← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لتقرب عبده إليه؛ لأن الثواب أبدًا من جنس العمل، كما قال في أوله: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم) ... وإذا كان كذلك فظاهر الخطاب أن أحد التقديرين من جنس الآخر، وكلاهما مذكور بلفظ المساحة ... ومن المعلوم أنه ليس ظاهر الخطاب أن العبد يتقرب إلى الله بحركة بدنه، شبرًا وذراعًا ومشيًا وهرولة، ولكن قد يقال: عدم ظهور هذا للقرينة الحسية العقلية، وهو أن العبد يعلم أن تقربه ليس على هذا الوجه" (١). وقال أيضًا: "فكلما تقرب العبد باختياره قدر شبر زاده الرب قربًا إليه، حتى يكون كالمتقرب بذراع" (٢). واستدل هؤلاء بما يلي: ١ - دلالة السياق، فإنه قال: (ومن أتاني يمشي ... )، ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله لا يتقرب إليه بالمشي فقط، بل يكون تارة بالمشي كالسير إلى المساجد، ومشاعر الحج، والجهاد في سبيل الله ونحوها، وتارة يكون بغير المشي كالصيام، والركوع والسجود ونحوها، وقد قال ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء)، رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (٣). قالوا: وإذا كان ذلك كذلك صار المراد بالحديث: مجازاة الله تعالى العبد على عمله، وكان هذا هو ظاهر الحديث، بدلالة هذه القرينة المفهومة من السياق، وليس تفسيره بهذا خروجًا بالحديث عن ظاهره، بل هو ظاهره (٤).

стр. 177

وأما أهل التأويل فإنهم قالوا بهذا القول: فرارًا من التشبيه والتمثيل، حيث زعموا -كعادتهم- أن حمل اللفظ على ظاهره وحقيقته يلزم منه التشبيه (١)، ولذلك أوجبوا صرفه عن ظاهره على حد زعمهم. فأهل التأويل، وإن قالوا: بهذا القول، إلا أنهم لا يجعلونه هو ظاهر الحديث بل يجعلونه مجازًا فيه، فمنزعهم في هذا القول يختلف عن منزع القائلين به من أهل السنة. قال النووي: "هذا الحديث من أحاديث الصفات، ويستحيل إرادة ظاهره" (٢). وقال ابن حجر: "والحاصل أن الثواب راجح على العمل، بطريق الكم والكيف، ولفظ القرب والهرولة مجاز على سبيل المشاكلة، أو الاستعارة، أو إرادة لوازمها" (٣). ٢ - استدل أبو يعلى ﵀ بأن الحديث جاء مفسرًا في بعض ألفاظه، حيث روي بلفظ: (من جاء يمشي أقبل الله إليه بالخير يهرول) (٤)، لكن إسناده ضعيف. ولكن جاء هذا الحديث عند ابن حبان من طريق أبي هريرة ﵁ بلفظ: (وإذا أتاني مشيًا أتيته هرولة، وإن هرول سعيت إليه، والله أوسع بالمغفرة) (٥).

стр. 178

وجاء عند الإمامِ أحمد من طريق أبي هريرة ﵁ -أيضًا- بلفظ (وإن تقرب العبد مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا جاءني يمشي جئته أهرول، له المن والفضل) (١). القول الثاني: أن (الهرولة) صفة فعلية خبرية، ثابتة لله تعالى بهذا الحديث: (وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة). وقد صرح بكونها صفة لله تعالى بعض العلماء المعاصرين، كأعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، والشيخ محمد العثيمين ﵀، وقد أطال النفس في تقرير وإثبات ذلك. وعلى هذا القول ظاهر كلام الهروي وأبي موسى المديني، عليهما رحمة الله: أما الهروي فقد عقد بابًا بعنوان: "باب الهرولة لله " (٢)، ثم ساق تحته هذا الحديث. وأما أبو موسى المديني فقد قال: "في الحديث عن الله ﵎: (من أتاني يمشي أتيته هرولة)، وهي مشي سريع بين المشي والعدو" (٣). وأما اللجنة الدائمة فقد قالوا -بعد أن سُئلوا: هل لله صفة الهرولة؟ -: "نعم، صفة الهرولة على نحو ما جاء في الحديث القدسي الشريف على ما يليق به" (٤). وقد وقع على هذه الفتوى كل من: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ

стр. 179

عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الله بن قعود. وقال الشيخ محمد العثيمين ﵀: "صفة الهرولة ثابتة لله تعالى كما في الحديث الصحيح ... وهذه الهرولة صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها، من غير تكييف ولا تمثيل، لأنه أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بنفسه، فوجب علينا قبولها بدون تكييف، لأن التكييف قول على الله بغير علم، وهو حرام، وبدون تمثيل لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " (١). وأجاب ﵀ عن استدلال أصحاب القول الأول، بأن التقرب إلى الله تعالى لا يختص بالمشي فقال: "الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر، فيكون المعنى: من أتاني يمشي في عبادة تفتقر إلى المشي، لتوقفها عليه بكونه وسيلة لها، كالمشي إلى المساجد للصلاة، أو من ماهيتها، كالطواف والسعي، والله تعالى أعلم" (٢). وعمدة أصحاب هذا القول هو هذا الحديث، فقالوا: إن ظاهره يدل على إثبات هذه الصفة لله تعالى (٣). * * *

стр. 180

المطلب الثالث: الترجيح قبل ترجيح أيٍّ من القولين السابقين لا بُدَّ من التذكير بقاعدتين هامتين في هذا الباب: القاعدة الأولى: أن الواجب في نصوص الكتاب والسنة إجراؤها على ظاهرها، دون التعرض لها بتحريف أو تعطيل، لا سيما نصوص الصفات، لأنه لا مجال للرأي فيها (١). قال القاضي أبو يعلى عن أخبار الصفات: "والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى، لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها" (٢). القاعدة الثانية: أن المراد بظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق آخر (٣). وعليه، فإنه لا يجوز طرد معنى من معاني اللفظ في كل سياق ورد فيه، لمجرد أن اللفظ يحتمله، بل لا بد من النظر إلى معناه مقترنًا بسياقه الذي ورد فيه، و"كل لفظ موجود في كتاب الله ورسوله، فإنه مقيد بما يبين معناه" (٤).

стр. 181

قال ابن القيم ﵀: "السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير" (١). وقال أيضًا: "كل موضع ظهر فيه المراد بذلك التركيب والاقتران، فهو ظاهره وحقيقته، لا ظاهر له غيره، ولا حقيقة له سواه، فقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] حقيقته وظاهره أنه أجاعها بعد شبعها، وأخافها بعد أمنها، وألبس بواطنها ذل الجوع والخوف" (٢). وبناءً على ما تقدم، فإن لفظ الهرولة وإن كان معناه: الإسراع في المشي، إلا أنه لا يقتضي أن يكون هذا معناه المراد منه في كل سياق ورد فيه، وإنما السياق هو الذي يحدد معناه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وهو يتحدث عن قرب الله تعالى: "ولا يلزم من جواز القرب عليه، أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دلَّ على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا حمل عليه" (٣). فالهرولة في هذا الحديث معناها: مجازاة الله تعالى وإثابته لعبده بأكمل وأفضل من عمله -على ما جاء في القول الأول- وليس المراد بها: المشي السريع، فتثبت صفةً لله تعالى، كما أن تقرب العبد بالشبر والذراع لا يراد به حقيقة الشبر والذراع، وإنما يراد به قدرهما، وإلا فما موضع

стр. 182

العبادات القلبية -والتي هي من أعظم العبادات وعليها تنبني أعمال الجوارح- كالخوف والرجاء والمحبة والتوكل ... ؟ وكذا العبادات القولية كالذكر والدعاء والاستغفار، هل نخرجها من هذا الحديث؟ ! وليس هذا تأويلًا للحديث وحملًا له على غير ظاهره، بل هو حقيقة معناه، وظاهر سياقه، وقد بيَّنا -فيما تقدم- أن ظاهر اللفظ: هو ما ظهر منه في السياق الذي ورد فيه، لا ما ظهر منه في سياق آخر. ثم إن من جعل تقرب العبد الوارد في الحديث، لا يراد به التقرب بالمساحة المذكورة -وهو الحق كما تقدم- فإنه يلزمه أن يجعل تقرب الله تعالى كذلك، لأن ظاهر الخطاب أن أحد التقديرين من جنس الآخر، وكلاهما مذكور بلفظ المساحة (١)، ومن فرق بينهما فقد تناقض. ومثل هذا الحديث ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: (من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتةً جاهلية)، وفي رواية: (من فارق الجماعة شبرًا) (٢). فإنه لا يفهم من ظاهره أن المراد بالشبر شبر المساحة، وإنما المراد به كما هو ظاهر سياقه: التمثيل والتقريب، ومعناه: النهي عن معصية السلطان، ومفارقة الجماعة، ولو بأقل القليل. قال الحافظ ابن حجر: "قوله: (شبرًا): هي كناية عن معصية السلطان ومحاربته، قال ابن أبي جمرة (٣): المراد بالمفارقة: السعي في حل عقد

стр. 183

البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق" (١). ومثله -أيضًا- قوله ﷺ ، كما في حديث أبي هريرة: (ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأً أو معاذًا فليعذ به)، متفق عليه (٢). إذ ليس المراد به ذات القعود وذات القيام، وإنما المراد به: التنبيه على عظم وخطر الدخول فيها، والحض على تجنبها، والإمساك عن التشبث بشيء منها، وأن بلاءها بقدر مبلغ الإنسان منها، ودخوله فيها، ولهذا حض النبي ﷺ على الهروب عنها (٣). والقول: بهذا المعنى للهرولة، ليس هروبًا من إثباتها صفةً لله تعالى؛ لأنها توهم معنى فاسدًا -كما هو منهج نفاة الصفات-، وإنما لأن سياق الحديث وظاهره يدل عليه، ولو لم يرد في السياق ما يدل عليه لتعين إثباتها صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله، ولذلك فقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات صفة المجيء والإتيان له سبحانه على ما يليق بجلاله، لدلالة النصوص الصحيحة عليهما (٤)، والهرولة من جنسهما، ولكن لأنه لم يدل دليل صريح على إثباتها صفة لله تعالى فإنه لا يتوجه إثباتها صفة له، والله أعلم.

стр. 184

ثم إن الهرولة جاءت في الحديث مقيدة، فالله يأتي هرولة لمن أتاه يمشي، ولم تأتِ مطلقة كبقية الصفات المطلقة، ولذا فمن أثبتها صفة لله تعالى ينبغي له تقييدها بما قيدت به في الحديث، فلا يجعلها صفة لله تعالى على وجه الإطلاق. فإن قيل: تفسير الحديث بهذا المعنى، فيه حجة لأهل التأويل في تأويلهم، وإلزام لنا بموافقتهم، أو مداهنتهم فيما أولوه من صفات الله (١). قيل: هذا الإيراد مبني على اعتقاد أن هذا المعنى: تأويل للحديث وصرف له عن ظاهره، وقد تقدم بيان أن القول بهذا المعنى عمل بظاهر الحديث وليس تأويلًا له. وقد قال الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله تعالى- عن هذا القول: إن له حظًا من النظر (٢)، مع أنه قد انتصر للقول الثاني. ثم إن أهل السنة في إثبات الصفات لله تعالى وغيرها ينطلقون من دلالة نصوص الكتاب والسنة -ولذلك نلاحظ أن كلًا من أصحاب القولين السابقين ممن هم من أهل السنة يرى أنه قد عمل بظاهر الحديث- لا من مجرد مخالفة أهل التأويل. وأما ما قيل في معنى: (وإذا أتاني يمشي .. ) أي: في عبادة تفتقر إلى المشي، فبعيد عن ظاهر الحديث، وهل يقال مثل ذلك في رواية: (وإن هرول سعيت إليه) (٣) فيكون المعنى: في عبادة تفتقر إلى الهرولة؟ ! لا ريب أن هذا تكلف ظاهر، والله أعلم. * * *

стр. 185

المبحث الثالث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 186

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة)، متفق عليه (١). وفي لفظ آخر: (لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحدًا، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر)، متفق عليه (٢). بيان وجه الإشكال هو أن هذا العدد المذكور في الحديث، هل هو حاصر لأسماء الله تعالى كلها، فلا تزيد عليه، أم أن المراد به بيان عدة الأسماء التي اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة؟ وفي الحديث إشكالان آخران: أحدهما: في بيان معنى الإحصاء الوارد في الحديث. والثاني: هل يمكن معرفة هذه الأسماء التسعة والتسعين على وجه التعيين. وسيأتي الكلام عليهما في المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.

стр. 187

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الأسماء الحسنى ليست محصورة بهذا العدد المذكور، وأن مقصود الحديث بيان أن هذه الأسماء قد اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة. وإلى هذا ذهب الجمهور، بل نقل النووي -رحمه الله تعالى- اتفاق العلماء عليه حيث قال: "واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ، فليس معناه: أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء" (١). وقد نص جمع من أهل العلم على أن الحديث لا يفهم منه إرادة حصر أسماء الله تعالى بالعدد المذكور فيه، وممن نص على ذلك: الخطابي، والباقلاني (٢)، ..................................................................

стр. 188

والبيهقي (١)، وابن العربي (٢)، والقرطبي (٣)، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير (٤)، وابن الوزير (٥)، وابن حجر (٦)، والشوكاني (٧)، وحافظ الحكمي (٨)،

стр. 189

ومحمد العثيمين (١)، وغيرهم. قال الخطابي -رحمه الله تعالى- عند حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا .. ): "فيه إثبات هذه الأسماء المحصورة بهذا العدد، وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء لأنها أشهر الأسماء وأبينها معاني وأظهرها. وجملة قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة) قضية واحدة لا قضيتان، ويكون تمام الفائدة في خبر "إن": في قوله: (من أحصاها دخل الجنة)، لا في قوله: (تسعة وتسعين اسمًا)، وإنما هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وكقولك: إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته: أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أرصده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة)، معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا" (٣).

стр. 190

وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد، فإن لله تعالى أسماءً وصفاتٍ استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل ... وأما قوله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة)، فالكلام جملة واحدة، وقوله: (من أحصاها دخل الجنة) صفة لا خبر مستقل، والمعنى: له أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها، وهذا كما تقول: لفلان مائة مملوك قد أعدهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون لغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه" (١). أدلة هذا القول: ١ - حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أصاب أحد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أَو أنزلته في كتابك، أو عَلَّمْتُه أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا) (٢).

стр. 191

والشاهد من هذا الحديث قوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فإن فيه دليلًا على أن أسماء الله تعالى أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماءً وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره. قال الخطابي -رحمه الله تعالى-: "فهذا يدلك على أن لله أسماءً لم ينزلها في كتابه، حجبها عن خلقه، ولم يظهرها لهم" (١). وقال ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث: "فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه. وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده. وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه" (٢). وقال الشوكاني عند هذا الحديث: "فيه دليل على أن لله أسماءً غير التسعة والتسعين" (٣). ٢ - حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه وهو ساجد: (اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، رواه مسلم (٤).

стр. 192

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأخبر أنه ﷺ لا يحصي ثناءً عليه، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه، لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه" (١). ٣ - حديث أبي هريرة في الشفاعة، وفيه: أن النبي ﷺ قال: (ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي)، متفق عليه (٢). ووجه الاستشهاد بهذا الحديث: أن حمد النبي ﷺ لربه وثناءه عليه إنما يكون بأسمائه وصفاته (٣)، وقد اختص نبينا ﷺ في هذا المقام بقدر زائد على ما هو معلوم منها، بدليل قوله: (لم يفتحه على أحد قبلي)، وهذا يدل على أن أسماء الله تعالى غير محصورة بالتسعة والتسعين. قال القرطبي: "وقد دلَّ على أن لله أسماءً أخر ما قدمناه من قوله ﷺ : (فأحمده بمحامد لا أقدر عليها، إلا أن يلهمنيها الله) " (٤). القول الثاني: أن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد المذكور في الحديث -تسعة وتسعين- لا تتجاوزه، وهي المنصوص عليها في الكتاب والسنة. وإلى هذا ذهب ابن حزم (٥) رحمه الله تعالى، منكرًا أشد الإنكار على

стр. 193

من أجاز الزيادة على التسعة والتسعين، وإليك نص كلامه: قال رحمه الله تعالى: "وإن له تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحد، وهي أسماؤه الحسنى، من زاد شيئًا من عند نفسه فقد ألحد في أسمائه، وهي الأسماء المذكورة في القرآن والسنة ... وقد صح أنها تسعة وتسعون اسمًا فقط، ولا يحل لأحد أن يجيز أن يكون له اسمٌ زائد، لأنه ﵇ قال: (مائة غير واحد)، فلو جاز أن يكون له تعالى اسم زائد لكانت مائة اسم، ولو كان هذا لكان قوله ﵇: (مائة غير واحد) كذبًا، ومن أجاز هذا فهو كافر" (١). أدلة هذا القول: عمدة هذا القول هو حديث التسعة والتسعين، خاصة قوله ﷺ : (مائة إلا واحدًا)، حيث فهم منه ابن حزم الظاهري -رحمه الله تعالى- أن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد، فمن ادَّعى الزيادة عليها فقد كذّب هذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: "ولا يجوز أن يقال: إن لله تعالى أسماءً غيرها، لأنه قول على الله بغير علم، ولقول رسول الله ﷺ : (مائة غير واحد)، فنفى ﵇ الزيادة في ذلك بنفيه الواحد المتمم للمائة، فلا يجوز إثباته البَتَّةَ، ولا إثبات زيادة على ذلك" (٢). وقال أيضًا: "قول رسول الله ﷺ : (مائة غير واحد) مانع من أن يكون له أكثر من ذلك، ولو جاز كان قوله ﵇ كذبًا، وهذا كفر ممن أجازه، وبالله التوفيق" (٣). * * *

стр. 194

المطلب الثالث: الترجيح لا ريب أن القول الأول -وهو قول الجمهور (١) - هو المتعين، فالحديث لا يفيد حصر أسماء الله تعالى في التسعة والتسعين، غاية ما فيه أن من أحصى هذا العدد فهو موعود بدخول الجنة، وليس فيه أنها لا تزيد على هذا العدد، فهو كقول القائل: عندي مائة مملوك أعددتهم للعتق، فإن هذا لا ينفي وجود مماليك سواهم غير معدين للعتق. فالتقييد في الحديث بالعدد المذكور هو فى الموصوف بهذه الصفة، لا في أصل استحقاقه لذلك العدد، فإنه لم يقل: إن أسماء الله تسعة وتسعون (٢). وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فأمر أن يدعى بأسمائه الحسنى مطلقًا، ولم يقل: ليست أسماؤه الحسنى إلا تسعة وتسعين اسمًا (٣). وجاءت الأدلة الصحيحة بما يفيد زيادتها على هذا العدد، كما في أدلة القول الأول (٤). وأما القول الثاني، وهو القول: بأن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد الوارد في الحديث، وأنها لا تزيد عليه البتة، فقول ضعيف شاذ، لم

стр. 195

أجد من قال به -بعد البحث- غير ابن حزم (١) رحمه الله تعالى، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أنه قول ابن حزم وطائفة، لكنه لم يسم أحدًا (٢). وأما استدلاله بالتأكيد في قوله ﷺ : (مائة إلا واحدًا) على تعيُّن الحصر بهذا العدد، وعدم جواز الزيادة عليه، فباطل من وجوه: الوجه الأول: أن الحصر المذكور، إنما هو باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم زائد عليها (٣). الوجه الثاني: أن قوله ﷺ : (مائة إلا واحدًا) مجرد تأكيد لقوله: (تسعة وتسعين) حتى يتقرر ذلك في نفس السامع، جمعًا بين جهتي الإجمال

стр. 196

والتفصيل، أو دفعًا للتصحيف الخطي والسمعي، فقد تشتبه مثلًا: بسبعة وسبعين. ثم إن قوله ﷺ : (مائة إلا واحدًا) لم يفد شيئًا زائدًا على قوله: (تسعة وتسعين) -سوى التأكيد- حتى يُفهم منه نفي الزيادة وإبطالها، كما زعم ابن حزم رحمه الله تعالى (١). الوجه الثالث: أن الأسماء الموجودة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين، وقد تتبعها بعض العلماء فأوصلها إلى ستة وأربعين ومائة، كابن العربي (٢). وبعضهم أوصلها إلى خمسة وخمسين ومائة، كابن الوزير (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإن قيل: لا تدعوا إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين" (٤). وقال ابن الوزير: "وقد ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي بالضرورة والنص، أما الضرورة فإن في كتاب الله أكثر من ذلك ... وأما النص فحديث ابن مسعود ﵁" (٥)، وقد تقدم في المطلب الثاني. إذا تبين هذا وهو أن أسماء الله تعالى غير محصورة بالعدد المذكور، بل تزيد عليه، فما معنى الاحصاء الوارد في الحديث؟ وهل يمكن معرفة هذه الأسماء التسعة والتسعين على وجه التعيين؟ . والجواب عن هذا يمكن تقسيمه إلى مسألتين كما يلي:

стр. 197

المسألة الأولي: في معنى الإحصاء الوارد في الحديث: إحصاء أسماء الله تعالى الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي فقد أحصى جميع العلوم، لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها (١). ولذلك فقد رتب الله تعالى على إحصائها أفضل الثواب وأعظم الجزاء، كما في قوله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة)، متفق عليه. وقد قيل في معنى الإحصاء الوارد في الحديث عدة أقوال، أشهرها أربعة (٢)؛ وهي كالتالي: القول الأول: أن المراد به العد، أي: أن يعدها حتى يستوفيها حفظًا فيدعو ربه بها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]. وإلى هذا ذهب ابن الجوزي (٣)، والشوكاني (٤)، واستظهره الخطابي (٥)، والنووي (٦)، وذكر أنه قول الأكثرين (٧). ونسبه بعضهم للبخاري، لأنه قال بعد روايته للحديث: "أحصيناه: حفظناه" (٨).

стр. 198

ودليل هؤلاء أنه جاء في بعض طرق الحديث -كما عند مسلم-: (من حفظها) بدل (من أحصاها)، وعند البخاري: (لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة). قال ابن الجوزي: "لما ثبت في بعض طرق الحديث (من حفظها) بدل (أحصاها) اخترنا أن المراد العدُّ، أي: من عدها ليستوفيها حفظًا" (١). لكن هذا القول تعقبه بعض العلماء مبينين أن الإحصاء ليس مجرد العد فقط. قال الأصيلي (٢): "ليس المراد بالإحصاء عدها فقط، لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها" (٣). وقال أبو نُعيم (٤): "الإحصاء المذكور في الحديث ليس هو التعداد،

стр. 199

وإنما هو العمل والتعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها" (١). وقال الحافظ ابن حجر معقبًا على كلام ابن الجوزي: "فيه نظر، لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ: (حفظها) تعيُّن السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل الحفظ المعنوي" (٢). القول الثاني: أن المراد بالإحصاء: الإطاقة كقوله سبحانه: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: لن تطيقوه، ويكون معنى الحديث: من أطاقها وذلك بالمحافظة على حدودها، والقيام بحقها، والعمل بمقتضاها، فإذا قال: السميع البصير، علم أنه لا يخفى على الله خافية، وأنه بمرأى منه ومسمع، فيخافه في سره وعلنه، ويراقبه في كافة أحواله، وإذا قال: الرزاق، اعتقد أنه المتكفل برزقه يسوقه إليه في وقته، فيثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له غيره، وهكذا بقية الأسماء. القول الثالث: أن المراد بالإحصاء: العقل والمعرفة، مأخوذ من الحصاة وهي العقل، قال طرفة (٣): وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل (٤)

стр. 200

والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي ذو عقل ومعرفة بالأمور. ويكون معنى الحديث: من عرفها وعقل معانيها، مؤمنًا بها دخل الجنة. قال الزجاج (١): "ويجوز أن يكون معناه: من عقلها، وتدبر معانيها، من الحصاة التي هي العقل" (٢). القول الرابع: أن المراد بالإحصاء: أن يقرأ القرآن كاملًا حتى يختمه، فيكون بذلك قد استوفى هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة، فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنة، وإلى نحو من هذا ذهب أبو عبد الله الزبيري (٣). ويلاحظ على هذا القول أنه أغفل الأسماء الحسنى الواردة في الأحاديث النبوية، الزائدة على القرآن (٤). هذه هي أشهر الأقوال في معنى الإحصاء الوارد في الحديث، وكل

стр. 201

واحد منها له ما يؤيده، سوى القول الرابع، ولذلك ضعفه النووي (١) رحمه الله تعالى. والذي يظهر-والله تعالى أعلم- أن الإحصاء يكون بمجموع الأقوال الثلاثة الأولى فيكون: ١ - بالعدِّ والحفظ. ٢ - والعقل والمعرفة. ٣ - والإطاقة، بالتفسير المتقدم. ولا تنافي بينها، بل كل واحد منها مكمل للاخر، فيكون المعنى: من عدها وأحاط بها لفظًا وفهم معانيها ودعا الله بها وتعبده بمقتضاها دخل الجنة. قال السعدي (٢) ﵀، في معنى (أحصاها): "أي: من حفظها وفهم معانيها، واعتقدها، وتعبد الله بها، دخل الجنة" (٣). يؤيد ذلك أن هذه المعاني الثلاثة للإحصاء قد جاءت بها اللغة، كما تقدم (٤)، فمن قال: بأحدها دون البقية فقد فسر الإحصاء ببعض معناه والله أعلم.

стр. 202

والقول: بهذا لا ينافي رواية: (من حفظها)؛ لأن الحفظ ليس مجرد عدها وسردها عن ظهر قلب، بل يتعدى ذلك ليشمل فهمها والعمل بمقتضاها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢]، فإن معناه: المؤدُّون فرائض الله، والقائمون على طاعته (١). قال ابن بطال (٢) رحمه الله تعالى: "الإحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل: فالذي بالعمل: أن لله أسماءً يختص بها كالأحد والمتعال والقدير ونحوها، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها، وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيها، كالرحيم والكريم والعفو ونحوها، فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي. وأما الإحصاء القولي: فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها، ولو شارك المؤمنَ غيرُه في العد والحفظ، فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها" (٣). وقال ابن عطية (٤): "معنى أحصاها: عدها وحفظها، وتضمن ذلك

стр. 203

الإيمان بها والتعظيم لها، والرغبة فيها والعبرة في معانيها" (١). وقال حافظ الحكمي: "والظاهر أن معنى حفظها وإحصائها، هو معرفتها والقيام بعبوديتها، كما أن القرآن لا ينفع حفظ ألفاظه من لا يعمل به، بل جاء في المُرَّاقِ من الدين أنهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم" (٢). وأختم هذه المسألة بما حرره العلّامة ابن القيم ﵀، حيث بيَّن أن للإحصاء ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها. المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها. المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وهو مرتبتان: إحداهما: دعاء ثناء وعبادة. والثاني: دعاء طلب ومسألة. فلا يُثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يُسأل إلا بها (٣). المسألة الثانية: هل يمكن معرفة الأسماء الحسنى، التسعة والتسعين علي وجه التعيين ؟ الصحيح أنه لم يرد في تعيينها حديث صحيح، وما ورد من تعيين لها في بعض الروايات، فهو مدرج فيها، ليس من كلام النبي ﷺ ، وبذلك صرح جمع من أهل العلم كما سيأتي. وبيان ذلك: أن حديث التعيين جاء من ثلاثة طرق (٤):

стр. 204

الطريق الأولى: أخرجها الترمذي وغيره (١) من طريق الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور). وهذه الطريق هي أشهر الطرق وأجودها إسنادًا، ولذا كثر كلام أهل العلم عليها، بين مصحح ومضعف، وسأبين ذلك بعد إيراد بقية الطرق. الطريق الثانية: وقد جاءت عند ابن ماجه (٢) من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، قال: حدثنا أبو المنذر زهير بن محمد التميمي، حدثنا موسى بن عقبة، حدثني عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، إنه وتر يحب الوتر، من

стр. 205

حفظها دخل الجنة، وهي: الله الواحد الصمد الأول الآخر الظاهر الباطن الخالق البارئ المصور الملك الحق السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الرحمن الرحيم اللطيف الخبير السميع البصير العليم العظيم البار المتعال الجليل الجميل الحي القيوم القادر القاهر العلي الحكيم القريب المجيب الغني الوهاب الودود الشكور الماجد الواجد الوالي الراشد العفو الغفور الحليم الكريم التواب الرب المجيد الولي الشهيد المبين البرهان الرؤوف الرحيم المبدئ المعيد الباعث الوارث القوي الشديد الضار النافع الباقي الواقي الخافض الرافع القابض الباسط المعز المذل المقسط الرزاق ذو القوة المتين القائم الدائم الحافظ الوكيل الفاطر السامع المعطي المحيي المميت المانع الجامع الهادي الكافي الأبد العالم الصادق النور المنير التام القديم الوتر الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد). قال زهير (١): فبلغنا من غير واحد من أهل العلم أن أولها يفتح بقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى. قال البوصيري (٢): "إسناد طريق ابن ماجه ضعيف، لضعف

стр. 206

عبد الملك بن محمد الصنعاني" (١). قلت: وعبد الملك هذا قال فيه ابن حبان: "لا يجوز الاحتجاج بروايته" (٢). وقال الذهبي: "ليس بحجة" (٣). وقال ابن حجر: "ليّن الحديث" (٤). فالحديث من هذا الطريق لا يصح. ونص على ضعف هذه الطريق -أيضًا- شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، والألباني (٦)، عليهما رحمة الله. الطريق الثالثة: أخرجها الحاكم وغيره (٧) من طريق عبد العزيز بن الحصين قال: حدثنا أيوب السختياني وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة: الله الرحمن الرحيم الإله الرب الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الحليم العليم السميع البصير الحي القيوم الواسع اللطيف الخبير الحنان المنان البديع الودود الغفور الشكور المجيد المبدئ المعيد النور الأول الآخر الظاهر الباطن الغفار الوهاب القادر الأحد الصمد الكافي الباقي الوكيل المجيد المغيث الدائم المتعال ذو الجلال والإكرام المولى النصير الحق المبين

стр. 207

الباعث المجيب المحيي المميت الجميل الصادق الحفيظ الكبير القريب الرقيب الفتاح التواب القديم الوتر الفاطر الرزاق العلام العلي العظيم الغني المليك المقتدر الأكرم الرؤوف المدبر المالك القدير الهادي الشاكر الرفيع الشهيد الواحد ذو الطول ذو المعارج ذو الفضل الخلاق الكفيل الجليل الكريم). قال الحاكم: وعبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ثقة وإن لم يخرجاه. فتعقبه الذهبي بقوله: بل ضعفوه. قال البيهقي: "تفرد بهذه الرواية عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان، وهو ضعيف الحديث عند أهل النقل، ضعفه يحيى بن معين، ومحمد بن إسماعيل البخاري" (١). وقال فيه الإمام مسلم: "ذاهب الحديث" (٢). وقال النسائي: "متروك الحديث" (٣). وقال ابن حجر: "متفق على ضعفه" (٤). فالحديث من هذا الطريق -أيضًا- لا يصح. هذه هي طرق الحديث -الذي ورد فيه تعيين الأسماء التسعة والتسعين- التي تم الوقوف عليها، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة: أما الطريق الثانية والثالثة فقد تقدم بيان ضعفهما.

стр. 208

وأما الطريق الأولى -طريق الوليد بن مسلم- فهي أشهر هذه الطرق وأهمها، ولذا كثر الكلام حولها، حيث ذهب إلى تصحيحها الحاكم (١) وابن حبان (٢) وأبو عبد الله القرطبي (٣) وحسنها النووي (٤)، ومال إلى تصحيحها الشوكاني (٥). والحق أن هذه الطريق ضعيفة أيضًا، والأسماء فيها مدرجة من بعض الرواة، وفيما يلي بيان أوجه ضعفها: ١ - الاضطراب في السند، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر (٦) ﵀. وكذا الاختلاف في المتن، حيث وقع الاختلاف بين روايات هذه الطريق، في سرد الأسماء، وذلك بالزيادة والنقص، والتقديم والتأخير. فالرواية المشهورة عن الوليد بن مسلم، والتي عوَّل عليها غالب من شرح الأسماء الحسنى، وهي التي أخرجها الترمذي (٧) قد خالفتها عدة روايات عن الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد: فجاء عند الطبراني: (القائم الدائم) بدل (القابض الباسط)،

стр. 209

و (الشديد) بدل (الرشيد)، و (الأعلى، المحيط، مالك يوم الدين) بدل (الودود، المجيد، الحكيم). وجاء عند ابن حبان: (الرافع) بدل (المانع). وجاء عند ابن خزيمة في صحيحه: (الحاكم) بدل (الحكيم)، و (القريب) بدل (الرقيب)، و (المولى) بدل (الوالي)، و (الأحد) بدل (المغني). ووقع في رواية البيهقي وابن منده: (المغيث) بدل (المقيت). ووقع في رواية الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد -كما عند أبي نعيم في جزئه (١) - مخالفة لهذه الرواية في أربعة وعشرين اسمًا، مع مخالفتها لها في الترتيب: فليس في رواية زهير: (الفتاح، القهار، الحكم، العدل، الحسيب، الجليل، المحصي، المقتدر، المقدم، المؤخر، البر، المنتقم، المغني، النافع، الصبور، البديع، القدوس، الغفار، الحفيظ، الكبير، الواسع، الماجد، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام). وذكر بدلها: (الرب، الفرد، الكافي، الدائم، القاهر، المبين، الصادق، الجميل، البادئ، القديم، البارّ، الوفي، البرهان، الشديد، الواقي، القدير، الحافظ، العادل، المعطي، العالم، الأحد، الأبد، الوتر، ذو القوة) (٢). قال الحافظ ابن حجر مبينًا السبب في عدم إخراج البخاري ومسلم لهذه الرواية التي فيها سرد الأسماء: "وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف، والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج" (٣).

стр. 210

٢ - تدليس الوليد بن مسلم، وتدليسه من شر أنواع التدليس، وهو تدليس التسوية (١). قال الدارقطني: الوليد بن مسلم يروي عن الأوزاعي أحاديث هي عند الأوزاعي عن ضعفاء عن شيوخ أدركهم الأوزاعي، كنافع وعطاء والزهري، فيسقط أسماء الضعفاء مثل عبد الله بن عامر الأسلمي وإسماعيل بن مسلم، ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن عطاء والزهري (٢). وقال أبو مسهر (٣): "الوليد مدلس، وربما دلس عن الكذابين" (٤). وقال ابن حجر: "الوليد بن مسلم ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية" (٥). وقال ابن الوزير: "الوليد مدلس مكثر من التدليس حتى عن الكذابين، ونعني تدليس التسوية، فلا ينفع قوله: حدثنا ولا سمعت، لأن معنى تدليس التسوية: أنه قد سمع من شيخه شعيب، ثم أسقط شيخَ شعيب الذي بينه وبين أبي الزناد، فيحتمل أن يكون في الإسناد ساقط ضعيف، بل كذاب، فكيف يُحسَّن الحديث مع هذا؟

стр. 211

وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عيينة، عن أبي الزناد، بغير ذكر الأسماء. ورواه البخاري والنسائي من حديث شعيب، بغير ذكرها. ورواه البخاري عن أبي اليمان الحكم بن نافع، والنسائي عن علي بن عياش، كلاهما عن شعيب، بغير ذكر الأسماء" (١). قلت: ورُوي هذا الحديث عن الوليد بن مسلم، لكن من طريق أخرى، كما عند الدارمي في النقض على المريسي (٢) بدون ذكر الأسماء (٣). ٣ - الإدراج، حيث ذهب جمع من أهل العلم إلى أن سرد الأسماء ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو مدرج في الحديث، أدرجه الوليد بن مسلم عن بعض شيوخه. وقد جاء في بعض الروايات ما يؤكد ذلك، وإليك البيان: ١ - جاء عند أبي نعيم من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة). قال زهير: "فبلغنا عن غير واحد من أهل العلم أن أولها: أن يفتتح بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ... " (٤)، ثم سرد الأسماء. فهذه الرواية تابع فيها الوليدُ بن مسلم، عبدَ الملك بن محمد -كما تقدم في الطريق الثانية- فكلاهما روى حديث سرد الأسماء عن زهير بن محمد، واتفقا في بقية السند، وبين الروايتين اختلافات كثيرة، أهمها هنا:

стр. 212

أن كلام زهير جاء في رواية عبد الملك متأخرًا عن سرد الأسماء، غير صريح في الإدراج، بخلاف رواية الوليد -كما هنا- فإن كلام زهير جاء متقدمًا على سرد الأسماء، وصريحًا في الإدراج كما ترى (١). ٢ - ساق الدارمي هذا الحديث بسنده، عن هشام بن عمار الدمشقي عن الوليد بن مسلم، بدون ذكر الأسماء. ثم قال الدارمي: "قال هشام: وحدثنا الوليد بن مسلم حدثنا سعيد بن عبد العزيز، مثل ذلك، وقال: كلها في القرآن: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ... " (٢)، ثم سرد الأسماء. فهذه الرواية تشعر بأن سرد الأسماء من قول سعيد بن عبد العزيز، أدرجه الوليد بن مسلم في متن الحديث. وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: "الحديث الذي في عدد الأسماء الحسنى ... ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبي ﷺ ، بل هذا ذكره الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أو عن بعض شيوخه" (٣). وقال أيضًا: "وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين -أي رواية الترمذي وابن ماجه- ليستا من كلام النبي ﷺ ، وإنما كل منهما من كلام بعض السلف، فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين، كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه، ولهذا اختلفت أعيانهما عنه، فروي عنه في إحدى الروايات من الأسماء بدل ما يذكر في الرواية الأخرى" (٤). وقال أيضًا: "إن التسعة والتسعين اسمًا لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي ﷺ ، وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذي الذي رواه

стр. 213

الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة، وحفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث" (١). وقد تتابعت أقوال أهل العلم في تقرير ذلك، وإليك بعض النقول عنهم: قال البيهقي: "ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة" (٢). وقال البغوي (٣): "يحتمل أن يكون ذكر هذه الأسامي من بعض الرواة" (٤). وقال ابن عطية: "في سرد الأسماء نظر، فإن بعضها ليس في القرآن ولا في الحديث الصحيح" (٥). وقال ابن العربي: "يحتمل أن يكون ذلك تفسير النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون ذلك من غيره، وهو الظاهر عندي" (٦). وقال ابن حزم: "وجاءت أحاديث في إحصاء التسعة والتسعين اسمًا، مضطربة، لا يصح منها شيء أصلًا" (٧).

стр. 214

وقال الداودي (١): "لم يثبت أن النبي ﷺ عيَّن الأسماء المذكورة" (٢). وقال ابن القيم: "والصحيح أنه -أي العد- ليس من كلام النبي ﷺ " (٣). وقال ابن كثير: "والذي عوَّل عليه جماعة من الحفاظ، أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه" (٤). وقال ابن حجر: "ورواية الوليد تشعر بأن التعيين مدرج" (٥). وقال أيضًا: "والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة" (٦). وقال الصنعاني (٧): "اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة" (٨).

стр. 215

وأخيرًا قال ابن الوزير مشيرًا إلى ضعف هذا الحديث الذي فيه سرد الأسماء: "وحسبك أن البخاري ومسلمًا تركا تخريجه مع رواية أوله، واتفاقهما على ذلك يشعر بقوة العلة فيه" (١). وأما تصحيح الحاكم وابن حبان لهذا الحديث فليس بحجة، لأنهما قد عُرِفَا عند المحدثين بتساهلهما في التصحيح (٢). فإن قيل: إذا لم يصح عن النبي ﷺ تعيين لها، فهل هي معينة محددة، لكنها مبثوثة في أسمائه الكثيرة؟ أم أن المراد من الحديث، إحصاء تسعة وتسعين اسمًا من جملة أسمائه الكثيرة، أيًا كانت هذه الأسماء، المهم أن تكون من أسمائه، فمن أحصى هذا العدد استحق دخول الجنة؟ قيل: بل هي معينة محددة، كما هو ظاهر الحديث، ولعل النبي ﷺ لم يبينها لحكمة بالغة وهي: "أن يطلبها الناس ويتحروها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ " (٣)، فيحصل لهم بذلك التعبد لله تعالى بجميع أسمائه، والله أعلم. قال ابن العربي: "أُخفيت هذه الأسماء المتعددة في جملة الأسماء الكلية، لندعوه بجميعها، فنصيب العدد الموعود به فيها" (٤). الخلاصة: ١ - أن الأسماء الحسنى ليست محصورة بالعدد الوارد ذكره في الحديث، وأن معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه تعالى دخل الجنة، ليس معناه: أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا.
следующие страницы →