← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الأول: أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار (١) موقوفًا عليه. قال البخاري: "روى إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد الأنصاري عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (خلق الله التربة يوم السبت)، وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح" (٢). وقال ابن القيم عن هذا الحديث: "وقع فيه الغلط في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار، كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري، في تاريخه الكبير، وقاله غيره من علماء المسلمين أيضًا، وهو كما قالوا" (٣). الثاني: أن إسماعيل بن أمية قد أخذ هذا الحديث -كما يرى ابن المديني- من إبراهيم بن أبي يحيى، وإبراهيم بن أبي يحيى هذا ضعيف لا يحتج به، بل هو عند أهل الحديث متروك متهم بالكذب (٤). قال علي بن المديني -مُعِلًّا إسناد هذا الحديث-: "ما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى" (٥). وقد جاء هذا الحديث من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، كما أشار إلى

стр. 352

ذلك البيهقي، فقال معقبًا على كلام ابن المديني: "قلت: وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد، إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف، وروي عن بكر بن الشرود عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد، وإسناده ضعيف" (١). الثالث: أن في سنده: أيوب بن خالد، وهو ضعيف. قال الأزدي (٢): "أيوب بن خالد ليس حديثه بذاك، تكلم فيه أهل العلم بالحديث، وكان يحيى بن سعيد ونظراؤه لا يكتبون حديثه" (٣). وقال ابن حجر: "فيه لين" (٤). هذه هي العلل الموجهة إلى سند هذا الحديث، وقد أوجبت القدح فيه، وعدم الاعتماد عليه عند أصحاب هذا القول. قال ابن تيمية: "وأما الحديث الذي رواه مسلم في قوله: (خلق الله التربة يوم السبت)، فهو حديث معلول، قدح فيه أئمة الحديث، كالبخاري وغيره، قال البخاري: الصحيح أنه موقوف على كعب، وقد ذكر تعليله البيهقي أيضًا، وبينوا أنه غلط ليس مما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ ، وهو مما أنكر الحذاق على مسلم إخراجه إياه" (٥). وقال أيضًا: "هذا الحديث قد بين أئمة الحديث، كيحيى بن معين

стр. 353

وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري، وغيرهم، أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي ﷺ ، بل صرح البخاري في تاريخه الكبير أنه من كلام كعب الأحبار" (١). وقال ابن كثير: "تكلم في هذا الحديث علي بن المديني والبخاري والبيهقي وغيرهم من الحفاظ ... فكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صُحُفِهِ، فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعًا إلى النبي ﷺ " (٢). وأما إعلاله من جهة المتن، فمن عدة وجوه (٣): الأول: أنه جعل استيعاب الخلق في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، حيث أخبر الله تعالى فيه أن خلق السموات والأرض وما بينهما كان في ستة أيام، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤]. الثاني: أنه لم يذكر خلق السموات. الثالث: أنه جعل خلق الأرض وما فيها في ستة أيام، وهذا خلاف القرآن، ففيه أن الأرض خلقت في أربعة أيام، ثم خلقت السماء في يومين، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا

стр. 354

طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]. الرابع: أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة، يوم الأحد، فقد روي ذلك عن ابن عباس (١) وكعب الأحبار (٢) وعبد الله بن سلام (٣) ومجاهد (٤) والضحاك (٥) والسدي (٦) وغيرهم (٧)، وروي مرفوعًا إلى

стр. 355

النبي ﷺ (١)، ونقل الطبري وغيره الإجماع على هذا (٢)، وهو الذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد، الإثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس. قال ابن تيمية: "ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن آخر ما خلقه هو آدم، وكان خلقه يوم جمعة، وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أن خلق ذلك في الأيام السبعة، وقد روي إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد" (٣). وقال أيضًا: "لما ثبت بهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، أن آدم خلق يوم الجمعة، وثبت أنه آخر المخلوقات بلا نزاع، علم أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، لأن القرآن قد أخبر أن الخلق كان في ستة أيام، وبهذا النقل المتواتر، مع شهادة ما عند أهل الكتاب على ذلك، وموافقة الأسماء وغير ذلك، علم ضعف الحديث المعارض لذلك، مع أنه في نفسه متعارض ... فهو قد بين ما يوافق سائر الأحاديث من أن آدم خلق يوم الجمعة، وأنه خلق آخر الخلق، ومعلوم بنصوص القرآن أن الخلق كان في ستة أيام، وذلك يدل على ما وقع فيه من الوهم بذكر الخلق يوم السبت" (٤). وقال ابن القيم عن يوم السبت: "لم يكن يومًا من أيام تخليق العالم، بل ابتداء أيام التخليق الأحد، وخاتمتها الجمعة، هذا أصح القولين، وعليه يدل القرآن، وإجماع الأمة على أن أيام تخليق العالم ستة، فلو كان أولها السبت لكان سبعة" (٥). وقال ابن كثير عن هذا الحديث: "في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك

стр. 356

أنه ليس فيه ذكر خلق السموات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، لأن الأرض خلقت في أربعة أيام، ثم خلقت السموات في يومين من دخان" (١). وقال أيضًا: "هذا الحديث من غرائب الصحيح" (٢). القول الثاني: أن الحديث صحيح لا مطعن في إسناده البتة، وعلى رأس القائلين بهذا الإمام مسلم، عليه رحمة الله، وصححه أيضًا ابن حبان (٣)، وابن الأنباري (٤)، وابن الجوزي (٥)، وأحمد شاكر (٦)، وانتصر لتصحيحه والرد على الطاعنين في صحته كل من المعلمي والألباني، عليهما رحمة الله، فأجابا عن العلل الموجهة إلى سند هذا الحديث بما يلي (٧):

стр. 357

أما إعلال البخاري لهذا الحديث بقوله: "وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح"، فقد قال عنه المعلمي: "مؤدى صنيعه أنه يحدس أن أيوب أخطأ، وهذا الحدس مبني على ثلاثة أمور: الأول: استنكار الخبر لما مر. الثاني: أن أيوب ليس بالقوي، وهو مقل، لم يخرج له مسلم إلا هذا الحديث، لما يعلم من الجمع بين رجال الصحيحين، وتكلم فيه الأزدي، ولم ينقل توثيقه عن أحد من الأئمة، إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، وشرط ابن حبان في التوثيق فيه تسامح معروف. الثالث: الرواية التي أشار إليها بقوله: "وقال بعضهم"، وليته ذكر سندها ومتنها، فقد تكون ضعيفة في نفسها، وإنما قويت عنده للأمرين الآخرين، ويدل على ضعفها أن المحفوظ عن كعب وعبد الله بن سلام ووهب بن منبه (١) ومن يأخذ عنهم: أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبهم، وعليه بنوا قولهم في السبت ... وهذا يدفع أن يكون ما في الحديث من قول كعب" (٢). وأما إعلال ابن المديني للحديث بأنه يرى أن إسماعيل بن أمية قد رواه عن إبرهيم بن أبي يحيى، وهو متروك متهم بالكذب، فقد أجاب عنه المعلمي أيضًا فقال: "يرد على هذا أن إسماعيل بن أمية ثقة عندهم غير

стр. 358

مدلس، فلهذا -والله أعلم- لم يرتضِ البخاري قول شيخه ابن المديني، وأعل الخبر بأمر آخر" (١). وقال الألباني: "هذه دعوى عارية من الدليل، إلا مجرد الرأي، وبمثله لا ترد رواية إسماعيل بن أمية، فإنه ثقة ثبت، كما قال الحافظ في التقريب (٢) " (٣). وأما إعلال الحديث بأيوب بن خالد لأن فيه لينًا فقد قال عنه الألباني: "ليس بشيء، فإنه لم يضعفه أحد سوى الأزدي، وهو نفسه لين عند المحدثين، فتنبه" (٤). وقال المعلمي: "وأيوب لا بأس به، وصنيع ابن المديني يدل على قوَّته عنده، وقد أخرج له مسلم في صحيحه كما علمت، وإن لم يكن حده أن يحتج به في الصحيح" (٥). وأما العلل الموجهة إلى متن هذا الحديث فقد أجاب عنها المعلمي كما سيأتي، أما إجابات غيره من المصححين لهذا الحديث فتكاد تنحصر في الإجابة على علة واحدة -العلة الأولى- وهي مخالفة هذا الحديث للقرآن من حيث إن الحديث يفيد أن الخلق تم في سبعة أيام، والقرآن صريح بأنه في ستة أيام، وهذه الأجوبة تعتبر هي توجيهات أصحاب هذا القول لهذا الحديث، والمتأمل لها يجد أن أغلبها تجعل ابتداء الخلق يوم السبت، وانتهاءه يوم الخميس، فهذه ستة أيام، وهي التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وأما خلق آدم فجعلوه غير داخل في الأيام الستة، قالوا: وبهذا يندفع الإشكال، وتنتفي مخالفة هذا الحديث للقرآن.

стр. 359

قال ابن إسحاق (١) -فيما روى الطبري عنه-: "نقول: نحن المسلمون فيما انتهى إلينا من رسول الله ﷺ : ابتدأ الله الخلق يوم السبت" (٢). وقال السهيلي (٣) -معلقًا على حديث التربة-: "فبين أن أول الأيام التي خلق الله فيها الخلق: السبت، وآخر الأيام الستة إذًا الخميس، وكذلك قال ابن إسحاق فيما ذكر عنه الطبري" (٤). واختلف أصحاب هذا القول في وجه عدم دخول اليوم الذي خلق فيه آدم ﵇ في الأيام الستة على عدة أقوال: ١ - فذهب ابن هبيرة (٥) إلى أنه مستقل عن خلق الأرض، ليس منها،

стр. 360

فلا يكون يومه معدودًا في الأيام الستة، قال ﵀: "لما كملت هذه الأشياء في ستة أيام، كما قال ، واستتب أمر الدار، مستدعية بلسان حالها قدوم الساكن حين تهيئة الأسباب، والفراغ من الرزق والمركب والرياش، وتبين ما يكره وما يطلب، كان خلق ساكن الدار، أبي البشر في يوم الجمعة عند آخر النهار" (١). ٢ - وذهب ابن الجوزي إلى أن أصول الأشياء هي التي خلقت في ستة أيام، وآدم ليس أصلًا وإنما هو كالفرع من بعضها، وبناءً عليه، فلا يلزم أن يكون يوم خلقه في جملة الأيام الستة. قال ﵀: "فإن قيل: فالقرآن يدل على أن خلق الأشياء في ستة أيام، وهذا الحديث يدل على أنها في سبعة؟ ! فالجواب: أن السموات والأرض وما بينهما خلق في ستة أيام، وخُلق آدم من الأرض، والأصول خلقت في ستة، وآدم كالفرع من بعضها" (٢). ٣ - وذهب المعلمي إلى القول: بأن خالقية الله تعالى لم تتوقف بعد الأيام الستة، لأن الله تعالى ما زال ولا يزال خالقًا، فخلقُ آدم كان بعدها، وليس في القرآن ما يدل على أن خلق آدم كان في الأيام الستة حتى يُقال: إنها صارت -بهذا الحديث- سبعة. قال ﵀: "ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل أنَّ خلق آدم كان في الأيام الستة، ولا في القرآن ولا السنة ولا المعقول أن خالقية الله وقفت بعد الأيام الستة، بل هذا معلوم البطلان، وفي آيات خلق آدم في سورة البقرة، وبعض الآثار ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عمَّار قبل آدم، عاشوا فيها دهرًا، فهذا يساعد القول: بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السموات والأرض، فتدبر

стр. 361

الآيات والحديث على ضوء هذا البيان، يتضح لك إن شاء الله أن دعوى مخالفة هذا الحديث لظاهر القرآن قد اندفعت ولله الحمد" (١). ٤ - أما الألباني فقد جعل هذه الأيام المذكورة في الحديث غير الأيام الستة المذكورة في القرآن، واستدل على ذلك بحديث أبي هريرة عند النسائي أن النبي ﷺ قال: (يا أبا هريرة: إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الإثنين، والشر يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة، في آخر ساعة من النهار بعد العصر، خلقه من أديم الأرض بأحمرها وأسودها، وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من آدم الطيب والخبيث) (٢). قال الألباني تعليقًا على حديث التربة: "الأيام السبعة في الحديث هي غير الأيام الستة في القرآن، فالحديث يتحدث عن شيء من التفصيل الذي أجراه الله على الأرض، فهو يزيد على القرآن، ولا يخالفه، وكان هذا الجمع قبل أن أقف على حديث الأخضر -يعني: الحديث المتقدم- فإذا هو صريح فيما كنت ذهبت إليه من الجمع، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات" (٣).

стр. 362

هذه هي توجيهات أصحاب هذا القول لهذا الحديث، وهي كما أسلفت تنحصر في الإجابة عن العلة الأولى من علل المتن، وحاصلها: أن اليوم الذي خلق فيه آدم غير داخل في الأيام الستة، وأما الألباني فقد جعل الأيام السبعة كلها غير الأيام الستة المذكورة في القرآن. وأما بقية العلل فقد أجاب عنها المعلمي: فقال عن العلة الثانية، وهي عدم ذكر خلق السموات: "الحديث وإن لم ينص على خلق السماء، فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس: النور، وفي السادس: الدواب، وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما الأجرام السماوية". وأما العلة الثالثة: وهي أن الحديث يدل على أن خلق الأرض كان في ستة أيام، وصريح القرآن يدل على أن خلقها كان في أربعة أيام، فقد أجاب عنها بقوله: "الذي فيه -يعني: الحديث- أن خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام كما في القرآن، والقرآن إذ ذكر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدل أن من جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذكر خلق السماء في يومين لم يذكر ما يدل أنه في أثناء ذلك لم يحدث في الأرض شيئًا، والمعقول أنه بعد تمام خلقها أخذت في التطور بما أودعه الله تعالى فيها، والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن" (١). وأما العلة الرابعة: وهي مخالفة الحديث للآثار القائلة: بأن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، فقد قال عنها المعلمي: "ما كان منها مرفوعًا فهو أضعف من هذا الحديث بكثير، وأما غير المرفوع فعامته من قول عبد الله بن سلام وكعب ووهب، ومن يأخذ من الإسرائيليات" (٢).

стр. 363

وأما دلالة أسماء الأيام على أن أول الأيام الستة هو يوم الأحد فقد قال عنها السهيلي: "ليس في تسمية هذه الأيام: (١) والإثنين إلى الخميس ما يشد قول من قال: إن أول الأسبوع الأحد، وسابعها السبت كما قال أهل الكتاب، لأنها تسمية طارئة، وإنما كانت أسماؤها في اللغة القديمة: شيار وأول وأهون وجبار ودبار ومؤنس والعروبة، وأسماؤها بالسريانية قبل هذا: أبو جاد هوز حطي ... إلى آخرها، ولو كان الله تعالى ذكرها في القرآن بهذه الأسماء المشتقة من العدد، لقلنا: هي تسمية صادقة على المسمَّى بها، ولكنه لم يذكر منها إلا الجمعة والسبت، وليسا من المشتقة من العدد، ولم يسمِها رسول الله ﷺ بالأحد والاثنين إلى سائرها إلا حاكيًا للغة قومه لا مبتدئًا لتسميتها، ولعل قومه أن يكونوا أخذوا معاني هذه الأسماء من أهل الكتاب المجاورين لهم، فألقوا عليها هذه الأسماء اتباعًا لهم" (٢). * * *

стр. 364

المطلب الثالث: الترجيح الحق أن مثار الإشكال في هذا الحديث هو المتن، لمخالفة ظاهره صريح القرآن، وهو الذي دعا بعض أهل العلم إلى التفتيش في سنده لمعرفة مصدر الوهم فيه، فمنهم من جعل مصدره كون إسماعيل بن أمية رواه عن إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف متهم بالكذب، ومنهم من جعل مصدره أيوب بن خالد، حيث إنه قد ضُعِّفَ من قبل بعض العلماء، ومنهم من جعل مصدره وَهْمُ بعض الرواة، حيث رفعه إلى النبي ﷺ ، بينما هو موقوف على كعب، من رواية أبي هريرة عنه. ولذا قال المعلمي: "مدار الشك في هذا الحديث على الاستنكار" (١) أي: ما في متنه من نكارة، لمخالفته صريح القرآن. وقد تقدم الكلام على سند هذا الحديث، وبيان الأقوال فيه، بما يغني عن إعادته، والأقوال فيه تكاد تكون متكافئة، إلا أن المضعفين له أكثر عددًا وأعلم بالعلل من المصححين له. أما متنه فإن الذي يظهر -والله تعالى أعلم بالصواب- أنه مخالف لصريح القرآن، مخالفة واضحة، لا يمكن معها القول: بصحة الحديث، لأن القرآن متواتر مقطوع بصحته، بخلاف هذا الحديث، وهذا يرجح جانب المعلين لسنده. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "هذا الحديث رواه مسلم ﵀، وقد أنكره العلماء عليه، فهو حديث ليس بصحيح، ولا يصح عن النبي ﷺ ،

стр. 365

لأنه يخالف القرآن الكريم، وكل ما خالف القرآن الكريم فهو باطل، لأن الذين رووا: نقلة بشر، يخطئون ويصيبون، والقرآن ليس فيه خطأ، كله صواب منقول بالتواتر، فما خالفه من أي حديث كان فإنه يحكم بأنه غير صحيح، وإن رواه من رواه" (١). وتحرير القول وبيانه، في مخالفة هذا الحديث لصريح القرآن كما يلي: - أن هذا الحديث جعل ابتداء الخلق يوم السبت، وانتهاءه يوم الجمعة، فتكون مدة الخلق على هذا سبعة أيام، وهذا خلاف ما دل عليه القرآن، وانعقد عليه الإجماع من أن خلق السموات والأرض وما بينهما، كان في ستة أيام، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤]. قال ابن تيمية: "النصوص والآثار المتواترة عن النبي ﷺ ، وأصحابه والتابعين متطابقة على ما دل عليه القرآن من أن خلق السموات والأرض في ستة أيام ... وهذا أيضًا متفق عليه بين أهل الملل كاليهود والنصارى، وهو مذكور في التوراة وغيرها كما ذكر في القرآن" (٢). - وفي هذا الحديث أيضًا أن ابتداء الخلق كان يوم السبت، والذي تدل عليه الأدلة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، أن ابتداء الخلق يوم الأحد، وبيان ذلك: أنه لا نزاع في كون آدم ﵇ خلق يوم الجمعة (٣)، وأنه آخر المخلوقات (٤)، وهو صريح هذا الحديث، ففيه: (وخلق آدم ﵇ بعد

стр. 366

العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل). فإذا كان آدم آخر الخلق، وكان خلقه يوم الجمعة، وكان خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وكان خلق آدم ﵇ داخلًا في هذه الأيام الستة، علم يقينًا أن ابتداء الخلق يوم الأحد لا السبت، وهذا ظاهر. قال ابن جرير الطبري: "لا خلاف بين جميع أهل العلم أن اليومين اللذين ذكرهما الله ﵎ في قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] داخلان في الأيام الستة التي ذكرهن قبل ذلك، فمعلوم إذا كان الله إنما خلق السموات والأرضين وما فيهن في ستة أيام، وكانت الأخبار مع ذلك متظاهرة عن رسول الله ﷺ بأن آخر ما خلق الله من خلقه آدم، وأن خلقه إياه كان في يوم الجمعة: أن يوم الجمعة الذي فرغ فيه من خلق خلقه، داخل في الأيام الستة التي أخبر الله تعالى ذكره أنه خلق خلقه فيهن، لأن ذلك لو لم يكن داخلًا في الأيام الستة، كان إنما خلق خلقه في سبعة أيام لا في ستة، وذلك خلاف ما جاء به التنزيل، فتبين إذًا إذ كان الأمر كالذي وصفنا في ذلك: أن أول الأيام التي ابتدأ الله فيها خلق السموات والأرض وما فيهن من خلقه، يوم الأحد، إذ كان الآخر يوم الجمعة، وذلك ستة أيام كما قال ربنا ﷻ " (١). وقال ابن تيمية: "ثبت بالتواتر أن خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة، فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد، وهكذا هو عند أهل الكتاب، وعلى ذلك تدل أسماء الأيام، وهذا هو المنقول الثابت في أحاديثَ وآثار أخر، ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره يوم الجمعة، لكان قد خلق في الأيام السبعة، وهو

стр. 367

خلاف ما أخبر به القرآن" (١). وعلى هذا القول، وهو أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد: جمهور العلماء من الصحابة والتابعين (٢) وغالب أهل التفسير، كالطبري والسمعاني (٣)، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، وصديق بن حسن القنوجي، والسعدي (٤). بل نقل الطبري والقرشي (٥) الإجماع على ذلك: قال الطبري: "وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: اليوم الذي ابتدأ الله -تعالى ذكره- فيه خلق السموات والأرض: يوم

стр. 368

الأحد، لإجماع السلف من أهل العلم على ذلك" (١). وقال القرشي: "اتفقت الناس على أن يوم السبت لم يقع فيه خلق، وأن ابتداء الخلق يوم الأحد" (٢). - وأيضًا فهذا الحديث مخالف للقرآن في جعله مدة خلق الأرض وما فيها ستة أيام، ولم يذكر فيها خلق السموات، والقرآن صريح في أن مدة خلق الأرض وما فيها أربعة أيام، وتمام الستة كان فيها خلق السموات، أي: في اليوم الخامس والسادس، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]. قوله: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾، قال الطبري: "وذلك يوم الأحد ويوم الإثنين، وبذلك جاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وقالته العلماء" (٣). وقوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في تتمة أربعة أيام، قال البغوي: "يريد: خلقَ ما في الأرض، وقدر الأقوات في يومين: يوم الثلاثاء والأربعاء، فهما مع الأحد والإثنين أربعة أيام، رد الآخر على الأول في الذكر، كما تقول: تزوجت أمس امرأة، واليوم ثنتين، وإحداهما هي التي تزوجتها بالأمس" (٤). وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾، قال الطبري: "ففرغ من خلقهن سبع سموات في يومين، وذلك يوم الخميس والجمعة" (٥). قال القرطبي بعدما فسر هذه الآيات بما تقدم: "على هذا أهل

стр. 369

التفسير، إلا ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ... " (١)، ثم ذكر حديث التربة. وقال الشنقيطي (٢) بعدما ذكر هذا التفسير: "وهذا التفسير الذي ذكرنا في الآية لا يصح غيره بحال، لأن الله تعالى صرح في آيات متعددة من كتابه بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ... فلو لم يفسر قوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ بأن معناه: في تتمة أربعة أيام، لكان المعنى أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ثمانية أيام" (٣). الخلاصة: مما تقدم يظهر جليًا مخالفة هذا الحديث لصريح القرآن من عدة وجوه: الأول: أن القرآن صريح في أن خلق السموات والأرض وما بينهما، كان في ستة أيام، وهذا الحديث - (خلق الله التربة يوم السبت) - يتضمن استيعاب الخلق في سبعة أيام. الثاني: أن الذي دل عليه القرآن مع السنة، وبه قال جمهور أهل العلم: أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وهذا الحديث يجعل ابتداء الخلق يوم السبت. الثالث: أن القرآن أخبر أن خلق الأرض وما فيها كان في أربعة أيام، وهذا الحديث جعل خلق الأرض وما فيها في ستة أيام.

стр. 370

الرابع: أن القرآن جعل خلق السموات داخلًا في الأيام الستة، بينما هذا الحديث لم يذكر خلق السموات. فهذه الوجوه -وهي علل المتن التي تقدم ذكرها في القول الأول- تجعل الحديث مطعونًا في صحته، لا سيما وقد أعله من جهة سنده جمع من أهل العلم، وفيهم الحفاظ والنقاد، وأئمة الجرح والتعديل، وأهل المعرفة بالعلل والأسانيد، كعلي بن المديني والبخاري ويحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي والبيهقي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير. وأما محاولة أصحاب القول الثاني توجيه الحديث ودفع مخالفته للقرآن -وذلك بالإجابة على علل المتن- فغير مجدية، لأن أجوبتهم عن علل المتن، ليست في القوة ما يجعلها تنهض لدفع إشكال الحديث، وإزالة ما فيه من مخالفة لكتاب الله تعالى، خاصةً ما أجابوا به على عدم ذكر خلق السموات فيه. قال القرطبي: "وتحقيق هذا أنه لم يذكر في هذا الحديث نصًا على خلق السموات، مع أنه ذكر فيه أيام الأسبوع كلها، وذكر ما خلق الله تعالى فيها، فلو خلق السموات في يوم زائد على أيام الأسبوع، لكان خلق السموات والأرض في ثمانية أيام، وذلك خلاف المنصوص عليه في القرآن، ولا صائر إليه. وقد رُوي هذا الحديث في غير كتاب مسلم بروايات مختلفة مضطربة ... فلا يعتمد على ما تضمنته من ترتيب المخلوقات في تلك الأيام، والذي يعتمد عليه في ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] الآيات، فلينظر فيها من أراد تحقيق ذلك" (١). ومما يحسن التنبيه عليه أن أصحاب القولين -المصححين للحديث

стр. 371

والمضعفين له- متفقون على تنزيل الأيام الستة المذكورة في القرآن على الأيام الواردة في حديث التربة، ما عدا الألباني ﵀، حيث ذهب -كما تقدم- إلى أن الأيام الواردة في الحديث غير الأيام الستة المذكورة في القرآن، وقوله هذا يرده ويشكل عليه أن الحديث ورد فيه خلق الجبال والأشجار، فإذا جعلنا ما ورد في الحديث غير ما ورد في القرآن، لزم من ذلك إخراج خلق الجبال والشجر من الأيام الستة المذكورة في القرآن، وهذا مخالف لصريح القرآن، حيث جعل خلق الجبال والأقوات -وهي الشجر وكل ما يقتات الناس (١) - داخلًا في الأيام الستة، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾. * * *

стр. 372

المبحث الثالث: (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 373

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال عن عائشة ﵁: عن النبي ﷺ قال: (سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني (١) الله بمغفرة ورحمة) متفق عليه (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله)، قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، متفق عليه (٣). وعن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يُدخِل أحدًا منكم عملُه الجنةَ ولا يجيره من النار، ولا أنا إلا برحمة من الله)، رواه مسلم (٤).

стр. 374

بيان وجه الإشكال أن هذه الأحاديث -والتي بلغت مبلغ التواتر (١) - تنص على عدم دخول الجنة بالأعمال (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، والقرآن ينص على دخول الجنة بالأعمال كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، فكيف نجمع بين هذه الآيات والأحاديث؟ هذا ما سوف يتضح في المطالب التالية. * * *

стр. 375

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال للناس مع هذه الأحاديث ثلاثة مواقف: الموقف الأول: الجمع بينها وبين الآيات التي تنص على أن دخول الجنة يكون بالأعمال، وذلك بالعمل بها جميعًا، حيث قالوا: إنه لا تنافي بينها، لأن توارد النفي -الذي في الحديث- والإثبات -الذي في الآية- ليس على محل واحد، وعلى هذا القول أهل السنة والجماعة ومن وافقهم، ولكنهم اختلفوا في كيفية الجمع على أقوال، أشهرها: القول الأول: أن المنفي في الحديث: (لن ينجو أحد منكم بعمله) هو كون العمل عوضًا وثمنًا كافيًا للنجاة ودخول الجنة، إذ لا بد من عفو الله وفضله ورحمته، فالذي نفاه النبي ﷺ : باء المقابلة والعوض، وكون دخول الجنة بمجرد الأعمال. وأما المثبت في الآية: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] فهو: باء السببية، أي: بسسب أعمالكم، فالأعمال سبب لدخول الجنة. وإلى هذا القول ذهب جمع من أهل العلم كالنووي (١)، وابن تيمية (٢)، وابن القيم، وابن كثير (٣)، وابن أبي العز (٤)، والعراقي (٥)، وابن

стр. 376

الوزير (١)، والمقريزي (٢)، وغيرهم (٣). قال ابن القيم: "الباء المقتضية للدخول غير الباء التي نُفي معها الدخول، فالمقتضية هي باء السببية، الدالة على أن الأعمال سبب للدخول، مقتضية له كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، والباء التي نُفي بها الدخول هي باء المعاوضة والمقابلة التي في نحو قولهم: اشتريت هذا بهذا. فأخبر النبي ﷺ أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنه لولا تغمد الله سبحانه لعبده برحمته لما أدخله الجنة، فليس عمل العبد -وإن تناهى- موجبًا بمجرده لدخول الجنة، ولا عوضًا لها، فإن أعماله وإن وقعت منه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، فهي لا تقاوم نعمة الله التي أنعم بها عليه في دار الدنيا، ولا تعادلها، بل لو حاسَبَه لوقعت أعماله كلها في مقابلة اليسير من نعمه، وتبقى بقية النعم مقتضيةً لشكرها، فلو عذبه في

стр. 377

هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له، ولو رحمه لكانت رحمته خيرًا له من عمله" (١). القول الثاني: أن أصل دخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله، وعلى هذا يحمل الحديث، وأما التفاوت في المنازل والدرجات في الجنة فيكون بالأعمال، وعلى هذا تحمل الآية. وإلى هذا ذهب ابن بطال وغيره (٢). قال ابن بطال: "فإن قال قائل: فإن قوله ﵇: (لن يدخل أحدكم عمله الجنة) يعارض قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]، قيل: ليس كما توهمت، ومعنى الحديث غير معنى الآية، أخبر النبي ﷺ في الحديث أنه لا يستحق أحد دخول الجنة بعمله، وإنما يدخلها العباد برحمة الله، وأخبر الله تعالى فى الآية أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، ومعلوم أن درجات العباد فيها متباينة على قدر تباين أعمالهم، فمعنى الآية في ارتفاع الدرجات وانخفاضها والنعيم فيها، ومعنى الحديث في الدخول في الجنة والخلود فيها، فلا تعارض بين شيء من ذلك. فإن قيل: فقد قال تعالى في سورة النحل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فأخبر أن دخول الجنة بالأعمال أيضًا، فالجواب: أن قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كلام مجمل يبينه الحديث، وتقديره: ادخلوا منازل الجنة وبيوتها بما كنتم تعملون، فالآية مفتقرة إلى بيان لحديث" (٣).

стр. 378

القول الثالث: أن التوفيق للعمل من رحمة الله تعالى، فلولا رحمته لما صلح عمل ولا حصلت طاعة، وعلى هذا فدخول الجنة بالأعمال لا يكون إلا مع رحمة الله تعالى، فالحديث مفسر للآية، وإلى هذا ذهب القاضي عياض وغيره (١). قال ﵀: "لا تعارض بين هذا وبين قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وشبهه من الآيات، لأن الحديث يفسر ما أجمل ها هنا، وأن معنى ذلك: مع رحمة الله وبرحمة الله، إذ من رحمة الله توفيقه للعمل، وهدايته للطاعات، وأنه لم يستحقها بعمله، إذ الكل بفضل من الله تعالى" (٢). القول الرابع: ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ حيث قال: "ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جواب آخر، وهو أن يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولًا، وإذا كان كذلك فأمر القبول (٣) إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا، فمعنى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر بعد هذا أن تكون الباء للمصاحبة أو للإلصاق أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية" (٤). الموقف الثاني: ما ذهبت إليه القدرية، وهو: أن الجنة عوض عن العمل وثمن له، فالعبادات شرعت أثمانًا لما يناله العباد من الثواب والنعيم، وذلك بمنزلة استيفاء الأجير أجره، وعلى هذا فدخول الجنة راجع إلى محض الأعمال، واستدلوا بما تقدم من الآيات وما في معناها كقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]،

стр. 379

وقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، فقالوا: إن الله تعالى -في هذه الآيات- جعل الجنة عوضًا عن الأعمال (١). الموقف الثالث: ما ذهبت إليه الجبرية من أن الأعمال ليس لها ارتباط بالجزاء البتة، وأنها ليست سببًا في دخول الجنة، فدخولها راجع إلى محض المشيئة (٢). واستدلوا بما تقدم من الأحاديث التي فيها نفي دخول الجنة بالأعمال (٣). * * *

стр. 380

المطلب الثالث: الترجيح الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن مجرد الأعمال غير كاف في دخول الجنة، إذ لا بد من رحمة الله تعالى، فبدونها لا تجب الجنة لأحد، كما تقدم في الأحاديث، حيث قال ﷺ : (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة). وقد جاء القرآن مصدقًا لمعنى هذه الأحاديث، كما في قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. وقال تعالى بعد ذكر الجنة: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ [الدخان: ٥٦، ٥٧]. وقال جل وعلا: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧]. وليس في كتاب الله أن العمل يُدخل الجنة، وإنما فيه أن الله هو يدخل الجنة به في بعض الآيات، وفي بعضها بالعمل وبتكفير الله تعالى للسيئات، وهي زيادة يجب اعتبارها. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التغابن: ٩]. وقال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ

стр. 381

بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ [الزمر: ٣٥]، وهذا كثير في كتاب الله تعالى، ولا دليل على أن التكفير واجب بالعمل، بل الأدلة ناهضة بخلافه، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] (١). قال الإمام البربهاري (٢): "اعلم أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، ولا يعذب الله أحدًا إلا بقدر ذنوبه، ولو عذب أهل السموات والأرض، برهم وفاجرهم، عذبهم غير ظالم لهم" (٣). وقال الإمام الصابوني (٤) في معرض بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: "ويعتقدون ويشهدون أن أحدًا لا تجب له الجنة -وإن كان عمله حسنًا وطريقه مرضيًا- إلا أن يتفضل الله عليه، فيوجبها له بمنه وفضله، إذ عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله عز اسمه، فلو لم ييسره له، ولو لم يهدِه لم يهتد له أبدًا، قال الله : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١] " (٥).

стр. 382

كما أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الأعمال الصالحة أسباب موصلة إلى ثواب الله تعالى وجنته، لكن ذلك لا يتحقق إلا بتوفر الشروط -والتي من أعظمها رحمة الله- وانتفاء الموانع. قال ابن تيمية: "مجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بد من ريح مُرْبِيَةٍ بإذن الله ولا بد من صرف الانتفاء عنه، فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره ... وكذلك أمر الآخرة، ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هو سبب ولهذا قال النبي ﷺ : (إنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) " (١). وقال المقريزي: "الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب، والأعمال الصالحات من توفيق الله وفضله، وليست قدْرًا لجزائه وثوابه، بل غايتها إذا وقعت على أكمل الوجوه: أن تكون شكرًا على أحد الأجزاء القليلة من نعمه سبحانه، فلو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم" (٢). وأما ما قيل في الجمع بين حديث: (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة) وما في معناه، وآية: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وما في معناها، فأحسنها القول الأول، وهو: أن المنفي في الحديث كون الأعمال بمجردها توجب دخول الجنة، وأما المثبت في الآية فهو كون الأعمال سبب في دخول الجنة، والفرق بين الأمرين ظاهر، وقد جمع النبي ﷺ بينهما في قوله: (سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)،

стр. 383

قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)، متفق عليه. قال ابن الوزير: "اعلم أن أهل السنة لا ينكرون أن الجنة تُدَخلُ بعمل كما ورد في القرآن، وإنما ينكرون ما ليس في القرآن من كونها تُستَحقُ على الله بالعمل استحقاق المبيعات بأثمانها، بحيث إنه لا فضل للبائع على المشتري. فمرجع النزاع في أن الباء في قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، هل هي باء المعاوضة للشيء بمقدار ثمنه، مثل الثوب بالدرهم، أو هي باء السببية، كقولك: أكرمني الملِكُ بسابق معرفة، أو بكلمة طيبة سمعها مني، أو نحو ذلك؟ والقرآن إنما نص على العمل، لا على أن الباء فيه للثمن المساوي، ولو قال أهل السنة: بعدم العمل، لجوَّزوا الجنة للمشركين فاعرف هذه النكتة" (١). وأما الأقوال الأخرى في الجمع فإنها عند التأمل نجد أنها تؤول إلى هذا القول، كما أن هذا القول لا يخالف ما جاء في بقية الأقوال بل يوافقها، فالأقوال كلها لا تخالف في كون الأعمال أسبابًا موصلة إلى رضوان الله والجنة، وأن تفاوت العباد في المنازل والدرجات في الجنة يكون بحسب الأعمال، كما أن التوفيق للأعمال الصالحة والهداية لها، ومن ثَم دخول الجنة، والتفاوت في منازلها، كل ذلك برحمة الله تعالى وفضله، وأن مجرد الأعمال -بقطع النظر عن رحمة الله تعالى- لا توجب دخول الجنة، إذ ليست الجنة عوضًا عن الأعمال وثمن لها. وإليك كلام النووي، حيث اشتمل على مجمل هذه الأقوال، قال رحمه الله تعالى: "أما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿وَتِلْكَ

стр. 384

الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾، ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يُدخل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها، وقبولها، برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال، أي: بسببها، وهي من الرحمة، والله أعلم" (١). وأما الموقف الثاني، وهو ما ذهبت إليه القدرية من أن الجنة عوض عن العمل وثمن له، فهو باطل ظاهر البطلان، والأحاديث المتقدمة في نفي دخول الجنة بمجرد الأعمال ترد عليهم. وقد بيَّن الله تعالى في عدة آيات من كتابه أن الأنبياء وهم الأنبياء إنما يدخلون الجنة برحمة الله، فإذا كان الأنبياء كذلك فكيف بغيرهم (٢). قال الله تعالى حكاية عن آدم وحواء ﵈: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقال حكاية عن نوح: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]. وحكى عن إبراهيم قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧]. وأما الموقف الثالث، وهو ما ذهبت إليه الجبرية، حيث أنكرت كون الأعمال سببًا في دخول الجنة، فهو باطل أيضًا، والآيات الدالة على أن دخول الجنة يكون بالأعمال ترد عليهم، وإذا كان "من عذبه الله من المشركين، فقد عذبه بعمله، فكذلك من أثابه الله من الموحدين، فقد أثابه وأدخله الجنة بعمله" (٣).

стр. 385

ونلاحظ أن كل واحد من الفريقين -القدرية والجبرية- قد تمسك بنوع من النصوص، وأغفل النوع الآخر، والحق الذي لا مرية فيه، هو القول: بمدلول النصوص كلها، وعدم طرح شيء منها، لأنها كلها حق وصدق -والحق لا يتعارض بل يصدق بعضه بعضًا- فيحمل كل نوع من النصوص على وجه لا يخالف النوع الآخر، وهو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، كما تقدم. قال ابن تيمية: "وفي هذا الموضع ضل طائفتان من الناس: فريق آمنوا بالقدر، وظنوا أن ذلك كافٍ في حصول المقصود فأعرضوا عن الأسباب الشرعية والأعمال الصالحة، وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يكفروا بكتب الله ورسله ودينه. وفريق أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم، وكما يطلبه المماليك، وهؤلاء جهال ضلال فإن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به حاجة إليه، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلًا به، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، وهو سبحانه كما قال: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) (١)، فالملِكُ إذا أمر مملوكيه بأمر، أمرهم لحاجته إليهم، وهم فعلوه بقوتهم التي لم يخلقها لهم، فيطالبون بجزاء ذلك، والله تعالى غني عن العالمين، فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساؤوا فلها، لهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦] " (٢). وقال ابن القيم ردًا على الجبرية والقدرية، بعد بيانه للقول الراجح في هذه المسألة:

стр. 386

"ولا يصح في النصوص والعقول إلا ما ذكرناه من التفصيل، وبه يتبين أن الحق مع الوسط بين الفِرَق في جميع المسائل، لا يُستثنى من ذلك شيء، فما اختلفت الفِرَق إلا كان الحق مع الوسط، وكلٌّ من الطائفتين معه حق وباطل، فأصاب الجبرية في نفي المعاوضة، وأخطأوا في نفي السببية، وأصاب القدرية في إثبات السببية، وأخطأوا في إثبات المعاوضة، فإذا ضممت أحد نفيَي الجبرية إلى أحد إثباتَي القدرية، ونفيت باطلهما كنت أسعد بالحق منهما" (١). وقال المقريزي: "وتأمل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]، مع قوله ﷺ : (لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله) تجد الآية تدل على أن الجنان بالأعمال، والحديث ينفي دخول الجنة بالأعمال، ولا تنافي بينهما، لأن توارد النفي والإثبات ليس على محل واحد، فالمنفي باء الثمنية، واستحقاق الجنة بمجرد الأعمال، ردًا على القدرية المجوسية، التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداءً متضمن لتكدير المنة. والباء المثبتة التي وردت في القرآن هي باء السببية، ردًا على القدرية الجبرية، الذين يقولون: لا ارتباط بين الأعمال وجزائها، ولا هي أسباب لها، وإنما غايتها أن تكون أَمَارة. والسنة النبوية: هي أن عموم مشيئة الله وقدرته لا تنافي ربط الأسباب بالمسببات، وارتباطها بها. وكل طائفة من أهل الباطل تركت نوعًا من الحق، فإنها ارتكبت لأجله نوعًا من الباطل، بل أنواعًا، فهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه" (٢).

стр. 387

الباب الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في باب النبوة وفيه سبعة مباحث: * المبحث الأول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم). * المبحث الثاني: ما جاء في سحر النبي ﷺ . * المبحث الثالث: ما جاء في إرسال الشهب على الشياطين. * المبحث الرابع: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) مع قول أبي هريرة ﵁: (أوصاني خليلي بثلاث). * المبحث الخامس: حديث شريك في الإسراء. * المبحث السادس: لطم موسى ﵇ لملك الموت. * المبحث السابع: (اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي)، مع قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان).

стр. 388

المبحث الأول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 389

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي)، متفق عليه (١).

стр. 390

بيان وجه الإشكال الشك في اللغة: خلاف اليقين ونقيضه (١)، وهو التردد بين شيئين، بحيث يصعب ترجيح أحدهما على الآخر (٢)، وفي قوله ﷺ : (نحن أحق بالشك من إبراهيم) ما قد يسبق إلى بعض الأذهان منه احتمال وقوع الشك من إبراهيم ﵇ (٣)، لا سيما وقد استشهد النبي ﷺ بآية البقرة، فوجب إزالة اللَبْس، ودفع الوهم، وتصحيح الفهم، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما ما يتعلق بلوط ويوسف ﵇، فسيأتي الكلام عليه وبيان معناه في نهاية المطلب الثالث إن شاء الله تعالى. * * *
следующие страницы →