← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المطلب الثالث: الترجيح الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم بالصواب- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو أن معنى قوله ﷺ : (إذا ولدت الأمة ربها) أي: سيدها، وصورة ذلك: أن يستولد السيد أمته ومملوكته، فيكون ولده منها بمنزلة ربها وسيدها، لأنه كأبيه في الحسب، وولد السيد بمنزلة السيد. وفي هذه العلامة إشارة إلى كثرة الفتوحات الإسلامية ووقوع السبي وفشو النعمة وظهورها في الناس حيث تكثر السراري. وقد وجه الحافظ ابن حجر اعتراضًا على هذا القول فقال: "لكن في كونه المراد نظر، لأن استيلاد الإماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة" (١). والجواب عن هذا الاعتراض: أنه وإن تقدم وقوع هذا فإنه لا يخرج عن كونه علامة من علامات الساعة، فإن بداية الأشراط متقدمة، لا سيما وأن بعثة النبي ﷺ تعتبر منها فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، قال: وضم السبابة والوسطى (٢). قال القرطبي: "أولها النبي ﷺ ، لأنه نبي آخر الزمان، وقد بعث

стр. 597

وليس بينه وبين القيامة نبي، ثم بَيَّنَ ﷺ ما يليه من الأشراط فقال: (أن تلد الأمة ربتها) " (١). وكذا موته ﵊ من أشراط الساعة، فقد أخرج البخاري من حديث عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي ... ) (٢). فكون ما جاء بعده بزمن يسير من أشراط الساعة من باب أولى. وقد أخبر النبى ﷺ عن عدد من أشراط الساعة فوقعت بعد موته بزمن يسير، كقوله ﷺ -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁-: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة) (٣)، فقد ذكر بعض أهل العلم، كالبيهقي (٤)، وابن حجر (٥)، وغيرهما (٦)، أن المراد بذلك ما حصل بين علي ومعاوية ﵄ في موقعة صفين، والله أعلم. وأما القول الثاني وهو أن المراد: الإخبار عن كثرة بيع أمهات الأولاد، حتى إن بعض ولدها ربما اشتراها واستخدمها جاهلًا بأنها أمه، فيشكل عليه أن المفهوم من ظاهر الحديث أن ولدها يكون ربها وسيدها حال ولادتها له، بل وقبل ذلك، ولهذا استبعد هذا القول الحافظ ابن رجب حيث قال: "في هذا القول نظر وبعد" (٧). وأما القول الثالث وهو أن المراد: الإخبار عن كثرة العقوق في

стр. 598

الأولاد، حتى إن الولد يعامل أمه معاملة السيد أمته، فهو تأويل بعيد عن ظاهر الحديث، ثم إن العقوق لا يختص بأولاد الإماء، ولذا قال القاضي عياض -معقبًا على هذا القول-: "لكن لا معنى إذًا لتخصيص أولاد الإماء بهذا، إلا أن يقال: إن سبب نسبه الأموية أقرب إلى استدعاء العقوق والاستحقار" (١). * * *

стр. 599

الفصل الثاني: الأحايث المتوهم إشكالها في المعاد وفيه ستة مباحث: * المبحث الأول: أحاديث الميزان، في بيان ما الذي يوزن؟ . * المبحث الثاني: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون). * المبحث الثالث: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة). * المبحث الرابع: (وإن ناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم). * المبحث الخامس: شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب. * المبحث السادس: ما جاء في سماع الأموات.

стр. 600

المبحث الأول: أحاديث الميزان، في ما الذي يوزن ؟ وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 601

المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها و بيان وجه الاشكال عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، متفق عليه (١). وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان ... )، رواه مسلم (٢). وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، متفق عليه" (٣). بيان وجه الإشكال قبل ذكر وجه الإشكال يحسن التنبيه على أن الميزان ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:

стр. 602

أما الكتاب فمنه: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨, ٩]. وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون: ١٠٢, ١٠٣]. وأما السنة: فتقدم ذكر بعض الأحاديث في ذلك، وقد نص بعض أهل العلم على أن أحاديث الميزان قد بلغت حد التواتر (١). وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من أهل العلم (٢). وقد ذكره أئمة السلف في عقائدهم، ونصوا على أنه حق، والإيمان به واجب (٣).

стр. 603

وأما وجه الإشكال في الأحاديث السابقة فهو: أن الحديثين الأولين يدلان على وزن الأعمال، بينما الحديث الثالث يدل على وزن العامل، وجاء في غير الصحيحين (١) ما يدل على وزن صحائف الأعمال، وبناءً على اختلاف هذه الروايات اختلف أهل العلم في تعيين الموزون، كما ستراه في المطلب التالي إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 604

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في تعيين الموزون على عدة أقوال، أهمها: القول الأول: أن الذي يوزن الأعمال نفسها. وإلى هذا ذهب ابن حزم، والطيبي (١)، وابن حجر، وغيرهم (٢)، وعزاه بعضهم إلى أهل الحديث (٣). قال ابن حزم: "وموازين الآخرة لا يوزن فيها إلا الأفعال والأقوال ونيات النفوس" (٤). وقال ابن حجر: "والصحيح أن الأعمال هي التي توزن" (٥). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، متفق عليه.

стр. 605

٢ - حديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان ... )، رواه مسلم. فقالوا: هذان الحديثان صريحان في وزن الأعمال أنفسها (١). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]. فقالوا: إن ظاهر هذه الآية يدل على أن العمل هو الذي يوزن (٢). القول الثاني: أن الذي يوزن العامل، أي: صاحب العمل، (٣) وقال بعضهم: العامل مع عمله (٤). واستدل هؤلاء بما يلي: حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾)، متفق عليه. حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أنه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : (مِمَّ تضحكون؟ ) قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: (والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحُد) (٥).

стр. 606

القول الثالث: أن الذي يوزن صحائف الأعمال (١). وإلى هذا ذهب ابن عبد البر (٢)، والقرطبي، ونقله عن ابن عمر (٣)، ومرعي بن يوسف (٤)، والسفاريني (٥) -وذكراه عن جمهور المفسرين - والشوكاني (٦). وعمدة هؤلاء حديث البطاقة، وهو ما رواه الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا، أظلمك كتبتي الحافظون؟ يقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنةً، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول:

стр. 607

احْضُرْ وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: فإنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء) (١). قال القرطبي: "قوله: (فيخرج له بطاقة)، وذلك يدل على الميزان الحقيقي، وأن الموزون صحف الأعمال" (٢). وقال مرعي بن يوسف: "فثبت بهذا الحديث الصحيح أن الموزون إنما هو صحائف الأعمال" (٣). ومما أيدوا به قولهم هذا -أيضًا- أن قالوا: إن وزن الأعمال قد استُشكل، لأنها أعراض، والأعراض لا توصف بثقل ولا خفة، ولا تقبل الوزن، والقول: بأن الموزون هو الصحائف التي تكتب فيها الأعمال يرفع هذا الإشكال، لأن الصحائف أجسام (٤). قال الشيخ ابن عثيمين: "وجمع بعض العلماء بين هذه النصوص بأن ... الوزن حقيقة للصحائف، وحيث إنها تثقل وتخف بحسب الأعمال المكتوبة صار الوزن كأنه للأعمال، وأما وزن صاحب العمل فالمراد به قدره وحرمته، وهذا جمع حسن، والله أعلم" (٥).

стр. 608

وأجابوا عن حديث: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) بأن المراد به ضرب مثل لبيان قدره وحرمته، وليس المراد حقيقة الوزن (١). وأما حديث ابن مسعود فأجاب عنه بعضهم بالخصوصية (٢). القول الرابع: أن الجميع يوزن فتوزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وإلى هذا ذهب ابن كثير (٣)، وابن أبي العز، وحافظ الحكمي، وابن باز وغيرهم (٤). قال ابن أبي العز بعدما ساق بعض النصوص الواردة في ذلك: "فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال" (٥). وقال حافظ الحكمي: "الذي استظهر من النصوص -والله أعلم- أن العامل وعمله وصحيفة عمله كل ذلك يوزن، لأن الأحاديث التي في بيان القرآن قد وردت بكل ذلك ولا منافاة بينها" (٦). وقال الشيخ ابن باز: "الجمع بين النصوص الواردة في وزن الأعمال، والعاملين، والصحائف أنه لا منافاة بينها فالجميع يوزن، ولكن الاعتبار في الثقل والخفة يكون بالعمل نفسه لا بذات العامل، ولا بالصحيفة" (٧).

стр. 609

المطلب الثالث: الترجيح المتأمل للأقوال الثلاثة الأولى يجد أن كل واحد منها نظر إلى نوع واحد من النصوص الواردة في ذلك، ثم قال: بمدلوله، وبعضهم حاول الإجابة عن بعض النصوص الدالة على وجود موزونات أخرى غير ما ذهب إليه، كتأويل بعضهم لحديث وزن العامل بما يخالف ظاهره ومقتضاه، حيث قالوا: إنه مجرد ضرب مثل، فلا يؤخذ منه إثبات وزن العامل حقيقة. والحق هو القول الجاري على الجمع بين النصوص الواردة في ذلك، والأخذ بمدلولها، فحيث ثبت وزن الأعمال، كما في أدلة القول الأول، وثبت وزن العامل، كما في أدلة القول الثاني، وثبت وزن الصحائف كما في حديث البطاقة، فإن المتعين هو القول: بأن جميع ذلك يوزن -على ما جاء في القول الرابع- وإن كان الاعتبار في الثقل والخفة إنما يكون بالعمل نفسه، لا بذات العامل ولا بالصحيفة، وهذا مقتضى الأدلة كلها، أما أحاديث وزن الأعمال فواضح، وأما أحاديث وزن العامل فهي ظاهرة الدلالة على أن العمل هو المؤثر في خفة العامل وثقله في الميزان، وحديث البطاقة دالٌّ على ذلك كذلك، فإن البطاقة إنما ثقلت بسبب ما كتب فيها من العمل وهو الشهادتان. وقد جاء عند الإمام أحمد وغيره ما يدل صراحة على هذا الجمع، وهو أن جميع ذلك يوزن، حيث روى حديث البطاقة عن عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا بلفظٍ يجمع ما تفرق من هذه النصوص، وهو: (توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة، فيوضع ما أحصي عليه، فتمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أُدْبِرَ به إذا

стр. 610

صائح يصيح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان) (١). قال ابن كثير: "وفي رواية الإمام أحمد بن حنبل من طريق ابن لهيعة في حديث البطاقة أنه يوزن مع عمله في الكتاب، وهذه الرواية تجمع الأقوال كلها بتقدير صحتها، والله تعالى أعلم" (٢). وقال حافظ الحكمي بعد استدلاله بهذه الرواية: "وهذا غاية الجمع بين ما تفرق ذكره في سائر أحاديث الوزن، ولله الحمد والمنة" (٣). تنبيه: نص بعض أهل العلم -كالبخاري (٤)، والنووي (٥)، وابن تيمية (٦)، وابن القيم (٧)، وغيرهم (٨) - على وزن الأعمال، ولكن لا يعني هذا نفيهم وزن العامل أو الصحائف، إلا إذا ورد عنهم ما يدل على حصر الموزون في الأعمال، ولم أقف -بعد البحث- على شيء من هذا، ولعلهم ذكروا الأعمال دون غيرها لوجود مناسبة معينة، كدلالة آية أو حديث على ذلك، أو باعتبار أنها هي المؤثر الحقيقي في الميزان، والله أعلم.

стр. 611

إشكال وجوابه: استُشكل وزن الأعمال من حيث إنها أعراض فكيف توزن، والوزن إنما يكون للأجسام؟ (١). وقد أجاب بعضهم عن هذا الإشكال: بأن الله تعالى يقلب الأعراض يوم القيامة أجسامًا ثم توزن (٢). قال ابن كثير: "قوله: (والحمد لله تملأ الميزان) فيه دلالة على أن العمل نفسه وإن كان عرضًا قد قام بالفاعل، يحيله الله يوم القيامة فيجعله ذاتًا يوضع في الميزان" (٣). وقال ابن أبي العز: "فلا يلتفت إلى قول ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزنَ الأجسامُ، فإن الله يقلب الأعراض أجسامًا" (٤). وقال ابن حجر نقلًا عن الطيبي: "والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذٍ تجسد أو تجعل في أجسام، فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ثم توزن" (٥). وأيدوا قولهم هذا بأنه قد جاء في السنة ما يدل على أن الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا يوم القيامة، ومن ذلك:

стр. 612

ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيَشْرَئِبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ [مريم: ٣٩]) (١). وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كانهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة)، رواه مسلم (٢). ولا ريب أن تجسيد الأعمال يوم القيامة ثم وزنها أمر محتمل، لكن لا ينبغي الجزم به لعدم الدليل عليه (٣)، فكيفية وزن الأعمال يوم القيامة من أمور الغيب، والذي يجب فيها: أن نقف عند حدود ما ورد به النص، فنؤمن بها كما جاءت، ولا نكلف أنفسنا عناء الخوض في كيفيتها وأمورها التفصيلية إلا على ضوء ما ورد به الشرع، والله أعلم. قال ابن تيمية: "وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أُخبرنا به من الغيب" (٤). وقال ابن أبي العز: "فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال،

стр. 613

وثبت أن الميزان له كفتان (١)، والله أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات، فعلينا الإيمان بالغيب، كما أخبرنا الصادق ﷺ من غير زيادة ولا نقصان" (٢). * * *

стр. 614

المبحث الثاني: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصوَّرون) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 615

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصوِّرون)، متفق عليه (١). وفي رواية لمسلم: (إن من أشد أهل النار يوم القيامة عذابًا المصوِّرون). وعن عائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون (٢) بخلق الله)، متفق عليه (٣). وفي رواية لمسلم: (إن من أشد الناس .... ). بيان وجه الإشكال استُشكل هذا الحديث لأنه يقتضي كون المصور أشد الناس عذابًا، ومعلوم أن المؤمن المذنب لا يكون أشد عذابًا من الكافر، لا سيما وقد قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].

стр. 616

قال الطبري: "إن قال قائل: ما أنت قائل فيمن صور صورة وهو لله موحد، ولنبيه ﵇ مصدق، أهو أشد عذابًا أم فرعون وآله؟ فإن قلت: من صور صورة، قيل: قد قال الله خلاف ذلك: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ " (١)، ثم أجاب عن الحديث، كما سيأتي في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى. وقال ابن حجر: "وقد استُشكل كون المصور أشد الناس عذابًا مع قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فإنه يقتضي أن يكون المصور أشد عذابًا من آل فرعون" (٢). * * *

стр. 617

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث على عدة أقوال، وهي كالتالي: القول الأول: أن هذا الوعيد فيمن قصد مضاهاة خلق الله تعالى، لأن من كان هذا قصده فهو كافر، بخلاف ما لو صوَّر بدون قصد المضاهاة فإنه لا يكفر، لكنه اقترف ذنبًا كبيرًا (١). وإلى هذا ذهب الطبري وابن بطال، واستدلا برواية عائشة ﵂: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)، متفق عليه. قال الطبري: "ليس في خبر ابن مسعود خلاف للتنزيل (٢)، بل هو له مصدق، وذلك أن المصوِّر الذي أخبر النبي ﵇ أنه له أشد العذاب هو الذي وصفه النبي ﵇ في حديث عائشة بقوله: (الذين يضاهون خلق الله) " (٣). وقال ابن بطال معقبًا على كلام الطبري: "المتكلف من ذلك مضاهاة ما صوره ربه في خلقه أعظم جرمًا من فرعون وآله، لأن فرعون كان كفره بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] من غير ادعاءٍ منه أنه يخلق، ولا

стр. 618

محالة (١) منه أن ينشئ خلقًا يكون كخلقه تعالى شبيهًا ونظيرًا، والمصوِّر المضاهي بتصويره ذلك منطوٍ على تمثيله نفسه بخالقه، فلا خلق أعظم كفرًا منه، فهو بذلك أشدهم عذابًا وأعظم عقابًا، وأما من صور صورة غير مضاه ما خلق ربه، وإن كان بفعله مخطئًا، فغير داخل في معنى من ضاهى ربه بتصويره" (٢). القول الثاني: أن هذا الوعيد فيمن صور الصور لكي تعبد، كحال صانعي الأصنام، فمن فعل هذا فهو كافر، والكفار أشد الناس عذابًا (٣). اختار هذا الكرماني (٤) والقسطلاني (٥). قال الكرماني: "فإن قلتَ: لِمَ كانوا أشد الناس عذابًا؟ قلتُ: لأنهم يصورون الأصنام للعبادة لها، فهم كفرة، والكفرة أشدهم عذابًا" (٦). القول الثالث: أن الناس الذين أُضيف إليهم: (أشد) لا يراد بهم كل الناس، بل بعضهم، وهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعَّد عليه بالعذاب، ففرعون أشد الناس الذين ادَّعوا الإلهية عذابًا، ومن صوَّر ذوات الأرواح للعبادة، أشد عذابًا ممن يصورها لا للعبادة.

стр. 619

وإلى هذا ذهب القرطبي (١). القول الرابع: حمل الحديث على رواية: (إن من أشد ... ) أي: بإثبات (من) فيكون المصور من أشد الناس عذابًا، وليس هو أشدهم، وكونه كذلك لا يمنع مشاركة غيره له في ذلك، لأن هذا اللفظ لا يوجب اختصاص المصور بالوعيد المذكور. وإلى هذا ذهب الطحاوي -وغيره (٢) - إلا أنه خص هذا الوصف بثلاثة أصناف ورد ذكرهم في الحديث الذي أخرجه هو وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة: رجل قتل نبيًا أو قتله نبي، وإمام ضلالة، ومُمَثِّل من الممثلين) (٣). وقال: "المشبه بخلق الله هو الممثل بخلق الله" (٤) أي: أن المصور داخل في الصنف الثالث الوارد في هذا الحديث. القول الخامس: أن الأشدية نسبية، يعني: أن المصورين أشد الناس عذابًا بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر، لا بالنسبة لجميع الناس. قال الشيخ محمد العثيمين: "وهذا أقرب الوجوه، والله أعلم" (٥). * * *

стр. 620

المطلب الثالث: الترجيح الذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- القول الخامس، وهو أن الأشدية نسبية، أي: أن المصورين أشد الناس عذابًا بالنسبة للعصاة، لا بالنسبة لجميع الناس -أي: أشد العصاة عذابًا- لأن النصوص يفسر بعضها بعضًا، وقد دلت نصوص الشريعة على أن المذنب لا يكون أشد عذابًا من الكافر، وأن المعصية مهما عظمت فإنها لا تكون أعظم من الشرك والكفر بالله تعالى. قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]، فهذه الآية -ونظائرها- تدل على أن سائر الذنوب التي هي دون الكفر والشرك -والتي من جملتها التصوير- تكون تحت المشيئة، بخلاف الشرك والكفر، فإن الله تعالى لا يغفره، مما يدل على أنه أعظم ذنبًا وأشد عذابًا. وقد روى الطبري في تفسيره عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة: من كفر من أصحاب المائدة، والمنافقون، وآل فرعون" (١). قال القرطبي: "تصديق ذلك في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال تعالى في أصحاب المائدة: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، وقال

стр. 621

في آل فرعون: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] " (١). لكن مما لا شك فيه أن هذا الوعيد في حق المصور يدل على عظم هذه المعصية، وأنها من كبائر الذنوب، مما يوجب له تركها والبعد عنها، والحذر منها. مناقشة الأقوال المرجوحة: أما القول الأول، وهو حمل الحديث على من قصد المضاهاة، دون من صور ولم يقصدها، فيشكل عليه: أن المضاهاة حاصلة بمجرد التصوير، سواءً قصدها أم لم يقصدها. قال الشيخ ابن عثيمين: "قوله: (يضاهئون) هل الفعل يشعر بالنية، أو نقول: المضاهاة حاصلة، سواء كانت بنية أو بغير نية؟ الجواب: الثاني، لأن المضاهاة حصلت سواء نوى أم لم ينوِ، لأن العلة هي المشابهة، وليست العلة قصد المشابهة" (٢). وأما القول الثاني: وهو حمل الحديث على من صور الصورة لكي تعبد، فقد استبعده الشيخ ابن عثيمين، حيث قال: "وليست الحكمة كما يدعيه كثير من الناس أنهم يصنعونها لتعبد من دون الله، فذلك شيء آخر، فمن صنع شيئًا ليعبد من دون الله، فإنه حتى ولو لم يصور-كما لو أتى بخشبة وقال: اعبدوها- دخل في التحريم" (٣). وأما القول الثالث: وهو قصر الناس في قوله: (إن أشد الناس عذابًا ... ) على المصورين فقط، فيرده عموم الحديث، لا سيما وأنه لا دليل على هذا التخصيص. وأما القول الرابع: وهو حمل الحديث على رواية: (إن من أشد ... )

стр. 622

أي: بإثبات (من)، فإنه ليس فيه ما يرفع الإشكال، لأنه يقتضي مساواة المصور -الذي فعل كبيرة فقط- بالكافر المستكبر، الذي يقع عليه أشد العذاب (١). والحاصل: أن الوعيد بهذه الصيغة (أشد الناس عذابًا) إن ورد في حق كافر-كقوله: (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة: رجل قتل نبيًا أو قتله نبي) - فلا إشكال فيه، لأنه يكون مشتركًا في ذلك مع آل فرعون، ويكون فيه دلالة على عظم كفر المذكور، وإن ورد في حق عاصٍ -كقوله: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصَّورون) -فيكون أشد عذابًا من غيره من العصاة، ويكون ذلك دالًا على عظم المعصية المذكورة (٢). * * *

стр. 623

المبحث الثالث: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 624

المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله و بيان وجه الإشكال عن عائشة ﵂ قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، ، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)، رواه مسلم (١). وفي رواية له: قالت عائشة ﵂: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ : (أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلا). بيان وجه الإشكال ذهب جمهور أهل العلم إلى أن أطفال المؤمنين في الجنة (٢)، بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك، ولم يخالف فيه إلا طائفة قليلة من أهل العلم قالوا: بالوقف، كما سيأتي. قال الإمام أحمد، وقد سُئل عن أطفال المسلمين: "ليس فيه خلاف أنهم في الجنة" (٣).

стр. 625

وقال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن أطفال المسلمين في الجنة، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافًا، إلا فرقة شذت من المجبرة، فجعلتهم في المشيئة، وهو قول شاذ مهجور، مردود بإجماع الجماعة، وهم الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم الغلط في مثل هذا" (١). وقال النووي: "أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة" (٢). ولعل من حكى الإجماع أراد: إجماع الجمهور، وهو ما عبر به ابن عبد البر في أحد المواضع، حيث قال بعد ذكر الحجج والأدلة على أنهم في الجنة: "وفي هذه الآثار مع إجماع الجمهور ... " (٣). وقال في موضع آخر: "وقال آخرون: -وهم الأكثر-: أطفال المؤمنين في الجنة، وأطفال الكفار في المشيئة" (٤). وإلى هذا أشار النووي في النقل المتقدم، حيث قال: "أجمع من يعتد به ... ". وهو أيضًا ما وجه به ابن حجر قول من حكى الإجماع، حيث قال: "لعله أراد إجماع من يعتد به" (٥). ولعل أدق من حكى هذا القول ونسبه إلى القائلين به الإمام المازري ﵀، حيث قال: "أما أطفال المؤمنين الذين لم يبلغوا الحلم، فأولاد الأنبياء صلوات الله عليهم منهم، قد تقرر الإجماع على أنهم في

стр. 626

الجنة، وكذلك جمهور العلماء على أن أولاد من سواهم من المؤمنين في الجنة، وبعضهم ينكر الخلاف في ذلك، ويتعلقون بظاهر القرآن، وما ورد في بعض الأخبار" (١). وقال أيضًا: "الإجماع على أن الصغار من أولاد النبيين في الجنة، وجمهور العلماء على أن أطفال المؤمنين في الجنة أيضًا، وبعض العلماء وقف فيهم" (٢). وقد يكون من نُقل عنهم الوقف في ذلك لم يثبت ذلك عنهم، أو عن بعضهم، فإن إسحاق بن راهويه وهو ممن نُقل عنه ذلك، قد رُوي عنه أنه قال: "أما أولاد المسلمين فإنهم من أهل الجنة" (٣). والحاصل أن نسبة هذا القول -وهو أن أولاد المسلمين في الجنة- إلى الجمهور أدق من حكاية الإجماع عليه، والله تعالى أعلم. واستدل الجمهور على هذا القول بأدلة كثيرة، منها: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١]. قال أبو عمرو الداني (٤): "قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ

стр. 627

بِإِيمَانٍ﴾ يعني: الكبار الذين بلغوا التكليف، ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يعني: الصغار الذين لم يبلغوا التكليف، قاله ابن عباس (١) والضحاك (٢) " (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر: ٣٨, ٣٩]، فقد جاء عن علي بن أبي طالب أن أصحاب اليمين هم: أطفال المسلمين (٤)، قال ابن عبد البر: "ولا مخالف له في ذلك من الصحابة" (٥). ٣ - ما أخرجه مسلم عن أبي حسان أنه قال: قلت لأبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله ﷺ بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا، قال: قال: نعم (صغارهم دعاميص (٦) الجنة، يتلقى أحدهم أباه -أو قال: أبويه- فيأخذ بثوبه -أو قال: بيده- كما آخذ أنا

стр. 628

بصنفة (١) ثوبك هذا، فلا يتناهى -أو قال: فلا ينتهي- حتى يدخله الله وأباه الجنة) (٢). قال القرطبي: "في هذا الحديث ما يدل على أن صغار أولاد المؤمنين في الجنة، وهو قول أكثر أهل العلم، وهو الذي تدل عليه أخبار صحيحة، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ " (٣). ٤ - حديث سمرة بن جندب في قصة رؤيا النبي ﷺ ، وفيها أنه قال: (وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵇، وأما الوِلْدَان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة)، رواه البخاري (٤). فقالوا: هذا الحديث نص صحيح صريح في أنهم في الجنة، ورؤيا الأنبياء وحي (٥). قال ابن عبد البر: "هذا يقتضي ظاهره وعمومه جميع الناس" (٦). ٥ - حديث معاوية بن قرَّة عن أبيه: أن رجلًا كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابن له، فقال له النبي ﷺ : (أتحبه؟ ) فقال: يا رسول الله، أحبَّك الله كما أُحِبُّه، ففقده النبي ﷺ فقال: (ما فعل ابن فلان؟ ) قالوا: يا رسول الله، مات، فقال النبي ﷺ لأبيه: (أما تحب أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟ ) فقال رجل: يا رسول الله، أله خاصة أم لكلنا؟ قال: (بل لكلكم) (٧).

стр. 629

قال البيهقي: "ذلك فيمن وافى أبواه يوم القيامة مؤمنين أو أحدهما، فيُلحق بالمؤمن ذريته، كما جاء به الكتاب، ويُستفتح له، كما جاءت به السنة، ويحكم لها بأنها كانت ممن جرى له القلم بالسعادة" (١). ٦ - جملة من الأحاديث الواردة في فضل من يموت له ولد أو أكثر فيحتسبه، ومنها: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال لنسوة من الأنصار: (ما منكنَّ امرأةٌ تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابًا من النار)، فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: (واثنين)، متفق عليه (٢). وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تَحِلَّة القسم)، متفق عليه (٣). وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما من الناس من مسلم يُتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحِنْثَ إلا أدخله الله الجنة، بفضل رحمته إياهم)، رواه البخاري (٤). قال ابن عبد البر: "في هذه الأحاديث دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة لا محالة -والله أعلم- لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم من أجلهم، استحال أن يُرحموا من أجل من ليس بمرحوم، ألا ترى إلى قوله ﷺ :

стр. 630

(بفضل رحمته إياهم) " (١). وهذا معنى قول الإمام أحمد: "هو يُرجى لأبويه، كيف يُشك فيه؟ " (٢). وقال النووي: "هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة" (٣). وقال ابن القيم: "هذه الأحاديث أكثرها في الصحيح، وكلها صحيحة، وهذا القول في أطفال المسلمين هو المعروف من قواعد الشرع، حتى إن الإمام أحمد أنكر الخلاف فيه، وأثبت بعضهم الخلاف، وقال: إنما الإجماع على أولاد الأنبياء خاصة" (٤). من خلال ما تقدم، يتضح وجه إشكال حديث المسألة، حيث استشكله أهل العلم لكون النبي ﷺ أنكر على عائشة حكمها على ذلك الصبي بالجنة فقال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)، فظاهر هذا الإنكار يخالف ما ذهب إليه الجمهور، وحُكي الإجماع عليه، وهو مقتضى الأدلة المتقدمة من أن أطفال المؤمنين في الجنة! * * *

стр. 631

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال سلك أهل العلم في هذا الحديث مسلكين: المسلك الأول: ردُّ الحديث وتضعيفه، لضعف أحد رواته، وهو طلحة بن يحيى. وإلى هذا ذهب الإمام أحمد وابن عبد البر. قال الإمام أحمد -وقد ذكر له حديث عائشة-: "هذا حديث ضعيف" (١)، ثم ذكر ضعف طلحة بن يحيى. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: "سمعت أبي يقول: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُرَيْد بن أبي بردة: بريد يروي أحاديث مناكير، وطلحة حدَّث بحديث: عصفور من عصافير الجنة" (٢). وقال ابن عبد البر: "هذا حديث ساقط ضعيف مردود ... وطلحة بن يحيى ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به، فلا يُعرج عليه" (٣). وقال الذهبي عن هذا الحديث: "رواه جماعة عن طلحة، وهو مما

стр. 632

يُنْكَر من حديثه" (١). قلت: وطلحة هذا هو: طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبد الله التيمي القرشي: قال فيه يحيى بن سعيد القطان: لم يكن بالقوي. وقال أحمد: صالح الحديث (٢). وقال ابن معين: ثقة، وفي رواية قال: ليس بالقوي. وقال يعقوب بن شيبة (٣) والعجلي (٤) والدارقطني: ثقة. وقال النسائي وأبو زرعة: صالح. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطئ. وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة. وقال ابن حجر: وطلحة إنما أنكر عليه: عصفور من عصافير الجنة (٥).

стр. 633

وقال في التقريب: "صدوق يخطئ" (١). المسلك الثاني: قبول الحديث وتصحيحه، وعلى هذا أكثر أهل العلم، لكنهم اختلفوا في معناه وما يدل عليه، على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن النبي ﷺ قال ذلك لعائشة ﵂ قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة. وإلى هذا ذهب ابن حزم (٢)، وذكره الحليمي (٣)، والبيهقي (٤)، والنووي (٥) بصيغة الاحتمال، وهو أحد قولي ابن القيم (٦). قال ابن القيم عن هذا الحديث: "وقد أجبت عنه بعد التزام صحته، بأن هذا القول كان من النبي ﷺ قبل أن يعلمه الله بأن أطفال المؤمنين في الجنة، وهذا جواب ابن حزم وغيره" (٧). القول الثاني: الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التوقف (٨) فيهم، وفي أطفال المشركين، وتوكيل علمهم إلى الله تعالى، فلا يشهد لهم بجنة ولا نار، وربما عبر بعضهم عن ذلك بقوله: إنهم في المشيئة (٩).

стр. 634

قال ابن عبد البر: "ذهب إلى القول: بالوقف جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث، منهم: حماد بن زيد (١)، وحماد بن سلمة (٢)، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه (٣)، وغيرهم، وهو يشبه ما رسمه مالك في أبواب القدر في موطئه، وما أورد في ذلك من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار -خاصة- في المشيئة لآثار وردت في ذلك" (٤).

стр. 635

وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة (١) منها: ١ - حديث عائشة ﵂ وهو حديث المسألة -قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم). فقالوا: هذا الحديث صحيح صريح في التوقف فيهم، فإن الصبي كان من أولاد المسلمين (٢). ٢ - حديث ابن مسعود ﵁ وما في معناه -في كتابة ما قدر للعبد وهو في بطن أمه، حيث قال ﷺ في آخره: (ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح)، متفق عليه (٣). "وجه الدلالة من ذلك: أن جميع من يولد من بني آدم، إذا كُتب السعداء منهم والأشقياء قبل أن يخلقوا، وجب علينا التوقف في جميعهم، لأنا لا نعلم هذا الذي توفي منهم هل هو ممن كتب سعيدًا في بطن أمه أو كتب شقيًا" (٤). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قيل له: يا رسول الله،
следующие страницы →