← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

"ولا يصح في النصوص والعقول إلا ما ذكرناه من التفصيل، وبه يتبين أن الحق مع الوسط بين الفِرَق في جميع المسائل، لا يُستثنى من ذلك شيء، فما اختلفت الفِرَق إلا كان الحق مع الوسط، وكلٌّ من الطائفتين معه حق وباطل، فأصاب الجبرية في نفي المعاوضة، وأخطأوا في نفي السببية، وأصاب القدرية في إثبات السببية، وأخطأوا في إثبات المعاوضة، فإذا ضممت أحد نفيَي الجبرية إلى أحد إثباتَي القدرية، ونفيت باطلهما كنت أسعد بالحق منهما" (١). وقال المقريزي: "وتأمل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]، مع قوله ﷺ : (لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله) تجد الآية تدل على أن الجنان بالأعمال، والحديث ينفي دخول الجنة بالأعمال، ولا تنافي بينهما، لأن توارد النفي والإثبات ليس على محل واحد، فالمنفي باء الثمنية، واستحقاق الجنة بمجرد الأعمال، ردًا على القدرية المجوسية، التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداءً متضمن لتكدير المنة. والباء المثبتة التي وردت في القرآن هي باء السببية، ردًا على القدرية الجبرية، الذين يقولون: لا ارتباط بين الأعمال وجزائها، ولا هي أسباب لها، وإنما غايتها أن تكون أَمَارة. والسنة النبوية: هي أن عموم مشيئة الله وقدرته لا تنافي ربط الأسباب بالمسببات، وارتباطها بها. وكل طائفة من أهل الباطل تركت نوعًا من الحق، فإنها ارتكبت لأجله نوعًا من الباطل، بل أنواعًا، فهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه" (٢).

стр. 387

الباب الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في باب النبوة وفيه سبعة مباحث: * المبحث الأول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم). * المبحث الثاني: ما جاء في سحر النبي ﷺ . * المبحث الثالث: ما جاء في إرسال الشهب على الشياطين. * المبحث الرابع: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) مع قول أبي هريرة ﵁: (أوصاني خليلي بثلاث). * المبحث الخامس: حديث شريك في الإسراء. * المبحث السادس: لطم موسى ﵇ لملك الموت. * المبحث السابع: (اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي)، مع قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان).

стр. 388

المبحث الأول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 389

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي)، متفق عليه (١).

стр. 390

بيان وجه الإشكال الشك في اللغة: خلاف اليقين ونقيضه (١)، وهو التردد بين شيئين، بحيث يصعب ترجيح أحدهما على الآخر (٢)، وفي قوله ﷺ : (نحن أحق بالشك من إبراهيم) ما قد يسبق إلى بعض الأذهان منه احتمال وقوع الشك من إبراهيم ﵇ (٣)، لا سيما وقد استشهد النبي ﷺ بآية البقرة، فوجب إزالة اللَبْس، ودفع الوهم، وتصحيح الفهم، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما ما يتعلق بلوط ويوسف ﵇، فسيأتي الكلام عليه وبيان معناه في نهاية المطلب الثالث إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 391

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم فى هذا الإشكال سلك أهل العلم في معنى هذا الحديث - (نحن أحق بالشك من إبراهيم) - مسلكين: أحدهما: تنزيه إبراهيم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام، عن الشك في قدرة الله على إحياء الموتى، والقطع بعدم دلالة الحديث على ذلك، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، لكنهم اختلفوا في معنى الحديث على عدة أقوال، أشهرها: القول الأول: أن المراد بهذا الحديث نفي الشك عن إبراهيم ﵇، فكأنه قال: إن إبراهيم ﵇ لم يشك، ولو كان الشك متطرقًا إليه لكنا نحن أحق بالشك منه، فإذا كنا نحن لم نشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم ﵇ من باب أولى ألَّا يشك، قال ذلك ﵊ على سبيل التواضع وهضم النفس. وإلى هذا القول ذهب جمهور أهل العلم، كابن قتيبة، والطحاوي (١)، والخطابي، والحميدي (٢)، وابن عطية (٣)، وابن حزم (٤)، والقاضي عياض (٥)، وابن الجوزي، والنووي (٦)، وصفي الرحمن

стр. 392

المباركفوري (١) وابن عثيمين (٢) وغيرهم (٣). قال ابن قتيبة: "قال قوم سمعوا الآية: شك إبراهيم، ولم يشك نبينا ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أنا أحق بالشك من إبراهيم ﵇، تواضعًا منه، وتقديمًا لإبراهيم على نفسه، يريد: أنَّا لم نشك ونحن دونه فكيف يشك هو؟ " (٤). وقال الخطابي: "مذهب الحديث التواضع والهضم من النفس، وليس في قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم ﵇، لكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما، يقول: إذا لم أشك أنا ولم أرتب في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك فيه وأن لا يرتاب" (٥). وقال ابن الجوزي: "مخرج هذا الحديث مخرج التواضع وكسر النفس، وليس في قوله: (نحن أحق بالشك) إثبات شك له ولا لإبراهيم، وإنما يتضمن نفي الشك عنهما، لأن قومًا ظنوا في قوله: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] أنه شك، فنفى ذلك عنه، وإنما المعنى: إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم أولى ألَّا يشك، فكأنه رفعه على نفسه" (٦).

стр. 393

القول الثاني: أن النبي ﷺ ، سمَّى التفاوت بين الإيمان والاطمئنان شكًا، فأطلق على ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم ﵇ اسم الشك، وإلا فإبراهيم ﵇ كان مؤمنًا مَوقنًا، ليس عنده شك يقدح في يقينه، ولكن الرسول ﷺ عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة. وإلى هذا ذهب ابن تيمية وابن القيم (١) عليهما رحمة الله. قال ابن تيمية: "ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمنًا، كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾، ولكن طلب طمأنينة قلبه، كما قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان، سماه النبي ﷺ شكًا لذلك بإحياء الموتى" (٢). القول الثالث: أن إبراهيم ﵇ ونبينا محمد ﷺ لم يشكا في قدرة الله على إحياء الموتى، وإنما شكَّا أن يجيبهما إلى ما سألا. وإلى هذا ذهب المزني (٣) (٤) وابن حبان (٥). وذكر ابن الجوزي أن معنى قوله: (أنا أحق بالشك من إبراهيم) بناءً على هذا القول: "أي: أنا أولى أن أسأل مثل هذا الأمر العظيم الذي يشك السائل في إجابة ربه فيه، وإنما صار أحق، لِما عانى من تكذيب قومه له،

стр. 394

وردهم عليه، وتعجبهم من ذكر البعث، فقال: أنا أحق أن أسأل ما سأل إبراهيم، لعظيم ما جرى عليَّ من قومي، ولمعرفتي بتفضيل الله إياي على الأنبياء، ولكني لا أسأل" (١). هذه هي أهم الأقوال -التي تنفي الشك عن إبراهيم ﵇- في معنى الحديث. وأما الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فقد اختلف أصحاب هذا المسلك في معناها، أي: في سبب سؤال إبراهيم ﵇، وطلبه من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى على عدة أقوال، أهمها: ١ - أنه سأل عن كيفية الإحياء، ليزداد بذلك إيمانًا ويقينًا، ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، وذلك عندما يرى كيفية الإحياء، ولم يكن بذلك شاكًا في القدرة، ولا جاهلًا بمعنى الإحياء، وعلى هذا القول جمهور أهل العلم (٢). ويكون معنى قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: ليزداد إيمانًا مع إيمانه، ويقينًا مع يقينه. قال ابن قتيبة: "تأويل قول إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي:

стр. 395

يطمئن بيقين النظر، واليقين جنسان: أحدهما يقين السمع، والآخر يقين البصر. ويقين البصر أعلى اليقينين، ولذلك قال رسول الله ﷺ : (ليس المُخبر كالمُعاين) (١)، حين ذكرَ قوم موسى وعكوفهم على العجل، قال: أعلمه الله تعالى أن قومه عبدوا العجل، فلم يُلقِ الألواح، فلما عاينهم عاكفين، غضب وألقى الألواح حتى تكسرت. وكذلك المؤمنون بالقيامة والبعث والجنة والنار، مستيقنون أن ذلك كله حق، وهو في القيامة -عند النظر والعيان- أعلى يقينًا. فأراد إبراهيم ﵇ أن يطمئن قلبه بالنظر الذي هو أعلى اليقينين" (٢). وقال الخطابي: "المسألة من قبل إبراهيم لم تعرض من جهة الشك، لكن من قبل زيادة العلم، واستفادة معرفة كيفية الإحياء، والنفس تجد من الطمأنينة بعلم الكيفية ما لا تجده بعلم الآنيَّة، والعلم في الوجهين حاصل، والشك مرفوع" (٣). وقال أبو عبد الله القرطبي: "إنما سأل كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفرقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزقها، فأراد أن يرتقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فقوله: ﴿أَرِنِي كَيْفَ﴾ طلب مشاهدة الكيفية" (٤).

стр. 396

٢ - أنه عندما بُشر بأن الله قد اتخذه خليلًا، سأل ربه هذا السؤال، لتكون إجابة دعائه وإحياء الموتى بسؤاله دليلًا وعلامة على خلته، وعظيم منزلته عند الله تعالى، وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: بالخلة وعلو المنزلة (١). وإلى هذا القول ذهب الطحاوي (٢)، وهو مروي عن السدي (٣) وسعيد بن جبير (٤) (٥) وعبد الله بن المبارك (٦). ٣ - أن سبب سؤاله: المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين النمرود، فطلب إبراهيم ﵇ من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، ليتضح استدلاله عيانًا بعد أن كان بيانًا (٧). وهذا القول يؤول إلى القول الأول، ولذا قال الطبري: "وهذان القولان -أعني: الأول وهذا الآخر- متقاربا المعنى، في أن مسألة إبراهيم

стр. 397

ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، كانت ليرى عيانًا ما كان عنده من علم ذلك خبرًا" (١). المسلك الثاني: الاستدلال بالحديث على وقوع الشك من إبراهيم ﵇، وذلك عند ما سأل ربه أن يريه كيف يحيى الموتى، وكان هذا لعارض عرض له من الشيطان. وقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: لئلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي ألقى من الشك (٢). حكى هذا القول الطبري ورجحه، واستند في ذلك إلى ما يلي (٣): ١ - ما رواه هو عن ابن عباس ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: "ما في القرآن آية أرجى عندي منها". ٢ - وما رواه أيضًا عن عطاء بن أبي رباح (٤) أنه قال في هذه الآية: "دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ". ٣ - حديث: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، حيث جعل ظاهره -كما تقدم- يدل على وقوع الشك من إبراهيم ﵇. فأصحاب هذا القول جعلوا سبب سؤال إبراهيم ﵇: ما عرض له في قلبه من الشك.

стр. 398

المطلب الثالث: الترجيح الذي يمكن الجزم به هنا أن الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى منفي عن آحاد الأنبياء ﵈، فضلًا عمن بلغ مرتبة الخلة وعظيم المنزلة عند الله تعالى، كإبراهيم ﵇، ونبينا محمد ﷺ ، بل ذلك مستحيل في حقهم -باعتبار حالهم لا باعتبار بشريتهم- لأنهم أنبياء، والأنبياء أعلم الناس بربهم وما يتصف به من صفات الحسن والكمال، والتي منها صفة القدرة، فهم يعلمون أن الله تعالى متصف بكمال القدرة والإرادة فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فتصور وقوع الشك منهم باطل، لأنه كفر والكفر لا يجوز في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كيف وهم الذين اختارهم الله تعالى واصطفاهم لتبليغ رسالاته وتحكيم شرعه؟ ! . قال القاضي عياض عن عصمة النبي ﷺ وغيره من الأنبياء فيما يتعلق بأمور الدين: "اعلم -منحنا الله وإياك توفيقه- أن ما تعلق منه بطريق التوحيد، والعلم بالله وصفاته، والإيمان به وبما أوحي إليه، فعلى غاية المعرفة، ووضوح العلم واليقين، والانتفاء من الجهل بشيء من ذلك، أو الشك أو الريب فيه، والعصمة من كل ما يضاد ذلك واليقين، هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه" (١). وقال ابن الوزير: "أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء ﵈ عن الجهل بالله تعالى وصفاته وقواعد شرائعه، وعلى صحة عقائدهم فيما يتعلق

стр. 399

بأفعال الله وحكمته وجلالته" (١). وأما قوله ﷺ : (نحن أحق بالشك من إبراهيم) فليس فيه إثبات للشك، كما قد يُتوهم، ولذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى، عند هذا الحديث: "ليس المراد ههنا بالشك: ما قد يفهمه من لا علم عنده، بلا خلاف" (٢). ومعنى الحديث الذي لا يحتمل غيره (٣): -ما جاء في القول الأول من- أن النبي ﷺ أراد نفي الشك عن إبراهيم ﵇، فقوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) أي: إن إبراهيم ﵇ لم يطلب رؤية إحياء الموتى لأجل الشك، لأنه لو كان شاكًا لكنا نحن أحق بالشك منه، وحيث إنا لا نشك فإن إبراهيم ﵇ لم يكن شاكًا من باب أولى (٤)، ولا يلزم من هذا أن يكون إبراهيم ﵇ أفضل من نبينا محمد ﷺ ، لأنه قال ذلك تواضعًا وأدبًا (٥). وسبب تخصيص إبراهيم ﵇ بالذكر، لكون آية البقرة قد يسبق منها إلى بعض الأذهان وقوع الشك منه (٦). قال ابن عطية عن هذا الحديث: "معناه: أنه لو كان شك لكنا نحن أحق به، ونحن لا نشك، فإبراهيم ﵇ أحرى ألا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم" (٧). وقال ابن حزم: "أما ما رُوي عن النبي ﷺ ، من قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، فمن ظن أن النبي ﷺ شك قط في قدرة ربه على

стр. 400

إحياء الموتى فقد كفر، وهذا الحديث حجة لنا، ونفي للشك عن إبراهيم، أي: لو كان هذا الكلام من إبراهيم ﵇ شكًا، لكان من لم يشاهد القدرة ما شاهد إبراهيم ﵇ أحق بالشك، فإذا كان من لم يشاهد من القدرة ما شاهد إبراهيم غير شاك، فإبراهيم ﵇ أبعد من الشك. قال أبو محمد (١): ومن نسب ها هنا إلى الخليل ﵇ الشك، فقد نسب إليه الكفر، ومن كفَّر نبيًا فقد كفر، وأيضًا فإن كان ذلك شكًا من إبراهيم ﵇، وكنا نحن أحق بالشك منه، فنحن إذًا شكاك جاحدون كفار، وهذا كلام نعلم والحمد لله بطلانه من أنفسنا، بل نحن ولله الحمد مؤمنون مصدقون بالله تعالى، وقدرته على كل شيء يَسأل عنه السائل" (٢). وأما الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فليس فيها ما يدل على شك إبراهيم ﵇ في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ويظهر هذا من وجهين: الأول: أن إبراهيم ﵇ مؤمن مصدق بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى، يدل على ذلك أنه قال في محاجته للنمرود: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وعندما سأل ربه أن يريه كيف يحيى الموتى، قال الله له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ فقوله: ﴿بَلَى﴾ يزيل كل لَبْس، وينفي كل توهم في نسبة الشك إلى إبراهيم ﵇. و"الاستفهام هنا: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ للتقرير، وليس للإنكار ولا للنفي، فهو كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، يعني: قد شرحنا لك، فمعنى ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾: ألست قد آمنت، لتقرير إيمان إبراهيم ﵇" (٣).

стр. 401

قال ابن حزم: "فلم يقرره ربنا وهو يشك في إيمان إبراهيم عبده وخليله ورسوله ﵇، تعالى الله عن ذلك، ولكن تقريرًا للإيمان في قلبه، وإن لم يرَ كيفية إحياء الموتى، فأخبر ﵇ عن نفسه أنه مؤمن مصدق" (١). وقال ابن عطية: "إحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم أُعلم به، يدلك على ذلك قوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعًا" (٢). الثاني: أن سؤال إبراهيم ﵇ إنما هو عن الكيفية، لا عن الإمكان، كما هو صريح قوله: ﴿كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾. قال ابن عطية: "وإذا تأملت سؤاله ﵇، وسائر ألفاظ الآية لم تعطِ شكًا، وذلك أن الاستفهام بكيف، إنما هو عن حال شيء موجود، متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت: كيف ثوبك وكيف زيد، فإنما السؤال عن حال من أحواله ... و(كيف) في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر" (٣). وقال ابن حزم: "إنما أراد أن يرى الكيفية فقط، ويعتبر بذلك، وما شك إبراهيم ﵇ في أن الله تعالى يحيي الموتى، وإنما أراد أن يرى الهيئة،

стр. 402

كما أننا لا نشك في صحة وجود الفيل، والتمساح، والكسوف، وزيادة النهر، والخليفة، ثم يرغب من لم يرَ ذلك منا في أن يرى كل ذلك، ولا يشك في أنه حق، لكن ليرى العجب الذي يتمثله في نفسه ولم تقع عليه حاسة بصره قط" (١). وأما قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فمعناه: ليزداد طمأنينة وإيمانًا، وإلا فقد كان مؤمنًا مطمئنًا، وفي هذا دليل على أن إيمان القلب يزيد وينقص، وأنه درجات بعضها فوق بعض، فإبراهيم ﵇ كان يؤمن بإحياء الموتى، ولكن طلب رؤية ذلك ليطمئن قلبه، فالاطمئنان الحاصل للقلب بالرؤية، درجة زائدة على أصل الإيمان والتصديق (٢). قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٣) ﵀: "وأما قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ فمن أعظم الأدلة على تفاوت الإيمان ومراتبه، حتى الأنبياء، فهذا طلب الطمأنينة مع كونه مؤمنًا، فإذا كان محتاجًا إلى الأدلة التي توجب له الطمأنينة فكيف بغيره" (٤).

стр. 403

مناقشة الأقوال المرجوحة: أما القول الثاني: وهو أن النبي ﷺ عبَّر بالشك على معنى: التفاوت بين الإيمان والاطمئنان، لا أنه أراد حقيقة الشك، لأن إبراهيم ﵇ كان موقنًا بلا ريب، فقول لا تسعفه اللغة، لأن معنى الشك -كما تقدم (١) -: التردد بين شيئين، بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر، فهو نقيض اليقين. وأما القول الثالث: وهو أن الخليلين ﵈ إنما شكَّا في إجابة الله تعالى لمَّا سألا، فليس في الآية والحديث ما يدل عليه، والله أعلم. ومثله ما قيل في أن سبب سؤال إبراهيم ﵇ وطلبه من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى: ليتبيَّن خلته ومنزلته عند الله تعالى، إذ ليس في الآية ما يدل عليه، وإنما الآية دالة على ما تقدم من أن سؤاله كان عن كيفية الإحياء ليزداد بذلك إيمانًا ويقينًا واطمئنانًا، ويترقى بذلك من علم اليقين إلى عين اليقين. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "إبراهيم ﵇ عنده خبر اليقين بأن الله قادر، لكن يريد عين اليقين، ولهذا جاء في الحديث: (ليس الخبر كالمعاينة) (٢)، وقد ذكر العلماء أن اليقين ثلاث درجات: علم، وعين، وحق، كلها موجودة في القرآن: مثال "علم اليقين": قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ [التكاثر: ٥]. ومثال "عين اليقين ": قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ [التكاثر: ٧]. ومثال "حق اليقين": قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ [الواقعة: ٩٥] " (٣).

стр. 404

وأما المسلك الثاني: وهو القول بنسبة الشك إلى إبراهيم ﵇، وادعاء أن ذلك لعارض عرض له من الشيطان؟ ! فقد تقدم بيان بطلانه، وأما ما استند إليه الطبري في ترجيح هذا القول، فيمكن الإجابة عنه كما يلي: - أما استناده إلى ما رواه عن ابن عباس ﵁، من أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: "ما في القرآن آية أرجى عندي منها" فاستناد في غير محله، لأن كلام ابن عباس هذا غير صريح في نسبة الشك لإبراهيم ﵇، ولذا قال ابن عطية بعدما ذكر أن الطبري ترجم في تفسيره بقوله: "وقال آخرون: قال ذلك لربه، لأنه شك في قدرة الله تعالى" (١)، وأنه أدخل تحت هذه الترجمة قول ابن عباس وقول عطاء، قال ابن عطية: "وما ترجم به الطبري عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة متأوَّل" (٢). - وأما قول عطاء: "دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوب الناس"، فإنه وإن كان أقرب من قول ابن عباس لهذا المعنى، إلا أنه ليس صريحًا فيه، بل هو محتمل له ولغيره، ولذا قال ابن عطية عنه: "معناه: من حُبِّ المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به" (٣). وعلى فرض صحة هذين الأثرين وصراحتهما في نسبة الشك لإبراهيم ﵇، فإنه لا يُعوَّل عليهما، لأنها أقوال يستدل لها، لا بها، خاصة في مثل هذا الأمر الذي هو كفر، لا يشك مسلم في عصمة الأنبياء منه. قال أبو عبد الله القرطبي: "لا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك، فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث" (٤).

стр. 405

ثم على هذا القول، كيف يفسر قوله ﷺ (نحن أحق بالشك من إبراهيم)؟ أيكون تفسيره ومعناه: نحن أحق بالشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى من إبراهيم؟ ! سبحانك هذا بهتان عظيم. - وأما استدلال الطبري بحديث: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) فقد تقدم الكلام على معناه -قريبًا- بما يغني عن إعادته. * * * معنى قوله ﷺ : (ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد). أشار ﷺ بهذا إلى قول لوط ﵇ لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]. قال أهل التفسير (١): أراد لوط ﵇ بقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: قبيلة قوية مانعة، لمنعتكم من الوصول إلى أضيافي، وذلك أن الملائكة لما جاءت لوطًا ﵇ في صورة شباب حِسان، في غاية الجمال والكمال -وهو لا يدري أنهم ملائكة- ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٨]، أي: شديد حرجه، لأنه يعلم أن قومه لا يتركونهم، فكان ما خشي، حيث جاءه قومه ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٧٨]، أي: مسرعين مبادرين، يريدون أضيافه بعملهم الخبيث، فاشتد قلق لوط ﵇ وخوفه على أضيافه، فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: قبيلة مانعة لمنعتكم، وعندها أخبرته الملائكة بحالهم، ليطمئن قلبه ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]. قال ابن حجر: "يُقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه، لأنهم من سدوم، وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام، هاجر معه لوط، فبعث الله لوطًا إلى

стр. 406

أهل سدوم، فقال: لو أن لي منعةً وأقاربَ وعشيرة، لكنت أستنصر بهم عليكم، ليدفعوا عن ضيفاني" (١). قال البغوي: "قال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسوّر الجدار، فلما رأت الملائكة ما يلقى لوط بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن ربه في عقوبتهم، فأذن له" (٢). * * * وأما قوله ﷺ : (ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد)، فقد اختُلف في معناه على عدة أقوال، هي كالتالي: القول الأول: أن المعنى، أي: ﵀ على هذا التمني الذي فرط منه في وقت الضيق والشدة، حيث سها فذكر الأسباب المحسوسة، من قومه وعشيرته، مع أنه كان يأوي إلى أشد الأركان وأقواها، وهو الله تعالى. وإلى هذا ذهب ابن قتيبة والبغوي (٣) والقاضي عياض (٤) وابن الأثير (٥) وأبو عبد الله القرطبي (٦)، وهو ظاهر كلام الطحاوي (٧) وجوَّزه النووي (٨)

стр. 407

ورجحه ابن حجر (١) وغيره (٢). قال ابن قتيبة: "وأما قوله: (رحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد)، فإنه أراد قوله لقومه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] يريد سهوهُ في هذا الوقت الذي ضاق فيه صدره، واشتد جزعه بما دهمه من قومه، حتى قال: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، وهو يأوي إلى الله تعالى أشد الأركان" (٣). وقال ابن الأثير: " (رحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد) أي: إلى الله تعالى الذي هو أشد الأركان وأقواها، وإنما ترحم عليه، لسهوه حين ضاق صدره من قومه، حتى قال: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، أراد عز العشيرة الذين يُستندُ إليهم كما يستند إلى الركن من الحائط" (٤). واستشهد هؤلاء بما رواه الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رحمة الله على لوط، إن كان ليأوي إلى ركن شديد، إذ قال لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ وما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه) (٥)، قال الحافظ: "زاد ابن مردويه من هذا

стр. 408

الوجه: (ألم تر إلى قول قوم شعيب: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] " (١) والثروة: الكثرة والمنعه (٢). القول الثاني: ما ذهب إليه ابن حزم من أنه لا تثريب على لوط في قوله هذا، ولم يقصد النبي ﷺ لومه عليه، وإنما أراد الإخبار بأن لوطًا كان في نصر من الله بالملائكة، لكنه لم يكن يعلم ذلك. قال ﵀: "إن لوطًا ﵇، إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه -مما هم عليه من الفواحش- من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين، وما جهل لوط ﵇ أنه يأوي من ربه تعالى إلى أمنع قوة وأشد ركن، فلا جناح على لوط ﵇ في طلب قوة من الناس، فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، فهذا هو الذي طلب لوط ﵇. وقد طلب رسول الله ﷺ من الأنصار والمهاجرين منعة حتى يبلغ كلام ربه تعالى، فكيف ينكِر على لوط أمرًا هو فعله ﵇؟ تالله ما أنكر ذلك رسول الله، وإنما أخبر ﵇ أن لوطًا كان يأوي إلى ركن شديد، يعني: من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط ﵇ علم بذلك، ومن ظن أن لوطًا ﵇ اعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر، إذ نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر، وهذا أيضًا ظن سخيف، إذ من الممتنع أن يظن برب أراه المعجزات -وهو دائبًا يدعو إليه- هذا الظن" (٣). القول الثالث: ما ذهب إليه ابن الجوزي من أن لوطًا ﵇ لم يغفل عن الله تعالى، ولم يترك التوكل عليه، لكن لما كان ظاهر كلامه قد يفهم منه نسيانه لله تعالى، أراد النبي ﷺ منا ألَّا نقول ما يوهم ذلك.

стр. 409

قال ﵀: "أما قصة لوط، فإن لوطًا لم يغفل عن الله ، ولم يترك التوكل عليه، وإنما ذكر السبب، وذكره للسبب وحده يتخايل منه السامع نسيانه لله، فأراد منه نبينا ﵇ ألَّا نقول ما يوهم هذا" (١). القول الرابع: ما ذهب إليه الأُبيِّ (٢) وهو: أن لوطًا ﵇ قصد من قوله هذا إظهار العذر لأضيافه، وتطييب نفوسهم، ولم يكن قط معرضًا عن الله تعالى، والاعتماد عليه، وأما قول الرسول ﷺ : (رحم الله لوطًا ... ) فإنما أراد منه المدح والثناء. قال ﵀: "لوط ﵇ لم ينسَ اللجأ إلى الله تعالى في القضية، وإنما قال ذلك تطييبًا لنفوس الأضياف، وإبداء العذر لهم، بحسب ما ألف في العادة من أن الدفع إنما يكون بقوة أو عشيرة، وهذا في الحقيقة محمدة وكرم أخلاق، يستحق صاحبه الحمد، فقوله ﵊: (يرحم الله لوطًا) ثناءٌ لا نقد، وهو جارٍ على عرف العرب في خطابها" (٣). واستدل ﵀ بسياق الحديث، حيث إن القصد منه بيان فضل هؤلاء الأنبياء ﵈، وسيأتي نقل كلامه قريبًا إن شاء الله تعالى. هذه هي أهم الأقوال في معنى الحديث، وحاصلها: - الاتفاق على أن لوطًا ﵇ عنى بقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: عشيرته وقومه.

стр. 410

- وأن الرسول ﷺ عنى بقوله: (ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد): الله تعالى، فهو أقوى الأركان وأشدها. - أنه لا خلاف في أن لوطًا ﵇، لم يكن يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد، كيف وهو يركن ويأوي إليه في كل وقت وحين، ولذا قال ابن حزم رحمه الله تعالى -كما تقدم-: "ومن ظن أن لوطًا ﵇ اعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر". وإنما موطن الخلاف في الآية هو: تلك اللحظة الحرجة التي تعرض لها لوط ﵇، هل نسي فيها ربه عندما قال -مشيرًا إلى عشيرته وقبيلته -: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أم لا؟ وعلى هذا ينبني معنى الحديث. فحرف المسألة في الحديث: هل قال ذلك النبي ﷺ لائمًا للوط ﵇، وسائلًا الله له الرحمة والتجاوز عن هذا الخطأ، أم قاله منافحًا عنه، ومخبرًا عن حاله، أنه كان يأوي إلى الله تعالى ويعتمد عليه، حتى لا يتوهم متوهم أن لوطًا ﵇ في قوله هذا قد ترك الاعتماد على الله تعالى؟ أكثر أهل العلم -كما ترى- قالوا: بالأول، والثاني أليق بمقام النبوة، وعليه يدل السياق، حيث إن النبي ﷺ قال ذلك في سياق الثناء والمدح لهؤلاء الأنبياء ﵈، ونفي ما قد يُتوهم في حقهم من الباطل. قال الأُبيِّ: "السياق إنما يدل على أن المقصود: إظهار كمال هؤلاء السادة، ورزانة عقولهم، فمعنى قوله: (لقد كان يأوي إلى ركن شديد): أن لوطًا ﵇ كان مطمئن القلب بالاستناد إلى الله تعالى، غير ملتفت عنه أصلًا، وإنما قال ما قال بلسانه إظهارًا للعذر عند أضيافه، وقد وكد النبي ﷺ ثبوت لجأ لوط ﵇ إلى الله تعالى باللام المؤذنة بالقسم، وبقد المؤذنة بالتحقيق، وعبر بالمضارع وهو: (يأوي) للتنبيه على استقرار ذلك منه، وعدم مفارقته إياه. فالكلام مسوق لدفع توهم إيواء لوط ﵊ لغير الله تعالى، كما أن قوله قبله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) مسوق لتنزيه

стр. 411

ساحة إبراهيم ﵇ من الشكوك، وأن ما صدر منه من سؤاله تعالى فالمقصود به شيء آخر" (١). وأما قول لوط ﵇ لقومه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: من قبيلة وعشيرة تمنعكم مما تريدون، فإنما هو ذكرٌ للأسباب المحسوسة المشهودة المباشرة (٢)، وأهميتها في دفع الأذى عنه وعن أضيافه -وهو يعلم أنها لا تكون إلا من الله تعالى- ولذا قال النبي ﷺ : (ما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه)، ولا يلزم من هذا أنه قد نسي ربه، أو ترك الاعتماد عليه في هذا الموقف، فإن الأنبياء أكمل الناس إيمانًا وأعظمهم توكلًا على الله تعالى. وقد قال ﵊ يوم حنين لما اشتد عليه المشركون، وأدبر عنه من كان حوله، حتى بقي وحده، قال مناديًا: (يا معشر الأنصار)، قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك (٣)، فهل يصح أن يُقال: إن رسول الله ﷺ حينما ذكر أصحابه واستعان بهم، وناداهم، ولم ينادِ ربه، كان ذلك لأنه نسي ربه في هذا الموقف الحرج؟ قطعًا لا، وحاشاه من ذلك، بل كان ذاكرًا ربه في كل وقت وحين، يستعين به، ويتوكل عليه، ويثق بنصره، وأما نداؤه لأصحابه واستعانته بهم فلأنهم سبب من الأسباب، ليس غير. كما لا يلزم من دعاء النبي ﷺ للوط ﵇ بالرحمة أن يكون قد أخطأ ونسي الله تعالى، كما قد يُتوهم، لأن ذلك قد يجري على سبيل المدح وبيان الفضل، كما في قوله ﷺ لما استُغضب: (يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، متفق عليه (٤).

стр. 412

وهذا منه ﷺ جارٍ على عادته في دفع توهم النقص عن الأنبياء ﵈، خاصةً إذا صدر منهم ما يوهم ذلك، ومن أمثلة ذلك: قوله هنا -في هذا الحديث- عن إبراهيم ﵇: (نحن أحق بالشك من إبراهيم). وقوله عن يونس ﵇ لما حصل منه ما حصل مما ذكره الله تعالى في كتابه (١) -: (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)، متفق عليه (٢). ومما يدل على أن لوطًا ﵇ لم يكن ملومًا في تمنيه وجود العشيرة، أن الله تعالى لم يعاتبه على ذلك، مع أن من شأنه تعالى أنه لا يُقِر نبيًا على خطأ (٣). قال ابن تيمية عن أهل السنة: "هم متفقون على أنهم لا يُقَرُّون على خطأ في الدين أصلًا، ولا على فسوق ولا على كذب، ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله، فهم متفقون على تنزيههم عنه، وعامة الجمهور الذين يُجوزون عليهم الصغائر، يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها، فلا يصدر عنهم ما يضرهم" (٤). وقال أيضًا: "إن الله لم يذكر في كتابه عن نبي من الأنبياء ذنبًا إلا ذكر توبته منه، كما ذكر في قصة آدم وموسى وداود، وغيرهم من الأنبياء" (٥). وأما ما استدل به أصحاب القول الأول من قوله ﷺ : (رحمة الله على لوط، إن كان ليأوي إلى ركن شديد، إذ قال لقومه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ

стр. 413

آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ وما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه)، فليس فيه ما يدل على أن لوطًا ﵇ قد نسي ربه وسها عنه في هذا الموقف، بل غاية ما فيه أن لوطًا ﵇ تمنى أن لو كان ذا كثرة ومنعة من قوم أو عشيرة، حتى يستعين بهم في حماية أضيافه، وهذا لا إشكال فيه كما تقدم. قال الطحاوي ﵀ -معلقًا على هذا الحديث-: "فدل ذلك أن قول لوط هذا، كان لأنه لم يكن في ثروة من قومه، يكونون له ركنًا يأوي إليهم" (١). * * * معنى قوله ﷺ : (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي): أراد الرسول ﷺ بهذا: الثناء على يوسف ﵇، وبيان فضله، وقوة صبره وحزمه، حيث إنه لما جاءه رسول الملك، آذِنًا له بالخروج، لم يبادر إلى الخروج -كما هو مقتضى الطبيعة- مع أنه مكث في السجن بضع سنين، بل قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]، قال ذلك: حتى تظهر براءته وتتبين مظلمته، فيخرج خروج من له الحجة، لا خروج من قد عفي عنه، فقال النبي ﷺ -تواضعًا منه وأدبًا-: (لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، لأجبت الداعي) أي: لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن، ولما قدمت طلب البراءة. فقوله: (الداعي) أي: داعي الخروج من السجن. هذا هو معنى الحديث عند أهل العلم، كابن قتيبة والطحاوي والخطابي (٢) والبغوي وابن عطية (٣)، والمازري (٤) والقاضي عياض (٥) وابن

стр. 414

الجوزي (١) والنووي (٢)، والأبي (٣) وابن حجر (٤) وابن عثيمين (٥) وغيرهم (٦). قال ابن قتيبة في بيان معنى الحديث: "يعني: حين دعي للإطلاق من الحبس، بعد الغمِّ الطويل، فقال للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، ولم يخرج من الحبس في وقته، يصفه بالأناة والصبر، وقال: لو كنت مكانه، ثم دُعيت إلى ما دُعي إليه من الخروج من الحبس، لأجبت ولم أتلبث، وهذا جنس من تواضعه، لا أنه كان عليه لو كان مكان يوسف فبادر وخرج، أو على يوسف لو خرج من الحبس مع الرسول: نقص ولا إثم، وإنما أراد أنه لم يكن يستثقل محنة الله له، فيُبادر ويتعجل، ولكنه كان صابرًا محتسبًا" (٧). وقال الطحاوي: "وأما قوله ﷺ : (ولو لبثت في السجن مثل ما لبث يوسف، لأجبت الداعي) أي: لأن يوسف لما جاءه الداعي، قال له: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ أي: كنت أجبت الداعي، لأن في ذلك خروجي من السجن الذي كنت فيه" (٨). وقال البغوي بعد ذكره للحديث: "وصف يوسفَ بالأناة والصبر، حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه رسول الملك -فِعْل المذنب الذي يُعفى عنه- مع طول لبثه في السجن، بل قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا

стр. 415

بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، أراد أن يقيم عليهم الحجة في حبسهم إياه ظلمًا، وقال النبي ﷺ ذلك أيضًا على سبيل التواضع، لا أنه كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف. والتواضع لا يصغِّر كبيرًا، ولا يضع رفيعًا، ولا يبطل لذي حق حقًا، ولكنه يوجب لصاحبه فضلًا، ويكسبه جلالًا وقدرًا" (١). وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، "يقول تعالى إخبارًا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي رآها بما أعجبه وأيقنه، فعرف فضل يوسف ﵇، وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه، وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه، فقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ أي: أخرجوه من السجن وأحضروه، فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلمًا وعدوانًا، فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ الآية، وقد وردت السنة بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره وصبره صلوات الله وسلامه عليه" (٢)، ثم ذكر هذا الحديث. * * *

стр. 416

المبحث الثاني: ما جاء في سحر النبي ﷺ - وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الأشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 417

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال عن عائشة ﵂ قالت: سَحَرَ رسولَ الله ﷺ رجلٌ من بني زُرَيق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله (١)، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: (يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب (٢)، قال: من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال في مُشْطٍ ومُشَاطةٍ (٣) وجفِّ طَلعِ نخلةٍ ذكرٍ (٤)، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان)، فأتاها رسول الله ﷺ في ناس

стр. 418

من أصحابه، فجاء فقال: (يا عائشة، كأن ماءها نُقَاعةُ الحِنَّاء (١)، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين) قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: (قد عافاني الله، فكرهت أن أثوِّرَ على الناس فيه شرًا)، فأمر بها فدفنت. وفي رواية: قالت عائشة: اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فقال: (لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرًا)، متفق عليه (٢). وفي رواية للبخاري: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ سُحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن -قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا- فقال: (يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم -رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقًا- قال: وفيم؟ قال: في مشط ومُشَاقَةٍ (٣)، قال: وأين؟ قال في جفِّ طلعة ذكرٍ، تحت رَعُوفَةٍ (٤) في بئر ذروان)، قالت: فأتى النبي ﷺ البئر حتى

стр. 419

استخرجه (١)، فقال: (هذه البئر التي أُرِيْتُهَا، وكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين)، قال: فاستُخْرِجَ، قالت: فقلت: أفلا؟ -أي: تنشرت (٢) - فقال: (أما الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًا) (٣). بيان وجه الإشكال استُشكل هذا الحديث من عدة وجوه، منها: - أن السحر من عمل الشياطين، فكيف يصل إلى النبي ﷺ ، مع حياطة الله تعالى له، وتسديده إياه.

стр. 420

- أن هذا يصدق قول المشركين في وصفهم النبي ﷺ بأنه مسحور، كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]. - أن لحوق أثر السحر بالنبي ﷺ ، يُنافي عصمته، ويقدح في نبوته، ويزيل الثقة بما يبلغه عن الله. فهذه الوجوه وغيرها -مما سيأتي ذكره- جعلت البعض يقدح في صحة الحديث، أو يصححه، ولكن ينفي تأثر النبي ﷺ بذلك السحر. ولا ريب أن الحديث متفق على صحته، متلقى بالقبول عند أهل العلم، فلا سبيل إلى رده أو الطعن فيه، وأما ما أُثير حوله من إشكالات أو شبهات، فسيأتي الجواب عنها في المطالب التالية، إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 421

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: كل من نفى حقيقة السحر وأثره (١)، ورأى أنه مجرد تمويه وتخييل لا حقيقة له -فلا تأثير له في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد ولا غير ذلك- فقد نفى السحر عن النبي ﷺ ، وأنكره من باب أولى، كالمعتزلة (٢)، ومن وافقهم في هذا، كأبي منصور المَاتُرِيْدِي (٣) وأبي جعفر الإسترابادي من الشافعية (٤)، وأبي بكر الرازي الجصاص من

стр. 422

الأحناف (١) وابن حزم (٢) وغيرهم (٣)، وهو منسوب لأبي حنيفة (٤)، ونقل القرافي (٥) عن الحنفية: القولَ بعدم تأثير السحر ما لم يكن مباشرًا (٦) ولعل هذا مراد أبي حنيفة ﵀.

стр. 423

قال ابن حجر: "واختُلِف في السحر، فقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الإسترباذي (١) من الشافعية وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة" (٢). وهؤلاء منهم من ردَّ الحديث أصلًا كالمعتزلة والجصاص (٣)، ومنهم من أثبته كابن حزم وغيره، لكنه نفى أن يكون السحر قد أثر بالنبي ﷺ (٤). وقد استدلوا بأدلة عامة على نفي حقيقة السحر وأثره، وأدلة خاصة على نفي السحر عن النبي ﷺ ، وإليك أهم هذه الأدلة، مبتدئًا بالأدلة العامة ثم الخاصة. ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، حيث نفى حصول الضرر بالسحر إلا بإذنه، مما يدل على أنه ليس له تأثير في نفسه وذاته، وليس المعنى: أن السحر قد يضر وقد لا يضر، بل المعنى أنه لا يضر منه إلا ما كان بإيصال أشياء ضارة بطبعها، ومباشَرَةِ بدن المسحور بها (٥). ٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقوله: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. وقول عائشة ﵂: أن النبي حين سُحر: كان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله.

стр. 424

فقالوا: إن هذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن السحر إنما هو مجرد تمويه وتخييل على الأعين، وتحيل وكيد مفتعل لا حقيقة له ولا تأثير (١). قال ابن حزم: "وقد نص الله على ما قلنا، فقال: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، فأخبر تعالى أن عمل أولئك السحرة إنما كان تخيلًا لا حقيقة له، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، فأخبر تعالى أنه كيد لا حقيقة له ... وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ أي: أنهم أوهموا الناس فيما رأوه ظنونًا متوهمة لا حقيقة لها، ولو فتشوها للاح لهم الحق" (٢). ٣ - أنه لو كان للسحر تأثير وحقيقة لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات، لأنها حينئذٍ تشتبه، فلا يمكن التفريق والتمييز بين السحر والمعجزة. قال الجصاص -مبينًا ما يلزم على القول: بحقيقة السحر وتأثر النبي ﷺ به-: يلزم من ذلك أن "لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة، وأن جميعه من نوع واحد، والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء ﵈، وإثبات معجزاتهم، وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة" (٣). وقال الرازي في مَعْرِض بيان حجج المعتزلة، أنهم قالوا: "لو جاز ذلك من السحر، فكيف يتميز المعجز عن السحر" (٤).

стр. 425

٤ - أن القول: بأن النبي ﷺ قد أثر فيه السحر، يصدق قول المشركين في تعييرهم النبي ﷺ بأنه مسحور، كما حكى الله عنهم ذلك فقال: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، ومعلوم أن تعييرهم هذا باطل، ولذا ذمهم الله عليه (١). ٥ - أن القول: بلحوق ضرر السحر بالنبي ﷺ منافٍ لعصمته، وطعن في نبوته، ومزيل للثقة بما جاء به، فإنه إذا سحر وخيل إليه أنه يفعل الأمر، وهو لم يفعله، أمكن أن يخيل إليه أنه أوحي إليه وهو لم يوحَ إليه، وأنه بلغ ما أوحي إليه، وهو لم يبلغه، وهكذا في جميع أمور الدين، مما يُفقد الحجة والاطمئنان بقوله وفعله (٢). ٦ - أن السحر من عمل الشياطين، وهم لا يتسلطون إلا على من غفل عن الله تعالى وطاعته، أما من تحصن بطاعة الله تعالى وذكره -كالرسول ﷺ - فليس للشيطان عليه سلطان ولا سبيل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢] (٣). القول الثاني: أن للسحر حقيقة وأثرًا، كما دل على ذلك الكتاب والسنة (٤) وقد سُحر النبي ﷺ ، وأثر فيه ذلك السحر وأمرضه، فكان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله، غير أنه لم يوجب له خللًا في عقله، ولا تخليطًا له في قوله، إذ قد قام دليل النقل، وبرهان المعجزة على صدقه وعصمة الله تعالى له من الغلط فيما يبلغه بقوله وفعله، فالسحر الذي تعرض
следующие страницы →