الثامن: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله). * المبحث التاسع: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر ... ) * المبحث العاشر: (الرحم شجنة من الرحمن) * المبحث الحادي عشر: (فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني).

стр. 98

التمهيد بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات سلك أهل السنة والجماعة في هذا الباب طريقًا واضحًا بيِّنًا لا عوج فيه ولا أمتًا، وذلك لأنهم عوَّلوا فيه -وكذا في بقية أبواب الاعتقاد- على النقل الثابت الصحيح، فسلموا من الانحراف الذي وقع فيه من اتخذ العقل أساسًا في هذا الباب وقدمه على النقل، كما هو حال أهل الكلام، علمًا أن أهل السنة يؤكدون على أن العقل الصريح لا يمكن بحال أن يخالف النقل الصحيح. وأهل السنة وسط في هذا الباب بين الإفراط والتفريط، فلم يغلوا في الإثبات إلى درجة تصل بهم إلى التكييف أو التمثيل، كما لم يقعوا في التفريط الذي هو تعطيل الله سبحانه عن أسمائه وصفاته كلها، أو شيء منها، بل أثبتوا جميع ما صح به النقل من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به سبحانه، كالعلو والاستواء والنزول والعلم والكلام والضحك والوجه واليدين وغيرها. والكلام على معتقدهم في هذا الباب وذكر أدلته وتفاصيل مسائله يطول، ولربما أخرج عن المقصود، ولذا فسأقتصر على بيان أهم الأصول والأسس التي بنى عليها أهل السنة والجماعة عقيدتهم في الأسماء والصفات، وهي كما يلي: أولًا: الاعتماد على الكتاب والسنة الصحيحة، فيثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله ﷺ في سنته، من غير تحريف ولا

стр. 99

تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وينفون ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ في سنته مع إثبات كمال ضده (١). قال الإمام أحمد: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ ، لا يُتجاوز القرآن والحديث" (٢). وقال ابن خزيمة: "نحن نثبت لخالقنا -جل وعلا- صفاته التي وصف الله بها نفسه في محكم تنزيله، أو على لسان نبيه المصطفى ﷺ ، مما ثبت بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه" (٣). وقال الإسماعيلي (٤): "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن مذهب أهل الحديث -أهل السنة والجماعة-: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله تعالى، وما صحت به الرواية عن رسول الله

стр. 100

صلى الله عليه وآله وسلم، لا معدل عما وردا به، ولا سبيل إلى رده ... ويعتقدون أن الله تعالى مَدْعُوٌّ بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي سمَّى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه ﷺ " (١). وقال قِوَامُ السنة الأصبهاني: "قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي ﷺ متواترة في صفات الله تعالى، موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة، والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف، وأنه أزلي بصفاته وأسمائه، التي وصف بها نفسه، أو وصفه الرسول ﷺ بها، فمن جحد صفة من صفاته بعد الثبوت كان بذلك جاحدًا، ومن زعم أنها محدثة لم تكن ثم كانت، دخل في حكم التشبيه في الصفات التي هي محدثة في المخلوق، زائلة بفنائه غير باقية، وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك، وصدَّق به المصطفى ﷺ ، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهومًا عند العرب، غير محتاج إلى تأويله" (٢). وقال ابن تيمية: "طريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهذا رد علي الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على المعطلة" (٣). ثانيًا: إمرار نصوص الصفات كما جاءت وذلك بحملها على ظاهرها دون التعرض لتعطيل شيء منها أو تأويله بما لا يتفق مع مراد الله ورسوله ﷺ .

стр. 101

قال الوليد بن مسلم (١): "سألت الأوزاعي (٢)، والثوري (٣)، ومالك بن أنس، والليث بن سعد (٤)، عن الأحاديث التي فيها الصفات، فكلهم قال: أمروها كما جاءت بلا تفسير (٥) " (٦).

стр. 102

وسئل عبد الله بن المبارك (١) عن أحاديث الصفات فقال: "تمر كما جاءت بلا كيف" (٢). وقال أبو زرعة (٣) عن أحاديث الصفات: "هذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ ، أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف" (٤). وهذا القول متواتر عن السلف عليهم رحمة الله، قال أبو يعلى (٥): "روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من

стр. 103

أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا: أَمِرُّوها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين" (١). وقال قِوَامُ السنة الأصبهاني: "الكلام في صفات الله ، ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين: إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها" (٢). وقال ابن قدامة: "وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ " (٣) ومراد السلف بهذه العبارة (أمروها كما جاءت بلا كيف): إجراء نصوص الصفات على ظاهرها والأخذ بما دلت عليه من الصفات، وليس مرادهم: إمرار ألفاظها دون فهم معانيها. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "قولهم ﵃: (أمروها كما جاءت) رد على المعطلة، وقولهم: (بلا كيف) رد على الممثلة ... " (٤). ثم قال مبينًا مراد السلف بهذه العبارة: "إنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه -على ما يليق بالله- لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا، بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم. وأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ

стр. 104

معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية -أو الصفات مطلقًا- لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف. وأيضًا: فقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمِرَّتْ كما جاءت، ولا يقال حينئذٍ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" (١). ومما ينبغي التأكيد عليه هنا: أن عدم فهم معنى الصفة ليس مبررًا ولا مسوغًا لردها، أو تأويلها بما يخالف مراد المتكلم بها. قال ابن تيمية: "ما أخبر به الرسول عن ربه ، فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه" (٢). ثالثًا: عدم تمثيل صفات الله تعالى بصفات خلقه -كما تقدم- فالله تعالى له صفات تليق به، والمخلوق له صفات تليق به، ولا يلزم من الاتفاق في الأسماء الاتفاق في المسميات (٣). قال أبو يعلى عن أحاديث الصفات: "الواجب حملها على ظاهرها،

стр. 105

وأنها صفات لله تعالى، لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها" (١). وقال ابن تيمية: "أهل السنة والجماعة والحديث، من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، متفقون على تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلق، وعلى ذم المشبهة الذين يشبهون صفاته بصفات خلقه، ومتفقون على أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله" (٢). رابعًا: تفويض الكيفية، وقطع الطمع عن إدراكها، وذلك لوجوه ثلاثة: أحدها: أن الله تعالى أخبرنا أنه متصف بالصفات، ولم يخبرنا كيف هي. والثاني: أن العلم بكيفية الصفة فرع عن العلم بكيفية الموصوف، فإذا كنا لا نعلم كيفية ذات الله تعالى، فكذلك لا نعلم كيفية صفاته. قال الخطيب البغدادي: "الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف" (٣). وقال ابن تيمية معللًا عدم العلم بكيفية الصفات: "إذ العلم بكيفية الصفة، يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له" (٤). والثاك: أن الشيء لا تعلم كيفيته إلا بمشاهدته أو مشاهدة نظيره أو

стр. 106

الخبر الصادق عنه، وكل ذلك منتفٍ في صفات الله تعالى (١). فالكيفية ثابتة لله تعالى لكنها مجهولة لنا غير معقولة، ولهذا كان شعار أهل السنة والجماعة في هذا الباب، تلك الكلمة العظيمة للإمام مالك ﵀، حيث ثبت عنه أنه لما سُئل عن كيفية الاستواء، قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" (٢).

стр. 107

وجاء عن وكيع بن الجراح (١) أنه قال عن أحاديث الصفات: "نسلم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف هذا، ولِمَ جاء هذا" (٢). وقال أبو عبيد (٣) -وقد ذكر بعض أحاديث الصفات-: "هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء، بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يفسر هذا، ولا سمعنا أحدًا يفسره" (٤). والتأكيد على هذا المعنى -وهو نفي العلم بالكيفية- كثير في كلام السلف. قال ابن تيمية: "ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو" (٥).

стр. 108

وقال ابن القيم: "العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف: (بلا كيف) أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم. فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كله، والجمال كله، والعلم كله، والقدرة كلها، والعظمة كلها، والكبرياء كلها؟ ... " (١). * * *

стр. 109

المبحث الأول: (خلق الله آدم على صورته) وفيه أربعة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح. * المطلب الرابع: في بيان معنى قوله ﷺ : (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون).

стр. 110

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك -نفر من الملائكة جلوس- فاستمع ما يُحَيُّوْنَكَ فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن) متفق عليه (١). - وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) رواه مسلم (٢). بيان وجه الإشكال استشكل بعض أهل العلم قوله ﷺ : (خلق الله آدم على صورته)، حيث فهموا أن القول: بإعادة الضمير على الله تعالى في هذا الحديث، يلزم منه التشبيه -تشبيه صورة آدم بصورة الله تعالى- ولذلك اختلفوا في متعلق الضمير على أقوال يأتي بيانها قريبًا إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →