← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ولذا أنكر أهل العلم هذه اللفظة على شريك وعدوها من أخطائه، وممن أنكر ذلك: الخطابي وابن حزم وعبد الحق الإشبيلي والقاضي عياض والنووي (١) وابن القيم (٢). قال القاضي عياض عن هذه اللفظة: "هو غلط لم يوافق عليه" (٣). قال الحافظ: "وفي دعوى التفرد نظر، فقد وافقه كثير بن خنيس -بمعجمة ونون، مصغر- عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب المغازي من طريقه" (٤). وقد خرَّج هذه اللفظة ابن كثير وابن حجر على أن المجيء كان مرتين: الأول: قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة، ولم يكن فيها شيء. والثاني: بعد أن أُوحي إليه، وحينئذٍ وقع شق الصدر ثم الإسراء والمعراج. وقبل ذكر كلامهما أسوق ما يتعلق بهذه اللفظة من الحديث، حتى يتضح مأخذهما منه: حدَّث شريك عن أنس: (ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته ... ).

стр. 492

قال ابن كثير: "وفي سياقه -أي: حديث شريك- غرابة من وجوه، منها: قوله: (قبل أن يوحى إليه)، والجواب: أن مجيئهم أول مرة كان قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة، ولم يكن فيها شيء، ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى، ولم يقل في ذلك: (قبل أن يوحى إليه) بل جاءه بعد ما أُوحي إليه، فكان الإسراء قطعًا بعد الإيحاء، إما بقليل كما زعمه طائفة، أو بكثير نحو من عشر سنين كما زعمه آخرون، وهو الأظهر" (١). وقال ابن حجر: "قوله: (فلم يرهم) أي: بعد ذلك (حتى أتوه ليلة أخرى)، ولم يعين المدة التي بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه، وحينئذٍ وقع الإسراء والمعراج ... وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق: أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة، ويسقط تشنيع الخطابي وابن حزم وغيرهما، بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وبالله التوفيق" (٢). ولكن يشكل على هذا الجواب: أن الحديث ينص على أن المجيء الأول كان ليلة الإسراء حيث جاء في أوله: (ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ... )، وقوله في هذا المجيء -أعني الأول-: (فقال آخرهم: خذوا خيرهم)، يشعر أنه قد كان في هذه الليلة شيء، والله أعلم. وأجاب بعضهم: بأن الوحي ها هنا مقيد، وليس بالوحي المطلق الذي هو مبدأ النبوة، والمراد: قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء، فأسري به فجأة من غير تقدم إعلام (٣).

стр. 493

قال ابن حجر: "ويؤيده: قوله في حديث الزهري: (فرج سقف بيتي) " (١). ولا يخفى ما في هذا الجواب من التكلف، والله أعلم. ثانيًا: قوله: (وهو نائم في المسجد الحرام)، ثم أكد ذلك بقوله في آخر الحديث: (واستيقظ وهو في مسجد الحرام)، وبهذا ونحوه تعلق من جعل الإسراء والمعراج وقعا منامًا (٢). قال ابن رجب: "هذه اللفظة مما تفرد بها شريك، وقد تعلق بها من قال: إن الإسراء كان منامًا" (٣). وقد أجاب عن هذا القاضي عياض والقرطبي فقالا: قوله: (وهو نائم في المسجد الحرام) أي: أنه كان قد ابتدأ نومه، فأتاه الملك فأيقظه. وأما قوله: (واستيقظ وهو في مسجد الحرام)، فيحتمل أن يكون استيقاظه من نوم نامه بعد الإسراء، ويحتمل أن يكون بمعنى: أفقت، أي أنه أفاق مما كان فيه من شغل البال بما شاهده من العجائب والآيات العظيمة والملكوت (٤). وبنحو هذا أجاب ابن كثير (٥)، وابن حجر (٦)، وغيرهما (٧).

стр. 494

وحاول بعضهم الجمع بين الروايات فقال: بالتعدد، أي أن الإسراء وقع مرتين: مرة يقظة، ومرة منامًا (١). والحق الذي عليه جمهور أهل السنة أن الإسراء والمعراج وقعا مرة واحدة، يقظة لا منامًا، وأن ذلك كان بجسده وروحه. وقد سمَّى القاضي عياض من ذهب إلى هذا فقال: "ذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة، وهذا هو الحق"، ثم ذكر أنه قول ابن عباس، وجابر، وأنس، وحذيفة، وعمر، وأبي هريرة، ومالك بن صعصعة، وأبي حبَّة البدري، وابن مسعود، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن المسيب (٢)، وابن شهاب، والحسن، وإبراهيم (٣)، ومسروق (٤)،

стр. 495

ومجاهد، وعكرمة (١)، وابن جريج (٢)، وابن حنبل، وجماعة عظيمة من المسلمين، وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين (٣). وممن نصَّ على هذا القول أيضًا: الطبري (٤)، والطحاوي (٥)، والبربهاري (٦)، والآجري (٧)، وابن منده (٨)، وابن حزم (٩)، وقوَّام السنة الأصبهاني (١٠)، وأبو العباس القرطبي (١١)، وأبو عبد الله القرطبي (١٢)، وابن القيم (١٣)، .....................................................................................

стр. 496

وابن كثير (١)، وابن أبي العز (٢)، وابن حجر (٣)، وغيرهم كثير. قال ابن القيم ﵀: "كان الإسراء مرة واحدة، وقيل: مرتين: مرة يقظة ومرة منامًا، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وقوله: (ثم استيقظت) وبين سائر الروايات، ومنهم من قال: بل كان هذا مرتين: مرة قبل الوحي لقوله في حديث شريك: ( ... قبل أن يوحى إليه)، ومرة بعد الوحي كما دلت عليه سائر الأحاديث، ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده، وكل هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع، والصواب الذي عليه أئمة النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة. ويا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارًا، كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسًا، ثم يقول: (أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي)، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرًا عشرًا؟ ! " (٤). ومن الأدلة على أن الإسراء كان يقظةً لا منامًا، وأنه كان بجسده وروحه (٥): ١ - ظاهر القرآن حيث قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا

стр. 497

مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]. وجه الدلالة: أن التسبيح إنما يكون عند الأمور العظيمة والآيات الباهرة، مما يدل على أن الإسراء كان في اليقظة، بالروح والجسد، ولو كان منامًا، أو بالروح فقط لم يكن فيه كبير أمر، ولم يكن مستعظمًا. ووجه آخر من الآية: وهو أنه تعالى قال: ﴿بِعَبْدِهِ﴾، والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح، فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلًا، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر. ٢ - ظاهر أحاديث الإسراء -كما تقدم- فإن سياقاتها تدل دلالة واضحة على أن الإسراء كان يقظة بالروح والجسد، ففيها ذكر الركوب والصعود في المعراج والصلاة وغير ذلك، ولذا قال البغوي: "الأكثرون على أنه أسري بجسده في اليقظة، وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك" (١). ٣ - مبادرة مشركي قريش إلى إنكار ذلك وتكذيبه، وارتداد بعض من ضعف إسلامه عن الإسلام، ولو كان منامًا لما أنكروه، لأنهم لا ينكرون أن يرى الرائي في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل؟ ! فدل هذا على أنه أخبرهم بأنه أسري به يقظة لا منامًا. قال الطبري عن القول: بأن الإسراء كان منامًا: "ذلك دفع لظاهر التنزيل، وما تتابعت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وجاءت به الآثار عن الأئمة من الصحابة والتابعين" (٢).

стр. 498

وقال الآجري: "من زعم أنه منام فقد أخطأ في قوله، وقصَّر في حق نبيه ﷺ ، ورد القرآن والسنة، وتعرض لعظيم" (١). وقال القرطبي: "الذي عليه معظم السلف والخلف، أنه أسري بجسده وحقيقته في اليقظة، إلى آخر ما انطوى عليه الإسراء، وعليه يدل ظاهر الكتاب، وصحيح الأخبار، ومبادرة قريش لإنكار ذلك وتكذيبه، ولو كان منامًا لما أنكروه، ولما افتتن به من افتتن، إذ كثيرًا ما يُرى في المنام أمور عجيبة، وأحوال هائلة، فلا يستبعد ذلك في النوم، وإنما يستبعد في اليقظة" (٢). ثالثًا: قوله: (فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ... ). أنكر بعضهم -كالقاضي عياض (٣) وغيره (٤) - وقوع شق الصدر ليلة الإسراء، وعدوا هذا من أغلاط شريك (٥)، وقالوا: إنما وقع ذلك وهو صغير، عندما كان مسترضعًا في بني سعد، كما في صحيح مسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني: ظِئْره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره (٦).

стр. 499

ولا ريب أن إنكارهم هذا غير صحيح، فشق الصدر ثابت ليلة الإسراء، وشريك لم يتفرد بهذا، بل وافقه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، والزهري عن أنس عن أبي ذر، كما تقدم. قال ابن رجب: "وشق صدره ﷺ ليلة المعراج، وغسله من طست من ذهب من ماء زمزم، ومَلؤه إيمانًا وحكمة مما تطابقت عليه أحاديث المعراج" (١). وعلى هذا يكون شق الصدر قد وقع مرتين: مرة في صغره، كما في حديث أنس المتقدم قريبًا، ومرة في ليلة الإسراء. قال القرطبي عند حديث أنس المتقدم -في شق صدر رسول الله ﷺ في صغره-: "هذا الشق هو خلاف الشق المذكور في حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة، بدليل اختلاف الزمانين، والمكانين، والحالين، أما الزمانان: فالأول: في صغره، والثاني: في كبره، وأما المكانان: فالأول: كان ببعض جهات مكة، عند مرضعته، والثاني: عند البيت، وأما الحالان: فالأول نُزع من قلبه ما كان يضره وغسل، وهو إشارة إلى عصمته، والثاني: غُسل وملئ حكمة وإيمانًا، وهو إشارة إلى التهيؤ إلى مشاهدته ما شاء الله أن يشهده. ولا يُلتفت إلى قول من قال: إن ذلك كان مرةً واحدةً في صغره، وأخذ يُغلِّط بعض الرواة الذين رووا أحد الخبرين، فإن الغلط به أليق، والوهم منه أقرب، فإن رواة الحديثين أئمةٌ مشاهير حفاظ، ولا إحالة في شيء مما ذكروه، ولا معارضة بينهما ولا تناقض، فصحَّ ما قلناه، وبهذا قال جماعة من العلماء" (٢).

стр. 500

رابعًا: قوله: (ثم أتي بطست من ذهب، فيه تور من ذهب، محشوًا إيمانًا وحكمةً، فحشا به صدره ولغاديده ... ) حيث ذكر التور، بينما الروايات الأخرى ليس فيها ذكر التور، وإنما فيها الاقتصار على ذكر الطست، ففي رواية قتادة عن أنس: (ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانًا فغسل قلبي ثم حشي). وفي رواية ابن شهاب عن أنس: (ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدري). قال الحافظ ابن حجر عند رواية شريك: "هذا يقتضي أنه غير الطست، وأنه كان داخل الطست ... فإن كانت هذه الزيادة محفوظة، احتمل أن يكون أحدهما فيه ماء زمزم، والآخر هو المحشو بالإيمان، واحتمل أن يكون التور ظرف الماء وغيره، والطست لما يُصب فيه عند الغسل، صيانة له عن التبدد في الأرض، وجريًا له على العادة في الطست وما يوضع فيه الماء" (١). وقد يُقال: إن ذكر التور ليس فيه مخالفة، وإنما هو من قبيل زيادة الثقة، والله أعلم. خامسًا: قوله: (فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: (ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عُنْصُرُهُمَا)، فهذا يخالف الثابت في غير روايته، من كون النيل والفرات في السماء السابعة، وأنهما من تحت سدرة المنتهى، كما في حديث مالك بن صعصعة، فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: (وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات)، وفي رواية للبخاري قال بعد ذكر سدرة المنتهى: (في أصلها أربعة أنهار ... ) (٢)، ولفظ مسلم: (يخرج من أصلها ... ).

стр. 501

قال ابن حجر عند رواية شريك: "ظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة، فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: (فإذا في أصلها أربعة أنهار)، ويجمع بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى، ومقرهما في السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض" (١). وقال نقلًا عن ابن دحية (٢): "الجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بالعنصر: عنصر امتيازهما في السماء الدنيا" (٣). وهذا الجواب فيه بعد، وما ذكره الحافظ ابن حجر يشكل عليه أنه جاء في رواية شريك قوله: (هذا النيل والفرات عُنْصُرُهُمَا) أي: أصلهما، والله أعلم. سادسًا: جاء في روايته ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور الثابت أنه في الجنة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (الكوثر نهر في الجنة) (٤). وعن أنس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ أن

стр. 502

النبي ﷺ قال: (هو نهر في الجنة) (١). قال ابن حجر عند رواية شريك: "هذا مما يُستشكل من رواية شريك، فإن الكوثر في الجنة، والجنة في السماء السابعة" ثم قال محاولًا الجمع بينها وبين سائر الروايات: "ويمكن أن يكون في هذا الموضع شيء محذوف تقديره: ثم مضى به في السماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر ... " (٢). والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن هذا من الأخطاء المعدودة على شريك. سابعًا: قوله: (كل سماء فيها أنبياء قد سمَّاهم، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله)، وهذا مخالف لسائر الروايات في تحديد أماكن الأنبياء، مما يدل على أن شريكًا لم يضبط أماكنهم، كما قد صرح هو بذلك. قال ابن رجب: "هذا كله إنما جاء من عدم ضبط منازلهم، كما صرح به في الحديث نفسه" (٣) ونحوه قال ابن حجر (٤). وقد وافق الزهري شريكًا في كون إبراهيم في السماء السادسة، فجاء في روايته: (قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات: آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة).

стр. 503

قال ابن رجب: "هذا -والله أعلم- مما لم يحفظه الزهري جيدًا" (١). وعلى هذا، فالصحيح في ترتيب أماكن الأنبياء ما جاء في رواية قتادة وثابت عن أنس ﵁: ففي الأولى آدم ﵇، وفي الثانية عيسى ويحيى ﵇، وفي الثالثة يوسف ﵇، وفي الرابعة إدريس ﵇، وفي الخامسة هارون ﵇، وفي السادسة موسى ﵇، وفي السابعة إبراهيم ﵇. قال ابن حجر: "الأكثر وافقوا قتادة، وسياقه يدل على رجحان روايته، فإنه ضبط اسم كل نبي والسماء التي هو فيها، ووافقه ثابت عن أنس وجماعة، فهو المعتمد" (٢). وقد ذهب البعض كابن كثير (٣) وغيره (٤) إلى ترجيح رواية الزهري وشريك في كون إبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، وأيدوا ذلك بقوله عند ذكر موسى: (وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله)، فقالوا: هذا التعليق يدل على أن شريكًا قد ضبط كون موسى في السابعة (٥). قال ابن حجر: "لكن المشهور في الروايات: أن الذي في السابعة هو إبراهيم، وأكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة بأنه كان مسندًا ظهره إلى البيت المعمور" (٦). وقال أيضًا: "الأرجح رواية الجماعة لقوله فيها: (أنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور)، وهو في السابعة بلا خلاف" (٧).

стр. 504

كما استدلوا بما حصل من المراجعة بين موسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام، فقالوا: إن ذلك يناسب كون موسى في السابعة (١). وقد أُجيب عن هذا: بأن المراجعة إنما وقعت من موسى ﵇ لأنه كان له أمة عظيمة، عالجهم أشد المعالجة، وكان عليهم في دينهم آصارٌ وأثقال، فلهذا تفرد بمخاطبة النبي ﷺ في ذلك دون إبراهيم ﵇ (٢). وقد حاول ابن حجر الجمع بين الروايات فقال: "إن موسى كان في حالة العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة، على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة ... ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة فأُصعد معه إلى السابعة، تفضيلًا له على غيره من أجل كلام الله تعالى" (٣). وبنحو هذا الجمع قال النووي (٤)، وهو جمع محتمل لكنه يفتقر إلى دليل، والله أعلم. ثامنًا: قوله بعد ذكر السماء السابعة: (ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى). قال ابن حجر: "كذا وقع في رواية شريك، وهو مما خالف فيه غيره، فإن الجمهور على أن سدرة المنتهى في السابعة (٥)، وعند بعضهم في السادسة (٦) " (٧).

стр. 505

ثم قال محاولًا الجمع: "لعل في السياق تقديمًا وتأخيرًا، وكان ذكر سدرة المنتهى قبل، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله ... ويحتمل أن يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلو البالغ لسدرة المنتهى: صفة أعلاها، وما تقدم صفة أصلها" (١). تاسعًا: قوله: (ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى). استنكرت هذه اللفظة على شريك، إذ لم يذكرها غيره ممن روى الحديث، حتى قال الخطابي: "ليس في هذا الكتاب حديث أشنع ظاهرًا وأبشع مذاقًا من هذا الحديث"، ثم قال معللًا ذلك: "إن هذا يوجب تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي يعلو من فوق إلى أسفل"، وقال: "حاصل الأمر في التدلي وإطلاق اللفظ به على الوجه الذي تضمنه الخبر: أنه رأي: إما أنس بن مالك، وإما رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ، إذا رواها من حيث لا يتابعه عليها سائر الرواة، وأيهما صح هذا القول عنه وأضيف إليه، فقد خالفه فيه عامة السلف المتقدمين والعلماء، وأهل التفسير منهم ومن المتأخرين ... ولم يثبت في شيء مما رُوي عن السلف أن التدلي مضاف إلى الله سبحانه، جل ربنا عن صفات المخلوقين، ونعوت المربوبين المحدودين، وقد رُوي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك بن عبد الله، فلم تذكر فيه هذه الألفاظ البشعة، فكان ذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من قبل شريك، والله أعلم" (٢).

стр. 506

وممن استنكر هذه اللفظة أيضًا ابن حزم (١) وهو ظاهر كلام ابن رجب، فإنه لما ذكر هذا الجزء من الحديث قال: "قد تفرد شريك بهذه الألفاظ في هذا الحديث، وهي مما أنكرت عليه فيه" (٢). ويلاحظ أن منطلق الخطابي في استنكار هذه اللفظة: اعتقاده أن فيها تشبيهًا للخالق بالمخلوق، ولا ريب أن هذا منطلق فاسد، لا يجوز أن ترد بمثله الأحاديث الصحيحة، فإن هذا شأن أهل التعطيل الذين يردون النصوص الثابتة أو يؤولونها لمجرد توهم التشبيه. والحق الذي لا يجوز العدول عنه: ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات ما تضمنته النصوص الصحيحة من الصفات لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تأويل. وقد ذهب بعض السلف إلى القول: بما تضمنه هذا الحديث من إثبات صفة الدنو والتدلي لله تعالى، وممن ذهب إلى هذا ابن خزيمة (٣) وابن القيم وابن أبي العز (٤) ومحمد خليل هراس (٥): قال ابن القيم: "فأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتدليه" (٦). وأما ابن كثير فقد أثبت ذلك في كتابه الفصول، حيث قال: "ودنا الجبار، رب العزة فتدلى، كما يشاء على ما ورد في الحديث" (٧). وأما في كتابه البداية والنهاية فقد جوَّز أن يكون ذلك من فهم الراوي، فقال: "فأما قول شريك عن أنس في حديث الإسراء: (ثم دنا

стр. 507

الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى)، فقد يكون من فهم الراوي، فأقحمه في الحديث، والله أعلم" (١). وجدير بالتنبيه هنا أن هؤلاء -عدا ابن خزيمة- يقولون: إن الدنو والتدلي المذكور في قصة الإسراء هو غير الدنو والتدلي الوارد في سورة النجم، فإن المراد به في سورة النجم جبريل ﵇. قال ابن القيم: "وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٨]، فهو غير الدنو والتدلي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه، كما قالت عائشة (٢) وابن مسعود (٣)، والسياق يدل عليه، فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٥]، وهو جبريل ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٦ - ٨]، فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلِّم الشديد القوى، وهو ذو المرَّة، أي: القوة، وهو الذي استوى بالأفق الأعلى، وهو الذي دنى فتدلى، فكان من محمد ﷺ قدر قوسين أو أدنى، فأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتدليه، ولا تَعَرُّض في سورة النجم لذلك، بل فيها أنه رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمد على صورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، والله أعلم" (٤). وقال ابن كثير بعد ذكره لآية النجم: "الصحيح من قول المفسرين، بل المقطوع به: أن المتدلي في هذه الآية هو جبريل ﵇، كما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة ﵂: أنها سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (ذاك جبريل) (٥)، فقد قطع هذا الحديث النزاع، وأزاح الإشكال" (٦).

стр. 508

ولا ريب في اتصاف الله تعالى بصفة الدنو الذي هو بمعنى: القرب، فإن هذه الصفة ثابتة لله تعالى في غير هذا الحديث، كما في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ) (١). وعلى إثبات هذه الصفة لله تعالى معتقد أهل السنة والجماعة. قال ابن تيمية: "وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر" (٢). وأما ما يتعلق بصفة التدلي فليس فيها -فيما وقفت عليه بعد البحث- إلا رواية شريك هذه، ولذا فإني أتوقف فيها، لا سيما وقد روى هذا الحديث أئمة أثبات، هم أوثق من شريك وأحفظ، كقتادة وثابت والزهري، ولم يذكروا هذه اللفظة فيه، مع أن إثباتها يدل على عظيم المنزلة ورفعة الدرجة للنبي ﷺ عند ربه، فالظن أنهم لا يغفلونها وهي بهذه المنزلة، بل سيكونون على نقلها وإثباتها أشد حرصًا، خاصة وأنهم نقلوا تفاصيل وقعت في الإسراء هي أقل شأنًا منها، والله أعلم. عاشرًا: قوله: (فعلا به إلى الجبار فقال، وهو مكانه: يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا). قال الخطابي: "وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرد بها شريك لم يذكرها غيره، وهي: قوله: (فقال وهو مكانه)، والمكان لا يضاف إلى الله

стр. 509

سبحانه، إنما هو مكان النبي ﷺ ، ومقامه الأول الذي أُقيم فيه" (١). والحق أنه لا وجه لاستشكال هذه اللفظة، لأن الضمير في قوله: (وهو مكانه) عائد إلى النبي ﷺ ، أي: وهو في مكانه الذي أوحى الله إليه فيه قبل نزوله إلى موسى ﵇ (٢) وما ذكره الخطابي ليس في السياق ما يدل عليه. قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على كلام الخطابي: "وهذا الأخير متعين، وليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى" (٣). وأما قول الخطابي: "والمكان لا يضاف إلى الله سبحانه" فهذا الإطلاق فيه نظر، لأن إجماع السلف منعقد على ما دلَّ عليه الكتاب والسنة من أن الله تعالى على عرشه فوق سماواته، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، لكن لفظ المكان يتوقف في إطلاقه على الله تعالى لعدم ورود النص به (٤). قال الشيخ عبد الله الغنيمان تعليقًا على قول الخطابي في الإشكال المتقدم: "إن هذا يوجب تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما" قال: "مفهوم هذا القول من الخطابي: أنه لا تمييز بين مكان الخالق والمخلوق، ولا مسافة، ولا تحديد، وهذا لا يعدو أمرين لا ثالث لهما: إما أن يكون الرب تعالى حالًا في الخلق، ومداخلًا لهم، فهو في كل

стр. 510

مكان، لا يختص به مكان دون آخر، حتى أجواف الحيوانات والناس والأمكنة الخبيثة، وهذا مذهب الحلولية الذين هم من أضل خلق الله، وأبعدهم عن معرفة الله، والتمييز بينه وبين خلقه، وهذا غاية الكفر ومنتهاه. الثاني: أنه لا مكان لله أصلًا، ومن ليس له مكان -بمعنى: أنه ليس في جهة- فهو عدم لا وجود له، والعدم هو إله المعطلة والملاحدة" (١). الحادي عشر: قوله: (فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات)، ففي هذه الرواية أن التخفيف للصلوات أثناء المراجعة كان عشرًا عشرًا، وقد عدَّ الحافظ ابن حجر هذا من مخالفات شريك، لأن مقتضى رواية ثابت عن أنس أن التخفيف كان خمسًا خمسًا (٢). والحق أن شريكًا لم يتفرد بهذا، فقد تابعه عليه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، كما تقدم. وقد رجح ابن الجوزي هذه الرواية، أي: كون التخفيف عشرًا عشرًا لاتفاق البخاري ومسلم عليها من حديث أنس عن مالك بن صعصعة، ومن حديث أنس نفسه، بخلاف رواية التخفيف خمسًا خمسًا فإنها من أفراد مسلم، وقال عنها: إنها غلط من الراوي، وتابعه على هذا السفاريني (٣). أما ابن حجر فقد رجح رواية ثابت البناني في كون التخفيف كان

стр. 511

خمسًا خمسًا، فقال: "وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة معتمدة، يتعين حمل باقي الروايات عليها" (١)، وبناءً على هذا، فهو يرى أن عدد مرات المراجعة كانت تسعًا (٢). ولكن يشكل على هذا الترجيح أن كون التخفيف خمسًا خمسًا لا يصح جعله زيادة، لأن التخفيف جاء ذكره في باقي الروايات، لكن ليس على هذه الصفة، فالحق أن هذا يعتبر مخالفة لا زيادة، لأنه لا يمكن القول: بكلا الروايتين، فإحداهما تخالف الأخرى، وليسن لزيادة عدد مرات المراجعة أثر في جعل هذه الرواية زيادة يجب قبولها، لكونها أكثر تفصيلًا لأن قبولها يعني: طرح رواية العشر، مع أنها متفق على صحتها. ومما قد يرجح رواية العشر: أنها استوعبت ذكر مرات المراجعة كلها، مما يدل على أن الراوي قد ضبط روايته، وإليك نص هذه الرواية: قال ﷺ : (ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بمَ أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم). وهذا بخلاف رواية الخمس فإنه لم يُذكر فيها من مرات المراجعة إلا واحدةً، ثم اختصر الباقي بقوله: (فلم أزل أرجع بين ربي ﵎

стр. 512

وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة). الثاني عشر: قوله: (فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل -قومي- على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي ﷺ إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: (يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا))، ففي هذه الرواية: رجوع النبي ﷺ بعد استقرار الفرض على خمس صلوات، لطلب التخفيف، وهو مما انفرد به شريك، لأن المحفوظ -كما في الروايات الأخرى- أن النبي ﷺ امتنع عن الرجوع، وقال لموسى ﵇ عندما حثه على الرجوع بعد الخمس: (قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه). ولذا فقد أنكر الداودي هذا الرجوع فقال: "هذا الرجوع الأخير ليس بثابت، والذي في الروايات أن قال: (استحييت من ربي) " (١). وقال قوَّام السنة الأصبهاني: "الصحيح أنه لم يرجع بعد ذلك" (٢). الخلاصة: أن حديث أنس ﵁ في الإسراء جاء من أربعة طرق: ١ - طريق قتادة. ٢ - وطريق ثابت البناني. ٣ - وطريق الزهري. ٤ - وطريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر.

стр. 513

وقد انتقد أهل العلم طريق شريك، لاشتماله على عدد من الإشكالات والمخالفات، والتي ليست عند غيره ممن روى الحديث عن أنس ﵁. وقد تتبع الحافظ ابن حجر هذه الإشكالات، وحاول الإجابة على أغلبها، ثم قال بعد ذلك: "فهذه أكثر من عشرة مواضع في هذا الحديث، لم أرها مجموعة في كلام أحد ممن تقدم، وقد بينت في كل واحد إشكال من استشكله، والجواب عنه إن أمكن" (١). ويمكن تقسيم هذه الإشكالات -بناءً على ما تقدم- إلى قسمين: القسم الأول: ما لم يتفرد به شريك، أو تفرد به، لكنه ليس بمشكل أصلًا: فالأول: كحادثة شق الصدر، حيث وافقه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، والزهري عن أنس عن أبي ذر، وليس في هذه الحادثة ما يُستشكل، وقد أبعد من عدَّها مخالفة. وكذا ما جاء في روايته من أن تخفيف الصلوات كان عشرًا عشرًا، حيث وافقه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، وحديثه في الصحيحين، بخلاف رواية الخمس فإنها من أفراد مسلم، وتقدم أن الأظهر ما جاء في رواية قتادة وشريك، والله أعلم. وأما الثاني: وهو ما تفرد به شريك، وليس فيه ما يُستشكل: فهو قوله: (فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه ... )، فقوله: (وهو مكانه) ليس فيها ما يُشكل، لأن الضمير فيه عائد إلى النبي ﷺ ، وهذا ظاهر. القسم الثاني: ما تفرد به شريك وهو مشكل فعلًا، بحيث لا يمكن القول بموجبه، لأنه خطأ ظاهر، كمخالفته غيرَه في أماكن الأنبياء، ورجوع النبي ﷺ إلى ربه بعد أن استقر الفرض على خمس صلوات لطلب التخفيف، لأن المحفوظ في سائر الروايات أنه امتنع عن الرجوع حياءً من

стр. 514

ربه، وكذا ما ورد في روايته من أن نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمحفوظ أنه في الجنة ... وأغلب هذه الإشكالات قد أُجيب عنها، بمحاولة الجمع بينها وبين الروايات الأخرى، إلا أن في بعض هذه الإجابات بُعْدٌ واضح، لا يستقيم مع ظاهر الحديث. وهذا يؤكد ما قاله الحافظ ابن حجر -ملخصًا القول في رواية شريك-: "في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة" (١). وقال الألباني: "القلب لا يطمئن للاستفادة من حديثه، إلا فيما توبع عليه، وهو قليل جدًا، وقد حسَّن الحافظ بعضها، والله أعلم" (٢). * * *

стр. 515

المبحث السادس: لطم موسى ﵇ لملك الموت وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 516

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال جاء هذا الحديث عن أبي هريرة -في الصحيحين- من طريقين: الأول: طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعًا، ولفظه: حدثنا أبو هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : (جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال له: أجب ربك، قال: فلطم (١) موسى ﵇ عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياةَ تريد، فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن (٢) ثور فما توارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه (٣)؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، ربِّ أمتني من الأرض المقدسة رميةً بحجر) (٤)، قال رسول الله ﷺ : (والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق (٥) عند الكثيب (٦)

стр. 517

الأحمر)، متفق عليه (١). والثاني: طريق طاوس عن أبي هريرة موقوفًا، ولفظه: عن أبي هريرة ﵁ قال: أُرسِل ملك الموت إلى موسى ﵇، فلما جاءه صكَّهُ (٢)، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله عليه عينه وقال: ارجع فقل له: يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رميةً بحجر. قال: قال رسول الله ﷺ : (فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر)، متفق عليه (٣). بيان وجه الإشكال استشكل هذا الحديث من حيث إن موسى ﵇ قد لطم ملك الموت، إذ كيف يجوز أن يفعل نبي الله هذا الصنيع بملَكٍ من ملائكة الله، جاءه بأمر من أمره، فيستعصي عليه ولا يأتمر له؟ ! ثم كيف يخالف الملَك أمر ربه فيعود إليه دون أن ينفذ أمره بقبض روح موسى ﵇؟ ! وقد عنون ابن حبان لهذا الحديث بقوله: "ذكر خبر شَنَّع به على منتحلي سنن المصطفى ﷺ مَن حُرم التوفيق لإدراك معناه" (٤).

стр. 518

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في هذا الحديث على عدة أقوال: القول الأول: أن ملك الموت قد أتى موسى ﵇ في صورة بشرية، ولم يعرفه موسى ﵇، فلطمه، لأنه رآه آدميًا قد دخل داره بغير إذنه يريد نفسه، فدافع موسى ﵇ عن نفسه مدافعة أدَّت إلى فقء عين ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذنه. وقالوا: إن مجيء الملك على صورة البشر، وعدم معرفة موسى له: له نظائر، فقد جاءت الملائكة إلى غير واحد من الأنبياء على صورة البشر، دون أن يعرفوا أنهم ملائكة، كما جاءت إلى إبراهيم وإلى لوط وإلى نبينا محمد عليهم الصلاة والسلام. وإلى هذا ذهب ابن خزيمة (١)، وابن حبان، والخطابي (٢)، والبغوي (٣)، والمازري (٤)، والقاضي عياض (٥)، وابن الجوزي (٦)، وابن

стр. 519

كثير (١)، وابن الوزير (٢)، والقسطلاني (٣)، والمعلمي (٤)، واستحسنه القرطبي (٥). قال ابن حبان: "كان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى ﵇ عليها، وكان موسى غيورًا، فرأى في داره رجلًا لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي يتصور بها، لا الصورة التي خلقه الله عليها ... ولمَّا كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل دارَه بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته بغير أمره، من غير جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه، للأخبار الجمة الواردة فيه ... كان جائزًا اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمَّن فقأ عين الداخل دارَه بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحًا له، ولا حرج عليه في فعله، فلما رجع ملك الموت إلى ربه، وأخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيًا بأمر آخر، أمر اختبار وابتلاء ... فلما علم موسى كليم الله صلى الله على نبينا وعليه أنه ملك الموت، وأنه جاءه بالرسالة من عند الله، طابت نفسه بالموت، ولم يستمهل، وقال: الآن. فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به" (٦).

стр. 520

وقال المازري: فإن قيل: "فقد رجع إليه ثانية واستسلم موسى إليه، فدلَّ على معرفته به، قلنا: قد يكون أتاه في الثانية بآية وعلامة علم بها أنه ملك الموت، وأنه من قِبَل الله ، فاستسلم لأمر الله، ولم يأته أولًا بآية يعرفه بها، فكان منه ما كان" (١). القول الثاني: أن ملك الموت قد تصوَّر لموسى ﵇ بصورة بشر -وهي صورة تمثيل وتخييل- وقد لطمه موسى وأذهب عينه التي هي تمثيل وتخييل، لا حقيقة، ثم أعاده الله إلى خلقته الحقيقية، وهذا معنى قوله: (فرد الله عليه عينه). وإلى هذا ذهب ابن قتيبة وغيره (٢). قال ابن قتيبة: "قد جعل الله سبحانه للملائكة من الاستطاعة أن تتمثل في صور مختلفة، وأتى رسولَ الله ﷺ جبريلُ ﵇ في صورة دحية الكلبي، وفي صورة أعرابي، ورآه مرة قد سد بجناحيه ما بين الأفقين.: وليس ما تنتقل إليه من هذه الأمثلة على الحقائق، إنما هي تمثيل وتخييل، لتلحقها بالأبصار، وحقائق خلقها أنها أرواح لطيفة ... ولما مَثَلَ ملك الموت لموسى ﵇ -وهذا ملك الله، وهذا نبي الله- وجاذبه، لطمه موسى لطمةً أذهبت العين التي هي تمثيل وتخييل، وليست حقيقة، وعاد ملك الموت ﵇ إلى حقيقة خلقته الروحانية كما كان، لم ينتقص منه شيء" (٣). القول الثالث: أن موسى ﵇ قد أُذن له بهذا الفعل -اللطمة- ابتلاءً وامتحانًا لملك الموت.

стр. 521

جوَّز هذا ابن فورك (١)، وابن عقيل (٢)، والنووي (٣)، واستحسنه المازري (٤). قال ابن عقيل: "يجوز أن يكون قد أُذن له في ذلك الفعل، وابتلي ملك الموت بالصبر عليه، كقصة الخضر مع موسى" (٥)، حيث أُمر بالصبر على ما يصنع الخضر. القول الرابع: أن هذا على طريق التوسع والتجوّز في الكلام، والمراد به: أن موسى ﵇ ناظره فغلبه في الحجة، فقوله: (فقأ عينه) أي: أبطل حجته. ذكر هذا ابن فورك ومال إليه (٦). القول الخامس: أن موسى لطم ملك الموت وهو يعرفه، وفعل ذلك لأن ملك الموت جاء لقبض روحه من قبل أن يخيره، وكان من علم موسى أن الأنبياء لا تُقبض حتى تُخيَّر. وإلى هذا ذهب القرطبي، حيث قال: "قد أظهر لي ذو الطَوْل

стр. 522

والإفضال وجهًا حسنًا يحسم مادة الإشكال، وهو أن موسى عرف ملك الموت، وأنه جاء لقبض روحه، لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أُمر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نصَّ عليه نبينا ﷺ من أن الله تعالى (لا يقبض روح نبيٍّ حتى يخيره) (١)، فلما جاءه على غير الوجه الذي أُعلم به، بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدب ملك الموت، فلطمه فانفقأت عينه، امتحانًا لملك الموت، إذ لم يُصرِّح له بالتخيير، ومما يدل على صحة هذا: أنه لما رجع إليه ملك الموت، فخيَّره بين الحياة والموت، اختار الموت واستسلم" (٢). * * *

стр. 523

المطلب الثالث: الترجيح الذي يجب في مثل هذه النصوص الصحيحة: الإيمان بها كما جاءت، وعدم ردها أو تأويلها بما يخرجها عن ظاهرها، لمجرد استشكالها، فمن ظهر له المعنى فذاك، وإلا فليتهم عقله وفهمه. وقد سُئل أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه عن هذا الحديث في جملة من أحاديث الصفات فقال أحمد: "كل هذا صحيح" وقال إسحاق: "هذا صحيح ولا يدفعه إلا مبتدع، أو ضعيف الرأي" (١). وقال الحافظ عبد الغني المقدسي (٢): "ونؤمن بأن ملك الموت أُرسل إلى موسى ﵇ فصكَّه ففقأ عينه، كما صح عن رسول الله ﷺ ، لا ينكره إلا ضال مبتدع، راد على الله ورسوله" (٣). وأقرب الأقوال مما تقدم -والله تعالى أعلم بالصواب- القول الأول، وهو: أن موسى حينما لطم ملك الموت ففقأ عينه، لم يكن يعرف أنه ملك

стр. 524

الموت، وإنما ظنه شخصًا معتديًا، وقد دخل داره بغير إذنه "وقد عُرف من خُلق موسى وخَلقه: الشدة، والأخذ بالأقوى، فقد دفع القبطي عن الإسرائيلي، فوكزه فقضى عليه، ولما رأى عبادة قومه للعجل في غيابه أخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه، وأخوه يسترحمه بقوله: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [طه: ٩٤]، وألقى الألواح حتى انكسرت" (١)، وهكذا هنا حينما لطم وجه ملك الموت لظنه شخصًا معتديًا، ولما عرف في المرة الثانية أنه ملك الموت، سلَّم الأمر لله، وطلب قربه من الأرض المقدسة. ومما يؤيد هذا ما يلي: ١ - سياق الحديث، فإنه يدل على أن موسى ﵇ حين لطم ملك الموت لم يكن يعرفه، وذلك أنه لما جاءه في المرة الثانية وعرف أنه رسول من عند الله لم يصنع به ما صنع في المرة الأولى، بل سلَّم الأمر واختار الموت، ولو كان قد عرفه في المرة الأولى لصنع به في المرة الثانية ما صنع في الأولى. ولهذا يقول ابن حبان: "لو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به" (٢). ٢ - وأما كون الملائكة يتمثلون بصور مختلفة، مما أقدرهم الله عليها، كصور الرجال مثلًا، فيراهم بعض الأنبياء فلا يعرفونهم، بل يظنونهم من بني آدم: هذا مما ثبت في الكتاب والسنة، كما في قصة إبراهيم ﵇ مع أضيافه، فإنه لم يعرفهم ابتداءً، حتى إنه أوجس منهم خيفة. ومثله لوط ﵇، فإنه لو عرف الملائكة حين أتوه في صورة آدميين لما خاف عليهم من قومه.

стр. 525

وقد قال تعالى عن مريم: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ [مريم: ١٧، ١٨]. وفي السنة ما يدل على هذا أيضًا، كما في حديث جبريل المشهور حين أتى إلى النبي ﷺ في صورة رجل، فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان (١)، فإن النبي ﷺ لم يعرفه في أول الأمر. ٣ - أنه قد جاء في شريعتنا جواز فقء عين الناظر دارًا بغير إذن صاحبها، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه) (٢)، فما المانع أن يكون ذلك كذلك في شريعة موسى ﵇ فمن المعلوم أن الشرائع تتفق في بعض الأحكام (٣) - لا سيما وأن موسى ﵇ لم يُلَم على هذا الفعل، مع أن الأنبياء لا يُقَرُّون على خطأ (٤)، وقد ردَّ الله تعالى لملك الموت عينه؟ . قال ابن حجر: "وقيل: على ظاهره، ورد الله إلى ملك الموت عينه البشرية، ليرجع إلى موسى على كمال الصورة فيكون ذلك أقوى في اعتباره، وهذا هو المعتمد" (٥). وقال الخطابي -مقررًا هذا القول-: "لما دنا حينُ وفاته -وهو بشر يكره الموت طبعًا ويجد ألمه حسًا- لطُفَ له -أي الله- بأن لم يفاجئه

стр. 526

بغتة، ولم يَأمر الملك الموكل به أن يأخذه قهرًا وقسرًا، لكن أرسله إليه منذرًا بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر ... فلما نظر نبي الله موسى ﵇ إلى صورة بشرية هجمت عليه من غير إذن، يريد نفسه ويقصد هلاكه، وهو لا يُثبته معرفةً، ولا يستيقن أنه ملك الموت ورسول رب العالمين فيما يُراوده منه، عَمَدَ إلى دفعه عن نفسه بيده وبطشه، فكان ذلك ذهاب عينه، وقد امتُحن غير واحد من الأنبياء صلوات الله عليهم بدخول الملائكة عليهم في صورة البشر، كدخول الملكين على داود في صورة الخصمين لما أراد الله من تعريفه إياه بذنبه، وتنبيهه على ما لم يرضه من فعله، وكدخولهم على إبراهيم ﵇ حين أرادوا إهلاك قوم لوط فقال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] وقال: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]، وكان نبينا ﷺ أول ما بُدئ بالوحي يأتيه الملك فيلتبس عليه أمره، ولما جاءه جبريل ﵇ في صورة رجل فسأله عن الإيمان لم يُثْبتْه، فلما انصرف عنه تبيَّن أمره فقال: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم) (١)، فكذلك كان أمر موسى ﵇ فيما جرى من مُناوشته ملك الموت، وهو يراه بشرًا، فلما عاد الملك إلى ربه مستثْبتًا أمره فيما جرى عليه، ردَّ الله عليه عينه، وأعاده رسولًا إليه بالقول المذكور في الخبر، ليعلم نبي الله ﷺ إذا رأى صحة عينه المفقوءة وعودة بصره الذاهب أنه رسول الله بعثه لقبض روحه، فاستسلم حينئذٍ لأمره وطاب نفسًا بقضائه، وكل ذلك رفق من الله به، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بدٌّ من لقائه والانقياد لمورد قضائه" (٢). فإن قيل: إذا كان أجل موسى ﵇ قد حضر، فكيف تأخر مدة هذه المراجعة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا

стр. 527

يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]؟ وإن كان لم يحضر، فكيف جاء الملك لقبض روحه؟ (١). فالجواب: أن أجل موسى لم يكن قد حضر، فلم يُبعث إليه ملك الموت في المرة الأولى لكي يقبض روحه، وإنما بُعث إليه اختبارًا وابتلاءً، وليس أمرًا يريد الله إمضاءه، وإنما هو كأمره خليله إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ابتلاءً وامتحانًا، فإنه لم يُرد إمضاء الفعل، ولهذا لما عزم إبراهيم ﵇ على ذبح ابنه، وتلَّه للجبين، فداه الله بالذبح العظيم. ولو أراد الله تعالى قبض روح موسى حين لطم ملك الموت لكان ما أراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]. وبهذا أجاب ابن خزيمة (٢) وابن حبان (٣) والخطابي (٤) والبغوي (٥) وابن الجوزي (٦) واستحسنه العراقي (٧). وخلاصة الجواب: أن أجل موسى قد كان قرب حضوره، ولم يبق منه إلا مقدار ما دار بينه وبين ملك الموت من المراجعتين، فأُمر بقبض روحه أولًا، مع سبق علم الله أن ذلك لا يقع إلا بعد المراجعة، والله أعلم (٨).

стр. 528

مناقشة الأقوال المرجوحة: أما القول الثاني وهو: أن العين التي فقأها موسى ﵇، إنما هي تمثيل وتخييل، لا عينًا حقيقة، لأن ما تنتقل الملائكة إليه من الصور ليس على الحقائق، وإنما هو تمثيل وتخييل، فالجواب عنه: أن هذا يقتضي أن كل صورة رآها الأنبياء من الملائكة فإنما هي مجرد تمثيل وتخييل لا حقيقة لها، وهذا باطل، فإن النبي ﷺ قد رأى جبريل ﵇ على صورته التي خلق عليها، سادًا عِظَمُ خَلْقِه ما بين السماء إلى الأرض، ففي الصحيحين من حديث عائشة، أنها سألته عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]، فقال: (إنما هو جبريل لم أرَه على صورته التي خُلِق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًا عِظَمُ خَلْقِه ما بين السماء إلى الأرض) (١). ولهذا قال القرطبي: هذا القول لا يُلتفت إليه لظهور فساده، فإنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له، وهو قول باطل بالنصوص المنقولة والأدلة المعقولة (٢). ثم إن هذا القول -أيضًا- لم يُزل الإشكال، لأنه يمكن أن يُقال: إذا كان قد علم أنه ملك، وأن ذلك تخييل، فلماذا يلطمه، ويقابله بهذه المقابلة؟ ! هذا مما لا يليق بالنبي (٣). وأما القول الثالث وهو: أن موسى قد أُذن له بهذا الفعل، ابتلاءً وامتحانًا لملك الموت، فالجواب عنه، أن يُقال: إن كان المراد بالإذن هنا: الإذن الكوني القدري، فهو صحيح، لكن ليس هذا جوابًا، لأن كل شيء يقع فهو بإذن الله تعالى الكوني القدري.

стр. 529

وإن كان المراد: الإذن الشرعي -وهو الأقرب- فهو محتمل لكنه يحتاج إلى دليل، والله أعلم. وقد قال القرطبي عن هذا القول: "هذا ليس بجواب، فإنه إنما وقع الإشكال في صدور سبب هذا الامتحان من موسى، وكيف يجوز وقوع مثل هذا؟ " (١). وأما القول الرابع وهو: أن المراد بالحديث: أن موسى ﵇ ناظر ملك الموت فغلبه بالحجة، فقول باطل، لأنه مخالف لظاهر الحديث وما يقتضيه سياقه. قال قِوَام السنة الأصبهاني: "هذا الحديث: حكم أهل الحفظ بصحته، وحمله أهل السنة على ظاهره، وأن ذلك الفعل كان من موسى ﵇، على الحقيقة"، إلى أن قال: "وقول من قال: معنى اللطمة: إلزام الحجة، غلط، لأن في الخبر أنه عرج إلى ربه فرد عليه عينه، ولا يكون هذا إلا في عين حقيقة، لأن التي ليست بحقيقة لا تحتاج إلى ردها. وقوله: اللطمة: إلزام الحجة: لو كانت اللطمة إلزام الحجة لم يعد إلى قبض روحه، لأن الحجة قد لزمته في ترك قبض روحه" (٢). وقال ابن حجر عن هذا القول: "هو مردود بقوله في نفس الحديث: (فرد الله عينه)، وبقوله: (لطمه) و (صكه) وغير ذلك من قرائن السياق" (٣). وأما القول الخامس وهو: أن موسى قد لطم ملك الموت وهو يعرفه، لأنه لم يُخيِّره، ففيه نظر من وجهين: الأول: أنه من المستبعد جدًا أن يصدر هذا الفعل من كليم الرحمن

стр. 530

تجاه ملك الموت -الذي هو رسول رب العالمين- وهو يعرفه، فإن هذا مما يُنزه عنه الأنبياء. الثاني: أن هذا الجواب ليس فيه حسم لمادة الإشكال، لأن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، فلماذا خالف ملك الموت أمر الله هنا، فلم يُخيِّر موسى ﵇؟ ! . ولهذا قال ابن حجر عن هذا الجواب: "فيه نظر، لأنه يعود أصل السؤال، فيقال: لِمَ أقدم ملك الموت على قبض نبي الله وأخل بالشرط؟ ! " (١). * * *
следующие страницы →