← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المبحث السابع: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله . . .) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 247

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته)، رواه البخاري (١). بيان وجه الإشكال أن الحديث قد تضمن إضافة التردد إلى الله تعالى، والتردد معناه: التوقف في الأمر وعدم العزم عليه (٢). وغالبًا ما يكون ذلك بسبب عدم العلم بالعواقب المترتبة على فعل الأمر من عدمه. وبناءً على هذا، فهل يجوز وصف الله تعالى بالتردد؟ وإذا جاز ذلك فما هو معناه في حقه تعالى، وقد علم يقينًا أنه يعلم عواقب الأمور كلها؟ قال ابن تيمية عن هذا الحديث: "هذا حديث شريف قد رواه البخاري

стр. 248

من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب" (١). وقال المعلمي: "هو من جملة الأحاديث التي تحتاج -ككثير من آيات القرآن- إلى تفسير" (٢). وفي الحديث إشكال آخر وهو قوله: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ... ). قال ابن حجر: "وقد استشكل، كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره، ... إلخ" (٣)؟ وسيأتي بيان معناه في المطلب الثالث إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 249

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم فى هذا الإشكال قبل الدخول في أقوال أهل العلم، لا بد من بيان حال هذا الحديث من حيث الصحة والضعف، لأنه مما انتقد على البخاري ﵀. فالحديث صححه -بالإضافة إلى البخاري- ابن حبان (١) والبغوي (٢) وابن تيمية، والسيوطي والشوكاني. قال ابن تيمية: "هذا أصح حديث يُروى في الأولياء" (٣). وألف الشوكاني كتابًا بعنوان: "قطر الولي في حديث الولي"، قال فيه عن هذا الحديث: "رواته قد جاوزوا القنطرة، وارتفع عنهم القيل والقال، وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام، أو يتناولهم طعن طاعن، أو توهين موهن" (٤). وألف السيوطي ﵀ رسالةً بعنوان: "القول الجلي في حديث الولي" (٥)، ذكر فيها بعض طرق هذا الحديث، وحكم عليه بالصحه. لكن هذا الحديث لم يُروَ عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد: محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني

стр. 250

شريك بن أبي عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة (١). ورواه عن محمد بن كرامة جماعة، منهم البخاري ﵀. ولهذا انتقده بعض العلماء، وعدوه من غرائب الصحيح. قال المزِّي (٢): "رواه البخاري عن ابن كرامة ... وليس له عنه في الصحيح غيره، وهو من غرائب الصحيح، مما تفرد به شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، وتفرد به خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن شريك، والله أعلم" (٣). وقال الذهبي: "هذا حديث غريب جدًا، لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد، وذلك لغرابة لفظه، ولأنه مما ينفرد به شريك وليس بالحافظ، ولم يُروَ هذا المتن إلا بهذا الإسناد، ولا خَرَّجَه من عدا البخاري" (٤). لكن تعقبه ابن حجر فقال: "إطلاق أنه لم يُروَ إلا بهذا الإسناد مردود" (٥).

стр. 251

وقال ابن رجب عن هذا الحديث: "هو من غرائب الصحيح، تفرد به ابن كرامة، عن خالد ... وقد روي هذا الحديث من وجوه أُخر، لا تخلو كلها من مقال" (١). وقال المعلمي: "هذا الخبر ... لم يُروَ عن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد ... ومثل هذا التفرد يريب في صحة الحديث، مع أن خالدًا له مناكير، وشريكًا فيه مقال، وقد جاء الحديث بأسانيد فيها ضعف" (٢). وقال الألباني: "هذا إسناد ضعيف، وهو من الأسانيد القليلة التي انتقدها العلماء على البخاري رحمه الله تعالى" (٣). والحاصل أن هذا الحديث قد وجهت له علتان: العلة الأولى: أن في سنده خالد بن مخلد، وهو متكلم فيه. قال فيه الإمام أحمد: له مناكير. وقال أبو داود: صدوق لكنه يتشيع. وقال يحيى بن معين: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن سعد: منكر الحديث، مُفْرِط في التشيع. وقال صالح جزره: ثقة إلا أنه كان متهمًا بالغلو في التشيع (٤). وقال الحافظ ابن حجر: "صدوق يتشيع" (٥). العلة الثانية: أن في إسناده شريك بن عبد الله، وهو أيضًا متكلم فيه. قال ابن معين: لا بأس به.

стр. 252

وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو داود: ثقة. وقال يحيى بن سعيد: لو كان قدامي شريك لم أكتب عنه، وكان ﵀ لا يحدث عنه (١). وقال ابن حجر: "صدوق يخطيء" (٢). فهاتان العلتان جعلت النقاد يعدون هذا الحديث من غرائب الصحيح، ويرتابون في صحته، بل صرح بعضهم بضعف إسناده. والجواب عما انتُقد به هذا الحديث يمكن تقسيمه إلى قسمين: مجمل ومفصل: أما المجمل فيقال فيه: إن انتقاد هؤلاء الحفاظ، مقابل بتصحيح غيرهم، وقد تقدم أن الحديث صححه البخاري وابن حبان والبغوي وابن تيمية والسيوطي والشوكاني، عليهم رحمة الله. وأما الجواب المفصل، فيكون بالإجابة عما قيل في خالد وشريك، وقد أجاب عما قيل فيهما الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فقال -معلقًا على ما قيل في خالد-: "أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره، لا سيما ولم يكن داعيةً إلى رأيه، وأما المناكير فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه وأوردها في كامله، وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري، بل لم أرَ له عنده من أفراده سوى حديث واحد، وهو حديث أبي هريرة: (من عادى لي وليًا) الحديث ... وروى له الباقون سوى أبي داود" (٣).

стр. 253

وقال -معلقًا على ما قيل في شريك-: "قلت: احتج به الجماعة، إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة" (١). ومع هذا فإن الحديث قد جاء من عدة طرق تعضده وتقويه وتشهد له -وإن كانت لا تخلو كلها من مقال- ولذا قال الحافظ ابن حجر: "لكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلًا" (٢). وسوف أشير فيما يلي إلى الطرق التي ذكرت الحديث كاملًا، مع تخريجها، والحكم عليها، دون ذكر متونها، لأنها كلها جاءت بألفاظ مقاربة لحديث أبي هريرة ﵁، وفي بعضها زيادة: ١ - حديث عائشة ﵂، وقد جاء من طريقين: أ- من طريق عبد الواحد بن ميمون، عن عروة، عنها (٣). ب- ومن طريق يعقوب بن مجاهد -أبي حزرة- عن عروة، عنها (٤).

стр. 254

٢ - حديث أبي أمامة ﵁ (١). ٣ - حديث أنس بن مالك ﵁ (٢) ٤ - حديث ميمونة ﵂ (٣). ٥ - حديث ابن عباس ﵁ (٤).

стр. 255

والخلاصة أن الحديث صحيح بشواهده إن شاء الله تعالى. قال الألباني ﵀: "حديث عائشة وحديث أنس بطريقيه ... إذا ضُمَّا إلى إسناد حديث أبي هريرة، اعتضد الحديث بمجموعها، وارتقى إلى درجة الصحيح إن شاء الله تعالى" (١). إذا تبين هذا وأن الحديث بمجموع طرقه صالح للاحتجاج به، فهل التردد المضاف إلى الله تعالى فيه يكون صفة من صفاته أم ماذا؟ سلك أهل العلم في هذا مسلكين: المسلك الأول: إجراء الحديث على ظاهره، والأخذ بمدلوله في إثبات التردد صفة لله تعالى، على ما يليق بجلاله وعظمته، مع القطع بكون تردده سبحانه ليس كتردد المخلوق، لأنه جلَّ وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فليس مثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقد نص على هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) والشيخ عبد العزيز بن باز، عليهما رحمة الله. قال الشيخ ابن باز: "التردد وصف يليق بالله تعالى لا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه، وليس كترددنا، والتردد المنسوب لله لا يشابه تردد المخلوقين، بل هو تردد يليق به سبحانه، كسائر صفاته جل وعلا" (٣). المسلك الثاني: تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره، وذلك بنفي صفة التردد عن الله تعالى، وإلى هذا ذهب الشوكاني ﵀، وهو مسلك عامة

стр. 256

أهل التأويل من شراح الحديث وغيرهم (١). قالوا: لأن التردد يكون ممن لا يعلم عواقب الأمور، وهذا محال على الله تعالى (٢). وقد ذكروا عدة تأويلات حملوا الحديث عليها، منها: ١، ٢ - ما ذهب إليه الخطابي وغيره حيث قال: "التردد في صفة الله غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير سائغ، وتأويله على وجهين: أحدهما: أن العبد قد يشرف في أيام عمره على المهالك مرات ذوات عدد من داء يصيبه وآفة تنزل به، فيدعو الله فيشفيه منها، ويدفع مكروهها عنه، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرًا ثم يبدو له في ذلك وبتركه ويعرض عنه، ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله، فإنه قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر بالبقاء لنفسه ... والثاني: أن يكون معناه: ما ردَّدت رسلي في شيء أنا فاعله، ترديدي إياهم في نفس المؤمن، كما روي من قصة موسى وملك الموت صلوات الله عليهما، وما كان من لطمه عينه، وتردده إليه مرة بعد أُخرى (٣)، وحقيقة المعنى في الوجهين معًا: عطف الله على العبد، ولطفه به، وشفقته عليه" (٤). ٣ - وذهب بعضهم كابن الجوزي إلى احتمال أن يكون المعنى: أن

стр. 257

تركيب الولي يحتمل أن يعيش خمسين سنةً، وعمره الذي كتب له سبعون، فإذا بلغ الخمسين فمرض، دعا الله بالعافية، فيحييه عشرين أخرى، فعبر عن قدر التركيب، وعما انتهى إليه بحسب الأجل المكتوب، بالتردد (١). ٤ - ما ذهب إليه الشوكاني وهو: أن "التردد كناية عن محبة الله لعبده المؤمن أن يأتي بسبب من الأسباب الموجبة لخلوصه من المرض الذي وقع فيه، حتى يطول به عمره، من دعاء أو صلة رحم أو صدقة، فإن فعل مد الله له في عمره بما يشاء، وتقتضيه حكمته، وإن لم يفعل حتى جاء أجله، وحضره الموت، مات بأجله الذي قد قضي عليه إذا لم يتسبب بسبب يترتب عليه الفسحة له في عمره، مع أنه وإن فعل ما يوجب التأخير، والخلوص من الأجل الأول، فهو لا بد له من الموت بعد انقضاء تلك المدة التي وهبها الله سبحانه له. فكان هذا التردد معناه: انتظار ما يأتي به العبد مما يقتضي تأخير الأجل، أو لا يأتي فيموت بالأجل الأول"، قال: "وهذا معنى صحيح لا يرد عليه إشكال، ولا يمتنع في حقه سبحانه بحال، مع أنه سبحانه يعلم أن العبد سيفعل ذلك السبب، أو لا يفعله، لكنه لا يقع التنجيز لذلك المسبب إلا بحصول السبب الذي ربطه به" (٢). * * *

стр. 258

المطلب الثالث: الترجيح لا ريب أن المسلك الأول هو المسلك الجاري على قواعد أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وذلك بحمل الحديث على ظاهره، وإثبات التردد صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته. ومن أوَّل الحديث معتقدًا تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، فقد أساء الأدب مع رسول الله ﷺ ، لأنه هو الذي وصفه بذلك، وهو أعلم الناس بربه، كما أنه ليس أحد أفصح لسانًا ولا أحسن بيانًا ولا أنصح للأمة منه، ﵊، فيجب أن يصان كلامه عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة (١). فإذا كان تردد المخلوق معناه: "التوقف عن الجزم بأحد الطرفين" (٢)، فإن هذا المعنى لا يدل عليه الحديث، لأن الحديث صريح في الجزم بأحد الطرفين، حيث قال: (وما ترددت في شيء أنا فاعله) أي: سأفعله ولا بد، لأنه تعالى قد قضى على عباده بالموت، فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، يؤيد ذلك أنه قد جاء في بعض طرق الحديث، بعد قوله: (يكره الموت، وأكره مساءته) زيادة: (ولا بد له منه) (٣).

стр. 259

فتردد الله تعالى ليس منشأه عدم الجزم بأحد الطرفين، أو عدم العلم بعواقب الأمور، وإنما هو تردد مفسر في الحديث نفسه، حيث قال: (يكره الموت، وأكره مساءته) فهذا هو حقيقة تردده سبحانه، وهو كون الفعل مرادًا لله تعالى من وجه، ومكروهًا له من وجه، فهو يريد الموت لعبده، لأنه قد قضى به عليه، ولا بد له منه، ومع ذلك فهو يكرهه لأنه يكره ما يكرهه عبده، ولذلك قال: (وأنا أكره مساءته). وهذا المعنى للتردد يحصل من المخلوق أيضًا، فالمريض مثلًا يريد الدواء الكريه لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، المتمثلة في كونه كريهًا، سواء في طعمه أو رائحته أو غير ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الواحد منا يتردد تارةً لعدم العلم بالعواقب، وتارةً لما في الفعلين من المصالح والمفاسد فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ويكرهه لما فيه من المفسدة لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه كما قيل: الشيب كره وكره أن أفارقه ... فأعجب لشيء على البغضاء محبوب (١) وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: (حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره) (٢)،

стр. 260

وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية. ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث فإنه قال: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق، محبًا له، يتقرب إليه أولًا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة، بحيث يحب ما يحبه محبوبه ويكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه، والله قد قضى بالموت، فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادًا للحق من وجه، مكروهًا له من وجه، وهذا حقيقة التردد وهو: أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه، مكروهًا من وجه، وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته ... والمقصود هنا: التنبيه على أن الشيء المعين يكون محبوبًا من وجه، مكروهًا من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أن هذا في الأفعال فهو في الأشخاص، والله أعلم" (١). وأما المسلك الثاني فيكفي في بيان بطلانه، أنه صرف للحديث عن ظاهره من غير قرينة توجب ذلك. ثم إن ما بنوا عليه مذهبهم هذا وهو كون التردد بمعنى: التوقف عن

стр. 261

الجزم بأحد الطرفين، لعدم العلم بالعاقبة، تقدم بيان أنه غير لازم من معناه، إذ قد يكون التردد لكون الشيء المعين مرادًا من وجه، ومكروهًا من وجه آخر، وهذا هو حقيقة تردده سبحانه -كما تقدم- فهو يريد الموت لكونه قضى به على الخلق كلهم، ويكرهه لكراهة عبده له، مع أنه سبحانه قد قطع بأحد الأمرين، وهو الموت، وهو سبحانه يعلم عاقبة كل منهما، فهو يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. ومع بطلان هذا المسلك من أساسه، فإن ما ذكر فيه من تأويلات، بعيدة جدًا عن ظاهر الحديث، وقد تتبع بعضها الشوكاني ﵀ في كتابه (قطر الولي) وبيَّن بطلانها: ١ - أما التأويل الأول -وهو ما ذهب إليه الخطابي وغيره- وهو حمل التردد على معنى كون العبد يمرض حتى يشرف على الهلاك، فيدعو الله تعالى فيشفيه. فقد قال عنه الشوكاني: "ما أبرد هذا التأويل وأسمجه وأقل فائدته، فإن صدور الشفاء من الله لذلك الذي أصابه الداء فشفاه منه، ليس من التردد في شيء، بل هو أمر واحد وجزم لا تردد فيه قط. وكذلك إنزال المرض به جزم لا تردد فيه، فهما قضاء بعد قضاء، وقدر بعد قدر، وإن كانا باعتبار شخص واحد، فهما مختلفان متغايران لم يتحدا ذاتًا ولا وقتًا ولا زمانًا، ولا صفةً، بل قضى الله على عبده بالمرض ثم شفاه منه. فأي مدخل للتردد، أو لما يشابه التردد، أو لما يصح أن يُؤول به التردد في مثل هذا" (١). ٢ - وأما التأويل الثاني للخطابي -أيضًا- وهو حمل التردد على ترديد الملائكة في قبض روح المؤمن، كما حصل في قصة موسى وملك الموت ﵇.

стр. 262

فقد قال الشوكاني عنه: "جعل التردد الذي معناه: التوقف عن الجزم بأحد الطرفين بمعنى: الترديد الذي هو الرد مرةً بعد مرةً، وهما مختلفان مفهومًا وصدقًا، فحاصله: إخراج التردد عن معناه اللغوي إلى معنى لا يلاقيه ولا يلابسه بوجه من الوجوه، فليس هذا من التأويل في شيء" (١). ٣ - وأما التأويل الثالث -وهو ما احتمله ابن الجوزي وغيره- وهو حمل التردد على معنى: أن يكون للمؤمن تركيب معين، يحتمل عمرًا معينًا -كخمسين سنةً مثلًا- هو أنقص من عمره وأجله المكتوب له -كأن يكون سبعين سنةً مثلًا- فإذا بلغ قدر هذا التركيب ومرض، دعا الله تعالى بالعافية، فشفاه وبلغه أجله المكتوب له. فقد قال الشوكاني عنه: "هذا التأويل لم يأتِ بفائدة قط، فإن العمر الذي هو السبعون لا بد أن يبلغه العبد على اعتقاد هذا القائل، سواء كان التركيب محتملًا لذلك أم لا، وسواء مرض عند انتهاء عمره إلى خمسين أولم يمرض، وسواء دعا الله بالعافية أولم يدعُ، فإنه لا بد أن يبلغ السبعين، وغاية ما هناك أن الله رحمه ولطف به، فشفاه من مرضه الذي عرض له وهو في خمسين سنةً، فأي شيء هذا وما الجامع بينه وبين التردد المذكور في الحديث" (٢). ٤ - وأما ما ذهب إليه الشوكاني من أن معنى التردد: انتظار ما يأتي به العبد، مما يقتضي تأخير أجله، من دعاءٍ أو صدقة أو صلة رحم، فإن أتى به فَسَح له في عمره، وأخر له في أجله، وإلا مات بأجله الأول. فإنه غير وجيه لأن التردد الوارد في الحديث ليس فيه ما يشعر بالانتظار، بل فيه عزم وجزم بإرادة الموت للعبد، ولذلك قال: (ما ترددت في شيء أنا فاعله).

стр. 263

ثم إن السبب والمسبب مقدران مكتوبان معلومان لله تعالى، فهو يعلم هل سيأتي عبده بهذه الأسباب الموجبة لخلوصه من المرض، أو لا يأتي بها، وعليه فهو يعلم هل سيموت في مرضه هذا أم لا، فأي معنى وفائدة لهذا الانتظار؟ ! . مسألة: في بيان معنى قوله في الحديث السابق: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) . معنى هذا الحديث، الذي يدل عليه ظاهره: أن الله تعالى يسدد الولي في سمعه وبصره ويده ورجله، وتكون هذه الأعضاء مشغولة بالله تعالى، طاعةً وامتثالًا، فلا يصغي بسمعه ولا يرى ببصره إلا إلى ما يرضي الله تعالى، ويكون هو المقصود بهذه الأعضاء والقوى. وليس ظاهره أن الله تعالى يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب والقدم، كما هو قول أهل الحلول (١). قال ابن تيمية: "الحديث حق كما أخبر النبي ﷺ ، فإن ولي الله لكمال محبته لله، وطاعته لله، يبقى إدراكه لله وبالله، وعمله لله وبالله، فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه الحق أحبه، وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه، ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل، كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا وخلفي نورًا، واجعل لي نورًا) (٢) ... " (٣).

стр. 264

وقال الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله تعالى-: معنى هذا الحديث "هو أن الله تعالى يسدد هذا الولي في سمعه وبصره وعمله، بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره، وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصًا، وبالله تعالى استعانةً، وفي الله تعالى شرعًا واتباعًا، فيتم له كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة، وهذا غاية التوفيق، وهذا ما فسره به السلف، وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ، موافق لحقيقته، متعين بسياقه، وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره، ولله الحمد والمنة" (١). وقد احتج أهل الحلول والاتحاد بهذا الحديث على صحة ما ذهبوا إليه، فقالوا: إن هذا يوجب أن يكون عين الحق عين أعضائه. ولكن حجتهم هذه داحضة، وقولهم الذي ذهبوا إليه باطل مردود، مناقض للعقل والشرع، ولذلك قال الشوكاني: "قول الاتحادية يقضي عقل كل عاقل ببطلانه، ولا يحتاج إلى نصب الحجة معهم" (٢). ومع هذا فإن الحديث حجة عليهم، مبطل لمذهبهم من عدة وجوه، منها: ١ - أنه قال: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) فأثبت ثلاثة: وليًا، وعدوًا يعادي وليه، وميَّز بين نفسه وبين وليه، وعدو وليه. ٢ - أنه قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه)، ففرق بين العبد المتقرب، والرب المتقرب إليه. ٣ - ومثله قوله: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه). ٤ - وقال أيضًا: (ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه)، فجعل

стр. 265

العبد سائلًا مستعيذًا، والرب مسؤلًا مستعاذًا به، وهذا يناقض الحلول والاتحاد (١). ٥ - أنه قال: (وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته). قال ابن تيمية: "هذا تصريح بأنه عبده، ليس الرب جزءًا منه، ولا صفةً له، وأنه يُقبض ويموت، ومعلوم أن الله حي لا يموت، فضلًا عن أن يكون بعضًا، أو صفة لمن يموت، فإنه لو كان ظاهره أن الله نفسه هو عين العبد وسمعه ويده ورجله، لكانت هذه الأعضاء تموت بموت الجملة" (٢). * * *

стр. 266

المبحث الثامن: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 267

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله تعالى في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) متفق عليه (١). بيان وجه الإشكال أن الظل جاء في الحديث مضافًا إلى الله تعالى، فهل يكون صفة من صفاته، أم ماذا؟ وإذا لم يكن صفة من صفاته فعلى ماذا يحمل؟ * * *

стр. 268

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في الظل المذكور في الحديث على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في الحديث: ظل العرش، وإلى هذا ذهب الطحاوي (١) وابن عبد البر في أحد قوليه (٢)، وابن رجب (٣)، والقرطبي (٤)، وابن حجر (٥)، وهو ظاهر صنيع ابن منده، والسيوطي، وحافظ الحكمي، عليهم رحمة الله. أما ابن منده فإنه قال: "بيان آخر يدل على أن العرش ظل يستظل فيه من يشاء الله من عباده" ثم أورد تحت هذا العنوان حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله) (٦). وأما السيوطي فقد ألف كتابًا بعنوان: (تمهيد الفرش في الخصال الموجبه لظل العرش)، ذكر فيه هذا الحديث وشيئًا من طرقه وشواهده. وأما حافظ الحكمي، فإنه ذكر هذا الحديث باللفظ السابق في جملة النصوص الدالة على العرش وبيان صفته (٧).

стр. 269

واستدل هؤلاء بما يلي: ١ - أن الحديث جاء بلفظ (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه)، كما عند سعيد بن منصور من حديث سلمان (١)، وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر (٢)، والعيني (٣)، والسيوطي (٤). وعند الطحاوي من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) (٥). فقالوا: إن هذه الرواية مفسرة للرواية السابقة، والتي فيها إضافة الظل إلى الله تعالى (٦). ٢ - أن الظل جاء مضافًا إلى العرش فى عدة أحاديث، غير هذا الحديث، ومن ذلك ما يلي: أ- حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (من أنظر معسرًا أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله) (٧).

стр. 270

وجاء هذا الحديث -أيضًا- عن أبي اليسر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله تعالى في ظل عرشه) (١). كما جاء -أيضًا- عن أبي قتادة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نفس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة) (٢). ب- حديث معاذ بن جبل ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (المتحابون في الله على منابرَ من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله) (٣). القول الثاني: أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في الحديث: رحمته، وإلى هذا ذهب ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في أحد قوليه، وذكره البغوي والبيهقي وغيرهما.

стр. 271

وأصحاب هذا القول، منهم من يفسر الرحمة بدخول الجنة كابن عبد البر حيث قال: "والظل في هذا الحديث يراد به: الرحمة، والله أعلم، ومن رحمة الله الجنة، قال الله عزَّ وحلَّ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠]، وقال: ﴿فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] " (١). ومنهم من يفسرها بالرعاية والكرامة والحماية، كما يقال: أسبل الأمير أو الوزير ظله على فلان، بمعنى الرعاية والحماية. وممن فسرها بهذا: عيسى بن دينار (٢)، والبيهقي (٣)، والبغوي (٤)، والقاضي عياض (٥)، عليهم رحمة الله. القول الثالث: أن المراد بالظل في الحديث: ظل يخلقه الله تعالى، لأنه في ذلك الوقت لا يوجد شيء يظل الخلائق من الشمس، فلا بناء ولا شجر ولا رمال ولا حجر، إلا ما يخلقه الله تعالى، فيظل به من شاء من عباده، وإلى هذا ذهب الشيخ محمد العثيمين ﵀، بل لم يجوز غير هذا المعنى للحديث. قال ﵀: "معنى (يوم لا ظل إلا ظله) أو (يظلهم الله في ظله) يعني:

стр. 272

الظل الذي لا يقدر أحد عليه في ذلك الوقت، لأنه في ذلك الوقت ... لا يظل الخلائق من الشمس شيء، لا بناء ولا شجر ولا حجر، ولا غير ذلك، لكن الله يخلق شيئًا يظلل به من شاء من عباده، يوم لا ظل إلا ظله، هذا هو معنى الحديث، ولا يجوز أن يكون له معنى سوى هذا" (١). وشدد -رحمه الله تعالى- النكير على من حمل الظل في الحديث على ظل الله تعالى نفسه، لأنه يلزم عليه أن يكون الله تعالى تحت الشمس. قال ﵀: هذه "مسألةٌ ضل فيها كثير من الجهال، وهي قوله: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، حيث توهموا جهلًا منهم أن هذا هو ظل الله نفسه، وأن الله تعالى يظلهم من الشمس بذاته ، وهذا فهم خاطئ منكر، يقوله بعض المتعالمين الذين يقولون: إن مذهب أهل السنة إجراء النصوص على ظاهرها، فيقال: أين الظاهر؟ ! وكيف يكون ظاهر الحديث أن الرب جل وعلا يظلهم من الشمس؟ ! فإن هذا يقتضي أن تكون الشمس فوق الله " (٢). وقال أيضًا: "المراد بالظل هنا: ظل يخلقه الله يوم القيامة، يظلل فيه من شاء من عباده، وليس المراد ظل نفسه جل وعلا، لأن الله نور السموات والأرض، ولا يمكن أن يكون الله ظلًا من الشمس، فتكون الشمس فوقه، وهو بينها وبين الخلق، ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار، لأنه لا يمكن أن يكون الله تحت شيء من مخلوقاته، فهو العلي الأعلى، ثم هو نور السموات والأرض" (٣). وأما رواية (في ظل عرشه)، فقد قال الشيخ عنها: "فيها نظر، لأن المعروف أن العرش أكبر من السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم،

стр. 273

والسموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة، فكيف يكون العرش تحت الشمس يظل الناس؟ ! لو صح الحديث لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلًا، والله على كل شيء قدير. لكن هذه اللفظة في صحتها نظر، والصواب أنه ظل يخلقه الله في ذلك اليوم، إما من الغمام أو غير ذلك، فالله أعلم به، لكنه ظل يستر الله به من شاء من عباده من حر الشمس" (١). * * *

стр. 274

المطلب الثالث: الترجيح الذي يظهر -والله تعالى أعلم بالصواب- أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في الحديث: ظل العرش -على ما جاء في القول الأول- فيكون من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، لا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ويدل على هذا عدة أمور منها: ١ - أنه جاء مفسرًا في بعض رواياته بذلك، ومخرج الحديث واحد، وإذا كان كذلك فلا بد من حمل إحدى الروايتين على الأخرى، ولا يجوز حمل رواية: (ظل العرش) على رواية: (ظل الله)؛ لأنه لا يمكن أن يطلق (ظل العرش) ويراد به (ظل الله)، لكن العكس ممكن؛ لأن الله تعالى هو خالق العرش -وكل ظل في القيامة فهو ظله على هذا المعنى- لا سيما وأنه قد ثبت في عدة أحاديث أن للعرش ظلًا يستظل به من شاء الله تعالى من عباده، كما في أدلة القول الأول. ومما يؤيد هذا أن كثيرًا من الأحاديث التي فيها إضافة الظل إلى العرش، قد جاءت في بعض ألفاظها بإضافة الظل إلى الله تعالى، مما يدل على أن المراد بها شيء واحد، وهو ظل العرش كما تقدم. فمثلًا: حديث أبي اليسر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظله الله تعالى في ظل عرشه) (١). قد جاء عند مسلم وأحمدَ وغيرهما بلفظ: (من أنظر معسرًا أو وضع

стр. 275

عنه أظله الله في ظله) (١). ٢ - أن هذا المعنى، وهو التعبير عن ظل العرش، بظل الله تعالى قد جاء مصرحًا به في سياق واحد، مما يجعله لا يقبل أي احتمال غيره، فعن العِرْبَاض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : المتحابون بجلالي، في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي) (٢). ٣ - أن حمل قوله ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله ... ) على ظل الله تعالى نفسه، ينافي الأحاديث الكثيرة التي جاءت بإثبات الظل للعرش، لأن الله تعالى نفى وجود ظل غير ظله في ذلك اليوم، علمًا أنني لم أجد -بعد بحثي المتواضع- من أثبت الظل صفة لله تعالى، بل ظاهر صنيع السلف عليهم رحمة الله، حمل الظل المضاف إلى الله تعالى، على ظل العرش، لمجيئه مفسرًا بذلك، والله أعلم. وأما القول الثاني وهو: تأويل الظل بمعنى الرحمة، فهو إخراج للفظ عن ظاهره وحقيقته من غير قرينة توجب ذلك. وتفسير بعضهم، الرحمة بدخول الجنة والاستظلال بظلها، لا يستقيم مع هذا الحديث، لأن دخول الجنة والاستظلال بظلها لا يختص بهؤلاء السبعة، وبالتالي فلن يكون لهم مزية على غيرهم، والحديث يدل على امتيازهم على غيرهم بهذا الاستظلال. وأيضًا فإن تفسير الظل بالرحمة ترده الرواية الأخرى للحديث، وهي: (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه)؛ لأن المعنى سيكون: في رحمة عرشه؟ ! وهذا لا يقول به أحد.

стр. 276

كما لا يصح حمل الظل على معنى الحماية والكرامة والرعاية، لأن هذه تحصل في الدنيا أيضًا، والحديث قد جاء تقييده بيوم القيامة، كما في رواية للبخاري: (سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله) (١). قال ابن حجر ﵀: "إذا كان المراد: ظل العرش، استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس، فهو أرجح، وبه جزم القرطبي. ويؤيده أيضًا تقييد ذلك بيوم القيامة، كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر، وهو عند المصنف في كتاب الحدود. وبهذا يندفع قول من قال: المراد ظل طوبى أو ظل الجنة، لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة، ثم إن ذلك مشترك لجميع من يدخلها، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة، فيرجح أن المراد ظل العرش" (٢). وأما القول الثالث، وهو أن المراد بالظل في الحديث: ظل يخلقه الله تعالى، فقول يفتقر إلى دليل يدل عليه، لأنه غيب، والغيب سبيله الوقوف عند حدود ما ورد. وأما القول بأنه يلزم من حمل الظل على ظل الله تعالى، أن يكون الله تحت الشمس، فقول غريب جدًا، لأنه دخول في الكيفية، فلو لم ترد الرواية الأخرى: (في ظل عرشه)؛ لتعين حمل الحديث على ظاهره، دون الخوض في كيفية ذلك، والله أعلم. وكذا القول: بأن رواية: (في ظل عرشه) يلزم منها أن يكون العرش تحت الشمس، مع أنه أكبر منها، كل ذلك دخول في الكيفية، ومذهب أهل السنة والجماعة -كما هو معلوم- تفويض الكيفية وعدم الخوض فيها، علمًا

стр. 277

أن هذا اللازم ليس بلازم في الحقيقة، وذلك أنه يمكن أن يكون للعرش ظل وهو فوق الشمس، ويكون ذلك دليلًا على عظم خلقه، وقد أشار الشيخ ابن عثيمين ﵀ إلى نحو من هذا حينما قال: "لو صح الحديث، لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلًا، والله على كل شيء قدير" (١). ثم إنه قد ثبت أن للعرش ظلًا في عدة أحاديث غير هذا (٢)، فلو أمكن رد هذه الرواية، لما أمكن رد تلك الأحاديث الأخرى، والتي جاءت بإثبات الظل للعرش. قال الذهبي رحمه الله تعالى: "وقد بلغ في ظل العرش أحاديث تبلغ التواتر" (٣). * * *

стр. 278

المبحث التاسع: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر . . .) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 279

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، متفق عليه (١). وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر) (٢). بيان وجه الإشكال الدهر في اللغة: الزمان، وقد نص بعض أهل اللغة على أنهما بمعنى واحد (٣)، ومعلوم أن الدهر بهذا المعنى ليس هو الله تعالى. قال ابن تيمية: "أجمع المسلمون -وهو مما علم بالعقل الصريح- أن الله ليس هو الدهر الذي هو الزمان، أو ما يجري مجرى الزمان" (٤).

стр. 280

فلما كان الأمر كذلك اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث، لأن الله تعالى قال فيه: (وأنا الدهر)، والرسول ﷺ قال كما في الرواية الأخرى للحديث: (فإن الله هو الدهر). * * *

стр. 281

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الحديث جاء لرد ما كان عليه أهل الجاهلية من نسبة المصائب التي تصيبهم، والكوارث التي تحل بهم إلى الدهر، فيقولون مثلًا: أصابتنا قوارع الدهر، وأبادنا الدهر، وأتى علينا الدهر، وهكذا ... فينسبون كل ما يجري عليهم بقضاء الله وقدره، من موت أو سقم أو هرم أو فقر إلى الدهر، ثم يذمونه ويسبونه لأجل ذلك، فيقولون مثلًا: قبح الله الدهر الذي شتت شملنا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا، وقد كثر ذلك في أشعارهم، ومن أمثلته: قول المساور بن هند (١): بليت وعلمي في البلاد مكانه ... وأفنى شبابي الدهر وهو جديد (٢) وقول أبي ذؤيب الهذلي (٣):

стр. 282

أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع (١) وقول الأعشى (٢): فاستأثر الدهر الغداة بهم ... والدهر يرميني ولا أرمي يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم وسلبتنا ما ليس تُعقبنا ... يا دهر ما أنصفت في الحكم (٣) ومعنى الحديث على هذا: لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصائب، ولا تنسبوها إليه، فإن الله هو الذي أصابكم بذلك، لا الدهر فإذا سببتم الفاعل وقع السب على الله ، إذ هو الفاعل لها لا الدهر. ويكون معنى قوله ﷺ : (وأنا الدهر): ما فسره بقوله: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار). وهكذا قوله: (فإن الله هو الدهر) أي: مدبر الدهر ومصرفه. وعلى هذا، لا يكون الدهر اسمًا من أسماء الله تعالى. وإلى هذا القول ذهب جمهور أهل العلم، كالشافعي (٤) وأبي عبيد،

стр. 283

وابن جرير الطبري (١)، وابن قتيبة (٢)، وإبراهيم الحربي (٣)، والخطابي، وأبي يعلى (٤)، وابن عبد البر (٥)، وقوام السنة الأصبهاني، والقرطبي (٦) والنووي (٧)، وابن تيمية (٨)، وابن كثير (٩)، وابن حجر (١٠)، وسليمان بن عبد الله (١١)، وابن عثيمين (١٢)، عليهم رحمة الله.

стр. 284

قال أبو عبيد: "تأويله عندي -والله أعلم- أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم، من موت أو هرم أو تلف مال، أو غير ذلك، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم الدهر، فيجعلونه الذي يفعل ذلك، فيذمونه ... فقال النبي ﷺ : (لا تسبوا الدهر)، على تأويل: لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء، ويصيبكم بهذه المصائب، فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى، لأنه هو الفاعل لها، لا الدهر، فهذا وجه الحديث إن شاء الله، لا أعرف له وجهًا غيره" (١). وقال الخطابي: "قوله: (أنا الدهر) معناه: أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي تنسبونها إلى الدهر، فإذا سب ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبُّه إليَّ، لأني فاعلها، وإنما الدهر زمان ووقت جعلته ظرفًا لمواقع الأمور، وكان من عادة أهل الجاهلية إذا أصابهم شدة من الزمان، أو مكروه من الأمر، أضافوه إلى الدهر، وسبوه، فقالوا: بؤسًا للدهر، وتبًا للدهر، ونحو ذلك من القول ... فأعلم الله ﵎ أن الدهر محدث، يقلبه بين ليل ونهار، لا فعل له من خير أو شر، لكنه ظرف للحوادث ومحل لوقوعها، وأن الأمور كلها بيد الله تعالى، ومن قِبله يكون حدوثها، وهو محدثها ومنشئها سبحانه لا شريك له" (٢). وقال قوام السنة الأصبهاني: "ومما جاء في الحديث مما لا يؤمن وقوع الغلط فيه قوله ﷺ : (فإن الله هو الدهر)، لا يجوز أن يتوهم متوهم أن الدهر من أسماء الله تعالى، وإنما معنى هذا الكلام: أن أهل الجاهلية كان من عادتهم إذا أصاب الواحد منهم مكروه أن يضيفه إلى الدهر، فيسبون الدهر على أنه الفاعل لذلك، ولا يرونه صادرًا من فعل الله، وكائنًا بقضائه، فأعلمهم أن جميع ذلك من فعل الله تعالى، وأن مصدرها من قبله، وأنكم

стр. 285

متى سببتم فاعلها كان مرجع السب إلى الله " (١). القول الثاني: قول من يروي حديث: (وأنا الدهر) بنصب الدهر على الظرفية، فيكون المعنى: أنا الدهرَ كله بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، وإلى هذا ذهب أبو بكر بن داود الظاهري (٢) وغيره. قال الخطابي: "كان أبو بكر يرويه (وأنا الدهرَ) مفتوحة الراء، منصوبًا على الظرف، أي: أنا طول الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار، وكان يقول: لو كان مضمومًا لانقلب الدهر اسمًا من أسماء الله جلَّ وعز وعلا" (٣). وقال ابن عبد البر: "فمن أهل العلم من يروي هذا الخبر بنصب الدهر على الظرف، يقول: أنا الدهر كله بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" (٤). القول الثالث: أن الدهر من أسماء الله تعالى، ومعناه: القديم الأزلي، وإلى هذا ذهب نعيم بن حماد، وطائفة من أهل الحديث والصوفية (٥)، وهو قول ابن حزم رحمه الله تعالى (٦). وعمدتهم هذا الحديث.
следующие страницы →