← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما سقطت معرفتها والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها، وأن أجعل ذلك أبوابًا أذكر في كل باب منها ما يهب الله لي من ذلك فيها، حتى أبين ما قدرت عليه منها كذلك، ملتمسًا ثواب الله عليه، والله أسأل التوفيق لذلك والمعونة عليه، فإنه جواد كريم وهو حسبي ونعم الوكيل" (١). من كلام الطحاوي هذا يظهر لنا أنه قصد في تأليفه هذا الكتاب أمورًا ثلاثة: أحدها: بيان ما قدر عليه من مشكلها. وثانيها: استخراج الأحكام التي فيها. وثالثها: نفي الإحالات عنها. وقد جاء كتابه -كما وعد- مستوفيًا لهذه الأمور الثلاثة، كما جاء كتابه متميزًا بالشمول والتنوع، فلم تقتصر مسائله على موضوع أو فنٍّ معين، بل شملت مواضيع وفنونًا متعددة: في العقائد والآداب، وفي الفقه والفرائض، وفي أسباب النزول والقراءات، وغيرها (٢). وقد قسم كتابه إلى أبواب، وجعل لكل باب عنوانًا يدل على الإشكال الذي يريد الكلام عليه، وكثيرًا ما يُصَدِّرُ العنوان بقوله: "باب بيان مشكل ما روي عن النبي ﷺ ... " فيذكر الحديث. وامتاز كتابه أيضًا باتصال أكثر أحاديثه التي يوردها، فهو يذكرها بسنده إلى رسول الله ﷺ ، ممَّا يسهل الوقوف على الرواية ودرجة صحتها والحكم عليها.

стр. 37

وقد يتبع الرواية ببيان ما فيها من انقطاع، أو ضعف راوٍ، أو اشتباه في نسب، أو غير ذلك إن وجد. ولكن مما يلاحظ على هذا الكتاب عدم الترتيب والتنظيم ممَّا يعسر معه الحصول على المطلوب، فتجد أبواب الموضوع الواحد متشتتة ومتفرقة من أول الكتاب إلى آخره، فإذا أردت البحث عن مسألة معينة لم تجد بُدًّا من استعراض جميع أبواب الكتاب. ولذلك قال أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي (١): "وكان تطويل كتابه -بكثرة تطريقه الأحاديث وتدقيق الكلام فيه حرصًا على التناهي في البيان- على غير ترتيب ونظام، لم يتوخ فيه ضم باب إلى شكله ولا إلحاق نوع بجنسه، فتجد أحاديث الوضوء فيه متفرقة من أول الديوان إلى آخره، وكذلك أحاديث الصلاة والصيام وسائر الشرائع والأحكام، تكاد أن لا تجد فيه حديثين متصلين من نوع واحد، فصارت بذلك فوائده ولطائفه منتشرة متشتتة فيه، يعسر استخراجها منه، إن أراد طالب أن يقف على معنى بعينه لم يجد ما يستدل به على موضعه إلا بعد تصفح جميع الكتاب، وإن ذهب ذاهب إلى تحصيل بعض أنواعه افتقر في ذلك إلى تحفظ جميع الأبواب" (٢). وقال السخاوي رحمه الله تعالى: "وهو من أجلِّ كتبه -يعني

стр. 38

الطحاوي- ولكنه قابل للاختصار غير مستغن عن الترتيب والتهذيب (١) " (٢). ٤ - تأويل الأحاديث المشكلة (٣) لأبي الحسن الطبري (٤): يختلف هذا الكتاب في مضمونه عن الكتب السابقة، وإن كان يشابهها

стр. 39

في التسمية، فهو يتميز عنها بكونه يبحث في مجال العقيدة، وفي نصوص الأسماء والصفات على وجه الخصوص، لكن مؤلفه بناه على مذهب الأشاعرة (١)، حيث يقوم بتأويل كثير من نصوص الصفات وصرفها عن ظاهرها المراد منها، مدَّعيًا أن ظاهرها التجسيم والتشبيه، كما فعل في صفة الضحك (٢) والعجب (٣) والفرح (٤) والنزول والمجيء والإتيان (٥) وغيرها من الصفات.

стр. 40

وقد يثبت الصفة مع التفويض الكامل لها، كما فعل في اليدين (١). وفي بداية كتابه غمز أهل الحديث ونال منهم، حيث وصفهم بقلة "عنايتهم بمعرفة مصادر الكلام وموارده، وظاهره وباطنه، ومجازه وحقيقته واستعارته، وما يجوز إطلاقه في القديم وما لا يجوز إطلاقه"، ثم قال: "قد قنع الواحد منهم من العلم برسمه، ومن الحديث بجمعه واسمه ... " (٢). ويبين سبب تأليفه هذا الكتاب بقوله: "أما بعد فإنك كتبت إلي شكوى ما فشا بالناحية من معتقد الفرقة المنتسبة إلى الحديث المنتحلة للأثر، حتى مالوا إلى قوم من ضعفة المسلمين بمعاهدتهم بالتلبيس والتمويه ... " (٣). ومما تحسن الإشارة إليه أن الطبري قد أورد في كتابه هذا كثيرًا من الآيات الموهمة للتشبيه -على زعمه- ولم يقصره على الأحاديث، ولذلك نقل منه شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) ﵀ وسماه: "مشكل الآيات" (٥). ٥ - كتاب (مشكل الحديث وبيانه) لابن فورك (٦) رحمه الله تعالى: هذا الكتاب لا يختلف كثيرًا عن سابقه (تأويل الأحاديث المشكلة

стр. 41

لأبي الحسن الطبري)، حيث إنه خاص بأحاديث العقيدة المتعلقة بالأسماء والصفات، فأورد جملة منها، زاعمًا أن ظاهرها يوهم التشبيه والتجسيم، ثم ذهب يؤولها ويصرفها عن ظاهرها المراد منها، بما يتوافق مع مذهبه الأشعري، وكثيرًا ما يصدر الحديث الذي يريد تأويله بقوله: "ذكر خبر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه" (١)، ومن الصفات التي أوَّلها: اليد (٢)، والأصابع (٣)، والقدم (٤)، والنزول (٥)، والضحك (٦)، والعجب (٧)، والفرح (٨)، والاستواء (٩)، والعلو (١٠). فالكتاب إذًا خاص بالعقيدة على المذهب الأشعري، وهو عبارة عن ثلاثة أقسام مرتبط بعضها ببعض (١١). فالقسم الأول أورد فيه أكثر من خمسة وسبعين حديثًا، مما يرى أن

стр. 42

ظاهرها يوهم التشبيه، فأوَّلها وبين معناها من وجهة نظر أشعرية (١). وأما القسم الثاني فهو للرد على ابن خزيمة (٢) في كتابه: (التوحيد) فأورد فيه عشرة أحاديث، يشترك بعضها مع القسم الأول، وأوَّلها كغيرها من أحاديث الصفات، وخطَّأَ ابنَ خزيمة في حملها على ظاهرها مع نفي المماثلة، وقد بدأه بقوله: "فصل فيما ذكره ابن خزيمة في كتاب التوحيد" (٣). وأما القسم الثالث فقد خصَّه للردِّ على أبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي (٤) صاحب ابن خزيمة، في كتابه: (الأسماء والصفات)، وقد عقد فيه أكثر من عشرين فصلًا في تأويل صفات الله تعالى، وابتدأه بقوله: "فصل آخر فيما ذكره الصبغي في كتاب الأسماء والصفات" (٥). وختم هذا الكتاب بقوله: "كَمُلَ بيان ما أشكل ظاهره من صحيح الحديث مما أوهم التشبيه، ولبَّس بذلك المجسمون، وازداره الملحدون، وطعن في روايته الملحدون، وإيضاح ما خفي باطنه مما أغفله الجاهلون،

стр. 43

وأنكره المعطلون ... " (١). والمطلع على هذا الكتاب يلحظ أمرين عجيبين: "أحدهما: البحث عن أوجه التأويل لكل حديث، والتكلف في ذلك، وهو يعتقد أن هذه مهمة طائفة من أهل الحديث، فقد قسمهم إلى فرقتين: فرقة هم أهل النقل والرواية، وحصرِ أسانيدها وتمييز صحيحها من سقيمها. وفرقة منهم يغلب عليهم تحقيق طرق النظر والمقاييس، والإبانة عن ترتيب الفروع على الأصول، ونفي شبه الملَبِّسين عنها. فالفرقة الأولى للدين كالخزنة للملك، والفرقة الأخرى كالحرس الذين يَذُبُّوْنَ عن خزائن الملك (٢). وواضح أن ابن فورك في كتابه جعل مهمته تحقيق هدف الفرقة الثانية، ولذلك ذكر فيه ما يراه من مشكل الحديث. والأمر الآخر: خلْطُه فيما يورده -من الأحاديث- بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة، حيث جعلها نسقًا واحدًا في الدلالة وضرورة التأويل، وإذا أشار إلى ضعف بعض الروايات لا يكتفي بذلك في ردها، وبيان عدم الحاجة إلى بحث ما دلت عليه من الصفة لله تعالى، وإنما يشير إلى ضعفها -إن أشار- بكلمات، ثم يجلب بخيله ورجله في تأويلها" (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مَعْرِضِ حديثه عن تأويلات أهل الكلام: "هؤلاء يقرنون بالأحاديث الصحيحة أحاديث كثيرة موضوعة، ويقولون بتأويل الجميع، كما فعل ... أبو بكر بن فورك في كتاب (مشكل الحديث) " (٤).

стр. 44

٦ - كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (١): ألف ابن الجوزي هذا الكتاب لشرح ما استُشكِل من حديث الصحيحين، معتمدًا فيهما على كتاب (الجمع بين الصحيحين) للحميدي، والذي رتبه مؤلفه على المسانيد، ممَّا جعل ابن الجوزي يسلك سبيله في هذا الترتيب، فجاء كتاب ابن الجوزي مرتبًا على المسانيد، لا على الأبواب الفقهية، وهذا ما جعل الاستفادة منه صعبة وشاقة. وقد أشار في مقدمة كتابه إلى السبب المباشر الذي حرَّك همته لتأليف هذا الكتاب، وهو أن سائلًا سأله ذلك، قال: "فأنعمت له، وظننت الأمر سهلًا، فإذا نيل سُهَيْلٍ أسهل"، لكن هذا الأمر لم يكن ليثني إرادته أو يوهن من عزيمته، يقول: "فلما رأيت طرق شرحه شاسعة، شمرت عن ساق الجَدِّ، مستعينًا بالله ... " (٢). كما أشار إلى أنه سيُعنى بكشف الإشكال المعنوي، لكون الحاجة إليه أمس، والعناية به أجدر وأحق، خاصةً وأن الحميدي قد ألف كتابًا في شرح غريب مفردات أحاديث الصحيحين فسدَّ هذه الثغرة (٣).

стр. 45

ومما تميز به هذا الكتاب عن الكتب السابقة أنه خاص بالصحيحين، فلم يُدْخِلْ فيه حديثًا ليس فيهما أو في أحدهما. كما تميز بأنه لم يقتصر على فنٍّ معين، بل تنوعت مسائله وأحاديثه لتشمل فنونًا متعددة، وقد نال الفقه منها بحظ وافر. وامتاز أيضًا بشرح الألفاظ الغريبة، مع العناية بضبط اللفظة، وذكر تصاريفها واشتقاقاتها، وبيان دلالتها مع الاستشهاد على ذلك من أقوال أئمة اللغة، وأشعار العرب (١). كما امتاز أيضًا باحتوائه على جملة كبيرة من المسائل الفقهية، مع عرضٍ لأقوال الفقهاء فيها ناسبًا كلَّ قول إلى قائله غالبًا (٢). وأما المآخذ على هذا الكتاب فهي كما يلي: ١ - أنه لم يستوعب جميع المشكل، خاصة ما يتعلق منه بالعقيدة، حيث لم يذكر منه إلا شيئًا قليلًا بالنسبة لما ترك، وقد يكون رأيه فيه مرجوحًا، لا سيَّما إذا كان الإشكال متعلقًا بأسماء الله تعالى وصفاته، وفي المقابل قد يذكر فيه ما ليس بمشكل، ولذا قام بعض العلماء باختصار الكتاب، وقال: "رأيته يذكر فيه شيئًا من الأحاديث غير مشكل، أو مشكلًا ولا يأتي فيه بشيء شافٍ" (٣). ٢ - أنه اضطرب في صفات الله تعالى بين النفي والإثبات، وخاصة الصفات الخبرية فإنه كثيرًا ما يؤولها (٤). ٣ - أنه لم يخصه في المشكل، ولذا فإنه قد يورد الحديث لا لإشكال

стр. 46

فيه -كما تقدم-، وإنما ليستخرج منه فائدة معينة (١)، وقد يذكر الحديث ليوضح فيه معنى كلمةٍ غريبة فقط، ومن أمثلة ذلك: قال في مسند عبادة بن الصامت: "وفي الحديث الثاني: (من تعارَّ من الليل) يعني استيقظ" (٢). وفي مسند أُبي بن كعب قال: "وفي الحديث الرابع: (لو اشتريت حمارًا تركبه في الرمضاء) يعني: الحر" (٣). وقال في مسند أبي سعيد الخدري: "وفي الحديث الثاني عشر: (لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة) المدى الغاية" (٤). ففي هذه الأحاديث لم يذكر فيها غير ما نقلت، ومثلها كثير (٥). ٤ - جرأته ﵀ في ردِّ الروايات -إذا خالفت مذهبه ومعتقده-، واتهامه المحدثين بالغلط في الرواية أو التصرف، أو النقل بالمعنى، دون استناد إلى دليل أو برهان، وإليك مثالًا على ذلك: قال بعد تأويله لصفة القدم لله : "فإن قيل: كيف يصح هذا التأويل وسيأتي في حديث أبي هريرة: (يضع فيها رجله)؟ فالجواب: أن هذا من تحريف بعض الرواة، لأنه ظنَّ أن القدم هي الرجل، فروى بالمعنى الذي يظنه" (٦). ولعل هذا نابع من تلك القاعدة التي ذكرها أثناء اتهامه بعض الرواة بأنهم عبَّروا بالمعنى، ولم يفهموا المقصود، مما أوقع الإشكال في كثير من

стр. 47

الأحاديث، حيث قال: "فمتى سمعت حديثًا فيه نوع خلل فانسُب ذلك إلى الرواة، فإن الرسول ﷺ منزَّه عن ذلك" (١). قلت: لا ريب أن الرسول ﷺ منزه عن الخلل في حديثه، ولكن لماذا لا يتهم الإنسان رأيه وفهمه واجتهاده قبل اتهام النقلة العدول الثقاة، أهل الضبط والإتقان والتحري والتثبت؟ ! فإن الإنسان كثيرًا ما يؤتى من قبل رأيه وفهمه واجتهاده، فيستشكل ما ليس بمشكل، كما وقع لابن الجوزي هنا في صفة القدم والرجل، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 48

المبحث الثالث: ظواهر الكتاب والسنة كلها حق لما كان المقصود بالخطاب والكلام إفهام السامع مراد المتكلم من كلامه، وأن يبين له ما في نفسه من المعاني، وأن يدله على ذلك بأقرب الطرق (١)، كان ذلك موقوفًا على أمرين: - بيان المتكلم. - وتمكن السامع من الفهم. فإن لم يحصل البيان من المتكلم، أو حصل له ولم يتمكن السامع من الفهم، لم يحصل مراد المتكلم، وإذا بيَّن المتكلم مراده بالألفاظ الدالة على مراده، ولم يعلم السامع معنى تلك الألفاظ، لم يحصل البيان، فلا بد من تمكن السامع من الفهم، وحصول الإفهام من المتكلم (٢). ومعرفة مراد المتكلم من كلامه، من أهم الأمور وأنفعها، فإنه إذا عُرف ذلك، كان هذا هو ظاهر كلامه وحقيقته. قال ابن القيم (٣): "إذا فهم السامع مقصود المتكلم فقد فهم حقيقة كلامه" (٤).

стр. 49

وأعظم من يُحتاج إلى معرفة مراده، هو الله تعالى ورسوله ﷺ ، لأن على هذه المعرفة ينبني الاعتقاد والعمل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا بد في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يفهم كلامه" (١). وقال أيضًا: "معرفة مراد الرسول، ومراد الصحابة، هو أصل العلم وينبوع الهدى" (٢). والقاعدة عند أهل السنة والجماعة في نصوص الكتاب والسنة: أنهم يُجْرُوْنَهَا على ظاهرها، معتقدين أنه هو الحق الذي يوافق مراد الله تعالى، ومراد رسوله ﷺ ، لا سيما ما ليس للرأي فيه مجال، كنصوص الصفات (٣) والمعاد وغيرها من أمور الغيب (٤). قال الشافعي ﵀: "آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ " (٥). ومما يُوَضِّحُ هذا ويبينه، أنه من المعلوم بالضرورة أن الشارع متصف بكمال العلم، وصدق الحديث، وقوة الفصاحة وحسن البيان، وقصد الهدى والبيان والإرشاد (٦)، وقد تكلم باللسان المفهوم لدى المخاطبين، فوجب قبول كلامه وفهمه على ظاهره.

стр. 50

و"لو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب، لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل بما يدل على نقيض مراده، وأراد منه فهم النفي بما يدل على غاية الإثبات ... " (١). ولا ريب أن هذا ينافي قصد البيان والهدى والإرشاد الذي اتصف به الله تعالى واتصف به رسوله ﷺ ، فالله تعالى يقول عن نفسه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]. ويقول عن نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ويقول أيضًا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وعلى هذا، فالواجب حمل نصوص الكتاب والسنة على ظاهرها، واعتقاد أنه حق، فمن رام غير هذا مؤْثرًا تحريفات المبطلين وتأويلات الجاهلين، على بيان رب العالمين، الذي قال عن نفسه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وبيان رسوله الصادق الأمين، الذي قال له ربه: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، فقد خاب وخسر وضل عن الصراط المستقيم والطريق القويم، كما أن سلوكه هذا السبيل يلزم منه أحد محاذير ثلاثة، لا بد منها أو من بعضها، وهي: القدح في علم المتكلم بها -وهو الرسول ﷺ أو في بيانه، أو في نصحه (٢)، فيكون هؤلاء المحرفون المبطلون أعظم منه علمًا، وأشد نصحًا، وأفصح لسانًا، وأحسن بيانًا وتعبيرًا عن الحق "وهذا مما يَعْلَم بطلانه

стр. 51

بالضرورة أولياؤه وأعداؤه، وموافقوه ومخالفوه، فإن مخالفيه لم يشكوا في أنه أفصح الخلق، وأقدرهم على حسن التعبير بما يطابق المعنى، ويخلصه من اللبس والإشكال ... وقد وصف الله رسله بكمال النصح والبيان، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، وأخبر عن رسله بأنهم أنصح الناس لأممهم، فمع النصح والبيان والمعرفة التامة" (١)، يمتنع غاية الامتناع أن يريدوا بكلامهم خلاف ظاهره وحقيقته، وعدم البيان. وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة وكذا العقل على وجوب إجراء نصوص الكتاب والسنة على ظاهرها، وأنه هو الحق الذي يوافق مراد الله ومراد رسوله ﷺ : فمن أدلة الكتاب: - قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]. فوصف الله تعالى كتابه بأوضح البيان وأحسن التفسير، وأنه هدىً ورحمة ونور، وهذا يقتضي أن يكون ظاهره مطابقًا لمراده، وإلَّا لم يكن كذلك. - وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢]. "وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي، إلَّا أن يمنع منه دليل شرعي" (٢).

стр. 52

- وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فقد لعن كاتمه -يعني: العلم- وأخبر أنه بينه للناس في الكتاب، فكيف يكون قد بينه للناس وهو قد كتم الحق وأخفاه، وأظهر خلاف ما أبطن؟ فلو سكت عن بيان الحق كان كاتمًا، ومن نسب الأنبياء إلى الكذب والكتمان مع كونه يقول: إنهم أنبياء، فهو من أشر المنافقين وأخبثهم، وأبينهم تناقضًا" (١). - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]. قال ابن القيم: "تيسيره للذكر يتضمن أنواعًا من التيسير: إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ. الثاني: تيسير معانيه للفهم. الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال. ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المُخَاطَبُ، لم يكن ميسرًا له، بل كان معسرًا عليه، فهكذا إذا أُريد من المُخَاطَبِ أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني، أو يدل على خلافه، فهذا من أشد التعسير، وهو منافٍ للتيسير" (٢). ومن أدلة السنة على أن الأصل في النصوص حملها على ظاهرها: - قوله ﷺ ، كما في حديث العِرْبَاضِ بن سارية ﵁: (تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلَّا هالك) (٣).

стр. 53

والبيضاء: الحجة الظاهرة القوية التي لا لبس فيها ولا اشتباه (١). - وقوله أيضًا ﵊، كما في حديث جابر بن عبد الله ﵄: (قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟ ) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: (أللهم اشهد، أللهم اشهد) ثلاث مرات (٢). فالرسول ﷺ قد أخبر أنه تركنا على المحجة البيضاء الواضحة البينة، التي لا لَبْسَ فيها ولا اشتباه، ظاهرها وباطنها سواء. والصحابة رضوان الله عليهم قد شهدوا له بأنه قد بلَّغ وأدَّى ونصح، وهذا يعني: أن ظاهر كلامه مطابق لمراده، لأن هذا مقتضى البلاغ، وحسن الأداء، وكمال النصح. "وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين، فوجب قبوله على ظاهره، وإلَّا لاختلفت الآراء، وتفرقت الأمة" (٣). وقد تواردت عبارات أهل العلم على بيان هذه القاعدة والتأكيد عليها، ومن ذلك: قول الشافعي ﵀: "كل كلام كان عامًا ظاهرًا في سنة رسول الله فهو على ظهوره وعمومه، حتى يُعْلَمَ حديث ثابت عن رسول الله -بأبي هو وأمي- يدل على أنه إنما أُريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض" (٤).

стр. 54

وقال قِوَامُ السنة الأصبهاني (١) وهو يتحدث عن الصفات: "الكلام في صفات الله ، ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين: إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها (٢) (٣). وقال ابن تيمية: "لم يكن أحد منهم -أي: الصحابة- يعتقد في خبره وأمره -يعني الرسول ﷺ - ما يناقض ظاهر ما بَيَّنَهُ لهم ودلهم عليه، وأرشدهم إليه، ولهذا لم يكن في الصحابة من تأول شيئًا من نصوصه على خلاف ما دل عليه، لا في ما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر به عما بعد الموت" (٤). وقال الذهبي عن نصوص الكتاب والسنة: "المراد بظاهرها، أي: لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له" (٥). وأقوال أهل العلم في تقرير هذا المعنى كثيرة، وسيأتي ذكر شيء منها عند الحديث عن الصفات (٦).

стр. 55

وأختم هذا المبحث بالتأكيد على أمرين هامين: الأول: أن المراد بظاهر (١) النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنىً في سياق، ومعنىً آخر في سياق آخر (٢). قال ابن القيم ﵀: "السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير؟ " (٣). ولهذا فقد يُنْقَلُ عن أحد الأئمة ما ظاهره التأويل، وهو في الحقيقة ليس تأويلًا، لأنه نحى هذا المنحى لقرينة تدل عليه، أو لكون السياق يقتضيه، فيكون بهذا موافقًا لمراد الله تعالى أو مراد رسوله ﷺ ، ولا يكون بذلك مخالفًا لمذهب السلف، ولا خارجًا عن قاعدة إجراء النصوص على ظاهرها، لأن المقصود هو فَهْمُ مراد المتكلم من كلامه -كما تقدم- فإذا فُهِمَ كان هذا هو ظاهر كلامه، ولم يكن تأويلًا، وإن صح تسميته تأويلًا، فهو تأويل صحيح لقيام الأدلة عليه، وموافقته النصوص الشرعية.

стр. 56

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص، وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد، ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك، وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول، وما خالفه فهو المردود" (١). والثاني: لمَّا حدث في عرف المتأخرين القول بنفي الظاهر عن كثير من نصوص الكتاب والسنة -خاصةً ما يتعلق منها بالصفات- صار لفظ (الظاهر) فيه إجمالًا واشتراكًا، فهو في لسان السلف -وهو ما تقدم بيانه- غيره في عرف المتأخرين، مما يقتضي التفصيل فيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلفظة (الظاهر) قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين" (٢). وقال أيضًا موضحًا ذلك فيما يتعلق بالصفات: "لفظ (الظاهر) فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد. ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرًا، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، والله أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال. والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين: تارةً يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك. وتارةً يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل" (٣).

стр. 57

وقال الذهبي: "قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق والثاني باطل: فالحق أن يقول: إنه سميع بصير مريد متكلم حي عليم، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلًا، وأمثال ذلك، فنُمِرُّهُ على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول: له تأويل يخالف ذلك. والظاهر الآخر، وهو الباطل والضلال: أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل الباري بخلقه -تعالى الله عن ذلك- بل صفاته كذاته، فلا عِدْل له، ولا ضد له، ولا نظير له، ولا مثل له، ولا شبيه له، وليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته" (١). وقال ابن أبي العز (٢): "يجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه، فهو لقصور فَهْمِهِ، ونقص علمه" (٣). وعلى هذا، فإن من قال: إن ظاهر النصوص غير مراد، فقد أخطأ على كل تقدير، لأنه إن فهم من ظاهرها معنىً فاسدًا فقد أخطأ في فَهْمِهِ، وأصاب في قوله: (غير مراد) وإن فهم من ظاهرها معنى صحيحًا، فقد أصاب في فهمه، وأخطأ في قوله: (غير مراد) (٤).

стр. 58

المبحث الرابع: العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه هذه قاعدة جليلة القدر، عظيمة النفع، عاصمة -بإذن الله- من الوقوع في الزلل والخطأ والغلط والتحريف، ولهذا فقد نص عليها السلف وعملوا بها وأكدوا على أهميتها، لا سيما في النصوص المشكلة أو المتشابهة (١). وسوف أتناول هذه القاعدة -أو هذا المبحث- من خلال الحديث عن عدة قضايا، وهي: معنى المحكم والمتشابه في اللغة وفي الاصطلاح، والعلاقة بين المشكل والمتشابه، وعمل السلف بهذه القاعدة، وبيان أن الوضوح والإشكال من الأمور النسبية، وهل صفات الله تعالى من المتشابه؟ وأخيرًا: أسباب استشكال النصوص أو الاشتباه فيها. فأولًا: معنى المحكم والمتشابه في اللغة وفي الاصطلاح: المحكم في اللغة: قال ابن فارس: "الحاء والكاف والميم: أصل واحد وهو المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم، وسميت حَكَمة الدابة، لأنها تمنعها، يقال: حَكَمْت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه وأحكمته، إذا أخذت على يديه" (٢). "والعرب تقول: حَكَمْتُ وأحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: منعت ورددت" (٣).

стр. 59

وأحكم الأمر: أتقنه، والحكيم: المتقن للأمور (١)، فيقال لمن يحسن الصناعات ويتقنها: حكيم (٢). والذكر الحكيم: الحاكم لكم وعليكم، وهو المحكم الذي لا اختلاف فيه ولا اضطراب (٣). وعليه، فالإحكام في اللغة: هو الفصل بين الشيئين، فصلًا يمنع اختلاطهما وتداخلهما. وهو أيضًا: إتقان الشيء وإحسانه. وكل واحد من المعنيين يعضد الآخر (٤). وأما المتشابه في اللغة: فقد قال ابن فارس: "الشين والياء والهاء، أصل واحد يدل على تشابه الشىء وتشاكله لونًا ووصفًا، يقال: شِبْه وشَبَه وشبيه ... والمُشَبِّهات من الأمور: المشكلات، واشتبه الأمران إذا أشكلا" (٥). "والشُّبْهَةُ: الالتباس، وأمور مشتبهة ومشَبِّهَةٌ: مشكلة يشبه بعضها بعضًا" (٦). "والشِّبْهُ والشَّبَهُ والشبيه: المثل، والجمع: أشباه، وأشبه الشيءُ الشيء: ماثله" (٧).

стр. 60

وعليه، فالمتشابه في اللغة هو: مشابهة الشيء لغيره، وهو يكون لقدر مشترك بينهما، مع وجود الفاصل بينهما، وهو القدر المميِّز (١). وهو أيضًا: المشكل والملتبس، وقد يكون الإشكال والالتباس لأجل المشابهة. وأما المحكم والمتشابه في الاصطلاح: فهو يختلف باختلاف إطلاقاته، فهناك المحكم والمتشابه العام، وهناك المحكم والمتشابه الخاص (٢)، وذلك باعتبار ورود هذين اللفظين في كتاب الله تعالى: فحيث ورد وصف القرآن كله بأنه محكم، كما في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]، فالمراد به أنه متقن غاية الإتقان في أحكامه وألفاظه ومعانيه، فلا اختلاف فيه ولا اضطراب، من إحكام الشيء وهو إتقانه، "فإحكام الكلام: إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغَيِّ في أوامره" (٣)، وهذا ما يعرف بالإحكام العام. وحيث ورد وصف القرآن بأنه كله متشابه، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فالمراد به ما هو ضد الاختلاف المنفي في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وهو ما يعرف بالتشابه العام، ومعناه: "تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدِّق بعضه بعضًا، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن لوازمه، إذا لم يكن هناك نسخ. وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته أو بثبوت ملزوماته ...

стр. 61

وهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضًا، لا يناقض بعضه بعضًا، بخلاف الإحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص" (١). وأما الإحكام الخاص والتشابه الخاص، فهو الوارد في آية آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧]. فالمحكم بمعناه الخاص هو: ما كان معناه واضحًا جليًا لا خفاء فيه. وأما المتشابه بمعناه الخاص فهو: ما لم يتضح معناه، لدقته وغموضه، بحيث يُحتاج في فهم المراد منه إلى تفكر وتأمل، وعلى هذا فهو نسبي إضافي بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض (٢) (٣).

стр. 62

والمحكم والمتشابه بمعناهما الخاص هما المقصودان في هذا المبحث. ثانيًا: علاقة المشكل بالمتشابه: ثمة علاقة بين المشكل والمتشابه الخاص النسبي، يتضح ذلك من خلال النظر في تعريف كل منهما، وبيان ذلك كما يلي: أولًا: من حيث التعريف اللغوي: حيث جاء في التعريف اللغوي للمشكل أن المراد به: المماثل والمشتبه والملتبس (١). وجاء في التعريف اللغوي للمتشابه أن المراد به: المماثل والمشكل والملتبس. وقد أوضح ذلك ابن قتيبة ﵀ حيث قال: "ومثل المتشابه: (المشكل) وسمي مشكلًا لأنه أشكل، أي: دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله. ثم قد يقال لما غَمُض -وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة-: مشكلًا" (٢).

стр. 63

وقال: "أصل التشابه: أن يشبه اللفظُ اللفظَ في الظاهر والمعنيان مختلفان ... ثم قد يقال لكل ما غَمُض ودقَّ: متشابه، وإن لم تقع الحَيرة فيه من جهة الشبه بغيره" (١). ثانيًا: من حيث التعريف الاصطلاحي: حيث إننا نجد أن المشكل يرادف المتشابه الخاص، الذي يقابل المحكم الخاص، وهو ما يخفى على بعض دون بعض، فمن خفي عليه المعنى المراد فهو متشابه ومشكل عنده، ومن علم المراد منه زال عنه الإشكال، وانتفى عنه التشابه، وصار محكمًا عنده (٢). ثالثًا: عمل السلف بهذه القاعدة: إن الواجب على كل مسلم تجاه نصوص الكتاب والسنة الصحيحة أن يؤمن بها كلها، محكمها ومتشابهها، ويعمل بما استبان له منها، ويكل ما اشتبه عليه إلى الله تعالى، وهو ما نص عليه كثير من السلف، كابن عباس (٣) وعائشة (٤) والحسن (٥) وقتادة والضحاك (٦) ............................................

стр. 64

وغيرهم (١). قال الحسن عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، "يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه" (٢). وقال قتادة في آية آل عمران: "آمنوا بمتشابهه، وعملوا بمحكمه" (٣). وقال ابن تيمية: "ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه" (٤). ومن طريقة السلف أيضًا: أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه. قال ابن القيم بعد أن ذكر أن من طريقة المخالفين للسلف: أنهم يتمسكون بالمتشابه في رد المحكم: "وأما طريقة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، كالشافعي والإمام أحمد (٥)،

стр. 65

ومالك (١) وأبي حنيفة (٢)، وأبي يوسف (٣) والبخاري وإسحاق (٤) فعكس هذه

стр. 66

الطريق، وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه، ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتُوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره" (١)، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. وقال ابن كثير: "فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه، وحكَّم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس" (٢). رابعًا: الوضوح والإشكال في النصوص من الأمور النسبية: وصف الله تعالى القرآن بأنه نور مبين، وبيان للناس وفرقان، وأنه تبيان لكل شيء وهدىً ورحمةً، وشفاءً لما في الصدور، كما وصف نبيه ﷺ بأنه يهدي إلى صراط مستقيم، وأنه رحمةً للعالمين، وحجةً على الخلق أجمعين، وهذا يقتضي أن لا يكون في النصوص ما هو مشكل من حيث الواقع، بحيث لا يمكن لأحد من الأمة معرفة معناه، وإنما الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي، يختلف به الناس بحسب ما عندهم من العلم والفهم، فما يكون مشكلًا عند شخص قد لا يكون كذلك

стр. 67

عند آخر، بل يكون عنده واضحًا جليًا (١)، وأما أن يكون في النصوص الشرعية ما لا يمكن لأحد من الأمة معرفة معناه فهذا غير موجود، حتى ما لا ندرك حقيقته وكيفيته فإننا نعرف معناه، ونفهم المراد بلفظه، كصفات الله تعالى وحقيقة ما في البرزخ والجنة والنار. قال النووي: "يَبْعُدُ أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته" (٢). وقال ابن تيمية: "والمقصود هنا: أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلامًا لا معنى له، ولا يجوز أن يكون الرسول ﷺ وجميع الأمة لا يعلمون معناه، كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين، وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ ... فإن معنى الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره، وهذا مما يجب القطع به" (٣). وقال: "ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال: هذه من المتشابه الذي لا يُعلم معناه، ولا قال قَطُّ أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول الله ﷺ ، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه" (٤). وقال أيضًا: "وبالجملة: فالدلائل الكثيرة توجب القطع ببطلان قول من يقول: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها الرسول ولا غيره، نعم، قد

стр. 68

يشكل في القرآن آيات لا يعلم معناها كثير من العلماء، فضلًا عن غيرهم، وليس ذلك في آية معينة، بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا" (١). خامسًا: هل صفات الله تعالى من قبيل المتشابه (٢)؟ تقدم بيان أن المتشابه منه ما هو كلي حقيقي، لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو ما استأثر الله بعلمه من حقائق الأشياء وكيفياتها، ومنه ما هو نسبي إضافي، يشتبه على بعض الناس دون بعض، ولأجل هذا فإنه لا يصح إطلاق القول: بأن صفات الله تعالى من المتشابه، بل لا بد من التفصيل في ذلك، فإن صفات الله تعالى لها اعتباران: الأول: من جهة معناها: وهي بهذا الاعتبار معلومة لنا، وتقدم -قريبًا- بيان أنه لا يوجد شيء من نصوص الشرع لا يعلم معناه أحد من الناس، لأنها حينئذٍ تكون بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، وهذا ما يُنزه عنه كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ . وعليه فإن نصوص الصفات بهذا الاعتبار ليست من المتشابه الكلي الحقيقي الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وجعلها منه قول باطل، لا يُعرف عن أحد من سلف الأمة ولا من أئمتها المتبوعين. نعم، قد يكون منها ما قد يشتبه على بعض الناس دون بعض، وهذا من التشابه النسبي الذي سرعان ما يزول بِرَدِّه إلى المحكم، أو إلى أهل العلم الراسخين فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].

стр. 69

وأما الاعتبار الثاني: فهو من جهة كيفيتها وحقيقة ما هي عليه: فهي بهذا الاعتبار غير معلومة لنا، لأنه مما استأثر الله بعلمه، كما هو الحال بالنسبة لوقت الساعة، وحقيقة ما في البرزخ والجنة والنار، وسائر أمور الغيب. فصفات الله تعالى من هذا الوجه يصح أن يُقال عنها: إنها من المتشابه، والمراد به: التشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. وعلى هذا، فصفات الله تعالى معلومة لنا من وجه، ومجهولة لنا من وجه آخر، فالمعنى معلوم، والكيف مجهول، يوضح ذلك قوله ﷺ ، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ ) قالوا: نعم، قال: (فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم) (١). وقوله ﷺ ، كما في حديث أبي هريرة أيضًا: (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، متفق عليه (٢). ومن هنا نعلم خطأ من أطلق القول بأن صفات الله تعالى من المتشابه، ولم يفرق بين المعنى والكيف، كما فعل ابن قدامة (٣)

стр. 70

والسيوطي (١) وغيرهما. ومثله من جعل نصوص الصفات من المتشابه باعتبار أن إجراءها على ظاهرها اللائق بالله تعالى يقتضي التشبيه والتمثيل، فذهب لأجل هذا إلى تأويلها وصرفها عن ظاهرها المراد منها، كما فعل ابن اللبان (٢) في كتابه: (إزالة الشبهات عن الآيات والأحاديث المتشابهات) (٣).

стр. 71

سادسًا: أسباب استشكال النصوص، أو الاشتباه فيها: لا ريب أن استشكال النصوص له أسباب متعددة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية جملة منها فقال: "قد يكون في القرآن آيات لا يعلم معناها كثير من العلماء، فضلًا عن غيرهم، وليس ذلك في آية معينة، بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا، وذلك تارة يكون لغرابة اللفظ، وتارة لاشتباه المعنى بغيره، وتارة لشبهة في نفس الإنسان تمنعه من معرفة الحق، وتارة لعدم التدبر التام، وتارة لغير ذلك من الأسباب" (١). وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام يمكن إرجاعه إلى سبب واحد، وهو: الغلط في الفهم، وثمة سبب آخر بالغ الأهمية، وهو: ضعف الرواية، وذلك عندما يكون النص حديثًا مرويًا عن النبي ﷺ ، ولعل شيخ الإسلام لم يذكره لأنه في معرض الحديث عن القرآن، وهذا السبب غير وارد فيه، كما هو معلوم. وعلى هذا، فاستشكال النصوص راجع إلى أمرين أساسيين: أحدهما: الغلط في الفهم. والثاني: ضعف النص. ولهذا قال ابن القيم في نونيته: "فإذا تعارض نص لفظ وارد ... والعقل حتى ليس يلتقيان فالعقل إما فاسد ويظنه ... الرائي صحيحًا وهو ذو بطلان

стр. 72

أو أن ذاك النص ليس بثابت ... ما قاله المعصوم بالبرهان" (١) وقال أيضًا: "وما يُؤتى أحد إلا من غلط الفهم أو غلط في الرواية، متى صحت الرواية وفهمت كما ينبغي تبيَّن أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق، وبالله التوفيق" (٢). فالسبب الأول: الغلط في الفهم: وهو سبب ظاهر في استشكال كثير من النصوص، والناس متفاوتون فيه تفاوتًا عظيمًا. قال ابن تيمية: "قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها، فتكون مشكلة بالنسبة إليهم، لعجز فهمهم عن معانيها" (٣). وقال الشاطبي (٤): "لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم" (٥). وقال أيضًا: "لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية، ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جارٍ على مهيع واحد، ومنتظم إلى معنى واحد، فإذا أدَّاه بادي الرأي إلى ظاهر اختلاف، فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف، لأن الله تعالى قد شهد له أن لا اختلاف فيه ... " (٦).

стр. 73

وقال المعلمي (١): "اعلم أن الناس تختلف مداركهم وأفهامهم وآراؤهم، ولا سيما فيما يتعلق بالأمور الدينية والغيبية، لقصور علم الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته، ولهذا كان في القرآن آيات كثيرة يستشكلها كثير من الناس، وقد أُلفت في ذلك كتب، وكذلك استشكل كثير من الناس كثيرًا من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، منها ما هو من رواية كبار الصحابة أو عدد منهم ... وبهذا يتبين أن استشكال النص لا يعني بطلانه" (٢). وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -فيما تقدم (٣) - بعض الأسباب المؤدية إلى الغلط في الفهم، ويمكن إجمالها بما يلي: ١ - غرابة اللفظ. ٢ - اشتباه المعنى بغيره. ٣ - وجود شبهة في نفس الإنسان تمنعه من معرفة الحق .. ٤ - عدم التدبر التام. وزوال الإشكال الناتج عن هذا السبب يكون بتدبر النصوص، وإدامة النظر والتأمل فيها، وهو ما أمر الله تعالى به حيث قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]،

стр. 74

فإن ظهر له المعنى وزال عنه الإشكال، وإلا رجع إلى أهل الذكر الذين يعلمونه، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. وأعظم معين على إزالة الإشكال ودفع الاشتباه: اللجوء إلى الله تعالى بدوام الاستغفار، وكثرة الابتهال، والإلحاح في الدعاء بأن يورثه علم ما أشكل عليه، فإن الله تعالى إذا علم من عبده صدق اللجوء، وحسن النية، وصواب الطريقة، أعانه ووفقه وسدده وهداه، ودفع عنه ما أشكل عليه. قال ابن تيمية: "إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء أو الحالة التي تشكل علي، فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل، حتى ينشرح الصدر، وينحل إشكال ما أشكل" (١). ومما يشار إليه هنا أن هذا السبب هو الذي أوقع كثيرًا من أهل البدع في استشكال كثير من النصوص، حيث ابتدعوا معتقدات باطلة، وجعلوها هي الأصل الذي يجب اعتقاده والبناء عليه، ثم نظروا في الكتاب والسنة، فما أمكنهم تأويله أوَّلوه، وإلا قالوا: هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة التي لا ندري ما أُريد بها، فجعلوا بدعهم أصلًا محكمًا، وما جاء به الرسول ﷺ فرعًا ومشكلًا إذا لم يوافقه. والواجب أن يجعل ما أنزله الله من الكتاب والحكمة أصلًا في جميع الأمور، وإليه يرد ما استشكل من ذلك (٢). قال ابن تيمية مبينًا تخبط أهل البدع وتناقضهم في استشكال النصوص: "ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعل الفريق الآخر مشكلًا:

стр. 75

فمنكر الصفات الخبرية ... يقول: نصوصها مشكلة متشابهة ... وكذلك يقول من ينكر العلو والرؤية: نصوص هذه مشكلة. ومنكر الصفات مطلقًا يجعل ما يثبتها مشكلًا دون ما يثبت أسماءه الحسنى. ومنكر معاني الأسماء يجعل نصوصها مشكلة. ومنكر معاد الأبدان وما وُصفت به الجنة والنار يجعل ذلك مشكلًا أيضًا. ومنكر القدر يجعل ما يثبت أن الله خالق كل شيء وما شاء كان، مشكلًا ... " (١). وأما السبب الثاني فهو: ضعف النص، فكثيرًا ما يستشكل الناس حديثًا مرويًا عن النبي ﷺ ؛ لمخالفته لصحيح المنقول أو صريح المعقول مخالفة ظاهرة، لا يمكن القول معها بمفهومه ودلالته، وعند تأمل درجته والنظر في سنده نجد أنه لا يصح عن النبي ﷺ ، وببيان ضعفه يزول إشكاله. قال ابن تيمية: "لا يُعْلَمُ حديثٌ واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف، بل موضوع" (٢). ومما يحسن التنبيه عليه أن اتهام الفهم عند استشكال النص يجب أن يكون مقدمًا على اتهام النص نفسه وتضعيفه -ما لم يكن ضعفه بَيِّنًا- فلا يسوغ الاستعجال في رد النصوص وتوهينها لمجرد استشكالها، فكثيرًا ما يؤتى المرء من قبل رأيه وفهمه واجتهاده. قال المعلمي: "وبالجملة: لا نزاع أن النبي ﷺ لا يخبر عن ربه وغيبه بباطل، فإن رُوي عنه خبر تقوم الحجة على بطلانه فالخلل من الرواية، لكن
следующие страницы →