← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: كل من نفى حقيقة السحر وأثره (١)، ورأى أنه مجرد تمويه وتخييل لا حقيقة له -فلا تأثير له في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد ولا غير ذلك- فقد نفى السحر عن النبي ﷺ ، وأنكره من باب أولى، كالمعتزلة (٢)، ومن وافقهم في هذا، كأبي منصور المَاتُرِيْدِي (٣) وأبي جعفر الإسترابادي من الشافعية (٤)، وأبي بكر الرازي الجصاص من

стр. 422

الأحناف (١) وابن حزم (٢) وغيرهم (٣)، وهو منسوب لأبي حنيفة (٤)، ونقل القرافي (٥) عن الحنفية: القولَ بعدم تأثير السحر ما لم يكن مباشرًا (٦) ولعل هذا مراد أبي حنيفة ﵀.

стр. 423

قال ابن حجر: "واختُلِف في السحر، فقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الإسترباذي (١) من الشافعية وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة" (٢). وهؤلاء منهم من ردَّ الحديث أصلًا كالمعتزلة والجصاص (٣)، ومنهم من أثبته كابن حزم وغيره، لكنه نفى أن يكون السحر قد أثر بالنبي ﷺ (٤). وقد استدلوا بأدلة عامة على نفي حقيقة السحر وأثره، وأدلة خاصة على نفي السحر عن النبي ﷺ ، وإليك أهم هذه الأدلة، مبتدئًا بالأدلة العامة ثم الخاصة. ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، حيث نفى حصول الضرر بالسحر إلا بإذنه، مما يدل على أنه ليس له تأثير في نفسه وذاته، وليس المعنى: أن السحر قد يضر وقد لا يضر، بل المعنى أنه لا يضر منه إلا ما كان بإيصال أشياء ضارة بطبعها، ومباشَرَةِ بدن المسحور بها (٥). ٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقوله: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. وقول عائشة ﵂: أن النبي حين سُحر: كان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله.

стр. 424

فقالوا: إن هذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن السحر إنما هو مجرد تمويه وتخييل على الأعين، وتحيل وكيد مفتعل لا حقيقة له ولا تأثير (١). قال ابن حزم: "وقد نص الله على ما قلنا، فقال: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، فأخبر تعالى أن عمل أولئك السحرة إنما كان تخيلًا لا حقيقة له، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، فأخبر تعالى أنه كيد لا حقيقة له ... وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ أي: أنهم أوهموا الناس فيما رأوه ظنونًا متوهمة لا حقيقة لها، ولو فتشوها للاح لهم الحق" (٢). ٣ - أنه لو كان للسحر تأثير وحقيقة لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات، لأنها حينئذٍ تشتبه، فلا يمكن التفريق والتمييز بين السحر والمعجزة. قال الجصاص -مبينًا ما يلزم على القول: بحقيقة السحر وتأثر النبي ﷺ به-: يلزم من ذلك أن "لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة، وأن جميعه من نوع واحد، والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء ﵈، وإثبات معجزاتهم، وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة" (٣). وقال الرازي في مَعْرِض بيان حجج المعتزلة، أنهم قالوا: "لو جاز ذلك من السحر، فكيف يتميز المعجز عن السحر" (٤).

стр. 425

٤ - أن القول: بأن النبي ﷺ قد أثر فيه السحر، يصدق قول المشركين في تعييرهم النبي ﷺ بأنه مسحور، كما حكى الله عنهم ذلك فقال: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، ومعلوم أن تعييرهم هذا باطل، ولذا ذمهم الله عليه (١). ٥ - أن القول: بلحوق ضرر السحر بالنبي ﷺ منافٍ لعصمته، وطعن في نبوته، ومزيل للثقة بما جاء به، فإنه إذا سحر وخيل إليه أنه يفعل الأمر، وهو لم يفعله، أمكن أن يخيل إليه أنه أوحي إليه وهو لم يوحَ إليه، وأنه بلغ ما أوحي إليه، وهو لم يبلغه، وهكذا في جميع أمور الدين، مما يُفقد الحجة والاطمئنان بقوله وفعله (٢). ٦ - أن السحر من عمل الشياطين، وهم لا يتسلطون إلا على من غفل عن الله تعالى وطاعته، أما من تحصن بطاعة الله تعالى وذكره -كالرسول ﷺ - فليس للشيطان عليه سلطان ولا سبيل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢] (٣). القول الثاني: أن للسحر حقيقة وأثرًا، كما دل على ذلك الكتاب والسنة (٤) وقد سُحر النبي ﷺ ، وأثر فيه ذلك السحر وأمرضه، فكان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله، غير أنه لم يوجب له خللًا في عقله، ولا تخليطًا له في قوله، إذ قد قام دليل النقل، وبرهان المعجزة على صدقه وعصمة الله تعالى له من الغلط فيما يبلغه بقوله وفعله، فالسحر الذي تعرض

стр. 426

له المصطفى ﷺ ، إنما هو عرض من الأعراض التي تعتري البشر جميعًا، بما في ذلك الأنبياء، كالمرض، والجوع والعطش، والحر والبرد، والتعب والإعياء والإغماء، وغيرها. وإلى هذا القول ذهب عامة أهل السنة والجماعة (١)، ومن وافقهم، وقد نص عليه ابن قتيبة (٢)، والخطابي (٣)، والمازري، وقوَّام السنة الأصبهاني (٤)، وابن قدامة (٥)، والقاضي عياض، وابن الجوزي (٦)، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي (٧)، والنووي (٨)، والقرافي (٩)، وابن القيم (١٠)، وسليمان بن عبد الله (١١)، وحافظ الحكمي (١٢)، والمعلمي (١٣)، والشنقيطي (١٤)، وابن باز (١٥)، وابن عثيمين (١٦)، وغيرهم (١٧).

стр. 427

وعمدتهم في تأثر النبي ﷺ ومرضه بسبب السحر حديث عائشة ﵂ -المتقدم- قالت: سَحَرَ رسولَ الله ﷺ رجلٌ من بني زُرَيق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: (يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال في مُشْطٍ ومُشَاطةٍ وجفِّ طَلعِ نخلةٍ ذكرِ، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان)، فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه، فجاء فقال: (يا عائشة، كأن ماءها نُقَاعةُ الحِنَّاء، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين)، قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: (قد عافاني الله، فكرهت أن أثوِّرَ على الناس فيه شرًا) فأمر بها فدفنت. قال القرطبي: "وقول عائشة ﵂: (سحر رسولَ الله ﷺ يهوديٌّ)، هذا الحديث يدل على أن السحر موجود، وأن له أثرًا في المسحور، وقد دل على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسنة، بحيث يحصل بذلك القطع بأن السحر حق، وأنه موجود" (١). وقال الشنقيطي: "في هذا الحديث الصحيح أن تأثير السحر فيه ﷺ سبب له المرض، بدليل قوله: (أما الله فقد شفاني)، وفي بعض الروايات الثابتة في صحيح البخاري وغيره بلفظ: فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، أي: مسحور، وهو صريح بأن السحر سبب له وجعًا" (٢). وقال الخطابي: "السحر ثابت، وحقيقته موجودة، وقد اتفق أكثر

стр. 428

الأمم، من العرب والفرس والهند وبعض الروم على إثباته ... والأنبياء صلوات الله عليهم يجوز عليهم من الأعراض والعلل ما يجوز على غيرهم، إلا فيما خصهم الله به من العصمة في أمر الدين، الذي أرصدهم له، وبعثهم به، وليس تأثير السحر في أبدانهم بأكثر من القتل، وتأثير السم والأمراض وعوارض الأسقام فيهم، وقد قتل زكريا وابنه يحيى ﵇، وسُمَّ نبينا ﷺ في الشاة التي أُهديت له بخيبر ... فلم يكن شيء مما ذكرنا قادحًا في نبوتهم، ولا دافعًا لفضيلتهم، وإنما هو امتحان وابتلاء ... فأما ما يتعلق من أمره ﷺ بالنبوة فقد عصمه الله في ذلك، وحرس وحيه أن يلحقه الفساد والتبديل، وإنما كان يخيل إليه من أنه يفعل الشيء ولا يفعله في أمر النساء خصوصًا، وفي إتيان أهله قصرةً، إذ كان قد أُخذ عنهن بالسحر، دون ما سواه من أمر الدين والنبوة، وهذا من جملة ما تضمنه قوله : ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية، فلا ضرر إذن مما لحقه من السحر على نبوته، ولا نقص فيما أصابه منه على دينه وشريعته، والحمد لله على ذلك" (١). وقال المازري: "أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة، خلافًا لمن أنكره ونفى حقيقته، وأضاف ما يتفق منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز، وذكر أنه مما يُتعلم، وذكر ما يشير إلى أنه مما يُكفَّرُ به، وأنه يُفرَّقُ به بين المرء وزوجه، وهذا كله مما لا يمكن أن يكون فيما لا حقيقة له، وكيف يُتعلم ما لا حقيقة له. وهذا الحديث أيضًا فيه إثباته، وأنه أشياء دفنت وأُخرجت، وهذا كله يبطل ما قالوه" (٢). وقال القاضي عياض: "السحر مرض من الأمراض، وعارض من

стр. 429

العلل، تجوز عليه -يعني: النبي ﷺ - كأنواع الأمراض مما لا يُنكَر، ولا يَقدح في نبوته ﵇، وأما ما ورد أنه كان يُخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يُدخل عليه داخلةً في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طروؤه عليه في أمر دنياه، التي لم يبعث بسببها ولا فُضِّل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يُخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان" (١). وقال القرطبي: "الأنبياء من البشر، فيجوز عليهم من الأمراض والآلام والغضب والضجر والعجز والسحر والعين وغير ذلك ما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عما يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصدق، والعصمة عن الغلط في التبليغ، وعن هذا المعنى عبَّر الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، من حيث البشرية: يجوز عليهم ما يجوز عليهم، ومن حيث الخاصة النبوية: امتاز عنهم، وهو الذي شهد له العلي الأعلى بأن بصره ما زاغ وما طغى، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحي يُوحى، وأنه ما ينطق عن الهوى" (٢). * * *

стр. 430

المطلب الثالث: الترجيح الذي عليه أهل السنة والجماعة أن السحر ثابت موجود، له حقيقة وأثر لا يمكن إنكاره ولا نفيه. قال الإمام الصابوني في معرض بيان عقيدة السلف: "ويشهدون أن في الدنيا سحرًا وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحدًا إلا بإذن الله " (١). وقال البغوي: "والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة، وعليه أكثر الأمم" (٢). وتقدم قول المازري: "أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة" (٣). وقال أبو عبد الله القرطبي: "ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة" (٤). وقال النووي: "والصحيح أن له حقيقة ... وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة" (٥). وقال ابن القيم بعد ذكره لقول المنكرين لحقيقة السحر: "هذا خلاف

стр. 431

ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث، وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء" (١). وقال الشوكاني: "قد أجمع أهل العلم على أن له تأثيرًا في نفسه وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة" (٢). وقد دلَّ على أن السحر له حقيقة وأثر: الكتاب، والسنة، والواقع، وإليك شيئًا من ذلك: فمن أدلة الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢]. فهذه الآية تدل على أن للسحر حقيقة وأثرًا من عدة وجوه: أ- أن الله تعالى ذكر السحر، وأخبر أنه مما يُعلَّم ويُتعلَّم، وهذا يدل على أن له حقيقة، إذ لو لم يكن كذلك لما أمكن تعلمه وتعليمه. قال أبو عبد الله القرطبي: "لو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس، فدلَّ على أن له حقيقة" (٣). ب - أن الله تعالى أخبر في هذه الآية أن السحر يحصل به التفريق بين المرء وزوجه، فقال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، وهذا دليل واضح على أن للسحر حقيقة وأثرًا.

стр. 432

قال الشوكاني: "في إسناد التفريق إلى السحرة، وجعل السحر سببًا لذلك، دليل على أن للسحر تأثيرًا في القلوب بالحب والبغض، والجمع والفرقة، والقرب والبعد" (١). وقال السعدي عند الآية السابقة: "وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله" (٢). ج- أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يدل على حصول الضرر بسببه (٣)، لكنه لا يكون إلا بإذن الله الكوني القدري. ٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥]. ففي هذه السورة أمر الله نبيه ﷺ بالاستعاذة من شر النفاثات في العقد، وهن السواحر، اللاتي يستعنَّ على سحرهن بالنفث في العقد (٤)، مما يدل على أن للسحر حقيقة وأثرًا، وإلا لما كان للأمر بالاستعاذة منهن معنى، وقد حكى أبو عبد الله القرطبي اتفاق المفسرين على أن سبب نزول هذه السورة، ما تعرض له النبي ﷺ من سحر لبيد بن الأعصم (٥). قال ابن القيم: "وقد دلَّ قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ وحديث عائشة المذكور على تأثير السحر وأن له حقيقة" (٦).

стр. 433

وقال السعدي عن هذه السورة: "دلت على أن السحر له حقيقة، يُخشى من ضرره، ويُستعاذ بالله منه، ومن أهله" (١). ومن أدلة السنة على حقيقة السحر وأثره: ١ - حديث عائشة ﵂ -المتقدم- في سحر لبيد بن الأعصم للنبي ﷺ ، وسيأتي الكلام عليه قريبًا. قال أبو عبد الله القرطبي: "وفيه -أي: الحديث- أن النبي ﷺ قال لمَّا حُلَّ السحر: (إن الله شفاني)، والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدلَّ على أن له حقًا وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه، وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق" (٢). ٢ - حديث عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوةً، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سِحر)، متفق عليه (٣). ففي هذا الحديث أرشد النبي ﷺ إلى ما فيه وقاية من ضرر السحر، مما يدل على أن له حقيقة وأثرًا، إذ لا يُتوقى إلا ما كان كذلك، كما أن في قرنه بالسم المتفق على حقيقته وأثره، دليلًا على أنه مثله في ذلك (٤). وأما دلالة الواقع على حقيقة السحر وأثره فأشهر من أن تُذكر، حيث تواترت أخباره وآثاره عند الناس، فلا تكاد تجد أحدًا ينكر حقيقته أو ينفي أثره.

стр. 434

قال أبو عبد الله القرطبي: "لقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان، وتكلم الناس فيه، ولم يَبدُ من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله" (١). وقال ابن القيم: "والسحر الذي يؤثر مرضًا وثقلًا، وحلًا وعقدًا، وحبًا وبغضًا، ونزيفًا، وغير ذلك من الآثار: موجود تعرفه عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقًا بما أصيب به منه" (٢). وأما ما وقع للنبي ﷺ من السحر وتأثره به، فحق لا يمكن رده أو إنكاره، لدلالة حديث عائشة ﵂، المتفق على صحته على ذلك (٣). قال ابن القيم -عن هذا الحديث-: "هذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم، لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار، وقابلوه بالتكذيب" (٤). وقال أيضًا: "قد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين" (٥). وقال الشنقيطي: "اعلم أن ما وقع من تأثير السحر في رسول الله ﷺ ، لا يستلزم نقصًا ولا محالًا شرعيًا، حتى ترد بذلك الروايات الصحيحة، لأنه نوع من الأعراض البشرية، كالأمراض المؤثرة في الأجسام، ولم يؤثر البتة فيما يتعلق بالتبليغ" (٦).

стр. 435

وأما ما ذهب إليه المنكرون لحقيقة السحر وأثره، فباطل ظاهر البطلان، والأدلة المتقدمة على إثبات السحر وحقيقته حجة عليهم، وداحضة لقولهم، وأما ما استدلوا به فلا يعدو أن يكون شبهًا يمكن مناقشتها والإجابة عنها، كما سيأتي. ويحسن التنبيه هنا إلى أن نفي هؤلاء لحقيقة السحر وأثره، لا يعني إنكارهم لأصل السحر ووجوده مطلقًا، لأنه قد تردد ذكره كثيرًا في الكتاب والسنة، وتواطأت على ذكره الأمم في كل زمان ومكان، فلا يمكن لأحد أن ينكره مطلقًا إلا أن يكون مكابرًا، ولذا قال ابن حجر: "نقل الخطابي أن قومًا أنكروا السحر مطلقًا، وكأنه عنى القائلين: بأنه تخييل فقط، وإلا فهي مكابرة" (١). وقال ابن قتيبة ردًا على من نفى حقيقة السحر، وزعم أنه مجرد تخييل: "نحن نقول: إن الذي يذهب إلى هذا مخالف للمسلمين واليهود والنصارى، وجميع أهل الكتب، ومخالف للأمم كلها: الهند، وهي أشدها إيمانًا بالرقى، والروم، والعرب في الجاهلية وفي الإسلام، ومخالف للقرآن، معاند له بغير تأويل" (٢). وبهذا يتبين أن الخلاف مع هؤلاء منصب على إنكارهم لحقيقة السحر وأثره، وزعمهم أنه لا يكون إلا تخييلًا، أو أنه لا يؤثر إلا إذا كان مباشرًا للبدن، وعليه أنكروا تأثر النبي ﷺ بالسحر، واستدلوا بأدلة في ما يلي مناقشتها: مناقشة أدلة النافين لحقيقة السحر، وتأثر النبي ﷺ به: ١ - أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ على أن السحر ليس له تأثير في نفسه، لأن الله نفى حصول

стр. 436

الضرر إلا بإذنه، فاستدلال مردود، لأن المراد بالإذن هنا الإذن الكوني القدري، فالسحر لا يتحقق ضرره إلا بإرادة الله الكونية، فلا يمكن أن يستقل هو بالفعل، إذ لا يستقل بذلك إلا الرب ، وليس هذا خاصًا بالسحر، بل كل ما يجري في هذا الكون فإنه مربوط بإرادة الله الكونية، فلا يقع في ملكه إلا ما يريد، وإلا كان خارجًا عن حكمه وملكه، فالاستثناء في الآية ليس فيه ما يدل على نفي حقيقة السحر وأثره، بل فيه ما يدل على عكس ذلك، وهو إثبات حقيقة السحر وأثره، كما تقدم. قال الرازي: "الاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه" (١). وقال الشوكاني: "الحق أنه لا تنافي بين قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، وبين قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر تأثيرًا في نفسه، ولكنه لا يؤثر ضررًا إلا فيمن أذن الله بتأثيره فيه" (٢). وأما قولهم: إن السحر لا يحصل ضرره إلا بإيصال أشياء ضارة بطبعها، ومباشَرَةِ بدن المسحور بها، فقول باطل، فإن "قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ دليل على أن هذا النفث يضر المسحور في حال غيبته عنه، ولو كان الضرر لا يحصل إلا بمباشرة البدن ظاهرًا، كما يقوله هؤلاء، لم يكن للنفث ولا للنفاثات شر يُستعاذ منه" (٣). قال القرافي: "السحر له حقيقة، وقد يموت المسحور، أو يتغير طبعه وعادته، وإن لم يباشره" (٤). ٢ - وأما استدلالهم -على أن السحر مجرد تخييل لا حقيقة له- بقوله

стр. 437

تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وغيرها من الآيات، وكذا ما وقع للنبي ﷺ حين سُحر، من كونه يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، فالجواب عنه أن يُقال: غاية ما في هذه الأدلة أن السحر منه ما هو تخييل، وهذا حق لا خلاف فيه، إذ التخييل من جملة السحر، لكن ليس فيها أن السحر لا يكون إلا تخييلًا، ثم إن هذا التخييل الناتج عن السحر دليل على حقيقة السحر وأثره، إذ لو لم يكن له تأثير لم يحصل التخييل، فالتخييل نتيجةٌ لتأثير السحر. قال الشنقيطي: التحقيق الذي عليه جماهير العلماء أن السحر منه ما هو حقيقة لا مطلق تخييل، ومنه ما هو تخييل لا حقيقة له (١). وبناءً على هذا، يكون أمر الخلاف مع من أقر بوقوع التخييل للنبي ﷺ -نتيجة السحر- لفظيًا، إذ الجميع متفقون على أن ما وقع للنبي ﷺ من السحر، إنما هو مجرد تخييل، كما هو نص الحديث، ويبقى الخلاف معه فيما سوى التخييل مما هو من أعراض السحر وآثاره. وقد تكلم ابن القيم حول هذا الاستدلال بكلام نفيس، أسوقه بطوله لأهميته: قال ﵀: "إذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناظرين مع كثرتهم، حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به، مع أن هذا تغيُّر في إحساسهم، فما الذي يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم، وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية، والتغيير في صفة أخرى من صفات النفس والبدن، فإذا غيَّر إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركًا، والمتصل منفصلًا، والميت حيًا، فما المحيل لأن يُغير صفات نفسه، حتى يجعل المحبوب إليه بغيضًا، والبغيض محبوبًا، وغير ذلك من

стр. 438

التأثيرات، وقد قال تعالى عن سحرة فرعون إنهم: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، فبين سبحانه أن أعينهم سُحرت، وذلك: إما أن يكون لتغيير حصل في المرئي، وهو الحبال والعصي، مثل أن يكون السحرة استعانت بأرواح حرَّكتها وهي الشياطين، فظنوا أنها تحركت بأنفسها، وهذا كما إذا جَرَّ مَن لا يراه: حصيرًا أو بساطًا، فترى الحصير والبساط ينجرُّ ولا ترى الجارَّ له، مع أنه هو الذي يجره، فهكذا حال الحبال والعصي التبستها الشياطين فقلَّبتها كتقلُّب الحية، فظن الرائي أنها تقلبت بأنفسها، والشياطين هم الذين يقلبونها. وإما أن يكون التغيير حدث في الرائي، حتى رأى الحبال والعصي تتحرك وهي ساكنة في أنفسها، ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها" (١). ٣ - وأما قولهم: إن إثبات أثر السحر وحقيقته يتعذر معه التمييز بينه وبين المعجزة، والساحر والنبي، فالجواب عنه: أن هذا غير مسلم، فلا يمكن أن يلتبس أمر السحر بأمر النبوة على أحد، إذ الفرق بين النبي والساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار، فالنبي يأتيه ملك كريم من عند الله، يخبره عن الله، والساحر إنما معه شيطان يأمره ويخبره، فلا الخبر كالخبر، ولا الأمر كالأمر، ولا مُخبِر هذا كمُخبِر هذا، كما أنه ليس هذا مثل هذا (٢). قال ابن تيمية: "الفرقان بينهما أعظم، كالفرق بين الملائكة والشياطين، وأهل الجنة وأهل النار، وخيار الناس وشرارهم، وهذا أعظم الفروق بين الحق والباطل.

стр. 439

والكفار قالوا عن الأنبياء: إنهم مجانين وسحرة، فكما يعلم بضرورة العقل وجود أعظم الفرق بينهم وبين المجانين، وأنهم أعقل الناس وأبعدهم عن الجنون، فكذلك يعلم بضرورة العقل أعظم الفرق بينهم وبين السحرة، وأنهم أفضل الناس وأبعدهم عن السحر" (١). ومن الفروق الواضحة بين آيات الأنبياء وبين ما يأتي به السحرة: أن جنس آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الخلق من الإنس والجن وسائر الحيوانات، كما في نبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ ، وكون الطعام القليل يصير كثيرًا، وغير ذلك. أما ما يأتي به السحرة فهو لا يخرج عن مقدور الإنس والجن، كالطيران في الهواء، فإنه مقدور للجن، وكذا كون الساحر يقتل بسحره ويُمرض، ويفرق بين المرء وزوجه، كل ذلك مقدور للإنس والجن. قال ابن تيمية: "الساحر قد يقدر على أن يقتل إنسانًا بالسحر، أو يمرضه، أو يفسد عقله أو حسه وحركته وكلامه، بحيث لا يجامع، أو لا يمشي، أو لا يتكلم، ونحو ذلك، وهذا كله مما يقدر الإنسان على مثله، لكن بطرق أخرى، والجن يطيرون في الهواء وعلى الماء، ويحملون الأجسام الثقيلة، كما قال العفريت لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩]، وهذا الجنس يكون لمن هو دون الإنس والجن من الحيوان، كالطيور والحيتان، والإنس يقدر على جنسه، ولهذا لم يكن هذا الجنس آية لنبي، لوجوده لغير الأنبياء، فكثير من الناس تحمله الجن، بل شياطين الجن، وتطير به في الهواء، وتذهب به إلى مكان بعيد، كما كان العفريت يحمل عرش بلقيس من اليمن إلى مكان بعيد" (٢). ومن الفروق أيضًا: أن معجزات الأنبياء لا يمكن لأحد أن يُعارضها

стр. 440

بمثلها، أو يبطلها، كما قال تعالى عن القرآن: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]، ولما طلب فرعون معارضة ما جاء به موسى ﵇ -بعد ادعائه أنه ساحر- وجمع السحرة لهذا الأمر، أبطل الله كيده، وأبان عجزه، وعجز سحرته عن ذلك، بل إن السحرة لعلمهم بالسحر، تيقنوا أن ما جاء به موسى لا يمكن أن يكون سحرًا، فآمنوا إيمانًا جازمًا. وهذا بخلاف خوارق السحرة، فإنه يمكن أن تُعارض بمثلها، وبأقوى منها (١). ولشيخ الإسلام ابن تيمية، كلام نفيس في هذا الباب، ذكر فيه الفروق بين الأنبياء وما يأتون به من الآيات، وبين السحرة والكهان، وما يأتون به من الخوارق وغيرها، فقال ﵀: "الأول -أي: من الفروق-: أن النبي صادق فيما يخبر به عن الكتب، لا يكذب قط، ومَن خالفهم من السحرة والكهان لا بُدَّ أن يكذب، كما قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢]. الثاني: من جهة ما يأمر به هذا ويفعله، ومن جهة ما يأمر به هذا ويفعله، فإن الأنبياء لا يأمرون إلا بالعدل، وطلب الآخرة، وعبادة الله وحده، وأعمالهم: البر والتقوى، ومخالفوهم: يأمرون بالشرك والظلم، ويعظمون الدنيا، وفي أعمالهم الإثم والعدوان. الثالث: أن السحر والكهانة ونحوهما أمور معتادة، معروفة لأصحابها، ليست خارقة لعادتهم، وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن اتبعهم (٢).

стр. 441

الرابع: أن الكهانة والسحر، يناله الإنسان بتعلمه وسعيه واكتسابه، وهذا مجرب عند الناس، بخلاف النبوة فإنه لا ينالها أحد باكتسابه. الخامس: أن النبوة لو قدر أنها تنال بالكسب، فإنما تنال بالأعمال الصالحة، والصدق والعدل والتوحيد، لا تحصل مع الكذب على من دون الله، فضلًا عن أن تحصل مع الكذب على الله، فالطريق الذي تحصل به، لو حصلت بالكسب، مستلزم للصدق على الله فيما يخبر به. السادس: أن ما يأتي به الكهان والسحرة، لا يخرج عن كونه مقدورًا للجن والإنس، وهم مأمورون بطاعة الرسل، وآيات الرسل لا يقدر عليها لا جن ولا إنس، بل هي خارقة لعادة كل من أرسل النبي إليه ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]. السابع: أن هذه يمكن أن تعارض بمثلها، وآيات الأنبياء لا يمكن أحدًا أن يعارضها بمثلها. الثامن: أن تلك ليست خارقة لعادات بني آدم، بل كل ضرب منها معتاد لطائفة غير الأنبياء، وأما آيات الأنبياء فليست معتادة لغير الصادقين على الله ولمن صدقهم. التاسع: أن هذه لا يقدر عليها مخلوق، لا الملائكة ولا غيرهم، كإنزال القرآن، وتكليم موسى، وتلك تقدر عليها الجن والشياطين. العاشر: أنه إذا كان من الآيات ما يقدر عليه الملائكة، فإن الملائكة

стр. 442

لا تكذب على الله، ولا تقول لبشر: إن الله أرسلك، ولم يرسله، وإنما يفعل ذلك الشياطين" (١). ٤ - وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، حيث قالوا: إن تجويز السحر على رسول الله ﷺ يصدق قول هؤلاء المشركين في أن رسول الله ﷺ مسحور، فالجواب عنه: أن قصة السحر وقعت في المدينة، وهذه الآية مكية، وليس مراد الآية ما جاء في الحديث، فمن المعلوم يقينًا أن المشركين لا يريدون بقولهم هذا إثبات ما أثبته الحديث من أن النبي ﷺ سُحر وقتًا ما، وناله بعض التغير، ثم أدركه الله تعالى بالشفاء، وحفظ وحيه ودينه من أن يصل إليه شيء من ذلك التغير، وإنما يُريدون شيئًا آخر، وهو أن الرسول ﷺ قد اختلط عليه عقله، والتبس عليه أمره، فما يدعيه من أمر النبوة والوحي كله ناشئ عن السحر، وصادر عن الجنون، ولذلك قالوا عنه: ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، وأرادوا بهذا الادعاء: تنفير الناس عنه، وعن تصديقه واتباعه. وعلى هذا فمن آمن بما دلَّ عليه الحديث، لا يلزم البتة أن يكون مصدقًا للمشركين ما حكى الله عنهم في الآية، لأن ما دلَّ عليه الحديث ليس هو ما عناه المشركون في الآية (٢). ٥ - وأما قولهم: إن لحوق ضرر السحر بالنبي ﷺ مناف لعصمته، وطعن في نبوته، ومزيل للثقة بما جاء به، فالجواب عنه: أن الإجماع منعقد على عصمته ﷺ -وسائر الأنبياء- فيما يبلغ عن الله تعالى. قال القاضي عياض: "أجمعت الأمة، فيما كان طريقه البلاغ، أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدًا وعمدًا،

стр. 443

ولا سهوًا أو غلطًا" (١). وقال ابن تيمية: "الأنبياء صلوات الله عليهم، معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه"، وقال: "والعصمة فيما يبلغونه عن الله، ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين" (٢). وأما بالنسبة إلى الأعراض البشرية، كأنواع الأمراض والآلام، ونحو ذلك، فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يعتريهم من ذلك ما يعتري البشر، لأنهم بشر كما قال تعالى عنهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، فليس من العصمة عدم ابتلائهم وتعرضهم للأضرار البدنية، بل هم أشد الناس بلاءً، كما صح عنه ﷺ ذلك، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت: يا رسول الله: أي الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ... ) (٣). والسحر الذي تعرض له الرسول ﷺ ، وأثر عليه إنما كان ضرره جسديًا، وجاء في بعض الروايات تعيين نوع هذا التأثير، وهو كونه يُخيل إليه أنه يأتي النساء، وهو لم يأتِهن (٤)، فتأثير السحر عليه لا يتجاوز هذه الرواية، مع كونه ﵊ يتيقن عدم الفعل، ولهذا دعا اللهَ تعالى أن يشفيه مما يجد من هذا الشعور.

стр. 444

قال ابن القيم: "غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده، وظاهر جوارحه، لا على عقله وقلبه، ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يُخيَّل إليه من إتيان النساء، بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له، ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض، والله أعلم" (١). وقال المازري: "وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث من طريق ثانية، وزعموا أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، ولعله يتخيل إليه جبريل ﵇، وليس ثَمَّ ما يراه، أو أنه أوحي إليه وما أوحي إليه، وهذا الذي قالوه باطل، وذلك أن الدليل قد قام على صدقه فيما يبلغه عن الله سبحانه، وعلى عصمته فيه، والمعجزة شاهدة بصدقه، وتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها، ولا كان رسولًا مفضَّلًا من أجلها، هو في كثير منه عرضة لما يعترض البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له" (٢). وقال القاضي عياض عن النبي ﷺ : "يجوز عليه من الآفات والتغيرات والآلام والأسقام، وتجرع كأس الحِمام، ما يجوز على البشر، وهذا كله ليس بنقيصة فيه، لأن الشيء إنما يسمى ناقصًا بالإضافة إلى ما هو أتم منه، وأكمل من نوعه، وقد كتب الله تعالى على أهل هذه الدار: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]، وخلق جميع البشر بمَدرجةِ الغِيَرَة، فقد مرض ﵇ واشتكى، وأصابه الحر والقر، وأدركه الجوع والعطش، ولحقه الغضب والضجر، وناله الإعياء والتعب، ومسه الضعف والكِبَر، وسقط فجُحش شقه، وشجه الكفار، وكسروا رباعيته، وسُقي السم، وسُحر، وتداوى ﵇، واحتجم، وتنشَّر وتعوَّذ، ثم قضى نحبه

стр. 445

فتوفي ﷺ ، ولحق بالرفيق الأعلى، وتخلص من دار الامتحان والبلوى، وهذه كلها سِمات البشر التي لا محيص لهم عنها، وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم من ذلك، فقُتِلوا قتلًا، ورموا في النار، ونُشروا بالمناشير، ومنهم من وقاه الله ذلك في بعض الأوقات" (١). ٦ - وأما قولهم: إن السحر من عمل الشياطين، وهم لا يتسلطون إلا على من غفل عن الله تعالى، فكيف يتسلطون على رسول ﷺ ، وهو أعظم الأمة إيمانًا، وذكرًا لله تعالى؟ فالجواب عنه: أن الأنبياء معصومون من إغواء الشيطان وإضلاله بلا ريب، فهم أول الأمة دخولًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]، فالشيطان لا يتسلط على قلوبهم بالإضلال والإغواء، وإيقاعهم بما يمنعهم من عفو الله تعالى (٢)، فهذا هو المراد بالآية كما يدل عليه سياقها، فإن الله تعالى قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٣]، فالشيطان توعد العباد بالإغواء، واستثنى من ذلك المُخلَصين، فأخبر الله تعالى أنه ليس له عليهم سلطان بذلك، ويدل على ذلك أيضًا: أن الله تعالى وصف أتباع الشيطان الذين تسلط عليهم بالغاوين، وتوعدهم جهنم فقال: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ [الحجر: ٤٣]. هذا هو المراد بتسلط الشيطان المذكور في الآية، وليس المراد أنهم معصومون من تسلط الشيطان عليهم في أبدانهم وأهليهم وأموالهم، وإلقاء الوساوس عليهم، إذ أنهم معرَّضون لذلك بحكم بشريتهم، كما حصل لآدم وحواء ﵈، حيث تسبب الشيطان بوساوسه في إخراجهما من الجنة، كما

стр. 446

قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقال تعالى عن نبيه أيوب: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ [ص: ٤١]. وهكذا نبينا محمد ﷺ ، إنما تسلط الشيطان -كما في حديث السحر- على جسده لا غير. قال الشنقيطي عند آية أيوب ﵇ المتقدمة: "وهذا لا يُنافي أن الشيطان لا سلطان له على مثل أيوب، لأن التسليط على الأهل والمال والجسد، من جنس الأسباب التي تنشأ عنها الأعراض البشرية، كالمرض، وذلك يقع للأنبياء، فإنهم يصيبهم المرض، وموت الأهل، وهلاك المال لأسباب متنوعة، ولا مانع أن يكون من جملة تلك الأسباب تسليط الشيطان على ذلك، للابتلاء" (١). وقال ابن القيم عن الشيطان: "ويكفي من شره أنه أقسم بالله ليقعدن لبني آدم صراطه المستقيم، وأقسم ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولقد بلغ شره أن أعمل المكيدة، وبالغ في الحيلة، حتى أخرج آدم من الجنة ... وتصدى للنبي ﷺ ، وظاهر الكفار على قتله بجهده، والله تعالى يكبته ويرده خاسئًا، وتفلت على النبي ﷺ بشهاب من نار، يريد أن يرميه به وهو في الصلاة، فجعل النبي ﷺ يقول: (ألعنك بلعنة الله) (٢)، وأعان اليهود على سحرهم للنبي ﷺ ، فإذا كان هذا شأنه وهمته في الشر، فكيف الخلاص منه إلا بمعونة الله وتأييده وإعاذته" (٣).

стр. 447

المبحث الثالث: ما جاء في إرسال الشهب على الشياطين وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 448

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ ، رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ : (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ) قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله ﷺ : (فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمه- إذا قضى أمرًا، سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع، فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون (١) فيه ويزيدون)، رواه مسلم (٢). وعنه ﵁، قال: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم

стр. 449

الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي ﷺ ، وهو بنخلة (١)، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن: ١، ٢]، فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] وإنما أوحي إليه قول الجن. متفق عليه (٢). بيان وجه الإشكال استشكل أهل العلم (٣) هذين الحديثين من حيث إن ظاهرهما قد يُفهم منه التعارض، فالحديث الأول صريح في أن الشهب قد كان يُرمى بها في الجاهلية، بينما الحديث الثاني يدل على أن الرمي بالشهب إنما كان بعد مبعث النبي ﷺ ونزول القرآن! * * *

стр. 450

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم تجاه هذه الأحاديث على عدة أقوال، أهمها: القول الأول: أن الشهب كان يُرمى بها في الجاهلية، وقبل مبعث النبي ﷺ ، لكن ليس ذلك على الدوام، فكانت تُرمى في وقت دون وقت، ومن جانب دون جانب، فلمَّا بُعث النبي ﷺ ، كثُر ذلك وغُلِّظ، وشُدد في حراسة السماء، فأصبحوا يُرْمَون في كل وقت، ومن كل جانب. وإلى هذا ذهب ابن عباس (١) والزهري (٢) وابن قتيبة (٣)، والطحاوي (٤) وابن بطال (٥) والسهيلي (٦) وأبو عبد الله القرطبي وابن تيمية وابن كثير وابن رجب (٧)، وقال عنه ابن حجر: هذا جمع حسن (٨)، وذكر أبو عبد الله

стр. 451

القرطبي أنه قول الأكثرين (١). قال القرطبي: "وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال: إن الذين قالوا: لم تكن الشياطين تُرمى بالنجوم قبل مبعث النبي ﷺ ثم رميت، أي: لم تكن ترمى رميًا يقطعها عن السمع، ولكنها كانت ترمى وقتًا ولا ترمى وقتًا، وترمى من جانب ولا ترمى من جانب، ولعل الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ [الصافات: ٨، ٩] إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يُرْمَون واصبًا" (٢) أي: دائمًا (٣). وقال ابن تيمية: "وقد تواترت الأخبار بأنه حين المبعث كثر الرمي بالشهب، وهذا أمر خارق للعادة، حتى خاف بعض الناس أن يكون ذلك لخراب العالم، حتى نظروا هل الرمي بالكواكب التي في الفلك، أم الرمي بالشهب؟ فلما رأوا أنه بالشهب، علموا أنه لأمر حدث، وأرسلت الجن تطلب سبب ذلك، حتى سمعت القرآن، فعلموا أنه كان لأجل ذلك، وهذا من أعلام النبوة ودلائلها، وقبل زمان البعث وبعده كان الرمي خفيفًا، لم تمتلئ به السماء كما ملئت حين نزول القرآن" (٤). وقال ابن كثير في تفسير سورة الجن: "يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدًا ﷺ ، وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له: أن السماء ملئت حرسًا شديدًا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك، لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط، ولا يدرى من الصادق،

стр. 452

وهذا من لطف الله تعالى بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قال الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [لجن: ٨، ٩] أي: من يروم أن يسترق السمع اليوم، يجد له شهابًا مرصدًا له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه ... وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير، بل في الأحيان بعد الأحيان" (١)، ثم استشهد بحديث ابن عباس المتقدم. واستدل هؤلاء بما يلي: ١ - حديث ابن عباس -المتقدم- قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ ، رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ : (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ) قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله ﷺ : (فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمه- إذا قضى أمرًا، سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع، فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون). قالوا: إن قوله ﷺ في هذا الحديث: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ )، يدل على أن الشهب كان يُرمى بها في الجاهلية، قبل مبعث النبي ﷺ (٢).

стр. 453

٢ - ما أُثر عن الزهري أنه لما روى الحديث المتقدم، قيل له: أكان يُرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قال السائل: أفرأيت قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٩]؟ قال: غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي ﷺ (١). ٣ - أن الرمي بالشهب مذكور في شعر أهل الجاهلية، مما يدل على وجوده، ومن ذلك: قول بشر بن أبي خازم (٢): والعير يُرْهِقُها الغبار وجحشها ... ينقضُّ خلفهما انقضاض الكوكب (٣) وقول أوس بن حجر (٤): فانقضَّ كالدريء يتبعه ... نقْعٌ يثور تخالُه طُنُبا (٥) قال السهيلي: "القذف بالنجوم قد كان قديمًا، وذلك موجود في

стр. 454

أشعار القدماء من الجاهلية، منهم: عوف بن الجزع وأوس بن حجر، وبشر بن أبي خازم، وكلهم جاهلي، وقد وصفوا الرمي بالنجوم" (١). القول الثاني: أنه لم يُرمَ بالشهب إلا قُبيل مولد النبي ﷺ ، ثم استمر ذلك وكثُر حتى بُعث، فكان ذلك كالتأسيس لأمره، والتفخيم لشأنه. وإلى هذا ذهب ابن الجوزي ﵀ (٢). وهذا القول قريب من سابقه، إلا أنه حدد بداية الرمي بالشهب، بالوقت الذي هو قُبيل مولد النبي ﷺ ، وأما قبل ذلك فلا. القول الثالث: ما ذكره الحافظ ابن حجر، حيث قال: "يحتمل أن يكون المراد بقوله ﷺ : (إذا رُمي بها في الجاهلية) أي: جاهلية المخاطبين، ولا يلزم أن يكون ذلك قبل المبعث، فإن المخاطب بذلك الأنصار، وكانوا قبل إسلامهم في جاهلية، فإنهم لم يسلموا إلا بعد المبعث بثلاث عشرة سنة" (٣). القول الرابع: أن الشهب لم يكن يُرمى بها قبل مبعث النبي ﷺ (٤). وإلى هذا ذهب القاضي عياض في ظاهر قوله (٥)، وذكره أبو عبد الله القرطبي عن عبد الله بن عمر ونافع بن جبير (٦)، ونصَّ الزجاج على أن ذلك

стр. 455

لم يكن إلا بعد مولد النبي ﷺ (١). واستدل هؤلاء بما يلي: ١ - حديث ابن عباس -المتقدم- قال: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي ﷺ ، وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء. قال القاضي عياض: "وقوله في حديث ابن عباس: (وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب) ظاهر في أن هذا لم يكن قبل مبعثه ﵇، لإنكار الشياطين له، وطلبهم سببه، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب، ومرجوعًا إليها في حكمهم، وسرِّ علمهم، حتى قُطع سببها بأن حيل بين الشياطين وبين استراق السمع، كما قال تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٨، ٩]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ

стр. 456

إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ الآيات [الصافات: ٦ - ٩]، وقد جاءت الأخبار عن العرب باستغراب رميها وإنكاره، إذ لم يعهدوه قبل مبعثه ﵇، وكان أحد دلائل نبوته، وعلامات مبعثه، وما ذكر في الحديث من إنكار الشياطين لها يدل عليه" (١). ٢ - كما استدلوا بما رواه الترمذي وغيره عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكون حقًا، وأما ما زادوه فيكون باطلًا، فلما بعث رسول الله ﷺ ، مُنِعُوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله ﷺ قائمًا يصلي بين جبلين، أُرَاهُ قال: بمكةَ، فلقوه فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث في الأرض (٢). ٣ - أن الشعراء في القديم لم يذكروا الرمي بالشهب في أشعارهم، فلم يشبهوا الشيء السريع به، كما شبهوه بالبرق وبالسيل، وغيرهما (٣). قال الزجاج: "الشهب -الكواكب المنقضة- من آيات الله للنبي ﷺ ، والدليل على أنها كانت انقضت بعد مولد النبي ﷺ أن شعراء العرب الذين يمثِّلون في السرعة بالبرق وبالسيل وبالأشياء المسرعة، لم يوجد في أشعارها بيت واحد فيه ذكرُ الكواكب المنقضَّة، فلما حدثت بعد مولد النبي ﵇، استعملت الشعراء ذكرها، قال ذو الرمة (٤):

стр. 457

كأنه كوكب في إثر عفريَةٍ ... مسوَّم في سواد الليل مُنْقضِبُ (١) " (٢) * * *

стр. 458

المطلب الثالث: الترجيح الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم بالصواب- القول الأول، لأن فيه جمعًا بين النصوص، ومتى أمكن الجمع -بشرط احتمال النصوص له- وجب المصير إليه، لأن فيه إعمالًا لكلا الدليلين، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ولذا قال ابن كثير: "لعل مراد من نفى ذلك: أنها لم تكن تحرس حراسة شديدة، ويجب حمل ذلك على هذا، لما ثبت في الحديث ... " (١)، ثم ذكر حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ). وعلى هذا يكون الرمي بالشهب موجودًا في الجاهلية، كما يدل عليه حديث ابن عباس: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ) لكنه لم يكن متواصلًا ومستمرًا في كل وقت، وفي كل حال، ومن كل جانب، فلما بعث النبي ﷺ شُدد في حراسة السماء، وكثُر الرمي بالشهب، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٨، ٩]، وعلى هذا يُحمل حديث ابن عباس ﵄ الآخر: (فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب) أي: أن الرمي بالشهب -لما بعث النبي ﷺ - زاد وكثر، على خلاف المعتاد والمعهود، مما جعل الناس تستغرب ذلك، والشياطينَ تنكره

стр. 459

وترتاع له، حتى ضربوا مشارق الأرض ومغاربها بحثًا عن سبب ذلك، فلما رأوا النبي ﷺ ، وسمعوا القرآن عرفوا أن هذا هو الذي حال بينهم وبين خبر السماء، وكان ذلك من آيات النبي ﷺ ودلائل نبوته. قال ابن قتيبة: "الرجم قد كان قبل مبعثه، ولكنه لم يكن مثله الآن في شدة الحراسة ... وكانت تسترق في بعض الأحوال، فلما بعث منعت من ذلك أصلًا" (١). مناقشة الأقوال المرجوحة: أما القول الثاني وهو: أن الرمي بالشهب لم يكن إلا قبيل مولد النبي ﷺ ، فهو تحديد يفتقر إلى دليل، لا سيما وأن قوله ﷺ : (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ) يستفاد منه حصول ذلك في مطلق الجاهلية، إذ لم يقيده النبي ﷺ بزمن معيَّن. وأما القول الثالث وهو: أن المراد بالجاهلية في قوله ﷺ : (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ): جاهلية المخاطبين؟ ! فالجواب عنه كالجواب عن القول السابق. وأما القول الرابع وهو: أن الرمي بالشهب لم يكن إلا بعد مبعث النبي ﷺ ، وأما قبله فلا، فيرده حديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ) لأنه صريح في وجود الرمي بالشهب قبل مبعثه ﵊. وأما ما احتجوا به فيمكن الإجابة عنه كما يلي: - أما استدلالهم بقول ابن عباس ﵄: (فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب)، وكذا قوله في الحديث الآخر: (ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك)، فالجواب عنه: أن هذا محمول -كما تقدم- على أن الرمي بالشهب

стр. 460

لم يكن قبل المبعث مثله بعد المبعث، حيث كان قبل المبعث خفيفًا متقطعًا، وأما بعد المبعث فكان شديدًا دائمًا، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ [الصافات: ٨، ٩] أي: دائم. ومثل هذا يقال في الآيات التي استشهدوا بها، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]، فهي محمولة على أن الرمي بعد المبعث غُلِّظ فيه وشدد، وبهذا صرح الزهري رحمه الله تعالى، عندما اعتُرض عليه بهذه الآية، حيث قال: غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي ﷺ (١). بل إن بعض أهل العلم قد استدل بهذه الآية على وجود الرجم في الجاهلية: قال ابن عطية عند هذه الآية: "هذا يقتضي أن الرجم كان في الجاهلية، ولكنه لم يكن يستأصل، وكان الحرس، ولكنه لم يكن شديدًا، فلما جاء الإسلام اشتد الأمر، حتى لم يكن فيه ولا يسير سماحة" (٢). - وأما استدلالهم على هذا القول بالشعر، حيث قالوا: إن الرمي بالشهب لم يكن مذكورًا في أشعار أهل الجاهلية، مما يدل على عدم وجوده، فالجواب عنه: أنه معارض بمثله، حيث ثبت وجوده في أشعارهم، وقد تقدم ذكر شيء من ذلك (٣). ثم إن هذا الاستدلال لا تُرد بمثله الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، والله أعلم. * * *
следующие страницы →