← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فهذه النقول عن إمام الأئمة ﵀ تؤكد أنه لجأ إلى تأويل هذا الحديث؛ لتوهمه أن حمله على ظاهره يقتضي التشبيه، فأوله تنزيهًا لله تعالى عن صفات المخلوقين. وهذه هي الشبهة التي بنى عليها أهل الكلام مذهبهم في أسماء الله تعالى وصفاته. ولذلك عد أهل العلم هذا التأويل من ابن خزيمة زلَّة لا يجوز أن يتابع عليها، لأن فيه خروجًا عن منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهو: إجراء نصوص الصفات على ظاهرها دون التعرض لتأويلها، وإثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله ﷺ في سنته من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تمثيل ولا تكييف، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي (١) في كتابه الذي سماه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفضول) -ذكر فيه الأئمة الاثني عشر المتبوعين في العلم، وهم: الشافعي، ومالك، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان (٢) -: فأما تأويل من لم يتابعه عليه الأئمة فغير مقبول، وإن صدر

стр. 142

ذلك التأويل عن إمام معروف غير مجهول نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن خزيمة تأويل الحديث: (خلق آدم على صورته)، فإنه يفسر ذلك بذلك التأويل، ولم يتابعه عليه من قبله من أهل الحديث لما روينا عن أحمد رحمه الله تعالى، ولم يتابعه -أيضًا- من بعده ... قلت (١): وقد ذكر الحافظ أبو موسى المديني (٢) فيما جمعه من مناقب الإمام الملقب بقوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي صاحب كتاب: (الترغيب والترهيب)، قال: سمعته يقول: أخطأ محمد بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يطعن عليه بذلك، بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب. قال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قلَّ من إمام إلا وله زلة، فإذا ترك ذلك الإمام لأجل زلته، ترك كثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يفعل" (٣). وقال الذهبي في ترجمة الإمام ابن خزيمة: "وكتابه في (التوحيد) مجلد كبير، وقد تأوَّل في ذلك حديث الصورة، فليعذر من تأوَّل بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده -مع صحة

стр. 143

إيمانه وتوخيه لاتباع الحق -أهدرناه وبدعناه، لقلَّ من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه" (١). ثم إن هذا الحديث ليس في حمله على ظاهره ما يقتضي التشبيه، بل نحن نثبته ونجريه على ظاهره مع نفي التشبيه. قال قوام السنة إسماعيل التيمي: "فصل في الرد على الجهمية الذين أنكروا صفات الله ، وسموا أهل السنة مشبهة، وليس قول أهل السنة: إن لله وجهًا ويدين وسائر ما أخبر الله تعالى به عن نفسه موجبًا تشبيهه بخلقه، وليس روايتهم حديث النبي ﷺ : (خلق الله آدم على صورته) بموجبه (٢) نسبة التشبيه إليهم، بل كل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله ﷺ فهو حق، قول الله حق، وقول رسوله حق، والله أعلم بما يقول، ورسوله ﷺ أعلم بما قال، وإنما علينا الإيمان والتسليم، وحسبنا الله ونعم الوكيل" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن قيل: قوله ﷺ : (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ... )، هذا الحديث إذا حمل على صورة الله تعالى كان ظاهره: أن الله طوله ستون ذراعًا، والله تعالى -كما قال ابن خزيمة- جل أن يوصف بالذرعان والأشبار ... قيل: ليس هذا ظاهر الحديث، ومن زعم أن هذا ظاهره، أو حمله عليه فهو مفتر كذاب ملحد، فإن فساد هذا معلوم بالضرورة من العقل والدين كما تقدم، ومعلوم أيضًا عدم ظهوره من الحديث، فإن الضمير في قوله: (طوله) عائد إلى آدم الذي قيل فيه: (خلق آدم على صورته)، ثم قال: (طول آدم ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة).

стр. 144

فهذه الضمائر كلها عائدة إلى آدم، وهذا منها أيضًا، فلفظ الطول وقدره ليس داخلًا في مسمى الصورة، حتى يقال إذا قيل: (خلق الله آدم على صورته) وجب أن يكون على قدره وطوله" (١). إذا تبين هذا وهو: وجوب حمل النص على ظاهره، وأن ظاهره لا يقتضي التشبيه، فما معنى كون آدم خلق على صورة الله تعالى؟ الجواب عن هذا أن يقال: الواجب إذا جاءت الآية من كتاب الله تعالى أو صح الحديث عن رسول الله ﷺ : الإيمان والتصديق بهما، واعتقاد ما جاء فيهما، والتسليم والانقياد لهما، ولا يجوز السؤال عن كيفية ما جاء فيهما من الصفات، فإن الله تعالى أخبرنا أنه متصف بالصفات، ولم يخبرنا عن كيفية هذه الصفات، فنَكِلُ علمها إلى الله تعالى، مع اعتقادنا أنها لا تماثل صفات المخلوقين، فالله تعالى كما قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقد عقد الإمام ابن بطة (٢) بابًا بعنوان: "الإيمان بأن الله خلق آدم على صورته بلا كيف". ثم قال: "كل ما جاء من هذه الأحاديث، وصحت عن رسول الله ﷺ ففرض على المسلمين قبولها، والتصديق بها، والتسليم لها، وترك الاعتراض عليها، وواجب على من قبلها وصدَّق بها أن لا يضرب لها المقاييس، ولا يتحمل لها المعاني والتفاسير، ولكن تمر على ما جاءت ولا

стр. 145

يقال فيها: لِمَ؟ ولا كيف؟ إيمانًا وتصديقًا، ونقف من لفظها وروايتها حيث وقف أئمتنا وشيوخنا، وننتهي منها حيث انتهى بنا، كما قال المصطفى نبينا ﷺ ، بلا معارضة ولا تكذيب ولا تنقير ولا تفتيش، والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل، فإن الذين نقلوها إلينا هم الذين نقلوا إلينا القرآن وأصل الشريعة، فالطعن عليهم والرد لما نقلوه من هذه الأحاديث، طعن في الدين ورد لشريعة المسلمين، ومن فعل ذلك فالله حسبه والمنتقم منه بما هو أهله" (١)، ثم ساق ﵀ عددًا من طرق هذا الحديث. وقال الكرجي بعد ما ساق عددًا من أحاديث الصفات، والتي منها: (خلق الله آدم على صورته): " .. إلى غيرها من الأحاديث، هالتنا أو لم تهلنا، بلغتنا أو لم تبلغنا، اعتقادنا فيها وفي الآي الواردة في الصفات: أن نقبلها ولا نحرفها ولا نكيفها ولا نعطلها ولا نتأولها، وعلى العقول لا نحملها، وبصفات الخلق لا نشبهها، ولا نعمل فكرنا ورأينا فيها، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها، بل نؤمن بها ونَكِلُ علمها إلى عالمها، كما فعل ذلك السلف الصالح، وهم القدوة لنا في كل علم" (٢). وقال الذهبي ﵀: "أما معنى حديث الصورة فنرد علمه إلى الله ورسوله، ونسكت كما سكت السلف مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيء" (٣). وذهب بعض أهل العلم إلى أن معنى الحديث هو: بيان أن آدم ﵇ خلق ذا وجه متصفًا بصفة السمع والبصر والكلام، كما أن الله تعالى كذلك، فهو مخلوق على صورة الله من هذه الحيثية، ولا يلزم من ذلك المماثلة. قال ابن القيم ﵀: "وقوله: (خلق آدم على صورة الرحمن) لم يرد

стр. 146

به تشبيه الرب وتمثيله بالمخلوق، وإنما أراد به تحقيق الوجه، وإثبات السمع والبصر والكلام، صفة ومحلًا والله أعلم" (١). وقال الشيخ ابن باز ﵀: "والمعنى والله أعلم: أنه خلق آدم على صورته ذا وجه وسمع وبصر، يسمع ويتكلم ويبصر ويفعل ما يشاء، ولا يلزم أن يكون الوجه كالوجه، والسمع كالسمع، والبصر كالبصر ... وهكذا لا يلزم أن تكون الصورة كالصورة" (٢). ومما ينبغي التأكيد عليه والتنبيه إليه -هنا- أن كون الشيء على صورة الشيء: لا يلزم منه المماثلة بينهما من كل وجه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما وقدر ذواتهما، وقد تظهر السموات والقمر في صورة ماء أو مرآة في غاية الصغر، ويقال: هذه صورتها، مع العلم بأن حقيقة السموات والأرض أعظم من ذلك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر" (٣). وقال الشيخ محمد العثيمين ﵀: "الذي قال: (إن الله خلق آدم على صورته) رسول الذي قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، والرسول لا يمكن أن ينطق بما يكذب المرسِل. والذي قال: (خلق آدم على صورته) هو الذي قال: (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر) متفق عليه (٤). فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه؟ ! فإن قلت بالأول: فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين وليس لهم آناف وليس لهم أفواه، وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار!

стр. 147

وإن قلت بالثاني: زال الإشكال وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له من كل وجه" (١). وأما الجواب المفصل، فهو في الرد على كل تأويل على حِدَةٍ كما يلي: أما التأويل الأول: وهو القول بإعادة الضمير على المضروب، والاستدلال له: ١ - بأن النبي ﷺ علل النهي عن ضرب الوجه بقوله: (فإن الله خلق آدم على صورته). ٢ - وكذا استدلالهم بحديث: " (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته). فهو باطل من عدة وجوه: أحدها: أن في الصحيحين ابتداءً: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا)، وفي أحاديث أخر: (إن الله خلق آدم على صورته)، ولم يتقدم ذكر أحد يعود الضمير إليه (٢)، وما ذكر بعضهم (٣) من أن النبي ﷺ

стр. 148

رأى رجلًا يضرب رجلًا ويقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فقال: (خلق الله آدم على صورته) أي: على صورة هذا المضروب، فهذا شيء لا أصل له، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث (١). الوجه الثاني: أن ذرية آدم خُلِقُوا على صورة آدم، لم يُخْلَق آدم على صورهم، فالثاني المتأخر في الوجود خُلِقَ على صورة الأول المتقدم وجوده، وهذا ظاهر، ولا يجوز أن يقال: خُلِقَ الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود كما هو مقتضى هذا التأويل ... فإنه إذا قيل: خُلِقَ الولد على صورة أبيه أو على خَلْقِ أبيه، كان كلامًا سديدًا، وإذا قيل: خُلِقَ الوالد على صورة ولده أو على خَلْقِه كان كلامًا فاسدًا، بخلاف ما إذا ذكر التشبيه بغير لفظ الخلق وما يقوم مقامه، مثل أن يقال: الوالد يشبه ولده، فإن هذا سائغ لأن قوله: خلق، إخبار عن تكوينه وإبداعه على مثال غيره، ومن الممتنع أن الأول يكون على مثال من لم يكن بعد، وإنما يكون على مثال من قد كان. الوجه الثالث: أن يقال: هب أن هذه العلة تصلح لقوله: (لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك)، فكيف تصلح لقوله: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه؟ ) فمعلوم أن كون صورته تشبه صورة آدم لا توجب سقوط العقوبة عنه، فإن الإنسان لو كان يشبه نبيًا من الأنبياء أعظم من مشابهة الذرية لأبيهم في مطلق الصورة والوجه، ثم وجبت على ذلك الشبيه بالنبي عقوبة، لم تسقط عقوبته لهذا الشبه باتفاق المسلمين، فكيف يجوز تعليل تحريم العقوبة بمجرد المشابهة المطلقة لآدم؟ . الوجه الرابع: أن في ذرية آدم من هو أفضل من آدم، وتناول اللفظ لجميعهم واحد، فلو كان المقصود بالخطاب ليس ما يختص به آدم من ابتداء خلقه على صورة، بل المقصود مجرد مشابهة المضروب والمشتوم له،

стр. 149

لكان ذكر سائر الأنبياء والمرسلين بالعموم هو الوجه، وكان تخصيص غير آدم بالذكر أولى، كإبراهيم وموسى وعيسى -وإن كان آدم أباهم- فليس هذا المقام مقامًا له به اختصاص على زعم هؤلاء (١). الوجه الخامس: وهو قاطع أيضًا أن يقال: كون الوجه يشبه وجه آدم، مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم، فإن رأس الإنسان يشبه رأس آدم، ويده تشبه يده، ورجله تشبه رجله، وبطنه وظهره وفخذه وساقه يشبه بطن آدم وظهره وفخذه وساقه، فليس للوجه بمشابهة آدم اختصاص، بل جميع أعضاء البدن بمنزلته في ذلك، فلو صح أن يكون هذا علة لمنع الضرب، لوجب أن لا يجوز ضرب شيء من أعضاء بني آدم؛ لأن ذلك جميعه على صورة أبيهم آدم، وفي إجماع المسلمين على وجوب ضرب هذه الأعضاء في الجهاد للكفار والمنافقين وإقامة الحدود، مع كونها مشابهة لأعضاء آدم وسائر النبيين دليل على أنه لا يجوز المنع من ضرب الوجه ولا غيره لأجل هذه المشابهة. الوجه السادس: أنه لو كان علة النهي عن شتم الوجه وتقبيحه أنه يشبه وجه آدم، لَنُهِيَ -أيضًا- عن الشتم والتقبيح لسائر الأعضاء، فيقال مثلًا: لا يقولنَّ أحدكم: قطع الله يدك، ويد من أشبه يدك ... الوجه السابع: أنه قد روي من غير وجه (على صورة الرحمن) (٢)، وهذا نص صريح في عود الضمير على الله تعالى، وإبطال عوده على المضروب. - وأما دليلهم الثالث وهو: أن حمل اللفظ على ظاهره يقتضي التشبيه، فقد تقدمت الإجابة عنه بما يغني عن إعادته. وأما التأويل الثاني: وهو القول: بإعادة الضمير إلى آدم ﵇،

стр. 150

والاستدلال له بحديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ... ). فقد رده ابن قتيبة ﵀ فقال: "قال قوم من أصحاب الكلام: أراد خلق آدم على صورة آدم، لم يزد على ذلك. ولو كان المراد هذا، ما كان في الكلام فائدة، ومن يشك في أن الله تعالى خلق الإنسان على صورته، والسباع على صورها، والأنعام على صورها؟ ! وقال قوم: إن الله تعالى خلق آدم على صورة عنده، وهذا لا يجوز؛ لأن الله لا يخلق شيئًا من خلقه على مثال" (١). كما رده شيخ الإسلام ابن تيمية من عدة وجوه، فقال ﵀: "وأما قول من قال: الضمير عائد إلى آدم كما ذُكر ذلك للإمام أحمد عن بعض محدثي البصرة ويذكر ذلك عن أبي ثور، فهو كما قال الإمام أحمد: هذا تأويل الجهمية، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه (٢). وقد زعم المؤسس (٣) أنه أولى الوجوه الثلاثة، وليس كما ذكره، بل هو أفسد الوجوه الثلاثة، ولهذا لم يعدل إليه ابن خزيمة إلا عند الضرورة لرواية من روى (على صورة الرحمن)، ولقوله ابتداءً: (إن الله خلق آدم على صورته)، فأما حيث ظن أن التأويل الأول ممكن فلم يقل هذا. وبيان فساده من وجوه: أحدها: أنه إذا قيل: إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة آدم، أو: لا تقبحوا الوجه ولا يقل أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورة آدم. كان هذا من أفسد

стр. 151

الكلام، فإنه لا يكون بين العلة والحكم مناسبة أصلًا، فإن كون آدم مخلوقًا على صورة آدم، فأي تفسير فُسر ليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه ولا عن تقبيحها وتقبيح ما يشبهها، وإنما دخل التلبيس بهذا التأويل حيث فُرِّقَ الحديث فروي قوله: (إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه) مفردًا، وروي قوله: (إن الله خلق آدم على صورته) مفردًا، أما مع أداء الحديث على وجهه فإن عود الضمير إلى آدم يمتنع فيه، وذلك أن خلق آدم على صورة آدم سواء كان فيه تشريف لآدم أو كان فيه إخبار مجرد بالواقع، فلا يناسب هذا الحكم. الوجه الثاني: أن الله خلق سائر أعضاء آدم على صورة آدم، فلا فرق بين الوجه وسائر الأعضاء في هذا الحكم، فلو كان خلق آدم على صورة آدم مانعًا من ضرب الوجه أو تقبيحه، لوجب أن يكون مانعًا من ضرب سائر الأعضاء وتقبيح سائر الصور، وهذا معلوم الفساد في العقل والدين وتعليل الحكم الخاص بالعلة المشتركة من أقبح الكلام، وإضافة ذلك إلى النبي ﷺ لا يصدر إلا عن جهل عظيم أو نفاق شديد، إذ لا خلاف في علمه وحكمته، وحسن كلامه وبيانه. الوجه الثالث: أن هذا تعليل للحكم بما يوجب نفيه، وهذا من أعظم التناقض، وذلك أنهم تأولوا الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة وعلقة ومضغة، وعلى أنه لم يتكون في مدة طويلة بواسطة العناصر، وبنوه قد خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وخلقوا في مدة من عناصر الأرض (١)، فإن كانت العلة المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه كونه خلق على ذلك الوجه -وهذه العلة منتفية في بنيه- فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه وتقبيحها لانتفاء العلة فيها وهي: أن آدم هو الذي خلق على صورته دونهم، إذ هم لم يخلقوا -كما خلق آدم- على صورهم التي هم عليها، بل نقلوا من نطفة إلى علقة إلى مضغة.

стр. 152

الوجه الرابع: ما أبطل به الإمام أحمد هذا التأويل حيث قال: من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟ وهذا الوجه الذي ذكره الإمام أحمد يعم الأحاديث، يعم قوله ابتداءً: (إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا)، ويعم قوله: (لا تقبحوا الوجه)، (وإذا ضرب أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)، وذلك أن قوله: (خلق الله آدم على صورته) يقتضي أنه كان له صورة قبل الخلق خلقه عليها، فإن هذه العبارة لا تستعمل إلا في مثل ذلك. وبمثل هذا أبطلنا قول من يقول: إن الضمير عائد إلى المضروب، فإن المضروب متأخر عن آدم ولا يجوز في مثل هذا الكلام أن تكون الصورة التي خُلِقَ عليها آدمُ متأخرةً عن حين خلقه، سواء كانت هي صورته أو صورة غيره ... فمن المعلوم بالضرورة أنه لم تكن لآدم صورة خلق عليها قبل صورته التي خلقها الله تعالى (١). الوجه الخامس: أن جميع ما يذكر من التأويل كقول القائل: خلق آدم على صورة آدم، موجود نظيره في جميع المخلوقات، فإنه إن أريد بذلك على صورتها الثابتة في القدر في علم الله وكتابه، أي: على صفتها التي هي عليها أو غير ذلك، فهذا موجود نظيره في سائر المخلوقات من السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والجن والبهائم، بل وذرية آدم كذلك فإنهم خلقوا على صورهم، كما يذكرونه في معنى قولهم: خلق الله آدم على صورة آدم، فإن كون آدم على صورته يعني شبحًا موجودًا في صور هذه الأمور. وأما كونه خلق على هذه الصورة ابتداءً أو في غير مدة، فإنه لم يخلق إلا من حال إلى حال من التراب ثم من الطين ثم من الصلصال، كما خلق

стр. 153

بنوه من النطفة ثم العلقة ثم المضغة، فلا منافاة في الحقيقة بين الأمرين، فإذا جاز أن يقال في أحدهما: إنه خلق على صورته مع تنقله في هذه الأطوار، جاز أن يقال في الآخر: إنه خلق على صورته مع تنقله في هذه الأطوار، وإذا كان كذلك -ومن المعلوم بالاتفاق أن قوله: (خلق آدم على صورته) هي من خصائص آدم، وإن كان بنوه تبعًا له في ذلك كما خلقه الله بيديه وأسجد له ملائكته- علم بطلان ما يوجب الاشتراك ويزيل الاختصاص. الوجه السادس: أن المعنى الذي تدل عليه هذه العبارة التي ذكروها هو من الأمور المعلومة ببديهة العقل التي لا يحسن بيانها والخطاب بها لتعريفها، بل لأمر آخر فإن قول القائل: إن الشيء الفلاني خلق على صورة نفسه، لا يدل لفظه على غير ما هو معلوم بالعقل، لأن كل مخلوق فإنه خلق على الصورة التي خلق عليها، وهذا المعنى مثل أن يقال: أوجد الله الشيء كما أوجده، وخلق الله الأشياء على ما هي عليه وعلى الصورة التي هي عليها، ونحو ذلك مما هو معلوم ببديهة العقل، ومعلوم أن بيان هذا وإيضاحه قبيح جدًا. الوجه السابع: أن الحديث روي من وجوه بألفاظ تبطل عود الضمير إلى آدم مثل قوله: (لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)، وقوله في الطريق الآخر من حديث أبي هريرة: (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن) " (١). وأما قول أصحاب هذا التأويل: إن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه! فقد تقدمت الإجابة عنه. وأما القول الثالث: وهو القول بإعادة الضمير إلى الله تعالى، وجعل إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فهو باطل من عدة وجوه أيضًا:

стр. 154

أحدها: أنه لم يكن قبل خلق آدم صورة مخلوقة خلق آدم عليها، فقول القائل: على صورة مخلوقة لله -وليس هناك إلا صورة آدم- بمنزلة قوله: على صورة آدم، وقد تقدم إبطال هذا من وجوه كثيرة. الوجه الثاني: أن إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها كالناقة والبيت والأرض والفطرة التي هي المفطورة، فأما الصفات القائمة بغيرها مثل العلم والقدرة والكلام والمشيئة، إذا أضيفت كانت إضافة صفة إلى موصوف، وهذا هو الفرق بين الأمرين، وإلا التبست الإضافة التي هي إضافة صفة إلى موصوف، والتي هي إضافة مملوك ومخلوق إلى المالك والخالق، وذلك هو ظاهر الخطاب في الموضعين، لأن الأعيان القائمة بنفسها قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله، فيعلمون أنها ليست إضافة صفة، وأما الصفات القائمة بغيرها فيعلمون أنه لا بد لها من موصوف تقوم به وتضاف إليه، فإذا أضيفت علم أنها أضيفت إلى الموصوف التي هي قائمة به، وإذا كان كذلك فالصورة قائمة بالشيء المصور، فصورة الله كوجه الله ويد الله وعلم الله وقدرة الله ومشيئة الله وكلام الله، يمتنع أن تقوم بغيره. الوجه الثالث: أن سائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله خلق ذلك جميعه، فينبغي أن يضاف سائر الأعضاء إلى الله بهذا الاعتبار، حتى يقال: يد الله ووجه الله وقدمه ونحو ذلك، لأن الله قد خلقها؟ ! . الوجه الرابع: أن قوله: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)، لو كانت الإضافة فيه إضافة خلق وملك لوجب ألا يضرب شيء من الأعضاء، لأن إضافته إلى خلق الله وملكه كإضافة الوجه سواء. الوجه الخامس: أن هذا الوجه المضروب هو في كونه مخلوقًا مملوكًا لله، بمنزلة الصورة المملوكة لله، فلو كان قد نهي عن ضرب

стр. 155

هذا (١) لكونه ذاك (٢)، لكان هذا التشبيه من باب العبث، لأن العلة في المشبه به، مثل من يقول لأحد بنيه: إنما أكرمتك لأنك مثل ابني الآخر في معنى البنوة، أو يقول لعبده: إنما أعطيتك لأنك مثل عبدي الآخر في معنى العبودية، وهما مشتركان في هذا. الوجه السادس: أنه من المعلوم أن جميع ما يضرب ويشتم من الموجودات، هو مخلوق مملوك لله، وهذا يوجب ألا يضرب مخلوق ولا يشتم مخلوق. الوجه السابع: أن قوله: (لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته) يدل على أن المانع هو مشابهة وجهه لصورة الله، فلو أريد صورة يخلقها الله، لكان كونه هو في نفسه مخلوقًا لله أبلغ من كونه مشبِهًا لما خلقه الله، فيكون عدولًا عن التعليل بالعلة الكاملة إلى ما يشبهها. الوجه الثامن: أن العلم بأن الله خلق آدم هو من أظهر العلوم عند العامة والخاصة، فإذا لم يكن في قوله: (على صورته) معنى، إلا أنها الصورة التي خلقها وهي ملكة، لكان قوله: خلق آدم، كافيًا، لأن قوله: خلق آدم، و (خلق آدم على صورته) سواء على هذا التقدير، وإن ادُعي أن في الإضافة بمعنى الخلق تخصيصًا، فكذلك يكون في لفظ خلق (٣). وأما القول الرابع: وهو المروي عن الإمام مالك في إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، والقدح في بعض رواته، كابن عجلان وأبي الزناد. فالجواب عنه ما ذكره الذهبي ﵀، حيث قال بعد ما ساق الرواية عن الإمام مالك في إنكاره الحديث: "قلت: الحديث في أن الله خلق آدم

стр. 156

على صورته، لم ينفرد به ابن عجلان، فقد رواه همام عن قتادة، عن أبي موسى أيوب، عن أبي هريرة (١). - ورواه شعيب وابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (٢). - ورواه معمر عن همام، عن أبي هريرة (٣). - ورواه جماعة كالليث بن سعد وغيره عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة (٤). - ورواه شعيب -أيضًا- وغيره عن أبى الزناد، عن موسى بن أبى عثمان، عن أبي هريرة (٥).

стр. 157

- ورواه جماعة عن ابن لهيعة، عن الأعرج وأبي يونس، عن أبي هريرة (١). - ورواه جرير عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ (٢). وله طرق أخر ... وهو مخرج في الصحاح. وأبو الزناد (٣) فعمدة في الدين، وابن عجلان (٤) صدوق من علماء المدينة وأجلائهم ومفتيهم، وغيره أحفظ منه" (٥). وقد اعتُذر للإمام مالك ﵀ بأنه نهى عن التحديث بهذا الحديث: خشية أن يقع بعض الجهال بتشبيه الله تعالى بخلقه، فنهيه عن التحديث به من باب سد الذريعة، وقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان

стр. 158

لبعضهم فتنة" (١). قال الإمام ابن عبد البر (٢): "وإنما كره ذلك مالك، خشية الخوض في التشبيه بكيف ها هنا" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ... على أن علماء الأمة لم تنكر إطلاق القول: بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن، بل كانوا متفقين على إطلاق مثل هذا. وكراهة بعضهم لرواية ذلك في بعض الأوقات له نظائر، فإن الشيء قد يمنع سماعه لبعض الجهال، وإن كان متفقًا عليه بين علماء المسلمين" (٤). ومما يؤيد ذلك ما ذكره الحافظان ابن عبد البر وابن حجر عليهما رحمة الله من أن الإمام مالكًا كان يكره التحديث بأحاديث الصفات (٥)، والله تعالى أعلم. وهذا الاعتذار متوجه في نهيه عن التحديث بهذا الحديث، وأما إنكاره له فغير متوجه فيه، لأنه لا يليق بإمام دار الهجرة أن ينكر حديثًا صحيحًا من أجل سد الذريعة، فإن هذا لا يجوز.

стр. 159

فالنهي عن التحديث بالحديث -في بعض الأوقات أو الأماكن- شيء، وإنكاره شيء آخر، ولذلك جزم الذهبي رحمه الله تعالى بأن إنكار مالك لهذا الحديث لأنه لم يثبت عنده (١)، ويؤيد ذلك أنه قدح في بعض رواته، والله أعلم. وقد طعن الألباني في صحة هذه الرواية عن الإمام مالك ﵀، لضعف مقدام بن داود شيخ العقيلي، والذي ساق العقيلي هذه القصة من طريقه، فقال ﵀: "مقدام هذا ... مُتَكَلَّم فيه، بل قال النسائي (٢) فيه: (ليس بثقة)، فلا يجوز أن ينسب بروايته إلى الإمام مالك أنه أنكر حديثًا صحيحًا" (٣). ولكن هذه القصة لم ينفرد بها مقدام، فقد ساقها ابن عدي ﵀ من طريق آخر عن أبي زيد بن أبي الغمر، عن ابن القاسم، عن الإمام مالك (٤) ﵀، فهذه المتابعة من ابن عدي يعتضد بها طريق العقيلي. وذكرها -أيضًا- حافظ المغرب ابن عبد البر عن أُصْبُغ بن الفرج، وعيسى بن مثرود، عن ابن القاسم (٥)، ولم يتعقبها بتضعيف، بل اعتذر له بأنه كره ذلك خشية الخوض بالتشبيه -كما تقدم- مع أن ابن عبد البر يعتبر

стр. 160

من محققي المذهب المالكي، ولذا فهو يتحرى الدقة فيما ينقل عن إمام المذهب، فهذا الصنيع منه يشعر بإقراره لهذه القصة، والله أعلم. كما ذكر هذه القصة -أيضًا- الذهبي من طريق ابن عدي مقرًا لها، وعلق عليها بقوله: "قلت: أنكر الإمام ذلك، لأنه لم يثبت عنده، ولا اتصل به، فهو معذور" (١). فهذه القصة رواها أربعة عن عبد الرحمن بن القاسم ﵀ وهم: ١ - أبو زيد بن أبي الغمر، كما عند العقيلي وابن عدي. ٢ - الحارث بن مسكين، كما عند العقيلي. ٣ - أُصْبُغ بن الفرج، كما ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد. ٤ - عيسى بن مثرود، كما ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد. فالطعن فيها غير متوجه، وإنكار الإمام مالك محمول على ما ذكره الذهبي من أن هذا الحديث لم يثبت عنده، والله أعلم. * * *

стр. 161

المطلب الرابع: في بيان معنى قوله ﷺ : (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون) جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن ناسًا قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : (هل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ ) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (هل تُضَارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ ) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط ... ). قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يَرُدُّ عليه من حديثه شيئًا، حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل: (ومثله معه)، قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: (ذلك لك ومثله معه)، قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: (ذلك لك وعشرة أمثاله)، قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا الجنة (١).

стр. 162

وجاء معناه -أيضًا- في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن ناسًا في زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : (نعم قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب؟ ) قالوا: لا يا رسول الله (قال: ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كلما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغُبَّرِ أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم أَلَا تَرِدُون، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم أَلَا تَرِدُون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول:

стр. 163

هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة (١)، فقال: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم ... ) (٢). وفي رواية للبخاري: (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة ... ) (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما هذا الخبر -في الجملة- فهو متواتر عند أهل العلم بالحديث، ورواته -من التابعين وأتباعهم- من أجل الأمة قدرًا في العلم والدين، وهو معروف عن عدد من الصحابة" (٤). وقال أيضًا: "هذان الحديثان من أصح الأحاديث" (٥). وقال عن الحديث الأول: "فهذا الحديث من أصح حديث على وجه الأرض" (٦). هذه الأحاديث تدل دلالةً واضحة على إثبات الصورة لله تعالى -كما

стр. 164

تقدم في المطلب الثالث -والغرض من سياقها هنا هو بيان معنى قوله ﷺ : (فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون) وأنه على ظاهره، فهو يدل على أنهم رأوه رؤية متقدمة على هذه الرؤية في غير هذه الصورة، وقد جاء هذا المفهوم صريحًا في رواية البخاري: (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة). كما تدل هذه الأحاديث على أن الله تعالى هو نفسه الذي يتحول من صورة إلى صورة، كما هو صريح رواية مسلم: (وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة). وتدل -أيضًا- على أن رؤية المؤمنين لربهم تتكرر في ذلك الموقف (١)، وأن الله تعالى أتاهم ثلاث مرات في صور متغايرة:

стр. 165

الأولى: وهي التي عرفوه فيها، ويدل عليها قوله ﷺ في الروايات المتقدمة: ( ... التي رأوه فيها أول مرة)، وكذا قوله: (فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون)، فإن هذه المعرفة تدل على رؤية متقدمة على هذه الرؤية في غير هذه الصورة.

стр. 166

الثانية: وهي التي جاءهم فيها في غير صورته التي رأوه فيها أول مرة (١)، وهي المرادة بقوله ﷺ : (فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون)، وقد أنكروا هذه الصورة لأنها مغايرة للصورة الأولى، فهي أدنى منها كما في رواية: (أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها)، وقد فعل الله تعالى ذلك امتحانًا لهم، فلما أنكروه عرَّفهم نفسه بالآية التي يعرفون، وهي الساق، فإنه لما كشفه خَرُّوا له سجدًا. وأما الثالثة: فهي التي تحول فيها من الصورة السابقة إلى الصورة التي رأوه فيها أول مرة، وذلك حال سجودهم كما في رواية مسلم: (فيرفعون رؤسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة)، وهي المرادة بقوله ﷺ -في حديث أبي هريرة-: (فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون ... ). وقد ذهب بعض أهل العلم والحديث كأبي عاصم النبيل (٢)، والدارمي (٣)، عليهما رحمة الله إلى تأويل هذا الحديث وصرفه عن ظاهره:

стр. 167

فقد حُكي عن أبي عاصم أنه قال: "ذلك تغيّر يقع في عيون الرائين، كنحو ما يتخيل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو به، فيتوهم الشيء على الحقيقة" (١). وقال الدارمي في رده على المريسي حين أنكر هذا الحديث واعترض عليه -مدعيًا أنه يتضمن شك المؤمنين في معبودهم؛ لأنهم يقولون: (نعوذ بالله منك)، وذلك إذا أتاهم في صورة غير صورته التي يعرفون-: "ويلك إن هذا ليس بشك وارتياب منهم، ولو أن الله تجلى لهم أول مرة في صورته التي عرفهم صفاتها في الدنيا، لاعترفوا بما عرفوا، ولم ينفروا، ولكنه يري نفسه في أعينهم، لقدرته ولطف ربوبيته في صورة غير ما عرفهم الله صفاتها في الدنيا، ليمتحن بذلك إيمانهم ثانية في الآخرة كما امتحن في الدنيا، ليثبتهم أنهم لا يعترفون بالعبودية في الدنيا والآخرة إلا للمعبود الذي عرفوه في الدنيا بصفاته التي أخبرهم بها في كتابه، واستشعرتها قلوبهم حتى ماتوا على ذلك، فإذا مثل في أعينهم غير ما عرفوا من الصفة نفروا وأنكروا، إيمانًا منهم بصفة ربوبيته التي امتحن قلوبهم في الدنيا، فلما رأى أنهم لا يعرفون إلا التي امتحن الله قلوبهم، تجلى لهم في الصورة التي عرفهم في الدنيا فآمنوا به وصدقوا، وماتوا، ونشروا عليه (٢)، من غير أن يتحول الله من صورة إلى صورة، ولكن يمثل ذلك في أعينهم بقدرته، فليس هذا أيها المريسي بشك منهم في معبودهم، بل هو زيادة يقين وإيمان به مرتين ... ويلك إن الله لا تتغير صورته ولا تتبدل، ولكن يمثل في أعينهم يومئذ، أولم تقرأ كتاب الله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]، وهو

стр. 168

الفعال لما يشاء، كما مثل جبريل ﵇ مع عظم صورته وجلالة خلقه في عين رسول الله ﷺ صورة دحية الكلبي، وكما مثله لمريم بشرًا سويًا، وهو ملك كريم في صورة الملائكة، وكما شبه في أعين اليهود أن قالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] " (١). ولا ريب أن هذا تأويل باطل مخالف لظاهر هذه النصوص، ويتضح بطلانه من عدة وجوه: الوجه الأول: أن في حديث أبي سعيد المتقدم (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة)، وفي لفظ: (في أدنى صورة من التي رأوه فيها)، وهذا يفسر قوله في حديث أبي هريرة (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون)، ويبين أن تلك المعرفة كانت لرؤية منهم في صورة غير الصورة التي أنكروه فيها. وما ذهب إليه الدارمي من جعل صورته التي يعرفون، هي التي عرَّفهم صفاتها في الدنيا، فغير صحيح، لأنه أخبر أنها الصورة التي رأوه فيها أول مرة، لا أنهم عرفوها بالنعت في الدنيا، ولفظ الرؤية صريح في ذلك. الوجه الثاني: أنهم لا يعرفون في الدنيا لله صورة معينة، ولم يروه في الدنيا في صورة، فإن ما وصف الله تعالى به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ لا يوجب لهم صورة يعرفونها، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ولو كانوا أرادوا الصفات المخبر بها في الدنيا لذكروا ذلك، فعلم أنهم لم يطيقوا وصف الصورة التي رأوه فيها أول مرة، وقد قال النبي ﷺ في سدرة المنتهى: (فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرَتْ، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها)، رواه مسلم (٢).

стр. 169

فالله أعظم من أن يستطيع أحد أن ينعت صورته، وهو سبحانه وصف نفسه لعباده بقدر ما تحتمله أفهامهم، ومعلوم أن قدرتهم على معرفة الجنة بالصفات -التي ذكرها الله ورسوله- أيسر، ومع هذا فقد قال ﷺ : (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، متفق عليه (١). فالخالق أولى أن يكونوا لا يطيقون معرفة صفاته كلها. الوجه الثالث: أن في حديث أبي سعيد -المتقدم-: (فيرفعون رؤسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة)، وهذا نص صحيح صريح في أن الذي يتحول هو الله نفسه، لا أنه تغير في عيون الرائين، كما في هذا التأويل. وقول الدارمي: "من غير أن يتحول من صورة إلى صورة، ولكن يمثل ذلك في أعينهم" مخالف لهذا النص. الوجه الرابع: أنه في عدة أحاديث، كحديث أبي سعيد قال: (هل بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقه فيسجدون له). وهذا يبين أنهم لم يعرفوه بالصفة التي وصف لهم في الدنيا، بل بآية وعلامة عرفوها بالموقف. الوجه الخامس: أن تمثيل الدارمي بقوله: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] لا يناسب تشبيهه بمجيء جبريل في صورة دحية والبشر، وذلك أن اليهود غلطوا في الذي رأوه، فلم يكن هو المسيح ولكن ألقي شبهه عليه، والذي رأته مريم، ومحمد ﷺ هو جبريل نفسه ولكن في صورة آدمي، فكيف يقاس ما رُئي هو نفسه في صورة على ما لم يُر هو، وإنما ألقى شبهه على غيره. الوجه السادس: أن هذا المعنى -وهو التمثيل- إذا قصد كان مقيدًا

стр. 170

بالرائي لا بالمرئي مثل قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤]، فقيد ذلك بأعين الرائين، ويقال: كان هذا في عين فلان رجلًا فظهر امرأةً، وكان كبيرًا فظهر صغيرًا، ونحو ذلك، ولا يقال: جاء فلان في صورة كذا، ثم تحول في صورة كذا، ويكون التصوير في عين الرائي فقط، هذا لا يقال في مثل هذا أصلًا (١). * * *

стр. 171

المبحث الثاني: (وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 172

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال عن أبي هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) متفق عليه (١). وفي رواية لمسلم: (إن الله قال: إذا تلقاني عبدي بشبر تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع أتيته بأسرع). وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ ، يرويه عن ربه، قال: (إذا تقرب العبد إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إليَّ ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)، رواه البخاري (٢). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا

стр. 173

يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة)، رواه مسلم (١). بيان وجه الإشكال أن الهرولة (٢) الواردة في هذا الحديث، هل يصح أن تثبت صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، أم أن لها معنى آخر يقتضيه السياق فتحمل عليه؟ في هذا اختلف أهل العلم، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 174

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في معنى قوله: (وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) على قولين: الأول: أن المراد به ضرب مثل لكرم الله وجوده على عبده، ومعناه: أن العبد إذا تقرب إلى الله تعالى بالطاعة والأعمال الصالحة، تقرب الله إليه بالثواب والرحمة والكرامة ومضاعفة الأجر، أو زاده قربًا إليه، فمثَّل القليل من الطاعة بالشبر -أي قدر شبر- والزيادة عليه بالذراع، وبذل الجهد من الطاعة بالمشي، وقابل كلًا منها بما هو أقوى وأزيد، تكرمًا منه وفضلًا. وعليه، فلا يؤخذ من هذا الحديث إثبات الهرولة صفة لله تعالى. وهذا التفسير للحديث هو ظاهر كلام قتادة -رحمه الله تعالى- حيث قال بعد روايته لهذا الحديث: "والله أسرع بالمغفرة" (١). كما أنه مروي عن الأعمش (٢) وهو قول إسحاق بن راهويه وابن قتيبة

стр. 175

وأبي يعلى وابن تيمية، عليهم رحمة الله، وإليه ذهب الشيخ عبد الله الغنيمان (١) وعليه عامة أهل التأويل من شراح الحديث وغيرهم (٢). قال الترمذي: "ويروى عن الأعمش في تفسير هذا الحديث: من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، يعني: بالمغفرة والرحمة، وهكذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، قالوا: إنما معناه يقول: إذا تقرب إليَّ العبد بطاعتي وما أمرت، أُسْرِع إليه بمغفرتي ورحمتي" (٣). وقال إسحاق بن راهويه في معنى هذا الحديث: "يعني: من تقرب إلى الله شبرًا بالعمل تقرب الله إليه بالثواب باعًا" (٤). وقال ابن قتيبة: "وإنما أراد: من أتاني مسرعًا بالطاعة، أتيته بالثواب أسرع من إتيانه فكنى عن ذلك بالمشي والهرولة" (٥). وقال أبو يعلى: "تقرب العبد إليه بالأعمال الصالحة، وأما تقربه إلى عبده فبالثواب والرحمة والكرامة" (٦). وقال ابن تيمية: "ولا ريب أن الله تعالى جعل تقربه من عبده جزاءً

стр. 176

لتقرب عبده إليه؛ لأن الثواب أبدًا من جنس العمل، كما قال في أوله: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم) ... وإذا كان كذلك فظاهر الخطاب أن أحد التقديرين من جنس الآخر، وكلاهما مذكور بلفظ المساحة ... ومن المعلوم أنه ليس ظاهر الخطاب أن العبد يتقرب إلى الله بحركة بدنه، شبرًا وذراعًا ومشيًا وهرولة، ولكن قد يقال: عدم ظهور هذا للقرينة الحسية العقلية، وهو أن العبد يعلم أن تقربه ليس على هذا الوجه" (١). وقال أيضًا: "فكلما تقرب العبد باختياره قدر شبر زاده الرب قربًا إليه، حتى يكون كالمتقرب بذراع" (٢). واستدل هؤلاء بما يلي: ١ - دلالة السياق، فإنه قال: (ومن أتاني يمشي ... )، ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله لا يتقرب إليه بالمشي فقط، بل يكون تارة بالمشي كالسير إلى المساجد، ومشاعر الحج، والجهاد في سبيل الله ونحوها، وتارة يكون بغير المشي كالصيام، والركوع والسجود ونحوها، وقد قال ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء)، رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (٣). قالوا: وإذا كان ذلك كذلك صار المراد بالحديث: مجازاة الله تعالى العبد على عمله، وكان هذا هو ظاهر الحديث، بدلالة هذه القرينة المفهومة من السياق، وليس تفسيره بهذا خروجًا بالحديث عن ظاهره، بل هو ظاهره (٤).

стр. 177

وأما أهل التأويل فإنهم قالوا بهذا القول: فرارًا من التشبيه والتمثيل، حيث زعموا -كعادتهم- أن حمل اللفظ على ظاهره وحقيقته يلزم منه التشبيه (١)، ولذلك أوجبوا صرفه عن ظاهره على حد زعمهم. فأهل التأويل، وإن قالوا: بهذا القول، إلا أنهم لا يجعلونه هو ظاهر الحديث بل يجعلونه مجازًا فيه، فمنزعهم في هذا القول يختلف عن منزع القائلين به من أهل السنة. قال النووي: "هذا الحديث من أحاديث الصفات، ويستحيل إرادة ظاهره" (٢). وقال ابن حجر: "والحاصل أن الثواب راجح على العمل، بطريق الكم والكيف، ولفظ القرب والهرولة مجاز على سبيل المشاكلة، أو الاستعارة، أو إرادة لوازمها" (٣). ٢ - استدل أبو يعلى ﵀ بأن الحديث جاء مفسرًا في بعض ألفاظه، حيث روي بلفظ: (من جاء يمشي أقبل الله إليه بالخير يهرول) (٤)، لكن إسناده ضعيف. ولكن جاء هذا الحديث عند ابن حبان من طريق أبي هريرة ﵁ بلفظ: (وإذا أتاني مشيًا أتيته هرولة، وإن هرول سعيت إليه، والله أوسع بالمغفرة) (٥).

стр. 178

وجاء عند الإمامِ أحمد من طريق أبي هريرة ﵁ -أيضًا- بلفظ (وإن تقرب العبد مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا جاءني يمشي جئته أهرول، له المن والفضل) (١). القول الثاني: أن (الهرولة) صفة فعلية خبرية، ثابتة لله تعالى بهذا الحديث: (وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة). وقد صرح بكونها صفة لله تعالى بعض العلماء المعاصرين، كأعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، والشيخ محمد العثيمين ﵀، وقد أطال النفس في تقرير وإثبات ذلك. وعلى هذا القول ظاهر كلام الهروي وأبي موسى المديني، عليهما رحمة الله: أما الهروي فقد عقد بابًا بعنوان: "باب الهرولة لله " (٢)، ثم ساق تحته هذا الحديث. وأما أبو موسى المديني فقد قال: "في الحديث عن الله ﵎: (من أتاني يمشي أتيته هرولة)، وهي مشي سريع بين المشي والعدو" (٣). وأما اللجنة الدائمة فقد قالوا -بعد أن سُئلوا: هل لله صفة الهرولة؟ -: "نعم، صفة الهرولة على نحو ما جاء في الحديث القدسي الشريف على ما يليق به" (٤). وقد وقع على هذه الفتوى كل من: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ

стр. 179

عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الله بن قعود. وقال الشيخ محمد العثيمين ﵀: "صفة الهرولة ثابتة لله تعالى كما في الحديث الصحيح ... وهذه الهرولة صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها، من غير تكييف ولا تمثيل، لأنه أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بنفسه، فوجب علينا قبولها بدون تكييف، لأن التكييف قول على الله بغير علم، وهو حرام، وبدون تمثيل لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " (١). وأجاب ﵀ عن استدلال أصحاب القول الأول، بأن التقرب إلى الله تعالى لا يختص بالمشي فقال: "الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر، فيكون المعنى: من أتاني يمشي في عبادة تفتقر إلى المشي، لتوقفها عليه بكونه وسيلة لها، كالمشي إلى المساجد للصلاة، أو من ماهيتها، كالطواف والسعي، والله تعالى أعلم" (٢). وعمدة أصحاب هذا القول هو هذا الحديث، فقالوا: إن ظاهره يدل على إثبات هذه الصفة لله تعالى (٣). * * *

стр. 180

المطلب الثالث: الترجيح قبل ترجيح أيٍّ من القولين السابقين لا بُدَّ من التذكير بقاعدتين هامتين في هذا الباب: القاعدة الأولى: أن الواجب في نصوص الكتاب والسنة إجراؤها على ظاهرها، دون التعرض لها بتحريف أو تعطيل، لا سيما نصوص الصفات، لأنه لا مجال للرأي فيها (١). قال القاضي أبو يعلى عن أخبار الصفات: "والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى، لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها" (٢). القاعدة الثانية: أن المراد بظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق آخر (٣). وعليه، فإنه لا يجوز طرد معنى من معاني اللفظ في كل سياق ورد فيه، لمجرد أن اللفظ يحتمله، بل لا بد من النظر إلى معناه مقترنًا بسياقه الذي ورد فيه، و"كل لفظ موجود في كتاب الله ورسوله، فإنه مقيد بما يبين معناه" (٤).
следующие страницы →