وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عيينة، عن أبي الزناد، بغير ذكر الأسماء.
ورواه البخاري والنسائي من حديث شعيب، بغير ذكرها.
ورواه البخاري عن أبي اليمان الحكم بن نافع، والنسائي عن علي بن عياش، كلاهما عن شعيب، بغير ذكر الأسماء" (١).
قلت: ورُوي هذا الحديث عن الوليد بن مسلم، لكن من طريق أخرى، كما عند الدارمي في النقض على المريسي (٢) بدون ذكر الأسماء (٣).
٣ - الإدراج، حيث ذهب جمع من أهل العلم إلى أن سرد الأسماء ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو مدرج في الحديث، أدرجه الوليد بن مسلم عن بعض شيوخه.
وقد جاء في بعض الروايات ما يؤكد ذلك، وإليك البيان:
١ - جاء عند أبي نعيم من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة).
قال زهير: "فبلغنا عن غير واحد من أهل العلم أن أولها: أن يفتتح بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ... " (٤)، ثم سرد الأسماء.
فهذه الرواية تابع فيها الوليدُ بن مسلم، عبدَ الملك بن محمد -كما تقدم في الطريق الثانية- فكلاهما روى حديث سرد الأسماء عن زهير بن محمد، واتفقا في بقية السند، وبين الروايتين اختلافات كثيرة، أهمها هنا:
стр. 212
أن كلام زهير جاء في رواية عبد الملك متأخرًا عن سرد الأسماء، غير صريح في الإدراج، بخلاف رواية الوليد -كما هنا- فإن كلام زهير جاء متقدمًا على سرد الأسماء، وصريحًا في الإدراج كما ترى (١).
٢ - ساق الدارمي هذا الحديث بسنده، عن هشام بن عمار الدمشقي عن الوليد بن مسلم، بدون ذكر الأسماء.
ثم قال الدارمي: "قال هشام: وحدثنا الوليد بن مسلم حدثنا سعيد بن عبد العزيز، مثل ذلك، وقال: كلها في القرآن: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ... " (٢)، ثم سرد الأسماء.
فهذه الرواية تشعر بأن سرد الأسماء من قول سعيد بن عبد العزيز، أدرجه الوليد بن مسلم في متن الحديث.
وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: "الحديث الذي في عدد الأسماء الحسنى ... ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبي ﷺ ، بل هذا ذكره الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أو عن بعض شيوخه" (٣).
وقال أيضًا: "وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين -أي رواية الترمذي وابن ماجه- ليستا من كلام النبي ﷺ ، وإنما كل منهما من كلام بعض السلف، فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين، كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه، ولهذا اختلفت أعيانهما عنه، فروي عنه في إحدى الروايات من الأسماء بدل ما يذكر في الرواية الأخرى" (٤).
وقال أيضًا: "إن التسعة والتسعين اسمًا لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي ﷺ ، وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذي الذي رواه
стр. 213
الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة، وحفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث" (١).
وقد تتابعت أقوال أهل العلم في تقرير ذلك، وإليك بعض النقول عنهم:
قال البيهقي: "ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة" (٢).
وقال البغوي (٣): "يحتمل أن يكون ذكر هذه الأسامي من بعض الرواة" (٤).
وقال ابن عطية: "في سرد الأسماء نظر، فإن بعضها ليس في القرآن ولا في الحديث الصحيح" (٥).
وقال ابن العربي: "يحتمل أن يكون ذلك تفسير النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون ذلك من غيره، وهو الظاهر عندي" (٦).
وقال ابن حزم: "وجاءت أحاديث في إحصاء التسعة والتسعين اسمًا، مضطربة، لا يصح منها شيء أصلًا" (٧).
стр. 214
وقال الداودي (١): "لم يثبت أن النبي ﷺ عيَّن الأسماء المذكورة" (٢).
وقال ابن القيم: "والصحيح أنه -أي العد- ليس من كلام النبي ﷺ " (٣).
وقال ابن كثير: "والذي عوَّل عليه جماعة من الحفاظ، أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه" (٤).
وقال ابن حجر: "ورواية الوليد تشعر بأن التعيين مدرج" (٥).
وقال أيضًا: "والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة" (٦).
وقال الصنعاني (٧): "اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة" (٨).
стр. 215
وأخيرًا قال ابن الوزير مشيرًا إلى ضعف هذا الحديث الذي فيه سرد الأسماء: "وحسبك أن البخاري ومسلمًا تركا تخريجه مع رواية أوله، واتفاقهما على ذلك يشعر بقوة العلة فيه" (١).
وأما تصحيح الحاكم وابن حبان لهذا الحديث فليس بحجة، لأنهما قد عُرِفَا عند المحدثين بتساهلهما في التصحيح (٢).
فإن قيل: إذا لم يصح عن النبي ﷺ تعيين لها، فهل هي معينة محددة، لكنها مبثوثة في أسمائه الكثيرة؟ أم أن المراد من الحديث، إحصاء تسعة وتسعين اسمًا من جملة أسمائه الكثيرة، أيًا كانت هذه الأسماء، المهم أن تكون من أسمائه، فمن أحصى هذا العدد استحق دخول الجنة؟
قيل: بل هي معينة محددة، كما هو ظاهر الحديث، ولعل النبي ﷺ لم يبينها لحكمة بالغة وهي: "أن يطلبها الناس ويتحروها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ " (٣)، فيحصل لهم بذلك التعبد لله تعالى بجميع أسمائه، والله أعلم.
قال ابن العربي: "أُخفيت هذه الأسماء المتعددة في جملة الأسماء الكلية، لندعوه بجميعها، فنصيب العدد الموعود به فيها" (٤).
الخلاصة:
١ - أن الأسماء الحسنى ليست محصورة بالعدد الوارد ذكره في الحديث، وأن معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه تعالى دخل الجنة، ليس معناه: أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا.
стр. 216
٢ - أن معنى الإحصاء الوارد في الحديث: عدها، وحفظها بفهم معانيها ودعاء الله بها وتعبده بمقتضاها.
٣ - أنه لم يرد في تعيين الأسماء التسعة والتسعين حديث صحيح عن النبي ﷺ ، وأن ما جاء في تعيينها إنما هو اجتهادات من بعض العلماء، والله أعلم.
* * *
стр. 217
المبحث الرابع: (فإن الله لا يمل حتى تملوا)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
стр. 218
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
- عن عائشة ﵂ قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ ، فقال: (من هذه؟ ) قلت: فلانة، لا تنام بالليل، تذكر من صلاتها، فقال: (مه، عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإن الله لا يمل حتى تملوا)، متفق عليه (١).
وفي رواية لمسلم: (خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا) (٢).
- وعنها ﵂ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ في الشهر من السنة أكثر صيامًا منه في شعبان، وكان يقول: (خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا)، وكان يقول: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، متفق عليه (٣).
- وعنها ﵂: أن النبي ﷺ كان يحتجر حصيرًا بالليل فيصلي، ويبسطه
стр. 219
بالنهار فيجلس عليه، فجعل الناس يثوبون إلى النبي ﷺ فيصلون بصلاته حتى كثروا، فأقبل فقال: (يا أيها الناس، خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل)، متفق عليه (١).
بيان وجه الإشكال
لما كان معنى الملل في اللغة: استثقال الشيء والإعراض عنه والضجر منه (٢)، استشكل أهل العلم هذا الحديث، لأن الملل فيه مضاف إلى الله تعالى، فاختلفوا فيه على عدة أقوال، يأتي بيانها إن شاء الله تعالى في المطلب التالي.
* * *
стр. 220
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
حاصل أقوال أهل العلم في هذه المسألة تؤول إلى مسلكين:
المسلك الأول: أن الملل صفة ثابتة لله تعالى بهذا الحديث: (لا يمل الله حتى تملوا)، وعلى هذا فهي بالنسبة لله تعالى صفة كمال، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهذا بخلاف ملل المخلوق، فإنه نقص ظاهر لأنه يدل على السآمة والضجر.
فشأن هذه الصفة، شأن سائر الصفات التي تثبت لله تعالى على وجه الكمال، وإن كانت في حق المخلوقين ليست كمالًا (١)، كصفة الاستهزاء من المستهزئين، وخداع المخادعين، والمكر بالماكرين.
وقد نص على هذا القول: القاضي أبو يعلى والشيخ محمد بن إبراهيم (٢)، عليهما رحمة الله، وهو ظاهر كلام إبراهيم الحربي (٣) ﵀ حيث
стр. 221
قال: "قال أبو زيد: ملَّ يَمَلُّ ملالة، وأمللته إملالًا، فكأن المعنى لا يمل من ثواب أعمالكم حتى تملوا من العمل" (١).
وقال أبو يعلى: "اعلم أنه غير ممتنع إطلاق وصفه تعالى بالملل، لا على معنى السآمة والاستثقال ونفور النفس عنه" (٢).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: " (إن الله لا يمل حتى تملوا) من نصوص الصفات، وهذا على وجه يليق بالباري، لا نقص فيه، كنصوص الاستهزاء والخداع فيما يتبادر" (٣).
المسلك الثاني: أن الحديث لا يدل على صفة الملل لله تعالى، لأن الملل معناه: استثقال الشيء وإعراض النفس عنه وضجرها منه.
قالوا: وهذا لا يجوز على الله بحال، ولا يدخل في صفاته بوجه، فهو سبحانه منزه عن النقائص والعيوب، والتي من جملتها السآمة والملل (٤).
وإلى هذا ذهب ابن قتيبة والطحاوي وابن عبد البر وابن رجب (٥)، عليهم رحمة الله.
стр. 222
ولكنهم اختلفوا في الملل الوارد في الحديث على قولين، وذلك بعد اتفاقهم على نفي صفة الملل عن الله تعالى:
القول الأول: أن المعنى: لا يمل إذا مللتم، وإلى هذا ذهب ابن قتيبة والطحاوي (١).
قال ابن قتيبة: "أراد: فإن الله لا يمل إذا مللتم، ومثال هذا، قولك في الكلام: هذا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل.
لا تريد بذلك أنه يفتر إذا فترت، ولو كان هذا هو المراد، ما كان له فضل عليها، لأنه يفتر معها، فأية فضيلة له؟ وإنما تريد: أنه لا يفتر إذا فترت.
وكذلك تقول في الرجل البليغ في كلامه، والمِكْثَار الغزير: فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه.
تريد أنه لا ينقطع إذا انقطعوا، ولو أردت أنه ينقطع إذا انقطعوا لم يكن له في هذا القول فضل على غيره، ولا وجبت له به مدحة، وجاء مثل هذا بعينه في الشعر المنسوب إلى ابن أخت تَأَبَّطَ شرًا، وقيل: إنه لخلف الأحمر:
صَلِيَت منِّي هذيل بِخِرْقٍ .... لا يَمل الشرَّ حتى يَملُّوا
لم يرد أنه يمل الشر إذا ملوه، ولو أراد ذلك ما كان فيه مدح له، لأنه بمنزلتهم، وإنما أراد: أنهم يملون الشر وهو لا يمله" (٢).
القول الثاني: أن معنى الحديث: لا يترك الله الثواب والجزاء على العمل ما لم تملوه وتتركوه، فيكون المراد بالملل لازم الملل، لأن من ملَّ شيئًا تركه، فكنى عن الترك بالملل الذي هو سبب الترك.
стр. 223
وإلى هذا ذهب ابن عبد البر وابن رجب، عليهما رحمة الله، وهو قول أغلب أهل التأويل (١).
قال ابن عبد البر: "معلوم أن الله لا يمل، سواء ملَّ الناس أو لم يملوا، ولا يدخله ملال في شيء من الأشياء، جل وتعالى علوًا كبيرًا، وإنما جاء لفظ هذا الحديث على المعروف من لغة العرب، بأنهم كانوا إذا وضعوا لفظًا بإزاء لفظ وقبالته، جوابًا له وجزاءً، ذكروه بمثل لفظه، وإن كان مخالفًا له في معناه، ألا ترى إلى قوله : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
والجزاء لا يكون سيئة، والقصاص لا يكون اعتداءً، لأنه حق واجب ...
وكذلك قوله ﷺ : (إن الله لا يمل حتى تملوا) أي: إن من مل من عمل يعمله، قطع عنه جزاؤه، فأخرج لفظ قطع الجزاء بلفظ الملال، إذ كان بحذائه وجوابًا له" (٢).
وقال ابن رجب تعليقًا على هذا الحديث: "الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه، فإذا سئم العبد من العمل ومله، قطعه وتركه، فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل، فإن العبد إنما يجازى بعمله، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم ...
وسُمِّي هذا المنع من الله مللًا وسآمة، مقابلة للعبد على ملله وسآمته،
стр. 224
كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] فسمى إهمالهم وتركهم نسيانًا، مقابلة لنسيانهم له، هذا أظهر ما قيل في هذا" (١).
واستشهد هؤلاء بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (اكْلُفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل) (٢).
* * *
стр. 225
المطلب الثالث: الترجيح
القاعدة عند أهل السنة والجماعة في نصوص الكتاب والسنة -وخاصة نصوص الصفات- أنهم يجرونها على ظاهرها من دون تكييف ولا تمثيل، ويؤمنون بها على مراد الله تعالى، ومراد رسوله ﷺ .
قال الشافعي ﵀: "آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ " (١).
إذا علم هذا فإن الذي يترجح في هذه المسألة -والله تعالى أعلم بالصواب- هو إثبات صفة الملل لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، مع نفي توهم النقص في حقه تعالى، بأي وجه من الوجوه.
فشأن هذه الصفة شأن بقية الصفات التي تثبت لله تعالى على وجه الكمال، وإن كانت في حق المخلوقين ليست كمالًا، كالاستهزاء والمكر والخداع.
ويكون المعنى: إن الله تعالى لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل، كما نص عليه إمام من أئمة السلف وعالم من علماء اللغة، وهو إبراهيم الحربي، رحمه الله تعالى (٢).
وهو الذي يدل عليه سياق الحديث، ولذلك أرشد ﵊ إلى عدم حمل النفس على ما يشق عليها من العبادة، حتى لا تمل
стр. 226
منها، فقال: (مه، عليكم ما تطيقون من الأعمال .. )، و (مه) كلمة زجر (١).
وقال أيضًا: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)؛ لأن الديمومة على العمل تستدعي ديمومة الثواب.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "المراد بهذا الحديث: الاقتصاد في العمل، والأخذ بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه" (٢).
لكن لا يوصف الله تعالى بهذه الصفة على وجه الإطلاق، وإنما يوصف بها بالقيد المذكور في الحديث، فهو لا يمل إلا إذا ملوا، كما أنه لا يخدع إلا المخادعين، ولا يمكر إلا بالماكرين، ولا يستهزئ إلا بالمستهزئين، ولا يسخر إلا بالساخرين، فهذه الصفات لا يجوز أن يوصف الله تعالى بها على وجه الإطلاق.
قال ابن تيمية ﵀: "وهكذا وَصَفَ نفسَه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]، وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد" (٣).
وقال ابن القيم: "إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا ... فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد" (٤).
وقال ابن عثيمين: "المكر والكيد والمحال من صفات الله الفعلية، التي لا يوصف بها على سبيل الإطلاق، لأنها تكون مدحًا في حال، وذمًا في حال، فيوصف بها حين تكون مدحًا، ولا يوصف بها إذا لم تكن مدحًا ... والاستهزاء من هذا الباب، فلا يصح أن نخبر عن الله بأنه
стр. 227
مستهزيء على الإطلاق" (١).
وقال ابن باز معقبًا على الحافظ ابن حجر عندما تأول الوعي المضاف إلى الله تعالى في قوله ﷺ لأسماءَ: (لا توعي فيوعي الله عليك)، متفق عليه (٢).
قال: "هذا خطأ لا يليق من الشارح، والصواب إثبات وصف الله بذلك حقيقة، على الوجه اللائق به سبحانه، كسائر الصفات، وهو سبحانه يجازي العامل بمثل عمله، فمن مكر مكر به، ومن خادع خدعه، وهكذا من أوعى أوعى الله عليه، وهذا قول أهل السنة والجماعة، فالزمه تَفُزَ بالنجاة والسلامة، والله الموفق" (٣).
- وأما ما ذهب إليه ابن قتيبة والطحاوي من أن معنى الحديث: إن الله لا يمل إذا مللتم، فغير وجيه، لأن (حتى) لا تأتي بمعنى (إذا)، وإنما تأتي على أربعة معانٍ هي:
١ - انتهاء الغاية، وهو الغالب.
٢ - والتعليل.
٣ - وبمعنى: (إلا) وهذا أقلها.
٤ - وتأتي عاطفة عند بعضهم، وهو قليل (٤).
ثم إن (حتى) حرف، وتفسيرها بـ (إذا) يخرجها من الحرفية إلى الاسمية، لأن (إذا) ظرف (٥) -والظروف أسماء- كما أنه يجعل لها محلًا
стр. 228
من الإعراب وهو النصب على الظرفية مثل (إذا)، وقد أجمع النحاة على أن الحروف لا محل لها من الإعراب (١).
- وأما ما ذهب إليه ابن عبد البر وابن رجب عليهما رحمة الله، من تفسير الملل بلازمه وهو الترك، وذلك تنزيهًا لله تعالى عن معنى الملل، فهو خروج بالنص عن ظاهره المتبادر منه، علمًا أنه لا يلزم من إثبات هذه الصفة لله تعالى بالقيد المذكور، أن يكون الله تعالى متصفًا بالنقائص والعيوب، كيف وقد وصفه بذلك من هو أعظم الناس تنزيهًا لربه، وأعلمهم بمراده، وهو الرسول ﷺ .
كما لا يلزم من إثباتها نفي اللوازم الصحيحة لها، فإن لازم الحق حق، لكن لا ينبغي أن يكون إثبات اللازم طريقًا لنفي الأصل، وهو الصفة، فالصفة ثابتة، ولوازمها الصحيحة ثابتة.
ولعل الذي ألجأهم إلى هذا التأويل، هو ما فهموه من معنى الملل في حق المخلوقين، ومعلوم أن الخالق لا يماثله أحد من خلقه بشيء من صفاته، فللخالق صفات تليق به وللمخلوق صفات تليق به، والاتفاق في الأسماء لا يلزم منه الاتفاق في المسميات، والله أعلم.
* * *
стр. 229
المبحث الخامس: (مرضت فلم تعدني)
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
стр. 230
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي)، رواه مسلم (١).
بيان وجه الإشكال
قد يستشكل بعض الناس -لأول وهلة- هذا الحديث، لأن فيه إضافة المرض والاستطعام والاستسقاء إلى الله تعالى، مع أنها صفات نقص لا يجوز أن يوصف الله تعالى بها، ولذا فقد يرون أنه يحتاج إلى تأويل (٢)، والحق أنه لا يحتاج إلى تأويل لأنه قد جاء في آخره ما يفسره ويبينه.
стр. 231
وأيضًا فقد تعلق بهذا الحديث غلاة الصوفية (١) محتجين به على مذهبهم الفاسد، وهو القول بالحلول أو الاتحاد (٢)، حيث قال في الحديث:
стр. 232
(مرضت فلم تعدني)، (استطعمتك فلم تطعمني)، (استسقيتك فلم تسقني)، فأضاف المرض والاستطعام والاستسقاء إلى نفسه تعالى، مع أنه يريد مرض عبده واستطعامه واستسقاءه، قالوا: فهذا دليل على أن الرب هو العبد، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ولا شك أن احتجاجهم هذا باطل، وهو يدل على انحراف في الفطرة، وفساد في العقل، وقصور في الفهم، لأن النص قد قرن به تفسيره، وبَيَّنَ المتكلم فيه مراده.
وقد أوضح أهل العلم معنى هذا الحديث، وأزالوا عنه ما قد يتوهم فيه من الإشكال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا تدبرت النصوص وجدتها قد بيَّنت المراد، وأزالت الشبهة ... فنفس ألفاظ الحديث، نصوص في أن الله نفسه لا يمرض، وإنما الذي مرض عبده المؤمن" (١).
стр. 233
وقال أيضًا: "الحديث خطاب مُفَسِّر مُبَيّن أن الرب ليس هو العبد، ولا صفته صفته، ولا فعله فعله، أكثر ما فيه استعمال لفظ الجوع والمرض مقيدًا مبينًا للمراد، فلم يطلق الخطاب إطلاقًا، وأيضًا فقد علم المخاطب أن الرب تعالى لا يجوع ولا يمرض، فلم يكن فيه تلبيس لا من جهة السمع، ولا من جهة العقل، بل المتكلم بين فيه مراده، والمستمع له لم يشتبه عليه" (١).
وسيأتي مزيد إيضاح لهذا في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 234
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
تناول أهل العلم هذا الحديث بالتوضيح والبيان، نافين عنه ما قد يُتَوَهم فيه من معاني فاسدة، ومؤكدين على أن المتكلم به قد بيَّن مراده، وأوضح فيه مقصوده، فأزال ما قد يُتَوَهم فيه من الإشكال، ودفع عنه ما قد يقع فيه من الاشتباه.
وإليك بعض أقوالهم في ذلك:
قال أبو يعلى رحمه الله تعالى: "اعلم أن هذا الخبر قد اقترن به تفسير من النبي ﷺ في بعضه، فوجب الرجوع إلى تفسيره، وذلك أن فسر قوله: مرضت واستطعمت واستسقيت، على أنه إشارة إلى مرض وليه واستسقائه واستطعامه، وأضاف ذلك إلى نفسه إكرامًا لوليه ورفعة لقدره، وهذه طريقة معتادة في الخطاب، يخبر السيد عن نفسه، ويريد عبده، إكرامًا له وتعظيمًا" (١).
وقال ابن تيمية: "لا يجوز لعاقل أن يقول: إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقل ولا سمع، إلا من يظن أنه قد دل على جواز المرض والجوع على الخالق ، ومن قال هذا فقد كذب على الحديث، ومن قال: إن هذا ظاهر الحديث أو مدلوله أو مفهومه فقد كذب، فإن الحديث قد فسره المتكلم به وبَيَّنَ مراده بيانًا زالت به كل شبهة، وبين فيه أن العبد هو الذي جاع وأكل ومرض وعاده العواد، وأن الله سبحانه لم يأكل ولم يُعد" (٢).
стр. 235
وقال الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله تعالى-: "السلف أخذوا بهذا الحديث، ولم يصرفوه عن ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم، وإنما فسروه بما فسره به المتكلم به، فقوله تعالى: (مرضت، واستطعمتك، واستسقيتك) بينه الله تعالى بنفسه، حيث قال: (أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، وأنه استطعمك عبدي فلان، واستسقاك عبدي فلان؟ ) وهو صريح في أن المراد به، مرض عبد من عباد الله، واستطعام عبد من عباد الله، واستسقاء عبد من عباد الله، والذي فسره بذلك هو المتكلم به، وهو أعلم بمراده، فإذا فسرنا المرض المضاف إلى الله والاستطعام المضاف إليه، والاستسقاء المضاف إليه، بمرض العبد واستطعامه واستسقاءه، لم يكن في ذلك صرف للكلام عن ظاهره، لأن ذلك تفسير المتكلم به، فهو كما لو تكلم بهذا المعنى ابتداءً" (١).
وقد أضاف الله تعالى مرض عبده واستطعامه واستسقائه إلى نفسه، للترغيب والحث، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] (٢).
وذهب ابن تيمية -ومثله أبو يعلى كما تقدم- إلى أن هذه الإضافة إنما هي لكون العبد المذكور في الحديث، يراد به الولي الذي تتفق إرادته مع ما يريده الله تعالى، فلا يريد إلا ما يريده الله، ولا يحب إلا ما يحبه الله، ولا يبغض إلا ما يبغضه الله، ولا يأمر إلا بما يأمر به الله، ولا ينهى إلا عما ينهى عنه الله.
فهذا الجنس من الناس هم الذين يرضى الحق لرضاهم ويغضب لغضبهم، والكامل المطلق في هؤلاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولهذا قال تعالى فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]،
стр. 236
وقال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (١).
وأما استدلال أهل الحلول والاتحاد بهذا الحديث على مذهبهم الفاسد، فلا شك أنه استدلال باطل، لا يقره شرع ولا عقل، بل إن هذا الحديث قد تضمن الرد عليهم، لأن الله تعالى يقول: (أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ )، ويقول: (أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ ) (٢).
فلو كان الله تعالى عين المريض والجائع لقال في الأولى: لوجدتني إياه، ولقال في الثانية: لوجدتني أكلته (٣).
كما أن الحديث قد فرق وميَّز بين العابد والمعبود، والرب والمربوب، وهذا نقض صريح لعقيدة الحلول والاتحاد (٤).
وقد اتفقت كلمة المسلمين قاطبةً -فضلًا عن علمائهم- على بطلان عقيدة الحلول والاتحاد، وأنها كفر صريح، يجب تنزيه الله تعالى عنها، فالرب رب، والعبد عبد، وليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في
стр. 237
مخلوقاته شيء من ذاته (١).
وهذا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ أظهر من أن يشار إليه أو ينص عليه.
قال ابن تيمية مبينًا أن التعبير بالشيء مع إرادة غيره، موجود في كلام الشارع، وكلام غيره، وأنه تعبير صحيح إذا ظهر المعنى وعرف المراد كما في هذا الحديث، قال: "ينبغي أن يُعْرَف هذا النوع من الكلام، فإنه تنحل به إشكالات كثيرة، فإن هذا موجود في كلام الله ورسله وكلام المخلوقين في عامة الطوائف، مع ظهور المعنى ومعرفة المتكلم والمخاطب أنه ليس المراد أن ذات أحدهما اتحدت بذات الآخر.
بل أبلغ من ذلك، يطلق لفظ الحلول والاتحاد ويراد به معنى صحيح، كما يقال: فلان وفلان بينهما اتحاد، إذا كانا متفقين فيما يحبان ويبغضان ويواليان ويعاديان، فلمّا اتحد مرادهما ومقصودهما صار يقال: هما متحدان وبينهما اتحاد، ولا يعني بذلك أن ذات هذا اتحدت بذات الآخر كاتحاد النار والحديد، والماء واللبن، أو النفس والبدن ...
وأيضًا فلفظ الحلول يراد به حلول ذات الشيء تارةً، وحلول معرفته ومحبته ومثاله العلمي تارةً" (٢).
* * *
стр. 238
المبحث السادس: (ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله)
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
стр. 239
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما أحد أصبر على أذىً سمعه، من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم)، متفق عليه (١).
بيان وجه الإشكال
قال ابن القيم: "أشكل هذا الاسم -يعني: الصبور (٢) - على كثير من
стр. 240
العلماء، وقالوا: لم يأتِ في القرآن، فأعرضوا عن الاشتغال به صفحًا، ثم اشتغلوا بالكلام في صبر العبد وأقسامه، ولو أنهم أعطوا هذا الاسم حقه لعلموا أن الرب أحق به من جميع الخلق، كما هو أحق باسم العليم والرحيم والقدير والسميع والبصير والحي وسائر أسمائه الحسنى، من المخلوقين، وأن التفاوت الذي بين صبره سبحانه وصبرهم كالتفاوت الذي بين حياته وحياتهم، وعلمه وعلمهم، وسمعه وأسماعهم، وكذا سائر صفاته" (١).
ولعل سبب استشكال إضافة الصبر إلى الله تعالى ما يصاحب الصبر من الألم والحزن والمشقة، إضافةً إلى أنه قد يكون ناتجًا عن ضعف وعجز وعدم قدرة، ومعلوم أن الله تعالى منزه عن ذلك كله، فلا يلحقه نقص بوجه من الوجوه، وعلى هذا فما معنى هذه الصفة -الصبر- بالنسبة لله تعالى؟ هذا ما سوف يتضح في المطلب التالي، إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 241
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
لم يختلف أهل السنة والجماعة في إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته.
قال ابن القيم: "أما الصبر فقد أطلقه عليه أعرف الخلق به، وأعظمهم تنزيهًا له بصيغة المبالغة" (١)، ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم.
كما لم يختلفوا في معنى هذه الصفة المضافة إلى الله تعالى، على ما هو معلوم من معنى الصبر في اللغة والشرع، بعيدًا عن تأويلات المتكلمين، التي تخرج الكلام عن ظاهره، وتبعده عن مراد المتكلم به (٢).
فمعنى صبر الله تعالى -كما يدل عليه آخر الحديث-: الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة (٣)، بل يزيد على ذلك أن يحسن إليهم، فيعافيهم ويرزقهم.
قال ابن القيم في نونيته (الكافية الشافية):
وهو الصبور على أذى أعدائه ....... شتموه بل نسبوه للبهتان
стр. 242
قالوا له ولد وليس يعيدنا .... شتمًا وتكذيبًا من الإنسان
هذا وذاك بسمعه وبعلمه ...... لو شاء عاجلهم بكل هوان
لكن يعافيهم ويرزقهم وهم ...... يؤذونه بالشرك والكفران (١)
وصبر الله تعالى لا يماثله شيء من الصبر، لأنه صبر من كامل القوة، عظيم القدرة والبطش، في مقابلة غاية الإساءة والأذية من الخلق، فهو يفارق صبر المخلوق من عدة وجوه، منها:
١ - أنه عن قوة كاملة، وقدرة تامة، بخلاف صبر المخلوق فإنه قد يكون عن ضعف وعجز.
٢ - أن الله تعالى لا يخاف بصبره فوت العقوبة، بينما العبد يخاف ذلك، ولهذا فإنه يستعجل العقوبة -أحيانًا- لخوف الفوت.
٣ - أن الله تعالى لا يلحقه بصبره ألم ولا حزن ولا نقص بوجه من الوجوه، بخلاف صبر المخلوق (٢).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى متحدثًا عن صبر الله جلَّ وعلا: "مع أنه صبرٌ مع كمال علم وقدرة وعظمة وعزة، وهو صبر على أعظم مصبور عليه، فإن مقابلة أعظم العظماء وملك الملوك وأكرم الأكرمين، ومَن إحسانه فوق كل إحسان، بغاية القبح، وأعظم الفجور، وأفحش الفواحش، ونسبته إلى كل ما لا يليق به، والقدح في كماله وأسمائه وصفاته، والإلحاد في آياته، وتكذيب رسله ﵈ ومقابلتهم بالسب والشتم والأذى، وتحريق أوليائه وقتلهم وإهانتهم، أمر لا يصبر عليه إلا الصبور الذي لا أحد أصبر منه، ولا نسبة لصبر جميع الخلق من أولهم إلى آخرهم إلى صبره سبحانه" (٣).
وقال السعدي ﵀: "هذا الصبر الذي ذكره الرسول ﷺ عن الله، لا
стр. 243
مثيل له من الصبر، فهو صبر من كامل القوة، عظيم القدرة والبطش، في مقابلة غاية الإساءة والأذية من الخلق، الذين نواصيهم بيد الله، وليس لهم خروج عن قدرته، وأقواتهم وأرزاقهم وجميع ضروراتهم وحاجاتهم متعلقة بالله، ليس لشيء منها حصول إلا من جوده وخزائنه، ومع ذلك فهو يعافيهم ويرزقهم، ولا يقطع عنهم برَّه في جميع اللحظات، ومع ذلك يفتح لهم أبواب التوبة، ويسهل لهم طرقها، ويدعوهم إليها، ويخبرهم أنهم إن تابوا محا عنهم الخطايا العظيمة، وأدرَّ عليهم النعم الجسيمة، فسبحان الحليم الصبور" (١).
وصبر الله تعالى قريب من معنى حلمه، بل ذهب بعضهم إلى أنهما بمعنىً واحد (٢).
قال الزجاج: "أصل الصبر في الكلام الحبس، يقال: صبرته على كذا صبرًا، إذا حبسته، ومعنى الصبر والصبور في اسم الله تعالى، قريب من معنى الحليم" (٣).
وقال ابن القيم: "لما كان اسم الحليم أدخل في الأوصاف، واسم الصبور في الأفعال، كان الحلم أصل الصبر، فوقع الاستغناء بذكره في القرآن عن اسم الصبور، والله أعلم" (٤).
والفرق بين الصبر والحلم:
١ - أن الصبر ثمرة الحلم وموجبه، فعلى قدر حلم العبد يكون صبره، فالحلم في صفات الرب تعالى أوسع من الصبر.
стр. 244
٢ - أن الحلم صفة ذاتية لله تعالى لا تزول، وأما صبره تعالى فمتعلق بكفر العباد وشركهم وأنواع معاصيهم، فإذا زال متعلقه كان كسائر الأفعال التي توجد لحكمة وتزول بزوالها (١).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وإذا أردت معرفة صبر الرب تعالى وحلمه، والفرق بينهما، فتأمل قوله تعالي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
ففي الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال، لعظم ما يأتي به العباد، فيمسكهما بحلمه ومغفرته، وذلك حبس عقوبته عنهم، وهو حقيقة صبره تعالى.
فالذي صدر عنه الإمساك هو صفة الحلم، والإمساك هو الصبر، وهو حبس العقوبة، ففرق بين حبس العقوبة، وبين ما صدر عنه حبسها، فتأمله" (٢).
وأما أذية الله تعالى الواردة في الحديث، فقد جاء تفسيرها في آخره، وذلك بنسبة الولد له سبحانه، مع أنه الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه عظم هذا القول وشناعته فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩١]
ومثل هذا الحديث ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) (٣).
وجاء في البخاري من حديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: (قال الله: كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي
стр. 245
ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبةً أو ولدًا) (١).
ولا يلزم من وقوع الأذية حصول الضرر، فالله تعالى يؤذيه ما يقال فيه من قبيح الكلام، وما يقابل به من سيء الأفعال، لكنه لا يتضرر بذلك، ولذا أثبت الله تعالى الأذى في كتابه، ونفى الضرر فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وقال: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦].
وفي صحيح مسلم، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ ، فيما روى عن الله ﵎، أنه قال: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا) (٢).
قال ابن تيمية تعليقًا على الآية السابقة: "فبيَّن سبحانه أن الخلق لا يضرونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور" (٣).
ومما يحسن التنبيه عليه أن حصول الأذية له سبحانه، إنما يقع بمشيئته وإرادته، حسب ما تقتضيه حكمته، فلا يقع في ملكه إلا ما يشاء، لا مُكْرِه له سبحانه.
قال ابن تيمية: "وكل الذين يؤذون الله ورسوله هو الذي مكنهم، وصبر على أذاهم بحكمته، فلم يفتقر إلى غيره، ولم يخرج شيء عن مشيئته، ولم يفعل أحد ما لا يريد" (٤).
стр. 246
المبحث السابع: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله . . .)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
стр. 247
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته)، رواه البخاري (١).
بيان وجه الإشكال
أن الحديث قد تضمن إضافة التردد إلى الله تعالى، والتردد معناه: التوقف في الأمر وعدم العزم عليه (٢).
وغالبًا ما يكون ذلك بسبب عدم العلم بالعواقب المترتبة على فعل الأمر من عدمه.
وبناءً على هذا، فهل يجوز وصف الله تعالى بالتردد؟ وإذا جاز ذلك فما هو معناه في حقه تعالى، وقد علم يقينًا أنه يعلم عواقب الأمور كلها؟
قال ابن تيمية عن هذا الحديث: "هذا حديث شريف قد رواه البخاري
стр. 248
من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب" (١).
وقال المعلمي: "هو من جملة الأحاديث التي تحتاج -ككثير من آيات القرآن- إلى تفسير" (٢). وفي الحديث إشكال آخر وهو قوله: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ... ).
قال ابن حجر: "وقد استشكل، كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره، ... إلخ" (٣)؟
وسيأتي بيان معناه في المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 249
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم فى هذا الإشكال
قبل الدخول في أقوال أهل العلم، لا بد من بيان حال هذا الحديث من حيث الصحة والضعف، لأنه مما انتقد على البخاري ﵀.
فالحديث صححه -بالإضافة إلى البخاري- ابن حبان (١) والبغوي (٢) وابن تيمية، والسيوطي والشوكاني.
قال ابن تيمية: "هذا أصح حديث يُروى في الأولياء" (٣).
وألف الشوكاني كتابًا بعنوان: "قطر الولي في حديث الولي"، قال فيه عن هذا الحديث: "رواته قد جاوزوا القنطرة، وارتفع عنهم القيل والقال، وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام، أو يتناولهم طعن طاعن، أو توهين موهن" (٤).
وألف السيوطي ﵀ رسالةً بعنوان: "القول الجلي في حديث الولي" (٥)، ذكر فيها بعض طرق هذا الحديث، وحكم عليه بالصحه.
لكن هذا الحديث لم يُروَ عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد: محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني
стр. 250
شريك بن أبي عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة (١).
ورواه عن محمد بن كرامة جماعة، منهم البخاري ﵀.
ولهذا انتقده بعض العلماء، وعدوه من غرائب الصحيح.
قال المزِّي (٢): "رواه البخاري عن ابن كرامة ... وليس له عنه في الصحيح غيره، وهو من غرائب الصحيح، مما تفرد به شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، وتفرد به خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن شريك، والله أعلم" (٣).
وقال الذهبي: "هذا حديث غريب جدًا، لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد، وذلك لغرابة لفظه، ولأنه مما ينفرد به شريك وليس بالحافظ، ولم يُروَ هذا المتن إلا بهذا الإسناد، ولا خَرَّجَه من عدا البخاري" (٤).
لكن تعقبه ابن حجر فقال: "إطلاق أنه لم يُروَ إلا بهذا الإسناد مردود" (٥).