← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بغتة، ولم يَأمر الملك الموكل به أن يأخذه قهرًا وقسرًا، لكن أرسله إليه منذرًا بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر ... فلما نظر نبي الله موسى ﵇ إلى صورة بشرية هجمت عليه من غير إذن، يريد نفسه ويقصد هلاكه، وهو لا يُثبته معرفةً، ولا يستيقن أنه ملك الموت ورسول رب العالمين فيما يُراوده منه، عَمَدَ إلى دفعه عن نفسه بيده وبطشه، فكان ذلك ذهاب عينه، وقد امتُحن غير واحد من الأنبياء صلوات الله عليهم بدخول الملائكة عليهم في صورة البشر، كدخول الملكين على داود في صورة الخصمين لما أراد الله من تعريفه إياه بذنبه، وتنبيهه على ما لم يرضه من فعله، وكدخولهم على إبراهيم ﵇ حين أرادوا إهلاك قوم لوط فقال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] وقال: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]، وكان نبينا ﷺ أول ما بُدئ بالوحي يأتيه الملك فيلتبس عليه أمره، ولما جاءه جبريل ﵇ في صورة رجل فسأله عن الإيمان لم يُثْبتْه، فلما انصرف عنه تبيَّن أمره فقال: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم) (١)، فكذلك كان أمر موسى ﵇ فيما جرى من مُناوشته ملك الموت، وهو يراه بشرًا، فلما عاد الملك إلى ربه مستثْبتًا أمره فيما جرى عليه، ردَّ الله عليه عينه، وأعاده رسولًا إليه بالقول المذكور في الخبر، ليعلم نبي الله ﷺ إذا رأى صحة عينه المفقوءة وعودة بصره الذاهب أنه رسول الله بعثه لقبض روحه، فاستسلم حينئذٍ لأمره وطاب نفسًا بقضائه، وكل ذلك رفق من الله به، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بدٌّ من لقائه والانقياد لمورد قضائه" (٢). فإن قيل: إذا كان أجل موسى ﵇ قد حضر، فكيف تأخر مدة هذه المراجعة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا

стр. 527

يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]؟ وإن كان لم يحضر، فكيف جاء الملك لقبض روحه؟ (١). فالجواب: أن أجل موسى لم يكن قد حضر، فلم يُبعث إليه ملك الموت في المرة الأولى لكي يقبض روحه، وإنما بُعث إليه اختبارًا وابتلاءً، وليس أمرًا يريد الله إمضاءه، وإنما هو كأمره خليله إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ابتلاءً وامتحانًا، فإنه لم يُرد إمضاء الفعل، ولهذا لما عزم إبراهيم ﵇ على ذبح ابنه، وتلَّه للجبين، فداه الله بالذبح العظيم. ولو أراد الله تعالى قبض روح موسى حين لطم ملك الموت لكان ما أراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]. وبهذا أجاب ابن خزيمة (٢) وابن حبان (٣) والخطابي (٤) والبغوي (٥) وابن الجوزي (٦) واستحسنه العراقي (٧). وخلاصة الجواب: أن أجل موسى قد كان قرب حضوره، ولم يبق منه إلا مقدار ما دار بينه وبين ملك الموت من المراجعتين، فأُمر بقبض روحه أولًا، مع سبق علم الله أن ذلك لا يقع إلا بعد المراجعة، والله أعلم (٨).

стр. 528

مناقشة الأقوال المرجوحة: أما القول الثاني وهو: أن العين التي فقأها موسى ﵇، إنما هي تمثيل وتخييل، لا عينًا حقيقة، لأن ما تنتقل الملائكة إليه من الصور ليس على الحقائق، وإنما هو تمثيل وتخييل، فالجواب عنه: أن هذا يقتضي أن كل صورة رآها الأنبياء من الملائكة فإنما هي مجرد تمثيل وتخييل لا حقيقة لها، وهذا باطل، فإن النبي ﷺ قد رأى جبريل ﵇ على صورته التي خلق عليها، سادًا عِظَمُ خَلْقِه ما بين السماء إلى الأرض، ففي الصحيحين من حديث عائشة، أنها سألته عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]، فقال: (إنما هو جبريل لم أرَه على صورته التي خُلِق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًا عِظَمُ خَلْقِه ما بين السماء إلى الأرض) (١). ولهذا قال القرطبي: هذا القول لا يُلتفت إليه لظهور فساده، فإنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له، وهو قول باطل بالنصوص المنقولة والأدلة المعقولة (٢). ثم إن هذا القول -أيضًا- لم يُزل الإشكال، لأنه يمكن أن يُقال: إذا كان قد علم أنه ملك، وأن ذلك تخييل، فلماذا يلطمه، ويقابله بهذه المقابلة؟ ! هذا مما لا يليق بالنبي (٣). وأما القول الثالث وهو: أن موسى قد أُذن له بهذا الفعل، ابتلاءً وامتحانًا لملك الموت، فالجواب عنه، أن يُقال: إن كان المراد بالإذن هنا: الإذن الكوني القدري، فهو صحيح، لكن ليس هذا جوابًا، لأن كل شيء يقع فهو بإذن الله تعالى الكوني القدري.

стр. 529

وإن كان المراد: الإذن الشرعي -وهو الأقرب- فهو محتمل لكنه يحتاج إلى دليل، والله أعلم. وقد قال القرطبي عن هذا القول: "هذا ليس بجواب، فإنه إنما وقع الإشكال في صدور سبب هذا الامتحان من موسى، وكيف يجوز وقوع مثل هذا؟ " (١). وأما القول الرابع وهو: أن المراد بالحديث: أن موسى ﵇ ناظر ملك الموت فغلبه بالحجة، فقول باطل، لأنه مخالف لظاهر الحديث وما يقتضيه سياقه. قال قِوَام السنة الأصبهاني: "هذا الحديث: حكم أهل الحفظ بصحته، وحمله أهل السنة على ظاهره، وأن ذلك الفعل كان من موسى ﵇، على الحقيقة"، إلى أن قال: "وقول من قال: معنى اللطمة: إلزام الحجة، غلط، لأن في الخبر أنه عرج إلى ربه فرد عليه عينه، ولا يكون هذا إلا في عين حقيقة، لأن التي ليست بحقيقة لا تحتاج إلى ردها. وقوله: اللطمة: إلزام الحجة: لو كانت اللطمة إلزام الحجة لم يعد إلى قبض روحه، لأن الحجة قد لزمته في ترك قبض روحه" (٢). وقال ابن حجر عن هذا القول: "هو مردود بقوله في نفس الحديث: (فرد الله عينه)، وبقوله: (لطمه) و (صكه) وغير ذلك من قرائن السياق" (٣). وأما القول الخامس وهو: أن موسى قد لطم ملك الموت وهو يعرفه، لأنه لم يُخيِّره، ففيه نظر من وجهين: الأول: أنه من المستبعد جدًا أن يصدر هذا الفعل من كليم الرحمن

стр. 530

تجاه ملك الموت -الذي هو رسول رب العالمين- وهو يعرفه، فإن هذا مما يُنزه عنه الأنبياء. الثاني: أن هذا الجواب ليس فيه حسم لمادة الإشكال، لأن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، فلماذا خالف ملك الموت أمر الله هنا، فلم يُخيِّر موسى ﵇؟ ! . ولهذا قال ابن حجر عن هذا الجواب: "فيه نظر، لأنه يعود أصل السؤال، فيقال: لِمَ أقدم ملك الموت على قبض نبي الله وأخل بالشرط؟ ! " (١). * * *

стр. 531

المبحث السابع: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي) مع قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش . . .) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 532

المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة (١))، رواه البخاري (٢). وفي رواية قال: قال النبي ﷺ لأبي ذر ﵁: (اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة)، متفق عليه (٣). ولفظ مسلم: قال أبو ذر: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا مجدَّع الأطراف (٤). وعن أم الحصين ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يخطب في حجة الوداع، وهو يقول: (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا)، رواه مسلم (٥).

стр. 533

وفي رواية له: (إن أُمِّر عليكم عبد ... ). وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: (لا يزال هذا الأمر في قريش (١) ما بقي منهم اثنان (٢))، متفق عليه (٣). وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن: مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم (٤)) متفق عليه (٥). وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (الناس تبع لقريش في الخير والشر)، رواه مسلم (٦). وحدَّث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنه سيكون ملك من

стр. 534

قحطان، فغضب معاوية ﵁، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه بلغني أن رجالًا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله ﷺ ، فأولئك جُهَّالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها (١)، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين)، رواه البخاري (٢). بيان وجه الإشكال دلت الأحاديث المتقدمة، المتعلقة بقريش على وجوب تقديمهم في الإمامة العظمى، وأن القرشية شرط فيها، وهو ما أجمع عليه الصحابة والتابعون، وأطبق عليه جماهير علماء المسلمين، ولم يخالف فيه إلا بعض أهل البدع من المتكلمين وغيرهم (٣). وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، كابن بطال (٤)، والماوردي (٥)،

стр. 535

وابن العربي (١)، والقاضي عياض، والقرطبي (٢)، والنووي، والشنقيطي (٣)، وغيرهم (٤). قال القاضي عياض تعليقًا على الأحاديث المتعلقة بإمامة قريش: "هذه الأحاديث -وما في معناها في هذا الباب- حجة أن الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم، وبهذا احتج أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعها أحد عنه، وقد عدها الناس في مسائل الإجماع، إذ لم يؤثر عن أحد من السلف فيها خلاف" (٥). وقال النووي: "هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر: أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع، أو عرض بخلاف من غيرهم، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة" (٦). وهذا الأمر، وهو اشتراط القرشية في الإمامة العظمى، مشروط بإقامتهم للدين، واستقامتهم على أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فإن خالفوا ذلك فغيرهم ممن يطيع الله تعالى، وينفذ أوامره أولى، وعلى هذا دلت النصوص

стр. 536

الشرعية، كما في حديث معاوية المتقدم: (إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين). قال الشنقيطي عند هذا الحديث: "لفظة (ما) فيه: مصدرية ظرفية مُقَيِّدَةٌ لقوله: (إن هذا الأمر في قريش)، وتقرير المعنى: إن هذا الأمر في قريش مدة إقامتهم الدين، ومفهومه: أنهم إن لم يقيموه لم يكن فيهم، وهذا هو التحقيق الذي لا شك فيه في معنى الحديث" (١). كما أن مما أجمع عليه أهل العلم، ولم يختلفوا فيه: أن الإمام لا بد أن يكون حُرًّا، فلا يجوز أن يكون عبدًا، لأن المملوك لا يحق له التصرف في شيء إلا بإذن سيده، فلا ولاية له على نفسه، فكيف تكون له الولاية على غيره (٢). وفد نقل ابن بطال عن المهلب (٣) قوله: "أجمعت الأمة على أنه لا يجوز أن تكون الإمامة في العبيد" (٤). إذا تبيَّن هذا فما الجواب عن قوله ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) وغيره من الأحاديث مما في معناه، حيث إنها قد يُفهم منها جواز إمامة غير القرشي حتى ولو كان عبدًا؟ هذا ما سوف يتضح في المطالب التالية، إن شاء الله تعالى.

стр. 537

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم فى هذا الإشكال لم يختلف أهل العلم -كما تقدم- في وجوب تقديم القرشي في الإمامة العظمى، كما هو مقتضى الأحاديث المتقدمة، وذلك بالشرط المذكور في الحديث، وهو: إقامة الدين، وحينئذٍ ينحصر الخلاف في توجيه الأحاديث التي قد يفهم منها جواز إمامة العبد، وقد اختلف أهل العلم في توجيهها على عدة أقوال: القول الأول: أن المراد بها: أن الإمام الأعظم إذا استَعْمَل العبدَ على إمارة بلد مثلًا، وجبت طاعته، وليس فيها أن العبد الحبشي يكون هو الإمام الأعظم. وإلى هذا ذهب الخطابي والمهلب وابن الجوزي واختاره ابن رجب (١) والشنقيطي (٢). قال الخطابي عند حديث: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة): "هذا فى الأمراء والعمال، دون الخلفاء والأئمة، فإن الحبشة لا تُولى الخلافة، ولا يستخلف إلا قرشي، لما جاء من الحديث فيه" (٣). وقال المهلب: "قوله ﵇: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي) لا يوجب أن يكون المستعمِل للعبد إلا إمام قرشي، لما تقدم

стр. 538

أنه لا تجوز الإمامة إلا في قريش" (١). وقال ابن الجوزي عند الحديث المتقدم: "اعلم أن هذا إنما هو في العمال والأمراء دون الأئمة والخلفاء، فإن الخلافة لقريش، لا مدخل فيها للحبشة، لقوله ﵇: (لا يزال هذا الأمر فى قريش)، وإنما للأئمة تولية من يرون، فتجب طاعة ولاتهم" (٢). القول الثانى: أن هذا من باب ضرب المثل، للمبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يُتصور شرعًا أن يلى العبد ذلك، وقد يُضرب المثل بما لا يقع في الوجود، كقوله ﷺ : (من بنى لله مسجدًا، ولو كمَفْحَص (٣) قطاة، بنى الله له بيتًا في الجنة) (٤)، فإن قدر مفحص القطاة لا يصلح لمسجد. ذكر هذا الخطابي (٥)، وابن رجب (٦)، وغيرهما (٧)، واختاره القرطبي (٨). قال الشنقيطي: "ويشبه هذا الوجه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ

стр. 539

فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١] على أحد التفسيرات" (١). القول الثالث: أن المراد بذلك العبد المتغلِّب لا المختار، فإنه في هذه الحالة تجب طاعته بالمعروف، وإن كان عبدًا حبشيًا، درءًا للفتنة (٢). القول الرابع: أن إطلاق لفظ العبد في الأحاديث المتقدمة، نظرًا لاتصافه بذلك سابقًا، مع أنه وقت التولية حر، ونظيره: إطلاق لفظ اليتم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] (٣). وهذا القول احتمله الحافظ ابن حجر (٤) والقسطلاني (٥). * * *

стр. 540

المطلب الثالث: الترجيح تقدم بيان أن الخلاف منحصر في الأحاديث المتعلقة بإمامة العبد، لأن فيها إشكالًا من وجهين: أحدهما: أن الإجماع منعقد على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجوب تقديم القرشي في الإمامة العظمى، بشرط إقامة الدين. والثاني: أن الإجماع منعقد على عدم جواز تولية العبد الإمامة العظمى، لأن من شرطها: الحرية. وقبل ذكر الراجح من الأقوال لا بُدَّ من بيان أن الخلاف في توجيه هذه الأحاديث المتعلقة بإمامة العبد إنما هو باعتبار حال الاختيار، أما إذا تغلَّب العبد وكان ذا شوكة وقوة فإنه تجب طاعته إخمادًا للفتنة، ما لم يأمر بمعصية. قال النووي: "وتُتَصوَّر إمارة العبد إذا ولَّاه بعض الأئمة، أو إذا تغلب على البلاد بشوكته وأتباعه، ولا يجوز ابتداءً عقد الولاية له مع الاختيار، بل شرطها الحرية" (١). وقال ابن حجر عند ذكر الأقوال في هذه المسألة: "هذا كله إنما هو فيما يكون بطريق الاختيار، وأما لو تغلب عبد حقيقة بطريق الشوكة، فإن طاعته تجب، إخمادًا للفتنة، ما لم يأمر بمعصية" (٢).

стр. 541

وأما هذه الأحاديث التي قد يفهم منها جواز إمامة العبد، كقوله ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)، فأحسن ما قيل في الجواب عنها: القول الأول، وهو أن المرد: وجوب طاعته لكونه مستعملًا من قبل الإمام الأعظم، لا أنه هو الإمام الأعظم، وقد قال القرطبي: "أجمعت الأمة على أن جميع الولايات تصح لغير قريش ما خلا الإمامة الكبرى" (١). وعقد البيهقي في سننه بابًا بعنوان: "باب: جواز تولية الإمام من ينوب عنه وإن لم يكن قرشيًا" (٢)، وذكر تحته عدة أحاديث، منها: حديث أم الحصين ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا) (٣). ومما يؤيد هذا القول: ما أخرجه الحاكم من حديث علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (الأئمة من قريش ... وإن أمَّرَتْ عليكم عبدًا حبشيًا مجدَّعًا فاسمعوا له وأطيعوا) (٤). ويعضده أيضًا: بعض ألفاظ الحديث، ففي رواية يقول: (وإن استعمل عليكم)، وفي رواية أخرى: (إن أُمِّر عليكم عبد)، فظاهر هذه الألفاظ أن العبد مستعمل ومؤمَّر من قبل الإمام الأعظم، وليس هو الإمام الأعظم (٥). وأما بقية الأقوال فمحتمَلة ما عدا الرابع منها وهو: أن إطلاق لفظ

стр. 542

العبد في الأحاديث السابقة إنما هو باعتبار اتصافه بذلك سابقًا، فإن هذا القول بعيد عن ظاهر الحديث، وليس عليه دليل يعضده، ثم إنه جواب عن شرط الحرية فقط، وأما شرط القرشية فيبقى دون جواب. وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ -المتقدم- في أنه سيكون ملك من قحطان، وكذا حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه)، متفق عليه (١). فإنهما لا يعارضان كون الإمامة في قريش، لأنهما إخبار عن حال سيقع، وهذا لا يعني عدم استحقاق قريش لها، وقد يكون ذلك عند ضعف قريش عن إقامة الدين، لأن استحقاقهم للإمامة مقيد بذلك -كما تقدم- كما في حديث معاوية ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أما بعد، يا معشر قريش، فإنكم أهل هذا الأمر ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يَلْحَاكم (٢) كما يُلحى القضيب، لقضيب في يده، ثم لحا قضيبه فإذا هو أبيض يَصْلِد (٣)) (٤). وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (الأئمة من قريش، ولهم

стр. 543

عليكم حق، ولكم مثل ذلك، ما إذا استُرْحِموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (١). قال القسطلاني معلقًا على حديث عبد الله بن عمرو في خروج القحطاني وإنكار معاوية عليه بكون الخلافة في قريش: "ولا تناقض بين الحديثين، لأن خروج هذا القحطاني إنما يكون إذا لم تُقِم قريش الدين، فيُدال عليهم في آخر الزمان، واستحقاق قريش الخلافة لا يمنع وجودها في غيرهم، فحديث عبد الله في خروج القحطاني حكاية عن الواقع، وحديث معاوية في الاستحقاق، وهو مقيد بإقامة الدين" (٢). وقد يقال: إن خروج هذا القحطاني وملكه إنما يكون بطريق التغلب والقوة، لا بطريق الاختيار، وربما دلَّ على هذا قوله في الحديث: (يسوق الناس بعصاه). قال ابن العربي عن حديث أبي هريرة في خروج القحطاني: هذا إنذار من النبي ﷺ بما يكون من الشر في آخر الزمان، من تسوّر العامة على منازل أهل الاستقامة، ولا يعارض هذا ما ثبت من أن الأئمة من قريش، لأنه ليس خبرًا عمَّا ينبغي (٣). وقد ذكر البخاري حديث أبي هريرة -المتقدم- في خروج القحطاني تحت باب: "تغير الزمان حتى تعبد الأوثان".

стр. 544

قال المهلب في بيان وجه ذكر الحديث تحت هذا الباب: "وجه ذلك أنه إذا قام رجل من قحطان ليس من فخذ النبوة، ولا من رهط الشرف الذين جعل الله فيهم الخلافة، فذلك من أكبر تغير الزمان، وتبديل أحكام الإسلام، أن يَدَّعي الخلافة، وأن يُطاع في الدين من ليس أهلًا لذلك" (١). وقال ابن حجر معقبًا على كلام المهلب: "وحاصله أنه مطابق لصدر الترجمة وهو تغير الزمان" (٢). وقال القسطلاني: "ومطابقة الحديث للترجمة: من حيث إن سوق القحطاني الناس إنما هو في تغير الزمان، وتبدل أحوال الإسلام، لأن هذا الرجل ليس من قريش الذين فيهم الخلافة، فهو من فتن الزمان وتبدل الأحكام" (٣). * * *

стр. 545

الباب الثالث: الأحاديث المتوهم إشكالها في أشراط الساعة والمعاد وتحته فصلان: * الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في أشراط الساعة. * الفصل الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في المعاد.

стр. 546

الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في أشراط الساعة وفيه خمسة مباحث: * المبحث الأول: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... )، مع قوله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق). * المبحث الثاني: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها). * المبحث الثالث: ما جاء في طواف الدجال بالبيت، مع ما ورد من أنه لا يدخل مكة ولا المدينة. * المبحث الرابع: (لا تقوم الساعة حتى ... يتقارب الزمان). * المبحث الخامس: (إذا ولدت الأمة ربها).

стр. 547

المبحث الأول: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين. . .)، مع قوله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 548

المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال عن المغيرة بن شعبة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)، متفق عليه (١). وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)، متفق عليه (٢). وعن جابر بن عبد الله ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)، رواه مسلم (٣).

стр. 549

وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)، رواه مسلم (١). وعن جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة)، رواه مسلم (٢). وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال أهل الغرب (٣) ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)، .............

стр. 550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 551

رواه مسلم (١). وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله الله)، رواه مسلم (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، متفق عليه (٣). بيان وجه الإشكال أن حديث: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) (٤)، يدل على بقاء من يقوم بالحق إلى قيام الساعة، بينما نجد الظاهر من حديث ابن مسعود: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) وما في معناه: أنه لا يبقى

стр. 552

عند قيام الساعة أحد من المؤمنين، فضلًا عن القائم بالحق (١). ولذا قال الطبري: "إن أنت قلت: بتصحيح جميع ذلك، قلنا لك: ما وجه صحته وبعضه يبطل معنى بعض، وبعضه يحيل صحة بعض، لتدافع معانيه، وتناقض مخارجه؟ " (٢). والحق أن جميع ما تقدم من الأحاديث صحيح ثابت، لا مطعن في صحته وثبوته، وليس في بعض هذه الأحاديث ما يبطل معنى بعض، وسبيل الجمع بينها واضح بيِّن بحمد الله، كما سيأتي بيانه في المطلبين التاليين إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 553

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن هذه الطائفة المذكورة في الحديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... )، تستمر على هذه الصفة التي وصفت بها في الحديث إلى أن يقبض الله أرواحهم بالريح اللينة التي تكون قرب قيام الساعة -كما ثبت ذلك في حديث عبد الله بن عمرو وغيره- ثم بعد ذلك يبقى شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة. وعلى هذا يكون المراد بقوله ﷺ : (حتى يأتيهم أمر الله) أي: هبوب تلك الريح اللينة التي لا تدع مؤمنًا إلا قبضته. وأما رواية: (إلى يوم القيامة)، و (حتى تقوم الساعة)، فالمراد بها: قربها، وظهور أشراطها. وإلى هذا ذهب القاضي عياض (١)، وأبو العباس القرطبي (٢)، وأبو عبد الله القرطبي (٣)، والنووي، وابن حجر (٤)، والبرزنجي (٥)،

стр. 554

والسفاريني (١)، وسليمان بن عبد الله (٢)، وغيرهم (٣)، وذكره ابن الجوزي وجهًا من أوجه الجمع (٤). قال النووي بعد ذكره لحديث أنس ﵁: (لا تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله الله)، وحديث ابن مسعود ﵁: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) قال: "وأما الحديث الآخر: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة) فليس مخالفًا لهذه الأحاديث، لأن معنى هذا: أنهم لا يزالون على الحق حتى تقبضهم هذه الريح اللينة قرب القيامة، وعند تظاهر أشراطها، فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها ودنوها المتناهي في القرب، والله أعلم" (٥). وقال ابن حجر بعد ذكره لحديث أنس المتقدم: "والجمع بينه وبين حديث: (لا تزال طائفة): حمل الغاية في حديث: (لا تزال طائفة) على وقت هبوب الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن ومسلم، فلا يبقى إلا الشرار، فتهجم الساعة عليهم بغتة" (٦). القول الثاني: أن الساعة كما أنها تقوم على الأشرار فهي تقوم أيضًا على الأخيار، بدليل قوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ... )، وأما التنصيص

стр. 555

على الأشرار في قوله ﷺ : (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء) (١)، فلكون الساعة تقوم في الأكثر والأغلب عليهم. وإلى هذا ذهب ابن بطال، وذكره ابن الجوزي وجهًا آخر في الجمع (٢). قال ابن بطال: "قوله ﵇: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء)، فإنه وإن كان لفظه العموم فالمراد به الخصوص، ومعناه: أن الساعة تقوم في الأكثر والأغلب على شرار الناس، بدليل قوله ﵇: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرها من ناوأها حتى تقوم الساعة)، فدلَّ هذا الخبر أن الساعة تقوم أيضًا على قوم فضلاء، وأنهم في صبرهم على دينهم كالقابض على الجمر" (٣). القول الثالث: أن هذه الأحاديث خرجت مخرج العموم، والمراد بها الخصوص، وذلك أن شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة يكونون بموضع مخصوص، والطائفة التي تقاتل على الحق لا يضرهم من خالفهم يكونون بموضع آخر، فتنزل هذه الأحاديث على أنها في موضع دون موضع. وإلى هذا ذهب الطبري ﵀ حيث قال: لا معارضة بينهما بحمد الله، بل يحقق بعضها بعضًا، وذلك أن هذه الأحاديث خرج لفظها على العموم والمراد منها الخصوص، ومعناه: لا تقوم الساعة على أحد يوحد الله إلا بموضع كذا فإن به طائفة على الحق، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس بموضع كذا (٤)، ثم استدل بما رواه بسنده عن أبي أُمامة الباهلي أن النبي ﷺ

стр. 556

قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوِّهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك)، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: (ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس) (١). قال: "فبيَّن ﷺ في هذا الخبر خصوصه (٢) سائر الأخبار التي وصفناها أنها خرجت مخرج العموم، بوصفه الطائفة التي أخبر عنها أنها على الحق مقيمة إلى قيام الساعة: أنها ببيت المقدس وأكنافه دون سائر البقاع غيرها" (٣). * * *

стр. 557

المطلب الثالث: الترجيح الحق أن الجمع بين هذه النصوص قد جاء صريحًا في المحاورة التي جرت بين عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر ﵄ -وهو ما قال به: أصحاب القول الأول- فعن عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم)، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)، فقال عبد الله: (أجل، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة)، رواه مسلم (١). فهذا الحديث قاطع للنزاع، مزيل للإشكال، وذلك أن الطائفة التي لا تزال على الحق ظاهرة، تستمر كذلك إلى حين قرب قيام الساعة عندما يرسل الله تعالى تلك الريح الباردة الطيبة التي لا تدع مؤمنًا إلا قبضته، حتى إذا خلت الأرض من الأخيار ولم يبقَ فيها إلا الأشرار قامت عليهم الساعة.

стр. 558

قال ابن حجر بعد سياقه هذه القصة: "هذا أولى ما يتمسك به في الجمع بين الحديثين المذكورين" (١). وقال البرزنجي: "قول ابن عمرو هذا في مقابلة ما رواه عقبة كالصريح فيما قلناه" (٢). وعلى هذا، يكون المراد بقوله: (ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)، و (على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) أي: قرب ذلك. قال القاضي عياض: "لا تزال هذه الطائفة على الصفة التي وصفها به إلى أن يقبضهم الله فيمن يقبض من المؤمنين قرب الساعة، وإذ أُظهرت أشراطها فقد حان يومها وقرب وقتها" (٣). وأما قوله: (حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)، فالمراد: حكمه وقضاؤه بهبوب الريح الطيبة كما تقدم. ومما يؤيد هذا ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : فذكر خروج الدجال وقَتْلَ عيسى ﵇ له، ثم قال في آخره: (ثم يرسل الله ريحًا باردة من قِبَلِ الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه، قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌ رزقُهم حسنٌ عيشُهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا (٤) ورفع ليتًا) (٥).

стр. 559

وعن النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: فذكر حديثًا طويلًا في ذكر الدجال وصفته، وقَتْلِ عيسى ﵇ له، وخروج يأجوج ومأجوج، وحصول البركة للناس في زمن عيسى ﵇، ثم قال: (فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون (١) تهارج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة)، رواه مسلم (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى)، فقلت: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣] أن ذلك تامًا، قال: (إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، فتَوَفَّى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم)، رواه مسلم (٣). قال القرطبي: "هذا غاية في البيان في كيفية انقراض هذا الخلق وهذه الأزمان، فلا تقوم الساعة وفي الأرض من يعرف الله، ولا من يقول: الله الله" (٤). وأما القول الثاني -وهو ما ذهب إليه ابن بطال-: وهو أن الساعة تقوم على الأشرار والأخيار، وأن حديث: (إن من شرار الناس من تدركهم

стр. 560

الساعة وهم أحياء) من قبيل العموم الذي يراد به الخصوص، ومعناه: أن الساعة تقوم في الأكثر والأغلب على شرار الناس. فالجواب عنه: أن هذا العموم قد جاء ما يؤيده، كما في رواية مسلم: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) (١)، فواضح في هذه الرواية حصر قيام الساعة على الأشرار. ومما يؤيد هذا ما تقدم ذكره قريبًا من الأحاديث التي فيها أن الله تعالى يرسل في آخر الزمان ريحًا باردة طيبة، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، ويبقى بعدهم شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة. وأما القول الثالث -وهو ما ذهب إليه الطبري- من أن هذه الأحاديث خرجت مخرج العموم، والمراد بها الخصوص، فتنزل على أنها في موضع دون موضع. فالجواب عنه كالجواب عن القول السابق، فلا حاجة إلى إخراج العموم عن مدلوله، وقد جاءت النصوص صريحة بكون الريح التي يرسلها الله بين يدي الساعة تأخذ كل مؤمن ومؤمنة، فلا يبقى بعدهم إلا شرار الناس وعليهم تقوم الساعة، فقد تقدم في حديث النواس بن سمعان أن النبي ﷺ قال عن المؤمنين الذين يكونون مع عيسى ﵇ في آخر الزمان: (فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة). وقد جاء النص صريحًا في دفع هذا القول ورده، كما عند مسلم من حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله الله)، فقوله: (الأرض) لفظ عام يشمل جميع الأرض، لا يخص موضعًا دون موضع، والله أعلم.

стр. 561

المبحث الثاني: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس . . .) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 562

المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسَه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا)، رواه مسلم. وفي رواية له: عن أبي زرعة قال: جلس إلى مروان بن الحكم بالمدينة ثلاثة نفر من المسلمين، فسمعوه وهو يحدث عن الآيات أن أولها خروجًا الدجال، فقال عبد الله بن عمرو: لم يقل مروان شيئًا، قد حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسَه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول .. فذكر بمثله (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا) متفق عليه (٢).

стр. 563

وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب)، رواه البخاري (١). بيان وجه الإشكال لما كان طلوع الشمس من مغربها مؤذنًا بإغلاق باب التوبة وعدم قبول الإيمان، فلا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، كان هذا الحديث -وهو قوله ﷺ : (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها) - مشكلًا لأن عيسى ﵇ حين ينزل في آخر الزمان يدعو الناس إلى الإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام أو القتل، وهذا يدل على أن الإيمان في زمنه نافع ومقبول، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده لَيُوْشِكَنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حَكَمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) متفق عليه (٢). فلو كان طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات لم يحصل هذا في زمن عيسى ﵇ لأن الإيمان غير نافع حينئذ، وباب التوبة مغلق، كما تقدم. قال الحَلِيْمي (٣): "فأما أول الآيات: ظهور الدجال، ثم نزول عيسى

стр. 564

صلوات الله عليه، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ويبين ذلك أن الكفار في وقت عيسى ﵇ يفنون، لأن منهم من يُقتل، ومنهم من يسلم، وتضع الحرب أوزارها، فيُستغنى عن القتال على الدين، بذلك أخبر رسول الله ﷺ ، فلو كانت الشمس طلعت قبل ذلك من مغربها لم ينفع اليهود إيمانهم أمام عيسى ﵇، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدًا بإسلام من يسلم منهم" (١). وبنحو هذا القول قال القرطبي (٢). وقال ابن كثير: ينزل عيسى ﵇ فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل الجزية، ولكن من أسلم قبل منه إسلامه وإلا قتل، وكذلك حكم سائر كفار الأرض يومئذ (٣). وقال السفاريني: "في حديث مسلم أن أول الآيات: طلوع الشمس من مغربها، وقد استُشكل بأنه لو كان كذلك لم ينفع الكفار إيمانهم بعد نزول عيسى ﵇، ولا الفساق توبتهم، لانغلاق باب التوبة، وقد جاء النص بأنه ينفعهم ذلك جزمًا، وإلا لما صار الدين واحدًا، ولا كان في نزوله كبير فائدة". (٤). وإضافة إلى ما تقدم فإن هذا الحديث مشكل من وجه آخر، وهو أنه

стр. 565

قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب). وثمة إشكال آخر وهو أنه جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد ﵁: أن النبي ﷺ ذكر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة فقال في آخرها: (وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم) (١)، فهذا الحديث في ظاهره يعارض الحديث المتقدم، وسيأتي الجواب عنه في نهاية المطلب الثالث إن شاء الله تعالى. * * *
следующие страницы →