← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء، هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب، ولهذا لهزها النبي -صلي الله عليه وسلم- وقال: (أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله)، وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع، فقد تبين أن هذا القول كفر ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها" (١). وأما قول الرجل: (فإني لم أعمل خيرًا قط)، وعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (لم يعمل حسنة قط)، فإنه وإن كان ظاهره أنه لم يكن موحدًا، لأن التوحيد أعظم الخير، لكن ليس هذا مراده، وإنما مراده أنه كان مسرفًا على نفسه بالمعاصي، مقصرًا في طاعة الله تعالى، يدل على

стр. 317

ذلك أنه جاء في إحدى روايات الحديث: (كان رجل يسرف على نفسه ... ). وجاء عند الإمام أحمد ما يرفع هذا الإشكال، حيث جاء الحديث -من طريق عبد الله بن مسعود- بلفظ: (أن رجلًا لم يعمل من الخير شيئًا قط إلا التوحيد، فلما حضرته الوفاة ... ) (١). قال ابن عبد البر: "وهذه اللفظة إن صحت رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها، لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار، لأن الله قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به، لمن مات كافرًا، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة"، ثم قال عن رواية: (لم أعمل خيرًا قط): "هذا سائغ في لسان العرب، جائز في لغتها: أن يؤتى بلفظ الكل، والمراد البعض" (٢). والحديث بلفظه الذي بين أيدينا يدل على إسلام الرجل وتدينه من وجهين (٣): أحدهما: إخباره أنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى الله تعالى. قال ابن عبد البر: "الدليل على أن الرجل كان مؤمنًا: قوله حين قيل له: لِمَ فعلت هذا؟ فقال: من خشيتك يا رب، والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق، بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم، كما قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] " (٤).

стр. 318

والثاني: إخباره ﵊ بأن الله قد غفر له، والكافر لا يغفر له. وهذا الحديث أيضًا يدل على أصلين عظيمين، بمعرفتهما يزول الإشكال، وهما: الأصل الأول: العذر بالجهل، فمن جهل صفة من صفات الله تعالى، ومثله يمكن أن يجهلها، فأنكرها أو شك فيها، فإنه لا يحكم بكفره لمجرد ذلك حتى تقام عليه الحجة. قال الشافعي: "لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﵌ القول بها، فيما روى عنه العدول، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والقلب، ولا نكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها" (١). وقال ابن قتيبة: "وقد يغلط في صفات الله تعالى قوم من المسلمين، ولا يحكم عليهم بالنار، بل ترجأ أمورهم إلى من هو أعلم بهم وبنياتهم" (٢). وقال ابن عبد البر: "وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدره، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان، ألا ترى أن عمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، وجماعة من الصحابة، سألوا رسول الله -صلي الله عليه وسلم- عن القدر، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم

стр. 319

جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، أو يكونوا في حين سؤالهم عنه غير مؤمنين" (١). وقال ابن تيمية: "وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما يبعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول ... وقد دل على هذا الأصل ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال ... " (٢)، فذكر حديث الرجل الذي أوصى أولاده بإحراقه. وقال أيضًا: "الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًا بما جاء به الرسول -صلي الله عليه وسلم-، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه، كحديث الذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته" (٣). وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: "إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله ما يكون فعله كفرًا أو قوله كفرًا أو اعتقاده كفرًا، جهلًا منه بما بعث الله به رسوله ﷺ ، فهذا لا يكون عندنا كافرًا، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم الحجة الرسالية التي يكفر من خالفها، فإذا قامت عليه الحجة، وبين له ما جاء به الرسول -صلي الله عليه وسلم-، وأصر على فعل ذلك بعد قيام الحجة، فهذا هو الذي يكفر، وذلك لأن الكفر إنما يكون بمخالفة كتاب الله

стр. 320

وسنة رسوله، وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة" (١). وأما الأصل الثاني: فهو التفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين، فالشك في قدرة الله تعالى أو المعاد كفر لا ريب فيه، لكن لا يوجه إلى شخص معين حتى تقام عليه الحجة، فتتوفر فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع، فهذا الرجل مع شكه في القدرة والمعاد لم يحكم بكفره، لوجود ما يمنع من ذلك، وهو الجهل. قال ابن تيمية: "التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعيَّن حتى تقوم عليه الحجة التي تُكفِّر تاركها" (٢). وقال أيضًا: "التكفير حق لله، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، وأيضًا: فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئًا من الدين يُكفر" (٣)، ثم استشهد ﵀ بحديث الرجل الذي أوصى بتحريقه. وقال أيضًا: "ليس لأحد أن يُكَفِّر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتُبَيَّن له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة" (٤). وقال الشيخ ابن عثيمين: "الواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين: ١ - دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب. ٢ - انطباق الحكم على الشخص المعين، بحيث تتم شروط التكفير في حقه وتنتفي عنه الموانع" (٥).

стр. 321

مناقشة الأقوال المرجوحة: الحق أن ما ذكر من الأقوال الأخرى في توجيه الحديث -غير القول الأول- بعيدة عن مقصوده، ولا يدل عليها ظاهره، وبيان ذلك كما يلي: أما القول الثاني والثالث وهما: حمل قوله: (لئن قدر علي ربي) على معنى: التضييق، أو القضاء والقدر، فمردود من عدة وجوه: الأول: أن تقدير الكلام على المعنى الأول: (لئن ضيق علي ربي ليعذبني) وهذا لا يستقيم، لأن التضييق نوع من العذاب، فيرجع تقدير الكلام: (لئن عذبني ليعذبني) فيتحد الشرط والجزاء، وهذا خطأ ظاهر (١). وتقدير الكلام على المعنى الثاني: (لئن قضى علي ربي بالعذاب ليعذبني)، وهذا لا فائدة فيه، لأنه قد مضى وتقرر عليه ما ينفعه وما يضره، فهو تحصيل حاصل (٢). الوجه الثاني: أنه لو كان المراد: التقدير أو التضييق، لم يكن ما فعله مانعًا من ذلك في ظنه، وعلى هذا يكون أمره لأهله بإحراقه ثم ذره لا معنى له. الوجه الثالث: أن قوله: (فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني) جاء مقترنًا بحرف الفاء، عقب قوله: (إذا أنا مت فأحرقوني) مما يدل على أنه سبب له، وأنه فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه، وهذا بيِّن لمن تأمله، بخلاف معنى التضييق أو التقدير، ولو كان مقرًا بقدرة الله عليه إذا فعل ذلك، كقدرته عليه إذا لم يفعل، لم يكن في ذلك فائدة له (٣). قال ابن حزم: "قال بعض من حرَّف الكلم عن مواضعه إن معنى: لئن قدر الله علي، إنما هو: لئن ضيق الله علي، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦].

стр. 322

قال أبو محمد: وهذا تأويل باطل لا يمكن، لأنه كان يكون معناه حينئذ: لئن ضيق الله علي ليضيقن علي، وأيضًا فلو كان هذا لما كان لأمره بأن يحرق ويذرَّ رماده معنى، ولا شك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله تعالى" (١). وأما القول الرابع: وهو أن هذا الرجل قد غلب عليه الخوف والجزع، فكان لا يعقل ما يقول، وأخطأ من شدة الخوف كما أخطأ صاحب الناقة من شدة الفرح، فقول ضعيف من وجهين (٢): الأول: أنه لو كان غير مدرك ولا عاقل لما يقول، لفهم أولاده ذلك، ولما نفذوا هذه الوصية. والثاني: أن تشبيه حال هذا الرجل بحال صاحب الناقة الذي أخطأ من شدة الفرح، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، تشبيه بعيد، لأن صاحب الناقة إنما سبق لسانه بالخطأ لشدة الفرح، واللسان يسبق في مثل هذه الأحوال، وأما الآخر فإنه أمر أهله بأوامر مرتبة تدل على اعتقاده أن ذلك ينجيه، فهو يعي ما يقول. وأما القول الخامس: وهو أن هذا الرجل قد كفر بمقالته هذه، لكنه على شريعة فيها جواز المغفرة للكافر، فقول لا يلتفت إليه، لأنه لا خلاف بين أهل القبلة في عدم المغفرة لمن مات كافرًا (٣)، ثم من أين لنا العلم أن هذا كان في شريعتهم، إلا محض التخرص والتوهم؟ ! ولهذا قال الحافظ ابن حجر: "وأبعد الأقوال: قول من قال: إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر" (٤).

стр. 323

الفصل الثانى: الأحاديث المتوهم إشكالها في القدر وفيه ثلاثة مباحث: * المبحث الأول: (حج آدم موسى). * المبحث الثاني: (خلق الله التربة يوم السبت). * المبحث الثالث: (لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنة).

стр. 324

المبحث الأول: (حج آدم موسى) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 325

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال روى البخاري ومسلم عليهما رحمة الله حديث المُحَاجَّة بين آدم وموسى ﵇ من عدة طرق عن أبي هريرة ﵁، وكلها بألفاظ متقاربة تدل على معنى واحد، ما عدا طريق واحد فقد جاء مخالفًا في معناه للطرق الأخرى، وإليك البيان: أ- أما اللفظ الأول، والذي جاءت به جميع الطرق ماعدا واحدًا منها، فهو: أن موسى ﵇ لام آدم ﵇ على الإخراج من الجنة، فاحتج عليه آدم بأن ذلك مقدر عليه قبل أن يخلق بأربعين سنةً، وإليك طرقه وألفاظه: ١ - طريق حميد بن عبد الرحمن، ولفظه: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق)، فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (فحجَّ آدم موسى) مرتين (١). ٢ - طريق محمد بن سيرين، ولفظه: عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: (التقى آدم وموسى (٢)، فقال موسى لآدم: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من

стр. 326

الجنة، قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدتها كتب علي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، فحج آدم موسى) (١). ٣ - طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، ولفظه: عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (حاجَّ موسى آدم فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم، قال: قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدره علي

стр. 327

قبل أن يخلقني) قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (فحج آدم موسى) (١). ٤ - طريق طاووس، ولفظه: عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا (٢) وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنةً (٣)؟ فحج آدم موسى،

стр. 328

فحج آدم موسى) ثلاثًا (١). ٥ - طريق همام بن منبه، أخرجه مسلم وقال: بمعنى حديثهم (٢) أي: بمعنى الأحاديث السابقة. ٦ - طريق عبد الرحمن بن الأعرج، ولفظه: أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: (تحاج آدم وموسى، فحج آدم موسى، فقال: له موسى: أنت آدم الذي أغويت (٣) الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله

стр. 329

علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته؟ قال: نعم، قال: فتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق) (١). ب- وأما اللفظ الثاني: ففيه أن موسى ﵇ لام آدم ﵇، على الإهباط إلى الأرض، فاحتج عليه آدم بأن معصيته مكتوبة عليه قبل أن يخلق بأربعين سنة. وهذا اللفظ تفرد به مسلم عن يزيد بن هرمز وعبد الرحمن بن الأعرج -علمًا أنه قد جاء عن ابن الأعرج ما يوافق اللفظ الأول، كما تقدم- ونص هذا اللفظ كما عند مسلم: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (احتج آدم وموسى ﵈ عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيًا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنةً)، قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (فحج آدم موسى) (٢).

стр. 330

بيان وجه الإشكال أشكل هذا الحديث على كثير من الناس، حيث إن ظاهره قد يوهم أن المحاجة بين آدم وموسى ﵈ كانت متوجهة إلى المعصية (١)، ولما كانت الحجة لآدم ﵇ فقد يفهم البعض -بناءً على هذا الوهم- جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية، ولذا فقد تباينت الآراء في توجيه هذا الحديث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال ابن تيمية عن هذا الحديث: "لما توهم من توهم أن ظاهره: أن المذنب يحتج بالقدر على من لامه على الذنب، اضطربوا فيه: فكذَّب به طائفة من القدرية (٢)

стр. 331

كالجبائي (١)، وتأوله طائفة من أهل السنة تأويلات ضعيفة، قصدًا لتصحيح الحديث، ومقصودهم صحيح، لكن طريقهم في رد قول القدرية وتفسير الحديث ضعيفة" (٢). وقال ابن كثير: "احتج به قوم من الجبرية (٣)، وهو ظاهر لهم بادئ الرأي" (٤).

стр. 332

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال للناس مع هذا الحديث موقفان: الموقف الأول: من فهم منه جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، وهؤلاء هم القدرية من المعتزلة (١) ومن نحا نحوهم، وكذا الجبرية من الجهمية ومن وافقهم، وقد نتج عن هذا الفهم رأيان فاسدان: أحدهما: ردُّه وإنكاره وتكذيبه كما فعل أبو علي الجبائي وغيره من المعتزلة القدرية ومن وافقهم، قالوا: لو صح هذا الحديث لبطلت نبوات الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، وارتفع الذم والعقاب عمن عصى الله تعالى (٢).

стр. 333

والثاني: قبوله والاحتجاج به على فعل المعاصي، فكلما عملوا معصية احتجوا بالقدر، فجعلوا هذا الحديث عمدة لهم في سقوط الملام عن المخالفين لأمر الله تعالى ورسوله ﷺ ، وإلى هذا ذهبت الجبرية ومن نحا نحوهم من الصوفية وغيرهم (١). وأما الموقف الثاني: فهو القطع بعدم جواز الاحتجاج به على فعل المعاصي، وإلى هذا ذهب علماء أهل السنة والجماعة، ولكنهم اختلفوا في تفسير هذا الحديث -بعد قبوله والإيمان به- على عدة أقوال، منها: القول الأول: أن موسى ﵇ لام آدم ﵇ على المصيبة التي حصلت له وذريته، وهي الإخراج من الجنة والنزول إلى الأرض دار الابتلاء والمحنة، وذلك بسبب فعله وخطيئته، ولذا قال: (أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم)، وذكر الذنب تنبيهًا على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذرية، فاحتج عليه آدم بالقدر على المصيبة، والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب، أي: أتلومني على مصيبة قدرت عليَّ وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة؟ . وإلى هذا ذهب ابن تيمية، وابن القيم (٢)، وابن كثير (٣)، وابن أبي العز (٤)، وابن رجب، وابن عثيمين (٥)، وغيرهم، عليهم رحمة الله.

стр. 334

قال ابن تيمية: "فآدم ﵇ إنما حج موسى لأن موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة، بسبب أكله من الشجرة، لم يكن لومه له لأجل حق الله في الذنب، فإن آدم كان قد تاب من الذنب كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢٢]، وموسى -ومن هو دون موسى- ﵇ يعلم أنه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب، وآدم أعلم بالله من أن يحتج بالقدر على الذنب، وموسى ﵇ أعلم بالله تعالى من أن يقبل هذه الحجة، فإن هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لإبليس عدو آدم، وحجة لفرعون عدو موسى، وحجة لكل كافر وفاجر، وبطل أمر الله ونهيه، بل إنما كان القدر حجة لآدم على موسى لأنه لام غيره لأجل المصيبة التي حصلت له بفعل ذلك، وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه، وقد قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] " (١). وقال ابن رجب: "لما التقى آدم وموسى ﵈، عاتب موسى آدم على إخراجه نفسه وذريته من الجنة، فاحتج آدم بالقدر السابق، والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن، كما قال ﷺ : (إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل) (٢) " (٣). القول الثاني: أن موسى ﵇ لام آدم ﵇ على المعصية لكونها سبب المصيبة، لا لكونها معصية، فاحتج آدم بالقدر على المعصية لكونه قد تاب

стр. 335

منها، والاحتجاج بالقدر على المعصية بعد وقوعها والتوبة منها وترك معاودتها لا محذور فيه. وهذا القول جواب آخر لابن القيم على هذا الحديث، وكذا الشيخ ابن عثيمين (١)، وبه قال ابن الوزير وعزاه لأهل السنة (٢). قال ابن القيم: "وقد يتوجه جواب آخر، وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع، فينفع إذا احتُج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمرًا ولا نهيًا، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة، يوضحه أن آدم قال لموسى: (أتلومني على أن عملت عملًا كان مكتوبًا علي قبل أن أخلق؟ ) فإذا أذنب الرجل ذنبًا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن، فأنَّبه مؤنب عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمر كان قد قدر علي قبل أن أخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقًا، ولا ذكره حجة على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به. وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل، بأن يرتكب فعلًا محرمًا أو يترك واجبًا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطل بالاحتجاج به حقًا ويرتكب باطلًا، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، فاحتجوا به مصوِّبين لما هم عليه، وأنهم لم يندموا على فعله، ولم يعزموا على تركه، ولم يقروا بفساده، فهذا ضد احتجاج من تبيَّن له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود، فإذا لامه لائم بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر الله.

стр. 336

ونكتة المسألة: أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا فالاحتجاج بالقدر باطل" (١). القول الثالث: أن ذلك مخصوص بآدم ﵇، وكانت له الحجة لأن موسى ﵇ لامه على المعصية والخطيئة بعد أن تاب منها، فحسن من آدم ﵇ أن يحتج بالقدر على فعل المعصية، لأنه قد تيب عليه منها، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، وإلى هذا القول ذهب ابن عبد البر وغيره (٢). قال ﵀: "وأما قوله: (أفتلومني على أمر قد قدر علي؟ )، فهذا -عندي- مخصوص به آدم، لأن ذلك إنما كان منه ومن موسى ﵇ بعد أن تيب على آدم، وبعد أن تلقى من ربه كلمات تاب بها عليه، فحسن منه أن يقول ذلك لموسى، لأنه قد كان تيب عليه من ذلك الذنب، وهذا غير جائز أن يقوله اليوم أحد إذا أتى ما نهاه الله عنه، ويحتج بمثل هذا، فيقول: أتلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت، وذلك قد سبق في علم الله وقدره علي قبل أن أخلق؟ هذا ما لا يسوغ لأحد أن يقوله" (٣). والفرق بين هذا القول والذي قبله، أن هذا القول يجعل لوم موسى لآدم ﵇، على المعصية لذات المعصية، بينما القول السابق يجعل لوم موسى لآدم ﵇، على المعصية من أجل أنها سبب المصيبة، لا من أجل كونها معصية (٤). القول الرابع: أن الحجة توجهت لآدم لأن موسى ﵇ لامه في غير

стр. 337

دار التكليف -بعد أن مات آدم- ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى، لأن الأحكام حينئذٍ جارية عليه (١). القول الخامس: أن آدم حج موسى لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في شريعة أخرى (٢). القول السادس: أن آدم أب وموسى ابن، وليس للابن أن يلوم أباه، ولذا حجه آدم كما يحج الرجل ابنه (٣). * * *

стр. 338

المطلب الثالث: الترجيح أما الموقف الأول فلا ريب في بطلانه، لأنه مبني على فهم فاسد، وهو كون الحديث يدل على جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، مع أن الإجماع منعقد على عدم جواز ذلك. قال ابن تيمية: "ليس لأحد أن يحتج بالقدر على فعل الذنب باتفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء، فإن هذا لو كان مقبولًا لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له، من قتل النفوس وأخذ الأموال وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويحتج بالقدر ... فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول" (١). وبناءً على هذا، فإن كلَّ ما نتج عن هذا الفهم من آراء، فهي باطلة مردودة، وقد تقدم أن هذا الفهم قد نتج عنه رأيان متناقضان: أحدهما: ما ذهبت إليه القدرية من رد الحديث وتكذيبه، وقد ذهبوا هذا المذهب لأنه يخالف أصلهم الذي أصلوه، وهو نفي القدر السابق، "وكل من أصل أصلًا لم يؤصله الله ورسوله قاده قسرًا إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها، فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلًا غير ما جاء به الرسول، فهو أصلهم الذي عليه يعولون، وجنتهم التي إليها يرجعون" (٢). قال ابن عبد البر: "هذا الحديث من أوضح ما روي عن النبي -صلي الله عليه وسلم- في

стр. 339

إثبات القدر، ودفع قول القدرية، وبالله التوفيق والعصمة" (١). وتكذيب القدرية لهذا الحديث مردود، لأنه ثابت في الصحيحين وغيرهما من عدة طرق. قال ابن منده بعدما ساق عددًا من طرق هذا الحديث: "هذه أحاديث صحاح ثابتة لا مدفع لها، ولهذا الحديث طرق عن أبي هريرة" (٢). وقال ابن عبد البر: "هذا حديث صحيح ثابت من جهة الإسناد، لا يختلفون في ثبوته، رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين، وروي من وجوه عن النبي -صلي الله عليه وسلم-، من رواية الثقات الأئمة الأثبات" (٣). وقال ابن القيم: "هذا حديث صحيح متفق على صحته، لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنًا بعد قرن، وتقابله بالتصديق والتسليم، ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أنه قاله، وحكموا بصحته" (٤). وقال ابن حجر عن هذا الحديث: "وقع لنا من طريق عشرة عن أبي هريرة" (٥). وأما الرأي الثاني: وهو ما ذهبت إليه الجبرية من تسويغ الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، والاعتماد في ذلك على هذا الحديث، فهو باطل من عدة وجوه: ١ - أن الإجماع منعقد على بطلان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي. قال ابن تيمية: "الاحتجاج بالقدر حجة باطلة داحضة باتفاق كل ذي

стр. 340

عقل ودين من جميع العالمين" (١). ٢ - أن الأمة قد أجمعت على جواز لوم العاصي ما لم يتب. قال ابن عبد البر: "وقد اجتمعت الأمة: أن من أتى ما يستحق الذم عليه فلا بأس بذمه، ولا حرج في لومه، ومن أتى ما يحمد له فلا بأس بمدحه عليه" (٢). ٣ - أن الله تعالى قال: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، فأبطل الله حجتهم هذه بقوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وهكذا في آيات أُخر لم يحكِ الله تعالى الاحتجاج في القدر إلا عن المشركين أعداء الرسل، وشيخهم في ذلك وإمامهم عدوه الأحقر إبليس، حيث احتج عليه بقضائه فقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] (٣). ٤ - أن الله تعالى قال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ولو كان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي سائغًا لما كان هناك حاجة إلى إرسال الرسل، لأنهم إنما أرسلوا لأجل إقامة الحجة على الناس (٤). ٥ - أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أمر الصحابة بالعمل، ونهاهم عن تركه اتكالًا على ما سبق به الكتاب، ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة)، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال:

стр. 341

(اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]) (١). ٦ - "أن هذا المسلك لو صح لبطلت الديانات جملة، وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم، ولم يبقَ للحدود معنى، ولا يلام جانٍ على جنايته ولا ظالم على ظلمه، ولا يُنكر منكر أبدًا" (٢). ٧ - أن القدر سر مكتوم، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه، فكيف يصح للعاصي أن يحتج به على معصيته، وهو قد فعلها مختارًا، لا يشعر أن أحدًا أكرهه عليها، ولا يعلم أنها مقدرة عليه؟ ! ولماذا لم يقدر أن الله تعالى لم يكتبها عليه فينتهي عنها ويجتنبها؟ ! (٣). ٨ - أنه لو ساغ الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي لساغ أن يحتج به إبليس ومن اتبعه من الجن والإنس، ويحتج به قوم نوح وعاد وثمود، وسائر أهل الكفر والفسوق والعصيان، ولم يعاقب أحد، وهذا مما يُعلم فساده بالاضطرار شرعًا وعقلًا (٤). ٩ - أن الاحتجاج بالقدر مخاصمة لله تعالى، واحتجاج من العبد على الرب، وحمل لذنبه على الأقدار، وهذا جهل بالله تعالى وحكمته في شرعه (٥). ١٠ - أن نفس المحتج بالقدر لو اعتدى عليه معتدٍ، أو جنى عليه

стр. 342

جانٍ، ثم احتج عليه بالقدر، فإنه لا يقبل منه هذه الحجة، وهذا تناقض يدل على فساد هذا القول، وأن المحتج بالقدر متبع لهواه، لأن القدر إن كان حجة للعاصي فهو أيضًا حجة للجاني، وإلا فليس حجة لهذا ولا لهذا، وهذا هو الصواب (١). قال ابن تيمية: "شر الخلق من يحتج بالقدر لنفسه ولا يراه حجة لغيره، يستند إليه في الذنوب والمعائب، ولا يطمئن إليه في المصائب، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به، وبإزاء هؤلاء خير الخلق الذين يصبرون على المصائب ويستغفرون من المعائب، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال بعض السلف (٢): هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم ... وقد ذكر الله تعالى عن آدم ﵇ أنه لما فعل ما فعل قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وعن إبليس أنه قال: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩]، فمن تاب أشبه أباه آدم ومن أصرَّ واحتج بالقدر أشبه إبليس" (٣).

стр. 343

وقال ابن القيم عن هذا المسلك للجبرية: "هذا المسلك أبطل مسلك سلك في هذا الحديث، وهو شر من مسلك القدرية في رده، وهم إنما ردوه إبطالًا لهذا القول وردًا على قائليه، وأصابوا في ردهم عليهم وإبطال قولهم، وأخطأوا في رد حديث رسول الله -صلي الله عليه وسلم-" (١). إذا تبيَّن هذا، وهو أن الحديث لا يجوز رده أو تكذيبه، كما لا يجوز الاحتجاج به على فعل المعاصي، فإن الذي يتعين المصير إليه هو أن القدر يُؤمَن به ولا يحتج به، فالعبد مأمور أن يرجع إليه عند المصائب، ويستغفر الله عند الذنوب والمعائب، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]، "وقد أرشد النبي -صلي الله عليه وسلم- إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به -وذلك عند المصيبة- فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) (٢) " (٣). قال ابن قدامة: "ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن، ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] " (٤). وأما بخصوص هذا الحديث، فإنه محتمل لأحد أمرين لا ثالث لهما: الأول: أن لوم موسى لآدم ﵈ كِان لأجل المصيبة التي حلت به

стр. 344

وبذريته، وهي الإخراج من الجنة والإهباط إلى الأرض، وروايات الحديث في الصحيحين -كما تقدم- تشهد لهذا المعنى وتدل عليه، ففيها: (أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة)، وفيها: (أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة)، وفيها: (أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة)، وفيها: (أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض)، فهذه الروايات والألفاظ كلها تنطق بأن موسى ﵇ إنما لام آدم ﵇ على المصيبة التي وقعت بعد ذنبه، لا على ذنبه. وذكرُ موسى ﵇ للمعصية، كما في بعض الطرق (١) للتنبيه على سبب المصيبة. فاحتج آدم ﵇ بالقدر على المصيبة، كما هو ظاهر أكثر الروايات، فإنه قال: (أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني)؟ وهذا هو الذي ذهب إليه ابن تيمية وغيره، كما في القول الأول. قال ابن أبي العز: "فإن قيل: فما تقولون في احتجاج آدم على موسى ﵇ بالقدر؟ ... قيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة، لصحته عن رسول الله ﷺ ، ولا نتلقاه بالرد والتكذيب لراويه، كما فعلت القدرية، ولا بالتأويلات الباردة، بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى ﵇ كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم ﵇ على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه، واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب، لا عند المعائب" (٢).

стр. 345

والثاني: أن لوم موسى لآدم ﵇، كان على المعصية لكونها سبب المصيبة، لا لكونها معصية -على ما جاء في القول الثاني- فإنه يمتنع غاية الامتناع أن يلومه موسى ﵇ لأجل حق الله تعالى في المعصية، لأن آدم ﵇ قد تاب منها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فلا يجوز لومه. قال ابن تيمية: "لا يجوز لوم التائب باتفاق الناس" (١). فاحتج آدم بالقدر على المعصية لأنه قد تاب منها، وهذا هو ظاهر رواية مسلم، فإنه قال لموسى: (فهل وجدت فيها -أي في التوراة-: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة). وعلى هذا يكون الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها والإنابة لا محذور فيه، وقد أشار إلى هذا ابن القيم رحمه الله تعالى، مستشهدًا بهذه الرواية، كما تقدم (٢). قال الشيخ ابن عثيمين: "الاحتجاج بالقدر على المصائب جائز، وكذلك الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة جائز، وأما الاحتجاج بالقدر على المعصية تبريرًا لموقف الإنسان واستمرارًا فيها فغير جائز" (٣). والحاصل أن آدم ﵇ لا سبيل إلى لومه شرعًا لأجل التوبة، ولا قدرًا لأجل القضاء والقدر (٤). مناقشة الأقوال المرجوحة: وأما الأقوال الأخرى في توجيه الحديث فإنها وإن كان مقصود أصحابها صحيحًا، وهو أن الحديث لا يؤخذ منه جواز الاحتجاج بالقدر

стр. 346

على المعاصي، إلا أنهم فهموا من الحديث أن اللوم من موسى ولاحتجاج بالقدر من آدم كلاهما متوجه إلى الذنب، ولذا أوَّلوا الحديث تأويلات ضعيفة لا يدل عليها معناه، وإليك بيان ذلك: أما القول الثالث (١): وهو أن الحجة توجهت لآدم لأن موسى لامه على المعصية بعد أن تاب منها، والتائب من الذنب لا يجوز لومه، فقد رده ابن تيمية وغيره، لأن موسى ﵇ أجل قدرًا من أن يلوم أحدًا على ذنب قد تاب منه، وغفر الله له (٢). وذكر ابن القيم أن هذا القول وإن كان أقرب إلا أنه لا يصح لثلاثة أوجه: "أحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه، ولا جعله حجة لموسى، ولم يقل: أتلومني على ذنب قد تبت منه. الثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله، واجتباه بعده وهداه، فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله، فضلًا عن كليم الرحمن. الثالث: أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي ﷺ وجه الحجة، واعتبار ما ألغاه، فلا يلتفت إليه" (٣). وأما القول الرابع: وهو أن الحجة كانت لآدم لأن موسى لامه في غير دار التكليف، فمردود من وجهين: "أحدهما: أن آدم لم يقل له: لمتني في غير دار التكليف، وإنما قال: (أتلومني على أمر قدر عليَّ قبل أن أخلق)، فلم يتعرض للدار وإنما احتج في القدر السابق.

стр. 347

الثاني: أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف، فيلومهم بعد الموت، ويلومهم يوم القيامة" (١). وأما القول الخامس: وهو أن آدم حج موسى ﵇، لأن الذنب واللوم كانا في شريعتين مختلفتين، فدعوى لا دليل عليها، ومن أين يعلم أنه كان في شريعة آدم أن المخالف يحتج بسابق القدر، وفي شريعة موسى أنه لا يحتج، أو أنه يتوجه له اللوم على المخالف (٢). ثم إن اختلاف الشريعتين لا تأثير له في هذه الحجة بوجه، فهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها، وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة، ويقبل الله شهادتهم عليهم وإن كانوا من غير أهل شريعتهم (٣). وأما القول السادس: وهو أن آدم حج موسى لكونه أباه، فبعيد عن معنى الحديث، ولا محصل فيه البتة، لأن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو الابن أو العبد أو السيد، ولو حج الرجل أباه بحق وجب المصير إلى الحجة (٤). * * *

стр. 348

المبحث الثاني: (خلق الله التربة يوم السبت) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح. .

стр. 349

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال عن أبي هريرة ﵁، قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: (خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل)، رواه مسلم (١). بيان وجه الإشكال قال المعلمي: "استنكر بعض أهل الحديث هذا الخبر، ويمكن تفصيل سبب الاستنكار بأوجه: الأول: أنه لم يذكر خلق السماء، وجعل خلق الأرض في ستة أيام. الثاني: أنه جعل الخلق في سبعة أيام، والقرآن يبين أن خلق السموات والأرض كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض ويومان للسماء. الثالث: أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة يوم الأحد، وهو الذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد، الاثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس" (٢).

стр. 350

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في هذا الحديث على قولين: القول الأول: أن هذا الحديث معلول سندًا ومتنًا، فلا يعتمد عليه، وإلى هذا ذهب البخاري وعلي بن المديني ويحيى بن معين (١)، وعبد الرحمن بن مهدي (٢) والبيهقي (٣) وابن تيمية، وابن القيم وابن كثير وابن عثيمين (٤) وغيرهم، عليهم رحمة الله. أما إعلاله من جهة السند: فقد رواه مسلم من طريق سريج بن يونس وهارون بن عبد الله قالا: حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة ... فذكر الحديث. وقد أُعل هذا السند من ثلاثة وجوه:

стр. 351

الأول: أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار (١) موقوفًا عليه. قال البخاري: "روى إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد الأنصاري عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (خلق الله التربة يوم السبت)، وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح" (٢). وقال ابن القيم عن هذا الحديث: "وقع فيه الغلط في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار، كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري، في تاريخه الكبير، وقاله غيره من علماء المسلمين أيضًا، وهو كما قالوا" (٣). الثاني: أن إسماعيل بن أمية قد أخذ هذا الحديث -كما يرى ابن المديني- من إبراهيم بن أبي يحيى، وإبراهيم بن أبي يحيى هذا ضعيف لا يحتج به، بل هو عند أهل الحديث متروك متهم بالكذب (٤). قال علي بن المديني -مُعِلًّا إسناد هذا الحديث-: "ما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى" (٥). وقد جاء هذا الحديث من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، كما أشار إلى

стр. 352

ذلك البيهقي، فقال معقبًا على كلام ابن المديني: "قلت: وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد، إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف، وروي عن بكر بن الشرود عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد، وإسناده ضعيف" (١). الثالث: أن في سنده: أيوب بن خالد، وهو ضعيف. قال الأزدي (٢): "أيوب بن خالد ليس حديثه بذاك، تكلم فيه أهل العلم بالحديث، وكان يحيى بن سعيد ونظراؤه لا يكتبون حديثه" (٣). وقال ابن حجر: "فيه لين" (٤). هذه هي العلل الموجهة إلى سند هذا الحديث، وقد أوجبت القدح فيه، وعدم الاعتماد عليه عند أصحاب هذا القول. قال ابن تيمية: "وأما الحديث الذي رواه مسلم في قوله: (خلق الله التربة يوم السبت)، فهو حديث معلول، قدح فيه أئمة الحديث، كالبخاري وغيره، قال البخاري: الصحيح أنه موقوف على كعب، وقد ذكر تعليله البيهقي أيضًا، وبينوا أنه غلط ليس مما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ ، وهو مما أنكر الحذاق على مسلم إخراجه إياه" (٥). وقال أيضًا: "هذا الحديث قد بين أئمة الحديث، كيحيى بن معين

стр. 353

وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري، وغيرهم، أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي ﷺ ، بل صرح البخاري في تاريخه الكبير أنه من كلام كعب الأحبار" (١). وقال ابن كثير: "تكلم في هذا الحديث علي بن المديني والبخاري والبيهقي وغيرهم من الحفاظ ... فكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صُحُفِهِ، فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعًا إلى النبي ﷺ " (٢). وأما إعلاله من جهة المتن، فمن عدة وجوه (٣): الأول: أنه جعل استيعاب الخلق في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، حيث أخبر الله تعالى فيه أن خلق السموات والأرض وما بينهما كان في ستة أيام، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤]. الثاني: أنه لم يذكر خلق السموات. الثالث: أنه جعل خلق الأرض وما فيها في ستة أيام، وهذا خلاف القرآن، ففيه أن الأرض خلقت في أربعة أيام، ثم خلقت السماء في يومين، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا

стр. 354

طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]. الرابع: أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة، يوم الأحد، فقد روي ذلك عن ابن عباس (١) وكعب الأحبار (٢) وعبد الله بن سلام (٣) ومجاهد (٤) والضحاك (٥) والسدي (٦) وغيرهم (٧)، وروي مرفوعًا إلى

стр. 355

النبي ﷺ (١)، ونقل الطبري وغيره الإجماع على هذا (٢)، وهو الذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد، الإثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس. قال ابن تيمية: "ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن آخر ما خلقه هو آدم، وكان خلقه يوم جمعة، وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أن خلق ذلك في الأيام السبعة، وقد روي إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد" (٣). وقال أيضًا: "لما ثبت بهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، أن آدم خلق يوم الجمعة، وثبت أنه آخر المخلوقات بلا نزاع، علم أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، لأن القرآن قد أخبر أن الخلق كان في ستة أيام، وبهذا النقل المتواتر، مع شهادة ما عند أهل الكتاب على ذلك، وموافقة الأسماء وغير ذلك، علم ضعف الحديث المعارض لذلك، مع أنه في نفسه متعارض ... فهو قد بين ما يوافق سائر الأحاديث من أن آدم خلق يوم الجمعة، وأنه خلق آخر الخلق، ومعلوم بنصوص القرآن أن الخلق كان في ستة أيام، وذلك يدل على ما وقع فيه من الوهم بذكر الخلق يوم السبت" (٤). وقال ابن القيم عن يوم السبت: "لم يكن يومًا من أيام تخليق العالم، بل ابتداء أيام التخليق الأحد، وخاتمتها الجمعة، هذا أصح القولين، وعليه يدل القرآن، وإجماع الأمة على أن أيام تخليق العالم ستة، فلو كان أولها السبت لكان سبعة" (٥). وقال ابن كثير عن هذا الحديث: "في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك
следующие страницы →