← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المبحث الثاني: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس . . .) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 562

المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسَه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا)، رواه مسلم. وفي رواية له: عن أبي زرعة قال: جلس إلى مروان بن الحكم بالمدينة ثلاثة نفر من المسلمين، فسمعوه وهو يحدث عن الآيات أن أولها خروجًا الدجال، فقال عبد الله بن عمرو: لم يقل مروان شيئًا، قد حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسَه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول .. فذكر بمثله (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا) متفق عليه (٢).

стр. 563

وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب)، رواه البخاري (١). بيان وجه الإشكال لما كان طلوع الشمس من مغربها مؤذنًا بإغلاق باب التوبة وعدم قبول الإيمان، فلا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، كان هذا الحديث -وهو قوله ﷺ : (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها) - مشكلًا لأن عيسى ﵇ حين ينزل في آخر الزمان يدعو الناس إلى الإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام أو القتل، وهذا يدل على أن الإيمان في زمنه نافع ومقبول، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده لَيُوْشِكَنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حَكَمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) متفق عليه (٢). فلو كان طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات لم يحصل هذا في زمن عيسى ﵇ لأن الإيمان غير نافع حينئذ، وباب التوبة مغلق، كما تقدم. قال الحَلِيْمي (٣): "فأما أول الآيات: ظهور الدجال، ثم نزول عيسى

стр. 564

صلوات الله عليه، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ويبين ذلك أن الكفار في وقت عيسى ﵇ يفنون، لأن منهم من يُقتل، ومنهم من يسلم، وتضع الحرب أوزارها، فيُستغنى عن القتال على الدين، بذلك أخبر رسول الله ﷺ ، فلو كانت الشمس طلعت قبل ذلك من مغربها لم ينفع اليهود إيمانهم أمام عيسى ﵇، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدًا بإسلام من يسلم منهم" (١). وبنحو هذا القول قال القرطبي (٢). وقال ابن كثير: ينزل عيسى ﵇ فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل الجزية، ولكن من أسلم قبل منه إسلامه وإلا قتل، وكذلك حكم سائر كفار الأرض يومئذ (٣). وقال السفاريني: "في حديث مسلم أن أول الآيات: طلوع الشمس من مغربها، وقد استُشكل بأنه لو كان كذلك لم ينفع الكفار إيمانهم بعد نزول عيسى ﵇، ولا الفساق توبتهم، لانغلاق باب التوبة، وقد جاء النص بأنه ينفعهم ذلك جزمًا، وإلا لما صار الدين واحدًا، ولا كان في نزوله كبير فائدة". (٤). وإضافة إلى ما تقدم فإن هذا الحديث مشكل من وجه آخر، وهو أنه

стр. 565

قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب). وثمة إشكال آخر وهو أنه جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد ﵁: أن النبي ﷺ ذكر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة فقال في آخرها: (وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم) (١)، فهذا الحديث في ظاهره يعارض الحديث المتقدم، وسيأتي الجواب عنه في نهاية المطلب الثالث إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 566

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في هذه المسألة على عدة أقوال، وقبل ذكرها أشير إلى أن هذه الأقوال تتجه إلى الجواب عن حديث: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها)، ومحاولة توجيهه، وأما حديث: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب) فلم أجد من وجهه وأجاب عنه غير الحافظ بن حجر ﵀، كما سيأتي، وإليك الآن هذه الأقوال: القول الأول: أن طلوع الشمس من مغربها أول الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة، لأن ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة. وإلى هذا ذهب القرطبي، وأشار إلى أن طلوع الشمس من مغربها هو أول تغير في العالم العلوي الذي لم يُشاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى (١). القول الثاني: أن طلوع الشمس من مغربها أول الآيات الدالة على قيام الساعة ووجودها، وذلك أن الآيات إما أمارات دالة على قرب القيامة، أو على وجودها، ومن الأول الدجال ونحوه، ومن الثاني طلوع الشمس ونحوه، فأولية طلوع الشمس إنما هي بالنسبة إلى القسم الثاني. وإلى هذا ذهب الطيبي (٢) (٣).

стр. 567

القول الثالث: أن طلوع الشمس من مغربها أول الآيات السماوية التي ليست مألوفة. وإلى هذا ذهب ابن كثير (١) وابن أبي العز (٢). القول الرابع: ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ حيث قال: "الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة ... وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس كما تقدم في حديث أنس" (٣). قال مرعي بن يوسف (٤): "هذا كلام في غاية التحقيق، جدير بأن يتلقى بالقبول، لما فيه من التدقيق، وقد قرره الحفاظ الأعلام وعلماء الإسلام" (٥). واستحسن هذا الجمع البرزنجي، لكنه قال: "لو قال: وينتهي ذلك بخروج الدابة، بدل قوله: بموت عيسى ﵇، لكان أولى وأوضح" (٦).

стр. 568

المطلب الثالث: الترجيح الناظر في الأقوال المتقدمة في توجيه حديث: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها) يلاحظ أنها كلها تذهب إلى أن طلوع الشمس من مغربها ليس أول الآيات على الإطلاق، وأن وصفها بالأولية إنما هو نسبي إضافي، أي: بالنسبة إلى آيات معينة، وهذا هو الحق الذي لا مِرْيَة فيه، لأنه بعد طلوعها من المغرب لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولازم هذا أن يكون نزول عيسى ﵇ سابقًا لخروجها من مغربها لأن الإيمان في زمنه نافع ومقبول، وباب التوبة مفتوح، ومعلوم أن خروج الدجال سابق لنزوله، وأن ظهور يأجوج ومأجوج ثم هلاكهم، يكون في زمنه، كما دلَّ على ذلك حديث النواس بن سمعان عند مسلم (١)، فهذه الآيات كلها متقدمة على طلوع الشمس من مغربها، والله أعلم. قال البيهقي: إن كان في علم الله أن طلوع الشمس سابق على خروج الدجال ونزول عيسى ﵇، احتمل أن يكون المراد نفي النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك، فإذا انقرضوا، وتطاول الزمان، وعاد بعضهم إلى الكفر، عاد تكليف الإيمان بالغيب. وإن كان في علم الله تعالى أن طلوع الشمس بعد نزول عيسى ﵇، احتمل أن يكون المراد بالآيات في هذا الحديث آيات أخرى غير الدجال ونزول عيسى، إذ ليس في الخبر نص على أنه يتقدم

стр. 569

عيسى ﵇ (١). قال ابن حجر: "وهذا الثاني هو المعتمد، والأخبار الصحيحة لا تخالفه، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه) (٢)، فمفهومه أن من تاب بعد ذلك لم تقبل" (٣). وقال محمد صديق حسن القنوجي: "والحاصل أن الأولية إضافية لا حقيقية" (٤). وما ذكر من الأقوال في توجيه الحديث فكل ذلك محتمل، ولا تعارض بينها، إذ يمكن القول: بمجموعها، فيقال: طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات السماوية التي ليست مألوفة، وذلك مؤذن بتغير العالم العلوي، وانقطاع التوبة، وقيام الساعة، والله أعلم. قال ابن حجر: "قال الحاكم أبو عبد الله: الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم، أو الذي يقرب منه. قلت: والحكمة من ذلك أنه عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر، تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة" (٥). * * *

стр. 570

وأما حديث أنس ﵁: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس ... )، فقد أجاب عنه ابن حجر -كما تقدم- بأن المراد: أن النار أول الآيات المؤذنة بقيام الساعة. وأولى من هذا الجواب ما دلَّ النص عليه حيث أخرج الإمام أحمد هذا الحديث بلفظ: (وأما أول شيء يحشر الناس فنار تخرج ... ) (١)، وهذا يؤيد ما تقدم من كون الأولية هنا نسبية لا مطلقة. وقد أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أسيد ﵁ أن النبي ﷺ ذكر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة فقال في آخرها: (وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم). قال ابن حجر: "وهذا في الظاهر يعارض حديث أنس"، ثم قال: "ويجمع بينهما: بأن آخريتها باعتبار ما ذكر معها من الآيات، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلًا، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها، فإنه يبقى بعد كل آية أشياء من أمور الدنيا" (٢). ولكن الذي يظهر أن المراد بأوليتها ما تقدم في رواية الإمام أحمد: أنها أول ما يحشر الناس، وأما آخريتها فالمتعين ما ذكره الحافظ بن حجر، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 571

المبحث الثالث: ما جاء في طواف الدجال بالبيت، مع ما ورد من أنه لا يدخل مكة ولا المدينة وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 572

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ذكر النبي ﷺ يومًا بين ظَهْرَي الناس المسيح الدجال فقال: (إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، وأَراني الليلة عند الكعبة في المنام، فإذا رجل آدم (١) كأحسن ما يُرى من أُدْمِ الرجال، تضرب لمته (٢) بين منكبيه، رَجِلُ (٣)

стр. 573

الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح ابن مريم، ثم رأيت رجلًا وراءه جَعْدًا قَطَطًا (١)، أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن (٢)، واضعًا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال)، متفق عليه (٣). بيان وجه الإشكال أن هذا الحديث ينص على طواف الدجال بالبيت، وهذا يعني: دخوله مكة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة، كما في الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس لها من نقابها نَقْبٌ إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها) (٤). قال ابن حجر: "رؤيته إياه بمكة مشكلة مع ثبوت أنه لا يدخل مكة ولا المدينة" (٥).

стр. 574

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن طواف الدجال بالبيت إنما هو رؤيا منام، كما هو صريح الحديث، ورؤيا الأنبياء وإن كانت وحيًا إلا أن فيها ما يقبل التعبير. ذكر هذا القول القاضي عياض بصيغة الاحتمال (١). القول الثاني: أن تحريم دخول مكة والمدينة عليه إنما هو في زمن فتنته وخروجه، لا في الزمن السابق لذلك. جوَّز هذا القاضي عياض (٢)، وإليه ذهب ابن حجر وغيره (٣). قال ابن حجر: "ويؤيده ما دار بين أبي سعيد وابن صياد، فيما أخرجه مسلم، وأن ابن صياد قال له: ألم يقل النبي ﷺ : (إنه لا يدخل مكة ولا المدينة)، وقد خرجت من المدينة أريد مكة (٤)، فتأوله من جزم بأن ابن صياد هو الدجال، على أن المنع إنما هو حيث يخرج" (٥). القول الثالث: ترجيح الرواية التي لم يُذكر فيها طواف الدجال في البيت الحرام، وهي رواية مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄، وعليه فلا

стр. 575

تعارض بين هذا الحديث وما ثبت من تحريم دخول مكة والمدينة عليه، ونص هذه الرواية: أن رسول الله ﷺ قال: (أَراني الليلة عند الكعبة، فرأيت رجلًا آدم، كأحسن ما أنت راءٍ من أدم الرجال، له لمة كأحسن ما أنت راءٍ من اللمم، قد رجَّلها فهي تقطر ماءً، متكئًا على رجلين، أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت: من هذا؟ فقيل: المسيح ابن مريم، وإذا أنا برجل جعد قطط، أعور العين اليمنى، كأنها عنبة طافية، فسألت: من هذا؟ فقيل: المسيح الدجال)، متفق عليه (١). أشار إلى هذا القول القاضي عياض، حيث قال: "في رواية مالك لم يذكر طواف الدجال، وهو أثبت ممن رووا طوافه" (٢). * * *

стр. 576

المطلب الثالث: الترجيح الذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- القول الأول، وهو: أن رؤيا النبي ﷺ للدجال وهو يطوف بالبيت، لا ينافي ما ثبت من تحريم دخول مكة والمدينة عليه، لأنها رؤيا منام، ورؤيا المنام لا يلزم وقوعها في الخارج كما كانت في الرؤيا، بل قد يكون لها تعبير وتأويل يخالف الظاهر منها، كما ثبت ذلك في عدد من الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، ومن ذلك: حديث عبد الله بن عمر ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يقول: (بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الريَّ يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب)، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: (العلم)، متفق عليه (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا أنا نائم، رأيت الناس يُعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره)، قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: (الدين)، متفق عليه (٢). وأما القول الثاني، وهو: أن تحريم دخوله مكة والمدينة إنما يكون في زمن فتنته وخروجه، وأما قبل ذلك فغير ممتنع، فهو قول محتمل، لكن القول الأول أظهر وأوضح، والله أعلم.

стр. 577

وأما القول الثالث وهو ترجيح رواية مالك، لعدم ذكر طواف الدجال فيها، فقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر حيث قال: "وتُعقب بأن الترجيح مع إمكان الجمع مردود، لأن سكوت مالك عن نافع عن ذكر الطواف، لا يرد رواية الزهري عن سالم" (١). قلت: ورواية الزهري عن سالم متفق عليها (٢)، كما أن ذكر طواف الدجال بالبيت مصرح به في رواية موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، وقد أخرجها البخاري ومسلم، وهي المذكورة في المطلب الأول من هذا المبحث. وأيضًا فإن في رواية مالك ما يشعر بموافقتها لبقية الروايات حيث جاء في صدر روايته: (أَراني الليلة عند الكعبة ... )، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 578

المبحث الرابع: (لا تقوم الساعة حتى. . . يتقارب الزمان) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 579

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض)، رواه البخاري (١). وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج)، قالوا: يا رسول الله، أيُّما هو؟ قال: (القتل القتل)، متفق عليه (٢). بيان وجه الإشكال استُشكل تقارب الزمان الوارد في هذا الحديث لأن فيه إخبارًا عما يخالف الواقع والسُنَّة الجارية المعتادة، والتكوين الذي به قامت الخليقة (٣)، فالزمان عبارة عن مجموعة من الأيام والأسابيع والشهور والسنين، وكلها

стр. 580

أوقات محددة، معلومة البداية والنهاية، وعلى هذا، فكيف يمكن أن يُتصور تقارب الزمان؟ * * *

стр. 581

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث على أقوال: القول الأول: حمل الحديث، على ظاهره، فيكون المراد: أن الزمان نفسه يتقارب حقيقة، وذلك بنقص أيامه ولياليه (١). نقل هذا الشيخ مرعي بن يوسف عن أهل الحديث (٢) واحتمله الخطابي حيث قال: "ويحتمل أن يكون أراد به قصر مدة الأزمنة ونقصها عمَّا جرت به العادة فيها، وذلك من علامات الساعة إذا طلعت الشمس من مغربها، وهو معنى الحديث الآخر: (يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السَّعْفَة) (٣) " (٤). القول الثاني: أن المراد بتقارب الزمان: قربه من الساعة ويوم

стр. 582

القيامة (١). وإلى هذا ذهب القاضي عياض (٢) والنووي (٣). القول الثالث: أن المراد بتقارب الزمان: نزع البركة منه، بحيث يصير الانتفاع من اليوم مثلًا بقدر الانتفاع من الساعة الواحدة. وإلى هذا ذهب الخطابي (٤)، وابن الأثير (٥)، والعراقي (٦)، وابن حجر، وهو ظاهر صنيع ابن كثير حيث عنون لهذا الحديث بقوله: "إشارة نبوية إلى نزع البركة من الوقت قبل قيام الساعة" (٧). وقال ابن حجر: "والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء، حتى من الزمان، وذلك من علامات قرب الساعة"، وقال: "الذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا، فإنا نجد من سرعة مرِّ الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا" (٨). القول الرابع: أن المراد بذلك استقصار مدته لِما يحصل من استلذاذ العيش. وهذا مروي عن أبي سنان (٩) حيث سُئل عن معنى الحديث فقال:

стр. 583

ذلك من استلذاذ العيش (١)، قال الخطابي معقبًا على كلامه: "يريد -والله أعلم- زمان خروج المهدي ووقوع الأَمَنَة في الأرض بما يبسطه من العدل فيها، فيُستلذ العيش عند ذلك، وتُستقصر مدته، ولا يزال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت وامتدت، ويستطيلون أيام المكروه وإن قصرت وقلَّت" (٢). القول الخامس: أن المراد: تقارب أحوال أهله في قلة الدين، حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، لغلبة الفسق وظهور أهله. وإلى هذا ذهب ابن بطال (٣)، والقرطبي (٤)، وغيرهما (٥)، وذكر ابن حجر أنه اختيار الطحاوي (٦). القول السادس: ما ذهب إليه بعض العلماء المعاصرين من أن المراد بتقارب الزمان ما هو حاصل في هذا العصر من تقارب ما بين المدن

стр. 584

والأقاليم، وقصر زمن المسافة بينها بسبب اختراع وسائل المواصلات المتنوعة -البرية والبحرية والجوية- حيث تُقطع المسافات البعيدة في الزمن القصير، ومثلها وسائل الاتصال الصوتية كالهاتف والإذاعة وغيرهما فإنها قربت البعيد. وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ ابن باز، والشيخ حمود التويجري، والشيخ محمد رشيد رضا (١)، وغيرهم (٢)، عليهم رحمة الله. قال الشيخ ابن باز في تعليقه على الفتح: "الأقرب تفسير التقارب المذكور في الحديث بما وقع في هذا العصر من تقارب ما بين المدن والأقاليم، وقصر زمان المسافة بينها، بسبب اختراع الطائرات والسيارات والإذاعة وما إلى ذلك، والله أعلم" (٣). وقال الشيخ حمود التويجري: "والظاهر -والله أعلم بمراد رسوله ﷺ - أن ذلك إشارة إلى ما حدث في زماننا من المراكب الأرضية والجوية والآلات الكهربائية التي قربت كل بعيد، والمعنى على هذا: يتقارب أهل الزمان"، إلى أن قال بعد حديثه عن وسائل المواصلات: "وأعظم من ذلك الآلات الكهربائية التي تنقل الأصوات، كالإذاعات والتلفونات الهوائية، فإنها قد بهرت العقول في تقريب الأبعاد، بحيث كان الذي في أقصى المشرق يخاطب مَن في أقصى المغرب كما يخاطب الرجل جليسه، وبحيث كان الجالس عند الراديو يسمع كلام مَن في أقصى المشرق، ومَن في أقصى المغرب، ومَن في أقصى الجنوب، ومَن في أقصى الشمال، وغير ذلك من

стр. 585

أرجاء الأرض في دقيقة واحدة، كأن الجميع حاضرون عنده في مجلسه، فالمراكب الأرضية والجوية قربت الأبعاد من ناحية السير، والآلات الكهربائية قربت الأبعاد من ناحية التخاطب وسماع الأصوات، فسبحان من علَّم الإنسان ما لم يعلم" (١). وقال الشيخ محمد رشيد رضا: "ويرى بعض أهل هذا الزمان أن المراد قد يكون ما هو حاصل من تقارب المواصلات وقطع المسافات البعيدة في الزمن القصير برًا وبحرًا وجوًا، وهذا أظهر من كل ما قالوه، وأليق بكونه إخبارًا عن غيب لا مجال للرأي فيه، ولا يعرف إلا بوحي من الله تعالى" (٢). * * *

стр. 586

المطلب الثالث: الترجيح الذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- أن الزمان نفسه يتقارب حقيقة تقاربًا حسيًا، وذلك بنقصه وقصره عمَّا هو معتاد -على ما جاء في القول الأول- وذلك في آخر الزمان، لكن لا يصح الجزم بأن ذلك إنما يكون إذا طلعت الشمس من مغربها. ومما يدل على هذا القول ما يلي: ١ - أن هذا هو ظاهر الحديث، وقد جاء ما يؤيده ويبين مراده، كما عند الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة) (١). فهذا الحديث صريح في بيان المراد، ولذا قال الكرماني: "تقارب الزمان مجمل، وبيانه أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة ... ) " (٢). وقال ابن أبي جمرة: "يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان: قصره على ما وقع في حديث: (لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر)، وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسيًا ويحتمل أن يكون معنويًا، فأما الحسي فلم يظهر بعد، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة، وأما المعنوي

стр. 587

فله مدة منذ ظهر، يعرف ذلك أهل العلم الديني، ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي" (١). ٢ - ما أخرجه مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁: أن النبي ﷺ ذكر الدجال، قال النواس: قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: (أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم)، قلنا: يا رسول الله: فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: (لا، اقدروا له قدره) (٢). ففي هذا الحديث أن الأيام تطول حقيقةً، وإذا كان ذلك كذلك فما المانع من كونها تقصر حقيقةً كما في حديث تقارب الزمان، وذلك لاختلال نظام العالم وقرب زوال الدنيا (٣). وكون الطول في أيام الدجال حقيقيًا ظاهر، يدل عليه قوله ﷺ : (وسائر أيامه كأيامكم)، وكذا سؤال الصحابة للرسول ﷺ عن الصلاة في اليوم الذي كسنة يدل على أنهم فهموا كون الطول في الأيام حقيقيًا، وجوابه لهم بقوله: (اقدروا له قدره) يدل على موافقته لهم على هذا الفهم. قال القاضي عياض: "قوله: (يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة): ما جاء بعدُ يفسر أنه على ظاهره غير متأول" (٤). وقال النووي: "قوله ﷺ : (يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم)، قال العلماء: هذا الحديث على ظاهره، وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث، يدل عليه قوله ﷺ : (وسائر أيامه كأيامكم) " (٥).

стр. 588

وقال القرطبي: "ظاهر هذا: أن الله تعالى يخرق العادة في تلك الأيام، فيبطئ بالشمس عن حركتها المعتادة في أول يوم من تلك الأيام، حتى يكون أوَّل يوم كمقدار سنة معتادة، ويبطئ بالشمس حتى يكون كمقدار شهر، والثالث حتى يكون كمقدار جمعة، وهذا ممكن، لا سيما وذلك الزمان تنخرق فيه العوائد كثيرًا" (١). ٣ - أن آخر الزمان يختل فيه نظام العالم، وتكثر فيه خوارق العادات: فالدابة تتكلم والشمس تطلع من مغربها ... وعلى هذا فما المانع من أن يكون من جملة ذلك أيضًا تقارب الزمان وقصره، والله تعالى مصرف الكون ومدبره، وهو سبحانه على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فكما انشأ الأيام والليالي على هذا النظام الذي نعرفه فهو قادر على تغيير ذلك، والله تعالى أعلم. قال ابن العربي: "فإن قيل: في هذا الحديث إبطال للهيئة، وإفساد للطبيعة، وتغيير للتكوين الذي به قامت الخليقة ... قلنا: اتئدوا، فإنكم نظرتم إلى جريان اليوم في المخلوقات، وأغفلتم النظر في قدرة الخالق وما له من الحكم في المصنوعات، والإشكال الذي أشرتم إليه ينحل عنكم بالنظر في معاني: الأول: قد تقرر عقلًا وشرعًا، وثبت دليلًا أن الباري تعالى خالق كل شيء، لا يشذ ذرة عن خلقه، فما كان من سبب أو مسبب، أو علة ومعلول فإنه فطره وأنشأه، وكون ذلك كله على هذا النظام المشاهد ليس بواجب لا يمكن سواه، بل هو على مجرى الإرادة وبعض العادة. الثاني: أن عاقبة الشمس والقمر التكوير، وآخر السموات والأرض الانفطار والتدمير، وكما يعدمها خالقها فلا تسير، يجوز أن يبطئها عن سرعتها وينقص من حركاتها، فما كانت تقطعه في يوم تقطعه في جمعة، ثم

стр. 589

في شهر، ثم في سنة، أو بعكسه، وهذا قريب ممن وفقه الله لعلمه" (١). * * * وبهذا يتبين ضعف بقية الأقوال وبعدها عن ظاهر الحديث، لأنها: إما أن تجعل التقارب الوارد في الحديث تقاربًا معنويًا لا حقيقيًا، كالقول: بأن المراد من ذلك نزع البركة -وهو القول الثالث- وكذا القول: بأن المراد من ذلك ما يحصل من استقصار الزمان بسب استلذاذ العيش، وهو القول الرابع. وإما أن تجعل التقارب المذكور ليس للزمان نفسه وإنما لأهل الزمان، كالقول بأن المراد: تقارب أحوال أهله في قلة الدين -وهو القول الخامس- وكذا القول السادس -وإن كان أظهر وجاهة من غيره- وهو أن المراد: ما حصل من تقارب أهل هذا الزمان بسبب ما استجد من مخترعات حديثة. وأما القول الثاني: وهو أن المراد بتقارب الزمان: قربه من الساعة، فقول غريب، لأنه وإن احتمله الحديث الذي أول لفظه: (يتقارب الزمان ... )، فإنه لا يحتمله اللفظ الآخر -كما عند البخاري-: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان)؛ لأن المعنى سيكون حينئذٍ: لا تقوم الساعة حتى تقرب الساعة؟ ! وهذا ليس فيه فائدة، بل هو تحصيل حاصل، ولهذا قال الكرماني بعد أن ذكر هذا القول عن النووي: "حاصل تفسيره: أنه لا تكون القيامة حتى تقرب القيامة، وهذا كلام مهمل، لا طائل تحته" (٢). * * *

стр. 590

المبحث الخامس: (إذا ولدت الأمة ربها) وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. • المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. • المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 591

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ بارزًا يومًا للناس، فأتاه جبريل -فذكر أنه سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، فأجابه النبي ﷺ ، ثم- قال: متى الساعة؟ قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأَمَة ربها (١)، وإذا تطاول رعاة الإبل البُهْم في البنيان ... )، متفق عليه (٢). وفي رواية للبخاري: (إذا ولدت الأمة ربتها). وفي رواية لمسلم: (إذا ولدت الأمة بعلها) (٣).

стр. 592

وعن عمر بن الخطاب ﵁، فذكر نحو الحديث المتقدم، وفيه: (أن تلد الأمة ربتها)، رواه مسلم (١). بيان وجه الإشكال استُشكل معنى هذا الحديث، وهو قوله ﷺ : (إذا ولدت الأمة ربها) أو (ربتها)، إذ كيف يتصور أن تلد الأمة ربها أو ربتها، بحيث تكون الأم مربوبة ومملوكة لولدها أو ابنتها؟ ! . * * *

стр. 593

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث على عدة أقوال، أهمها: القول الأول: أن تلد الأمة لسيدها، فيكون الولد لها بمنزلة ربها وسيدها، لأنه ولد سيدها، وهو كأبيه في الحسب. وعلى هذا، يكون الذي من أشراط الساعة: كثرة السراري وأولادهن، وذلك لاتساع رقعة الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الكفر. وإلى هذا ذهب أبو عبيد (١)، والخطابي، وابن الجوزي (٢)، وابن الصلاح (٣)، وابن الأثير (٤)، والنووي (٥)، وابن رجب، وابن باز (٦)، وغيرهم (٧)، وقال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين (٨). قال الخطابي: "قوله: (إذا ولدت الأمة ربتها) معناه: اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الكفر، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية منهم فاستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها، لأنه ولد سيدها" (٩).

стр. 594

وقال النووي: "قال الأكثرون من العلماء: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها، لأن مال الإنسان صائر إلى ولده" (١). وقال ابن رجب: "المراد بربتها: سيدتها ومالكتها، وفي حديث أبي هريرة: (ربها)، وهذا إشارة إلى فتح البلاد، وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري، ويكثر أولادهن، فتكون الأم رقيقةً لسيدها، وأولاده منها بمنزلته، فإن ولد السيد بمنزلة السيد، فيصير ولد الأَمَة بمنزلة ربها وسيدها" (٢). وهناك أقوال تؤول في النهاية إلى هذا القول وتندرج تحته، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر (٣) ومنها: - ما ذهب إليه إبراهيم الحربي من أن المعنى: أن تلد الإماء الملوك، فتكون أُمُّه من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته (٤). - وذهب وكيع بن الجراح إلى أن المراد: أن تلد العجمُ العربَ (٥). قال ابن حجر: "وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه بأخص من الأول، قال: أن تلد العجم العرب" (٦). القول الثاني: أن المراد: الإخبار عن كثرة بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان، فربما اشترى الولد أُمَّهُ وهو لا يعلم، لكثرة تداول المُلَّاك لها،

стр. 595

فيكون حينئذٍ ربها وسيدها (١). قال القرطبي: "وهذا على قول من يرى تحريم بيع أمهات الأولاد، وهم الجمهور، ويصح أن يُحمل ذلك على بيعهن في حال حملهن، وهو محرَّم بالإجماع" (٢). القول الثالث: أن المراد: كثرة العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أُمَّه معاملة السيد أَمَتَهُ من الاستخدام، والإهانة بالسب والضرب وغيرهما (٣). وقد رجح هذا القول الحافظ ابن حجر فقال: "هذا أوجه الأجوبة عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد: حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، ومحصله: الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المُربَّى مربِّيًا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: أن تصير الحفاة ملوك الأرض" (٤). وعلى هذا القول والذي قبله: الذي يكون من أشراط الساعة: غلبة الجهل وقلة العلم وفساد الأعمال، والاستهانة بالأحكام الشرعية (٥). * * *

стр. 596

المطلب الثالث: الترجيح الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم بالصواب- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو أن معنى قوله ﷺ : (إذا ولدت الأمة ربها) أي: سيدها، وصورة ذلك: أن يستولد السيد أمته ومملوكته، فيكون ولده منها بمنزلة ربها وسيدها، لأنه كأبيه في الحسب، وولد السيد بمنزلة السيد. وفي هذه العلامة إشارة إلى كثرة الفتوحات الإسلامية ووقوع السبي وفشو النعمة وظهورها في الناس حيث تكثر السراري. وقد وجه الحافظ ابن حجر اعتراضًا على هذا القول فقال: "لكن في كونه المراد نظر، لأن استيلاد الإماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة" (١). والجواب عن هذا الاعتراض: أنه وإن تقدم وقوع هذا فإنه لا يخرج عن كونه علامة من علامات الساعة، فإن بداية الأشراط متقدمة، لا سيما وأن بعثة النبي ﷺ تعتبر منها فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، قال: وضم السبابة والوسطى (٢). قال القرطبي: "أولها النبي ﷺ ، لأنه نبي آخر الزمان، وقد بعث

стр. 597

وليس بينه وبين القيامة نبي، ثم بَيَّنَ ﷺ ما يليه من الأشراط فقال: (أن تلد الأمة ربتها) " (١). وكذا موته ﵊ من أشراط الساعة، فقد أخرج البخاري من حديث عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي ... ) (٢). فكون ما جاء بعده بزمن يسير من أشراط الساعة من باب أولى. وقد أخبر النبى ﷺ عن عدد من أشراط الساعة فوقعت بعد موته بزمن يسير، كقوله ﷺ -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁-: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة) (٣)، فقد ذكر بعض أهل العلم، كالبيهقي (٤)، وابن حجر (٥)، وغيرهما (٦)، أن المراد بذلك ما حصل بين علي ومعاوية ﵄ في موقعة صفين، والله أعلم. وأما القول الثاني وهو أن المراد: الإخبار عن كثرة بيع أمهات الأولاد، حتى إن بعض ولدها ربما اشتراها واستخدمها جاهلًا بأنها أمه، فيشكل عليه أن المفهوم من ظاهر الحديث أن ولدها يكون ربها وسيدها حال ولادتها له، بل وقبل ذلك، ولهذا استبعد هذا القول الحافظ ابن رجب حيث قال: "في هذا القول نظر وبعد" (٧). وأما القول الثالث وهو أن المراد: الإخبار عن كثرة العقوق في

стр. 598

الأولاد، حتى إن الولد يعامل أمه معاملة السيد أمته، فهو تأويل بعيد عن ظاهر الحديث، ثم إن العقوق لا يختص بأولاد الإماء، ولذا قال القاضي عياض -معقبًا على هذا القول-: "لكن لا معنى إذًا لتخصيص أولاد الإماء بهذا، إلا أن يقال: إن سبب نسبه الأموية أقرب إلى استدعاء العقوق والاستحقار" (١). * * *

стр. 599

الفصل الثاني: الأحايث المتوهم إشكالها في المعاد وفيه ستة مباحث: * المبحث الأول: أحاديث الميزان، في بيان ما الذي يوزن؟ . * المبحث الثاني: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون). * المبحث الثالث: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة). * المبحث الرابع: (وإن ناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم). * المبحث الخامس: شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب. * المبحث السادس: ما جاء في سماع الأموات.

стр. 600

المبحث الأول: أحاديث الميزان، في ما الذي يوزن ؟ وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.
следующие страницы →