← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الحديث جاء لرد ما كان عليه أهل الجاهلية من نسبة المصائب التي تصيبهم، والكوارث التي تحل بهم إلى الدهر، فيقولون مثلًا: أصابتنا قوارع الدهر، وأبادنا الدهر، وأتى علينا الدهر، وهكذا ... فينسبون كل ما يجري عليهم بقضاء الله وقدره، من موت أو سقم أو هرم أو فقر إلى الدهر، ثم يذمونه ويسبونه لأجل ذلك، فيقولون مثلًا: قبح الله الدهر الذي شتت شملنا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا، وقد كثر ذلك في أشعارهم، ومن أمثلته: قول المساور بن هند (١): بليت وعلمي في البلاد مكانه ... وأفنى شبابي الدهر وهو جديد (٢) وقول أبي ذؤيب الهذلي (٣):

стр. 282

أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع (١) وقول الأعشى (٢): فاستأثر الدهر الغداة بهم ... والدهر يرميني ولا أرمي يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم وسلبتنا ما ليس تُعقبنا ... يا دهر ما أنصفت في الحكم (٣) ومعنى الحديث على هذا: لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصائب، ولا تنسبوها إليه، فإن الله هو الذي أصابكم بذلك، لا الدهر فإذا سببتم الفاعل وقع السب على الله ، إذ هو الفاعل لها لا الدهر. ويكون معنى قوله ﷺ : (وأنا الدهر): ما فسره بقوله: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار). وهكذا قوله: (فإن الله هو الدهر) أي: مدبر الدهر ومصرفه. وعلى هذا، لا يكون الدهر اسمًا من أسماء الله تعالى. وإلى هذا القول ذهب جمهور أهل العلم، كالشافعي (٤) وأبي عبيد،

стр. 283

وابن جرير الطبري (١)، وابن قتيبة (٢)، وإبراهيم الحربي (٣)، والخطابي، وأبي يعلى (٤)، وابن عبد البر (٥)، وقوام السنة الأصبهاني، والقرطبي (٦) والنووي (٧)، وابن تيمية (٨)، وابن كثير (٩)، وابن حجر (١٠)، وسليمان بن عبد الله (١١)، وابن عثيمين (١٢)، عليهم رحمة الله.

стр. 284

قال أبو عبيد: "تأويله عندي -والله أعلم- أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم، من موت أو هرم أو تلف مال، أو غير ذلك، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم الدهر، فيجعلونه الذي يفعل ذلك، فيذمونه ... فقال النبي ﷺ : (لا تسبوا الدهر)، على تأويل: لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء، ويصيبكم بهذه المصائب، فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى، لأنه هو الفاعل لها، لا الدهر، فهذا وجه الحديث إن شاء الله، لا أعرف له وجهًا غيره" (١). وقال الخطابي: "قوله: (أنا الدهر) معناه: أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي تنسبونها إلى الدهر، فإذا سب ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبُّه إليَّ، لأني فاعلها، وإنما الدهر زمان ووقت جعلته ظرفًا لمواقع الأمور، وكان من عادة أهل الجاهلية إذا أصابهم شدة من الزمان، أو مكروه من الأمر، أضافوه إلى الدهر، وسبوه، فقالوا: بؤسًا للدهر، وتبًا للدهر، ونحو ذلك من القول ... فأعلم الله ﵎ أن الدهر محدث، يقلبه بين ليل ونهار، لا فعل له من خير أو شر، لكنه ظرف للحوادث ومحل لوقوعها، وأن الأمور كلها بيد الله تعالى، ومن قِبله يكون حدوثها، وهو محدثها ومنشئها سبحانه لا شريك له" (٢). وقال قوام السنة الأصبهاني: "ومما جاء في الحديث مما لا يؤمن وقوع الغلط فيه قوله ﷺ : (فإن الله هو الدهر)، لا يجوز أن يتوهم متوهم أن الدهر من أسماء الله تعالى، وإنما معنى هذا الكلام: أن أهل الجاهلية كان من عادتهم إذا أصاب الواحد منهم مكروه أن يضيفه إلى الدهر، فيسبون الدهر على أنه الفاعل لذلك، ولا يرونه صادرًا من فعل الله، وكائنًا بقضائه، فأعلمهم أن جميع ذلك من فعل الله تعالى، وأن مصدرها من قبله، وأنكم

стр. 285

متى سببتم فاعلها كان مرجع السب إلى الله " (١). القول الثاني: قول من يروي حديث: (وأنا الدهر) بنصب الدهر على الظرفية، فيكون المعنى: أنا الدهرَ كله بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، وإلى هذا ذهب أبو بكر بن داود الظاهري (٢) وغيره. قال الخطابي: "كان أبو بكر يرويه (وأنا الدهرَ) مفتوحة الراء، منصوبًا على الظرف، أي: أنا طول الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار، وكان يقول: لو كان مضمومًا لانقلب الدهر اسمًا من أسماء الله جلَّ وعز وعلا" (٣). وقال ابن عبد البر: "فمن أهل العلم من يروي هذا الخبر بنصب الدهر على الظرف، يقول: أنا الدهر كله بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" (٤). القول الثالث: أن الدهر من أسماء الله تعالى، ومعناه: القديم الأزلي، وإلى هذا ذهب نعيم بن حماد، وطائفة من أهل الحديث والصوفية (٥)، وهو قول ابن حزم رحمه الله تعالى (٦). وعمدتهم هذا الحديث.

стр. 286

المطلب الثالث: الترجيح الذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- أن معنى: (وأنا الدهر)، و (فإن الله هو الدهر) أي: مدبر الدهر ومصرفه ومقلبه -على ما جاء في القول الأول- لأنه فسره بذلك في نفس الحديث، فقال: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، وليس المراد به كون الدهر اسمًا من أسماء الله تعالى، وإنما خرج الحديث مخرج الرد على أهل الجاهلية في نسبة ما يصيبهم من مصائب وغيرها إلى الدهر، وعلى هذا القول جمهور العلماء كما تقدم. قال ابن كثير: "قال الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله ﷺ : (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر): كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنهم إنما سبوا الله ، لأنه فاعل تلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار، لأن الله تعالى هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، وهذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد، والله أعلم، وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذًا من هذا الحديث" (١). ومما يدل علي صحة هذا القول ما يلي: ١ - أنه جاء مفسرًا بذلك في نفس الحديث كما تقدم. قال ابن تيمية: "قوله في الحديث: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)

стр. 287

يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان، فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار، والزمان هو الليل والنهار، فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه" (١). وقال ابن عثيمين: "فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بيَّن أنه يقلب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يمكن أن يكون المقلِّب (بكسر اللام) هو المقلَّب (بفتحها)، وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى" (٢). ٢ - أن الأصل في أسماء الله تعالى أن تكون حسنى، أي بالغةً في الحسن غايته، فلا بد أن تشتمل على وصف ومعنى هو أحسن ما يكون من الأوصاف والمعاني، والدهر اسم جامد، لا يتضمن معنى يُلحقه بالأسماء الحسنى، ولا يحمل المعنى الذي يوصف بأنه أحسن، وحينئذٍ فليس من أسماء الله تعالى، وإنما هو اسم للوقت والزمن (٣). ٣ - أن الله تعالى قد أخبر عن المشركين، وما كانوا عليه من نسبة أفعاله وأقداره إلى الدهر، فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية: ٢٤]. قال ابن جرير الطبري: "ذُكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن أهل الشرك كانوا يقولون: الذي يهلكنا ويفنينا الدهر والزمان، ثم يسبون ما يفنيهم ويهلكهم، وهم يرون أنهم يسبون بذلك الدهر والزمان، فقال الله : أنا الذي أفنيكم وأهلككم، لا الدهر والزمان، ولا علم لكم بذلك" (٤). ثم أورد بسنده حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: (كان أهل

стр. 288

الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، قال: فيسبون الدهر، فقال الله ﵎: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) (١). والمشركون الذين يضيفون المصائب والنوائب إلى الدهر على قسمين: أحدهما: الذين لا يؤمنون بالله تعالى، ولا يعرفون إلا الدهر، الذي هو مرُّ الزمان واختلاف الليل والنهار، اللذَين هما محل الحوادث، وظرف لمساقط الأقدار، فينسبون المكاره إليه على أنها من فعله، ولا يرون أن له مدبرًا ومصرِّفًا، وهؤلاء هم الدهرية (٢) الذين حكى الله عنهم في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾. والقسم الثاني: يعرفون الله تعالى، ويعتقدون أنه هو المدبر للأمور وحده لا شريك له، لكنهم يضيفون ما يجري عليهم من المصائب والحوادث إلى الدهر، من باب إضافة الشيء إلى محله، لا أنه عندهم فاعل لذلك (٣). وقد وقع في هذا بعض شعراء المسلمين:

стр. 289

كقول سابق البربري (١): المرء يجمع والزمان يفرق ... ويظل يرقع والخطوب تمزق (٢) وقول أبي العتاهية (٣): دهر يؤمننا الخطوب وقد نرى ... في كل ناحية لهن شباكا يا دهر قد أعظمت عبرتنا بمن ... دارت عليه من القرون رحاكا (٤) وقوله أيضًا: لكم فجع الدهر من والد ... وكم أثكل الدهر من والِدَة وكم ترك الدهر من سيد ... ينوء على قدم واحدة (٥) قال ابن عبد البر: "وجرى ذلك على الألسنة في الإسلام، وهم لا يريدون ذلك، ألا ترى أن المسلمين الخيار الفضلاء قد استعملوا ذلك في أشعارهم، على دينهم وإيمانهم، جريًا في ذلك على عادتهم، وعلمًا

стр. 290

بالمراد، وأن ذلك مفهوم معلوم، لا يشكل على ذي لُبٍّ" (١). وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: "أكثرُ هؤلاء من الشعراء والأدباء لا يقصدون نسبة القبائح إلى الله تعالى، من الجَور والظلم، وإنما ساروا في ذلك على سبيل المتابعة لأهل الجاهلية والتقليد، بدون تبصر لذلك، والله أعلم" (٢). ولا يعني هذا جواز ما وقع فيه هؤلاء الشعراء من سب الدهر ونسبة المقادير إليه. قال سليمان بن عبد الله: "والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقًا، سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام" (٣). وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم، فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم، أو برده وما أشبه ذلك، لأن الأعمال بالنيات، واللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط ﵇: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]. الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر، أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا ... الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه، لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده، فهذا محرم،

стр. 291

لأن سبه في الحقيقة يعود إلى سب الله ، وليس بشرك لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة" (١). وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى المفاسد المترتبة على سب الدهر فقال: "في هذا ثلاث مفاسد عظيمة: إحداها: سبه من ليس بأهل أن يسب، فإن الدهر خَلْقٌ مسخر من خلق الله، منقاد لأمره مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه. الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًا، وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه. الثالثة: أن السبَّ منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه. وفي حقيقة الأمر، فرَبُّ الدهر تعالى هو المعطي المانع، الخافض الرافع، المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم للدهر مسبة لله ، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، عن النبي قال: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر)، فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما، إما سبه لله، أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فقد سب الله" (٢).

стр. 292

وأما القول الثاني: وهو رواية حديث: (وأنا الدهر) بنصب الدهر على الظرفية، لأن رواية الرفع يلزم منها أن يكون الدهر اسمًا من أسماء الله تعالى، فيرده أن الحديث جاء بلفظ: (فإن الله هو الدهر)، وهذا يوافق رواية الرفع في قوله: (وأنا الدهر). ثم إن رواية الرفع لا يلزم منها أن يكون الدهر اسمًا لله تعالى، وقد تقدم توجيه الحديث وبيان معناه. قال القرطبي مبيِّنًا خطأ هذا القول، الذي قال به أبو بكر الظاهري: "الذي حمله على ذلك خوف أن يقال: إن الدهر من أسماء الله تعالى، وهذا عدول عما صح إلى ما لم يصح مخافة ما لا يصح، فإن الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضم، ولم يَروِ الفتح من يعتمد عليه، ولا يلزم من ثبوت الضم أن يكون الدهر من أسماء الله تعالى، لأن أسماء الله تعالى لا بد من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، فيُخبر به، وينادى به، كما اتفق في سائر أسماء الله تعالى، كالغفور والشكور والعليم والحليم، وغير ذلك من أسمائه، فإنك تجدها في الشريعة وفي لسان أهلها، تارةً يخبر بها، وأخرى يخبر عنها، وأخرى يدعى وينادى بها، ولم يوجد للدهر شيء من ذلك، فلا يكون اسمًا من أسمائه تعالى" (١). وأما القول الثالث: وهو القول: بأن الدهر اسم من أسماء الله تعالى، فقول بعيد جدًا، وإلا لكان قول الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ صوابًا، لأنهم يكونون حينئذٍ قد نسبوا ذلك إلى الله سبحانه، ولكن لما كان الأمر ليس كذلك، عابهم الله وذمهم فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. فهذه الآية تدل دلالةً واضحة على خطأ من سمى الله تعالى بهذا الاسم.

стр. 293

قال سليمان بن عبد الله، بعد كلام له في هذه المسألة: "فقد تبين بهذا خطأ ابن حزم في عده الدهر من أسماء الله الحسنى، وهذا غلط فاحش، ولو كان كذلك لكان الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ مصيبين" (١). وأما المعنى الذي ذكروه للدهر وهو: القديم الأزلي، فقد قال ابن تيمية: "هذا المعنى صحيح، لأن الله سبحانه هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، فهذا المعنى صحيح، إنما النزاع في كونه يسمى دهرًا بكل حال" (٢). وقد أشار عدد من أهل العلم إلى عدم جواز تسمية الله تعالى بهذا الاسم، وإلى تخطئة ابن حزم رحمه الله تعالى في عده (الدهر) من أسماء الله تعالى، وممن أشار إلى ذلك: الخطابي (٣)، وأبو يعلى (٤)، وقوام السنة الأصبهاني (٥)، والقاضي عياض (٦)، والقرطبي (٧)، وابن كثير (٨)، وابن عثيمين (٩). وأما أذية الله تعالى الواردة في الحديث فقد تقدم الكلام عليها في المبحث السادس (١٠).

стр. 294

المبحث العاشر: (الرحم شجنة من الرحمن) وفيه مطلبان: * المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.

стр. 295

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: (الرحم شِجْنة (١) من الرحمن، فقال الله: من وصلكِ وصلته، ومن قطعكِ قطعته)، رواه البخاري (٢). وعن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ ، قال: (الرحم شجنة، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته)، رواه البخاري (٣). وعنها ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)، رواه مسلم (٤). وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: (خلق الله الخلق فلما فرغ منه، قامت الرحم، فقال: مَهْ، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذلك لك) ثم قال أبو هريرة: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا

стр. 296

فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢]، متفق عليه (١). وفي لفظ للبخاري: (خلق الله الخلق فلما فرغ منه، قامت الرحم، فأخذت بحَقْوِ الرحمن) (٢). بيان وجه الإشكال قد يستشكل بعض الناس قوله ﷺ : (الرحم شجنة من الرحمن)؛ لأنه من المعلوم أن الرحم ليست جزءًا من الرحمن ولا بعضًا منه، ولا صفةً من صفاته، وإذا كانت كذلك فما معنى كونها شجنة من الرحمن؟ وأمر آخر قد يستشكل وهو: قوله ﷺ : (فقامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن)، حيث أضاف الحقو إلى الرحمن، والحقو في اللغة هو: معقد الإزار من الجنب، ويقال للإزار: حقوًا، لأنه يشد على الحقو (٣). قال ابن فارس: "الحاء والقاف والحرف المعتل، أصل واحد، وهو بعض أعضاء البدن، فالحقو: الخصر ومشد الإزار" (٤). وعلى هذا، فهل يثبت الحقو صفة لله تعالى، كما هو ظاهر الحديث؟

стр. 297

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال أما الأمر الأول: وهو قوله ﵊: (الرحم شجنة من الرحمن). فالشجنة في اللغة: أصلها: عروق الشجر المشتبكة. والشواجن: الأودية الكثيرة الشجر. ومنه قولهم: (الحديث ذو شجون) أي: ذو فنون وشعب وتشبث بعضه ببعض. قال ابن فارس: "الشين والجيم والنون أصل واحد يدل على اتصال الشيء والتفافه، من ذلك الشِّجنة، وهي الشجر الملتف، ويقال: بيني وبينه شِجنة رحم، يريد اتصالها والتفافها ... والشواجن: أودية غامضة كثيرة الشجر، وسميت به لتشاجن الشجر" (١). وقال الجوهري (٢): "الشِّجنة والشُّجنة: عروق الشجر المشتبكة، ويقال: بيني وبينه شِجنة رحم وشُجنة رحم، أي: قرابة مشتبكة" (٣).

стр. 298

وفي اللسان: "الشِّجن والشِّجنة والشُّجنة والشَّجنة: الغصن المشتبك" (١). ومعنى حديث: (الرحم شجنة) أي: قرابة مشتبكة كاشتباك العروق (٢). قال ابن تيمية، في معنى (الرحم شجنة من الرحمن): "يعني: لها تعلق تقرب من الرحمن" (٣). يؤيد ذلك قوله ﷺ ، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁: (قال الله ﵎: أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته) (٤). قال الإسماعيلي: "معنى الحديث: أن الرحم اشتق اسمها من اسم الرحمن، فلها به علقة، وليس معناه: أنها من ذات الله، تعالى الله عن ذلك" (٥). فتَوَهُم أنها جزء من ذات الله تعالى، أو بعض منه (٦)، توهم باطل، لأن الرحم مخلوقة، وقد جاء التصريح بذلك كما في الحديث المتقدم، وإذا كانت مخلوقة فكيف يتوهم أنها صفة لله تعالى، ومعلوم أن صفاته غير مخلوقة؟

стр. 299

فـ (من) في الحديث لابتداء الغاية، وليست للتبعيض، فالرحم من الله: خلقًا وإيجادًا، لا صفة ونعتًا. وهذا الحديث نظير قوله تعالى في شأن المسيح ﵇: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] أي: من الأرواح التي خلقها الله (١). وهكذا قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] (٢). قال ابن كثير: " ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أي: من خلقه ومن عنده، وليست (من) للتبعيض كما تقوله النصارى -عليهم لعائن الله المتتابعة- بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى ... وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] " (٣). وقال ابن عثيمين رحمه الله تعالى، في معنى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾: " (من) للابتداء، وليست للتبعيض، فهي كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ فلا يمكن أن نقول: إن الشمس والقمر والأنهار جزء من الله، وهذا لم يقل به أحد، فقوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي: روح صادرة من الله ، وليست جزءًا من الله كما تزعم النصارى" (٤). وأما الأمر الآخر وهو: قوله ﷺ : (قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن). فإن مذهب السلف -كما قد مرَّ كثيرًا- هو إجراء نصوص الصفات

стр. 300

على ظاهرها، على المعنى اللائق بالله جل وعلا، مع نفي المماثلة، أو توهم النقص في حقه سبحانه. وهذا الحديث منها، فهو دليل على ثبوت صفة الحقو لله تعالى، على ما يليق بجلاله وعظمته، "ويجب ألَّا نستوحش من إطلاق هذا اللفظ، وقد ورد به السمع، كما لا نستوحش من إطلاق ذلك في غيره من الصفات" (١). وقد نص على الأخذ بظاهر هذا الحديث جمع من أهل العلم، كالإمام أحمد، وأبي عبد الله بن حامد (٢)، وأبي يعلى، وأبي موسى المديني، وابن تيمية، وصديق حسن خان (٣). قال الإمام أحمد: "يُمْضَى الحديث كما جاء" (٤). وقال ابن حامد: "ومما يجب التصديق به أن لله حقوًا".

стр. 301

وقال: "وكذلك في الرحم تأخذ بحقو الرحمن صفة ذاته، لا يدرى ما التكييف فيها، ولا ماذا صفتها". وقال أيضًا: "فأما الحديث في الرحم والحقو، فحديث صحيح، ذكره البخاري، وقد سُئل إمامنا (١) عنه فأثبته وقال: يمضى الحديث كما جاء" (٢). وقال أبو يعلى: "اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن الحقو والحجزة (٣) صفة ذات" (٤). وقال أبو موسى المديني -عن حديث الحجزة، بعد أن ذكر تأويلين لها-: "وإجراؤه على ظاهره أولى" (٥). وقال ابن تيمية: "هذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات، التي نص الأئمة على أنه يُمَرُّ كما جاء، وردوا على من نفى موجبه" (٦). وذكر صديق حسن خان (الحقو) في جملة من الصفات، ثم قال: "فكل هذه الصفات، تساق مساقًا واحدًا، ويجب الإيمان بها على أنها

стр. 302

صفات حقيقية، لا تشبه صفات المخلوقين، ولا يمثل ولا يعطل ولا يرد ولا يجحد، ولا يُؤول بتأويل يخالف ظاهره" (١). وبهذه النقول عن هؤلاء العلماء يُعلم خطأ الإمام الخطابي ﵀ حينما أوَّل هذه الصفة وقال: "لا أعلم أحدًا من العلماء حمل الحقو على ظاهر مقتضى الاسم له في موضع اللغة، وإنما معناه: اللياذ والاعتصام" (٢). ولذا قال ابن تيمية معقبًا على كلامه: "هذا الذي ذكره الخطابي، ذكره بمبلغ علمه، حيث لم يبلغه في حديث (الرحم) عن أحد من العلماء أنه جعله من أحاديث الصفات، التي تمر كما جاءت، والخطابي له مرتبة في العلم معروفة، ومرتبة أئمة الدين المتبوعين، فوق طبقة الخطابي ونحوه" (٣). وأما التأويل الذي ذهب إليه الخطابي، وهو حمل الحديث على معنى اللياذ والاعتصام بالله تعالى (٤)، فهو معنى صحيح، لكن ليس فيه ما ينافي إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله. قال أبو يعلى: "قولهم: إن معناه: أنها مستجيرة معتصمة بالله، فلا يمنع من هذا، لكن صفة الاستجارة والاعتصام، على ما ورد به الخبر، من الأخذ بحقو الرحمن جل اسمه" (٥). * * *

стр. 303

المبحث الحادي عشر: (فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 304

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (كان رجل يُسْرِف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذرُّوني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خَشْيَتُك، فغفر له)، وقال غيره: (مخافتك يا رب)، متفق عليه (١). وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي -صلي الله عليه وسلم-: (أن رجلًا كان قبلكم رغسه (٢) الله مالًا، فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرًا قط، فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته)، متفق عليه (٣).

стр. 305

وعن حذيفة ﵁ أنه سمع النبي -صلي الله عليه وسلم- يقول: (إن رجلًا حضره الموت، لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، ثم أوروا نارًا، حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها فاطحنوها، فذروني في اليم في يوم حار أو راح (١)، فجمعه الله فقال: لم فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له)، قال عقبة: وأنا سمعته يقول (٢). وفي لفظ آخر عن حذيفة عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله، فقال لأهله: إذا أنا مت فخذوني فذرُّوني في البحر في يوم صائف، ففعلوا به، فجمعه الله ثم قال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: ما حملني إلا مخافتك، فغفر له) (٣). بيان وجه الإشكال هذا الحديث متواتر (٤) عن النبي -صلي الله عليه وسلم-، رواه أصحاب الصحاح والمسانيد عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، وقد استشكله العلماء، لأن ظاهره أن هذا الرجل شاك في قدرة الله تعالى على إعادته بعد حرقه وسحقه، والشك في صفة من صفات الله تعالى، أو البعث والمعاد كفر

стр. 306

بإجماع أهل العلم، وقد غفر الله لهذا الرجل، وقد قضى أنه لا يغفر لكافر، ولهذا اختلف أهل العلم في معناه كما سيأتي. قال الخطابي: "قد يُسأل عن هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحيائه وإنشاره؟ " (١). وقال أبو يعلى: "اعلم أن هذا الخبر وإن لم يرجع شيء من لفظه إلى ما هو صفة من صفات الله (٢)، فإن لفظه مشكل، وكان القائل له رجلًا موحدًا مغفورًا له، فوجب أن يوقف على معناه ليزول الإشكال" (٣). * * *

стр. 307

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في هذا الحديث على عدة أقوال، أشهرها: القول الأول: أن هذا الرجل قد شك في قدرة الله تعالى على جمعه بعد تحريقه وطحنه وتفرق أجزائه، كما شك في إحيائه وبعثه بعد ذلك، لكنه كان جاهلًا، ومن جهل صفة من صفات الله تعالى وآمن بسائر صفاته وعرفها لم يكن بجهله بعض صفات الله تعالى كافرًا، إنما الكافر من عاند الحق لا من جهله (١). وإلى هذا ذهب ابن قتيبة والخطابي وابن حزم (٢)، وابن عبد البر (٣)، وابن تيمية وابن القيم (٤)، وعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (٥)،

стр. 308

والدهلوي (١)، وقال ابن عبد البر: "وهذا قول المتقدمين من العلماء، ومن سلك سبيلهم من المتأخرين" (٢). قال ابن قتيبه: "هذا رجل مؤمن بالله، مقر به، خائف له، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أحرق وذري الريح أنه يفوت الله تعالى، فغفر الله تعالى له بمعرفته تأنيبه، وبمخافته من عذابه جهلَه بهذه الصفة من صفاته، وقد يغلط في صفات الله تعالى قوم من المسلمين، ولا يحكم عليهم بالنار، بل ترجأ أمورهم إلى من هو أعلم بهم وبنياتهم" (٣). وقال الخطابي عن هذا الرجل: "إنه ليس بمنكر للبعث، إنما رجل جاهل، ظن أنه إذا فُعل به هذا الصنيع تُرك فلم ينشر ولم يعذب، ألا تراه يقول: (فجمعه فقال: لِمَ فعلت ذلك؟ فقال: من خشيتك)، فقد تبين أنه رجل مؤمن بالله، فعل ما فعل من خشية الله إذا بعثه، إلا أنه جهل، فحسب أن هذه الحيلة تنجيه مما يخافه" (٤). وقال ابن تيمية: "هذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك" (٥). وقال أيضًا: "هذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل

стр. 309

ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل من هذين الاعتقادين كفر، يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه، ووعده ووعيده، فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته" (١). واستدل هؤلاء على أن هذا الرجل كان شاكًا في القدرة والمعاد بظاهر روايات الحديث (٢). القول الثاني: أن قوله (لئن قدر علي ربي) بمعنى: ضيَّق، فهو من التقدير الذي هو التضييق، وليس من القدرة التي هي صفة من صفات الله تعالى. وإلى هذا ذهب الطحاوي (٣)، وابن جماعة (٤)، وغيرهما (٥)، وجوَّزه ابن عبد البر (٦). واستشهدوا بعدة آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]،

стр. 310

وقوله عن يونس ﵊: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. فقالوا: إن المعنى في هذه الآيات كلها صائر إلى التضييق، وعليه يحمل معنى هذا الحديث (١). قال ابن جماعة: "قوله: (لئن قدر الله علي) ليس هو من القدرة، بل هو من التقدير الذي هو التضييق، ومنه قوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يضيق. فمعناه: لئن ضيق الله عليَّ عفوه.، ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نضيق، لأن النبي لا يجهل صفة من صفات الله تعالى، وهي قدرة الله تعالى عليه" (٢). القول الثالث: أن معنى قوله: (لئن قدر علي ربي) أي: قدَّر، من القدر الذي هو القضاء، وليس من باب القدرة في شيء. ويكون المعنى على هذا: "لئن كان قد سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين" (٣). وإلى هذا ذهب أبو يعلى وغيره (٤) وجوَّزه ابن عبد البر (٥). واستشهدوا بقوله تعالى في قصة يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فقالوا: إن معنى الآية: فظن أن لن نقَّدر عليه من العقوبة ما قَدَرنا، فقوله في الآية: ﴿نَقْدِرَ﴾ راجع إلى معنى التقدير لا إلى معنى القدرة.

стр. 311

قال أبو يعلى: "وأما قوله: (لئن قدر علي ربي ليعذبني) فلا يمكن حمله على القدرة، لأن من توهم ذلك لم يكن مؤمنًا بالله ولا عارفًا به، وإنما ذلك على معنى قوله تعالى في قصة يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾، وذلك يرجع إلى معنى التقدير، لا إلى معنى القدرة، لأنه لا يصح أن يخفى على نبي معصوم ذلك ... فعلى هذا يحمل قوله: (لئن قدر علي ربي ليعذبني) أي: إن كان قدر: أي حكم علي بالعقوبة فإنه يعاقبني دائمًا" (١). القول الرابع: أن هذا الرجل غلب عليه الخوف والجزع، فقال هذا الكلام وهو لا يدري ما يقول، فهو كالرجل الذي قال: (أللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) (٢)، والله لا يؤاخذ إلا بما عقد عليه القلب، لا بما سها أو غلط به اللسان. اختار هذا القول القرطبي (٣) وابن حجر وغيرهما (٤). قال ابن حجر: "وأظهر الأقوال: أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه، حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه" (٥). القول الخامس: أن هذا الرجل قد كفر بمقالته هذه، لكنه في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر، وهذا بخلاف شريعتنا فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، ففي شريعتنا أن من مات كافرًا فإنه لا يغفر له (٦).

стр. 312

المطلب الثالث: الترجيح الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم بالصواب- هو القول الأول، وهو أن هذا الرجل كان جاهلًا بقدرة الله تعالى عليه بعد حرقه وطحنه وتفرق أجزائه، فأوصى أن يفعل به ذلك، ظنًا منه أنه سيعجز الله تعالى بهذه الحيلة، وذلك لا يوجب كفره ولا خروجه من الإيمان، ولذلك غفر الله له لجهله وخشيته وخوفه. ولا يعني هذا أنه كان جاهلًا بصفة القدرة مطلقًا -جملة وتفصيلًا- فهذا بعيد لدلالة الشرع والعقل عليها، فهو مؤمن بمطلق القدرة، لكنه جاهل بقدرة الله المطلقة، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه ما شاء كان، وأنه على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، ولذا لم يقل مثلًا: إذا مت فادفنوني، لأنه يعلم أن الله قادر عليه حينئذ. ومثل هذا يقال في البعث، فهو لم ينكر البعث مطلقًا، وإنما شك في قدرة الله على بعثه وهو على هذه الحال، ولذا لم يترك أولاده بدون وصية، لأنه يعلم أن مصيره حينئذٍ إلى البعث والحساب، فهرب من هذا بهذه الوصية، خشية من الله تعالى. والحاصل أن هذا الرجل عنده إيمان مجمل بقدرة الله تعالى، لكنه شك في بعض متعلقاتها لجهله بها، ومن أطلق القول بجهله -من أهل العلم- فهذا مراده، والله تعالى أعلم. قال ابن تيمية: "هذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم بعد ما أحرق وذري، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك.

стр. 313

وهذان أصلان عظيمان: أحدهما: متعلق بالله تعالى، وهو "الإيمان بأنه على كل شيء قدير. والثاني: متعلق باليوم الآخر، وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت، ويجزيه على أعماله، ومع هذا فلما كان مؤمنًا بالله في الجملة، ومؤمنًا باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملًا صالحًا -وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه- غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح" (١). وقال ابن الوزير: "وأما جهله بقدرة الله على ما ظنه محالًا فلا يكون كفرًا، إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا بذلك، وأنه ممكن مقدور، ثم كذبهم أو أحدًا منهم" (٢). وقال الدهلوي: "هذا الرجل استيقن بأن الله متصف بالقدرة التامة، لكن القدرة إنما هي في الممكنات، لا في الممتنعات، وكان يظن أن جمع الرماد المتفرق، نصفه في البر ونصفه في البحر ممتنع، فلم يجعل ذلك نقصًا، فأخذ بقدر ما عنده من العلم، ولم يعد كافرًا" (٣). ومما يدل على هذا القول: ١ - ظاهر الحديث، فنصه وسياقه ومقصوده ودلالة ألفاظه، كلها تشهد لهذا المعنى، وهذا بيِّنٌ ظاهر. ٢ - أن الحديث جاء في بعض طرقه -كما عند الإمام أحمد وغيره- أن هذا الرجل قال لبنيه: (ثم اذروني في البحر في يوم ريح لعلي أُضل الله) (٤)، فقوله: (لعلي أُضل الله) يؤكد جهالة هذا الرجل، ومعنى هذه

стр. 314

اللفظة: لعلي أفوته وأضيعه فيخفى عليه مكاني، يقال: ضل الشيء إذا فات وذهب، ومنه قول الله : ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]، أي: لا يفوته (١). ٣ - قال ابن حزم مستدلًا على عدم كفر هذا الرجل لجهله، وعدم قيام الحجة عليه: "وبرهان ضروري لا خلاف فيه، وهو أن الأمة مجمعة كلها بلا خلاف من أحد منهم، وهو أن كل من بدل آية من القرآن عامدًا، وهو يدري أنها في المصاحف بخلاف ذلك، أو أسقط كلمة عمدًا كذلك، أو زاد فيها كلمة عامدًا، فإنه كافر بإجماع الأمة كلها، ثم إن المرء يخطئ في التلاوة، فيزيد كلمة وينقص أخرى، ويبدل كلامه، جاهلًا مقدرًا أنه مصيب، ويكابر في ذلك ويناظر قبل أن يتبين له الحق، ولا يكون بذلك عند أحد من الأمة كافرًا ولا فاسقًا ولا آثمًا، فَإذا وقف على المصاحف، أو أخبره بذلك من القراء من تقوم الحجة بخبره، فإن تمادى على خطئه فهو عند الأمة كلها كافر بذلك لا محالة، وهذا هو الحكم الجاري في جميع الديانة" (٢). ٤ - جعل شيخ الإسلام ابن تيمية نظير هذا الحديث ما رواه مسلم في

стр. 315

صحيحه عن عائشة ﵂، قالت: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله -صلي الله عليه وسلم-؟ قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي -صلي الله عليه وسلم- فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، واضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا، وانتعل رويدًا، وفتح الباب رويدًا، فخرج ثم أجافه رويدًا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: (ما لك يا عائش حشيا رابية؟ ) قالت: قلت: لا شيء، قال: (لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير)، قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته، قال: (فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ )، قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال: (أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ ) قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، نعم، قال: (فإن جبريل ﵇ أتاني حين رأيت فناداني، فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم) قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: (قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنَّا إن شاء الله بكم للاحقون) (١). قال ابن تيمية تعليقًا على هذا الحديث: "فهذه عائشة أم المؤمنين: سألت النبي -صلي الله عليه وسلم-، هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟ فقال لها النبي -صلي الله عليه وسلم-: نعم (٢)، وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها

стр. 316

بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء، هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب، ولهذا لهزها النبي -صلي الله عليه وسلم- وقال: (أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله)، وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع، فقد تبين أن هذا القول كفر ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها" (١). وأما قول الرجل: (فإني لم أعمل خيرًا قط)، وعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (لم يعمل حسنة قط)، فإنه وإن كان ظاهره أنه لم يكن موحدًا، لأن التوحيد أعظم الخير، لكن ليس هذا مراده، وإنما مراده أنه كان مسرفًا على نفسه بالمعاصي، مقصرًا في طاعة الله تعالى، يدل على

стр. 317

ذلك أنه جاء في إحدى روايات الحديث: (كان رجل يسرف على نفسه ... ). وجاء عند الإمام أحمد ما يرفع هذا الإشكال، حيث جاء الحديث -من طريق عبد الله بن مسعود- بلفظ: (أن رجلًا لم يعمل من الخير شيئًا قط إلا التوحيد، فلما حضرته الوفاة ... ) (١). قال ابن عبد البر: "وهذه اللفظة إن صحت رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها، لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار، لأن الله قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به، لمن مات كافرًا، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة"، ثم قال عن رواية: (لم أعمل خيرًا قط): "هذا سائغ في لسان العرب، جائز في لغتها: أن يؤتى بلفظ الكل، والمراد البعض" (٢). والحديث بلفظه الذي بين أيدينا يدل على إسلام الرجل وتدينه من وجهين (٣): أحدهما: إخباره أنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى الله تعالى. قال ابن عبد البر: "الدليل على أن الرجل كان مؤمنًا: قوله حين قيل له: لِمَ فعلت هذا؟ فقال: من خشيتك يا رب، والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق، بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم، كما قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] " (٤).

стр. 318

والثاني: إخباره ﵊ بأن الله قد غفر له، والكافر لا يغفر له. وهذا الحديث أيضًا يدل على أصلين عظيمين، بمعرفتهما يزول الإشكال، وهما: الأصل الأول: العذر بالجهل، فمن جهل صفة من صفات الله تعالى، ومثله يمكن أن يجهلها، فأنكرها أو شك فيها، فإنه لا يحكم بكفره لمجرد ذلك حتى تقام عليه الحجة. قال الشافعي: "لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﵌ القول بها، فيما روى عنه العدول، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والقلب، ولا نكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها" (١). وقال ابن قتيبة: "وقد يغلط في صفات الله تعالى قوم من المسلمين، ولا يحكم عليهم بالنار، بل ترجأ أمورهم إلى من هو أعلم بهم وبنياتهم" (٢). وقال ابن عبد البر: "وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدره، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان، ألا ترى أن عمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، وجماعة من الصحابة، سألوا رسول الله -صلي الله عليه وسلم- عن القدر، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم

стр. 319

جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، أو يكونوا في حين سؤالهم عنه غير مؤمنين" (١). وقال ابن تيمية: "وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما يبعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول ... وقد دل على هذا الأصل ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال ... " (٢)، فذكر حديث الرجل الذي أوصى أولاده بإحراقه. وقال أيضًا: "الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًا بما جاء به الرسول -صلي الله عليه وسلم-، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه، كحديث الذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته" (٣). وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: "إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله ما يكون فعله كفرًا أو قوله كفرًا أو اعتقاده كفرًا، جهلًا منه بما بعث الله به رسوله ﷺ ، فهذا لا يكون عندنا كافرًا، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم الحجة الرسالية التي يكفر من خالفها، فإذا قامت عليه الحجة، وبين له ما جاء به الرسول -صلي الله عليه وسلم-، وأصر على فعل ذلك بعد قيام الحجة، فهذا هو الذي يكفر، وذلك لأن الكفر إنما يكون بمخالفة كتاب الله

стр. 320

وسنة رسوله، وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة" (١). وأما الأصل الثاني: فهو التفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين، فالشك في قدرة الله تعالى أو المعاد كفر لا ريب فيه، لكن لا يوجه إلى شخص معين حتى تقام عليه الحجة، فتتوفر فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع، فهذا الرجل مع شكه في القدرة والمعاد لم يحكم بكفره، لوجود ما يمنع من ذلك، وهو الجهل. قال ابن تيمية: "التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعيَّن حتى تقوم عليه الحجة التي تُكفِّر تاركها" (٢). وقال أيضًا: "التكفير حق لله، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، وأيضًا: فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئًا من الدين يُكفر" (٣)، ثم استشهد ﵀ بحديث الرجل الذي أوصى بتحريقه. وقال أيضًا: "ليس لأحد أن يُكَفِّر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتُبَيَّن له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة" (٤). وقال الشيخ ابن عثيمين: "الواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين: ١ - دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب. ٢ - انطباق الحكم على الشخص المعين، بحيث تتم شروط التكفير في حقه وتنتفي عنه الموانع" (٥).
следующие страницы →