وفي «كامل ابن الأثير» [٧/ ٥٣٥] أنّ ابن عمهم أبا سعد ابن ماكولا كان وزيرًا لجلال الدولة ابن بُويه، وتوفي سنة ٤١٧. وعَقِبه في الوزارة عَمُّ الأمير، وهو أبو علي الحسن بن علي بن جعفر، وتَقَلَّبت به الأمور حتى قُتِل سنة ٤٢١، ثم ولي الوزارة والد الأمير، وهو أبو القَاسِم هِبةُ الله بن علي بن جعفر، وكان مولده سنة ٣٦٥، فتقلَّبت به الأمور، يَلِي الوزارة ويُعزل، دَوَالَيك، إلى أن توفي سنة ٤٣٠ في الحبس بِهِيت، بعد أن مكث محبوسًا سَنَتين وخمسة أشهر، كان جلال الدولة سَلَّمَه إلى قرواش بن المقلد فحبسه.
وانفرد الأخ الثالث عَمُّ الأمير، وهو أبو عبد الله الحسين بن علي بن جعفر كان مِنْ أهل العلم، وولي قَضَاء القُضَاة ببغداد، واستمر فيه سبعًا وعشرين سنة ولايةً متصلة لم يُعزل البَتَّة حتى مات، مع شدة الاضطرابات في تلك الفترة ببغداد، وتَعَرَّض أخويه لشَرِّها مِرارًا، ومولده سنة ٣٦٨، وولي القضاء سنة ٤٢٠، وتوفي سنة ٤٤٧، وفي ترجمته من «تاريخ بغداد» [٨/ ٦٣٥] قول الخطيب: «كان نَزِهًا صَيِّنًا عَفِيفًا، لم نر قاضيًا أعظم نَزاهةً ولا أَظْلَف نفسًا منه».
وفي الترجمة أنّه من أهل جَرْبَاذْقَان ثم سكن بغداد، وكذلك يذكر في وصف الأمير «الجَرْبَاذْقَاني». وجرباذقان بلد بين هَمَذَان والكَرَج وأَصْبَهان، كأن بَنِي دُلَف نَزَحُوا إليها عن الكرج للخِلاف بينهم وبين بني عَمِّهم.
مولد الأمير:
وُلِد الأمير ببلدة «عُكْبرا»، وهي قريبة من بغداد، وفي تاريخ مولده أقوال:
الأول: سنة اثنتين وأربعمائة، كذا وقع في وفيات سنة ٤٨٦ من «المنتظم» لابن الجوزي [١٧/ ٨]، وهي السنة التي ذكر أنّ الأمير توفي فيها أو في التي بعدها، وتبعه ابنُ الأثير في «كامله» [٨/ ٣٧٤] في أخبار سنة ٤٨٦، وابن كثير في وفيات هذه
стр. 37
السنة من «البداية» [١٦/ ١٣٨]، وبنى على ذلك قوله: «وقد جاوز الثمانين كذا ذكره ابن الجوزي».
وهذا القول غلط ففي «التذكرة» عن ابن النجار وَصَف الأمير بأنّه «أحبَّ العلم من الصِّبا» (١).
ولم أر في شيوخ الأمير أحدًا ممّن توفي قبل سنة ٤٣٠، ولا فيها إلاّ أنّه قال في رسم (أبّا) من «الإكمال» [١/ ٨]: «وثبتني فيه السعيد أبي»، ولا في التي تليها إلا واحدًا وهو بُشْرى الرُّومي الفَاتِني، فإنّه مذكور من شيوخه، وقد نصّ الأمير على ذلك عندما ذكره في «الإكمال» [١/ ٣٠٥] في رسم (بشرى).
وغالب شيوخه هم ممن توفي سنة ٤٤٠ فما بعدها كما ستراه.
القول الثاني: سنة عشرين وأربعمائة. رواه ابن نُقطة في «التقييد» [ص ٤١٨] عن محمد بن عُمَر بن خَلِيفة الحَربي، عن ابن ناصر، إجازة، وقاله ابن الجوزي في وفيات سنة خمس وسبعين وأربعمائة من «المنتظم» [١٦/ ٢٢٦].
القول الثالث: ما في «النجوم الزاهرة» [٥/ ١١٥]: «قال شيرويه في طبقاته: وكان يعرف بالوزير سعد الملك بن ماكولا، وولد بِعُكْبَرا في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة في شعبان، وكنيته أبو نصر، قال صاحب مرآة الزمان .... ».
وظاهر هذا أنّ التاريخ من بقية عبارة شيرويه، وشيرويه ممن سمع من الأمير كما يأتي، فالظاهر أنّه يحكي هذا القول عن الأمير نفسه. وفي «تذكرة الحفاظ» [ص ١٢٠٣]: «قال الحافظ ابن عساكر: وزَرَ أبوه للقائم أمير المؤمنين، وولي عمه قضاء القضاة ببغداد وهو الحسين بن علي، قال: ولدت في شهر شعبان سنة إحدى وعشرين».
وهذا محكيّ عن الأمير نفسه، ويظهر أنّ ابن عساكر سمعه من إسماعيل ابن
_________
(١) ينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥٧٥).
стр. 38
السمرقندي عن الأمير، ففي «التذكرة» بعد ذلك: «قال ابن عساكر: سمعت إسماعيل ابن السمرقندي يذكر أنّ ابن ماكولا … » ذكر وفاته كما يأتي، وإسماعيل من الرواة عن الأمير، واعتمد هذا القول ابن خلكان قال: «كانت ولادته في عُكْبرا في خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة»، وأحسبه أخذ هذا عن نقل ابن عساكر عن إسماعيل ابن السمرقندي، فإنّ بقية عبارة ابن خلكان هي معنى ما في «التذكرة» عن ابن عساكر عن ابن السمرقندي.
القول الرابع: ما في «معجم الأدباء» في ذكر وفاة الأمير: «وقال ابن الجوزي: في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ومولده بعكبرا في شعبان من سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة» كذا قال، وتبعه الكُتُبي في «فوات الوفيات» [٣/ ١١١] وليس هذا في «المنتظم». ويمكن إهمال هذا القول لولا ما في «تذكرة الحفاظ» أول الترجمة قال: «قال ولدت في شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة».
وقد يُشكّك في الأقوال الثلاثة الأخيرة بما تقدم أنّ من شيوخ الأمير من توفي سنة ٤٣١، وأنّه حكى عن أبيه المتوفى سنة ٤٣٠ في الحبس بعد مكثه فيه سنتين وخمسة أشهر.
ويجاب بما تقدم أنّ الأمير أحب العلم مِنْ الصّبا وعُني به أهله، بدليل ما تراه في رواياته في «تهذيب مستمر الأوهام» قَلَّما يروي عن شيخ بغدادي إلا قال: «قراءة في دارنا» أو «قراءة عليه في دارنا» أو نحو ذلك، فلا يُنكر إسماعه وهو ابن إحدى عشرة أو عشر أو تسع، ولا يُنكر حفظه ضبط اسم سَمِعه من أبيه وهو ابن تسع، أو ثمان أو سبع على أنه لا يُنكَر اجتماعه بأبيه في محبسه، وكان أبوه وزيرًا عربيًّا وجيهًا، وفي حبس قرواش بن المقلد العُقَيلي، وهو مَلِك عربيّ سَرِي، ولم يُعرف لوالد الأمير جُرم كبير، فالظاهر أنّه كان موسَّعًا عليه في محبسه يجتمع به أهله وولده.
стр. 39
وبعد، فأرْجَح الأقوال هو الثالث: خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
حياة الأمير:
هل كان له إخوة؟ وهل كانت دارهم التي كان يدعى إليها شيوخ العلماء ليسمع الأمير منهم هي دار عَمِّه قاضي القضاة الحسين أيضًا؟ وهل تزوَّج الأمير؟ وهل وُلد له؟ في أسئلة أخرى لا أملك الجواب عنها، فلأقتصر على ما أملك.
القَدْر الذي وقفت عليه من حياة والد الأمير وأخويه يُبَين أنّ اللذين وَلِيا الوزارة، وهُما الحَسَن، وهِبةُ الله، عاشا عِيشة مُضْطربة، في مَدّ وجَزر، ومتاعب ونكَبات شديدة منهما وبهما، حتى مات الأول قتيلًا، والثاني سَجينًا، وسَلِم الثالث الذي اختار العلم، وهو الحسين، فلا غَرابة أن يَعْتَبِر الأميرُ بذلك، فيختار جانب العلم، والأمير هو القائل:
تجنبتُ أبوابَ الملوك لأنّني علمت بما لم يعلم الثقلان
رأيت سُهيلًا لم يَحِد في طريقه عن الشمسِ إلا من حذار هوان
ولا غَرابة أن تتشبث به الوراثة، فيأخذ من الإمارة بنصيب لا يعوقه عن العلم، ولا يعرِّضه لما أصاب أباه وعَمَّه.
ولنبدأ بالشطر الأول وهو جانب العلم:
طلبه العلم:
ليس بأيدينا ما يصف لنا بداية الأمير في طلب العلم، غير أنّه لا يخرج عمّا كان معروفًا لأبناء الأمير الجامعة بين الإمارة والعلم، يُرَتَّب له في بيت أهله مؤدِّبٌ يحفِّظه القرآن ويعلِّمه القِراءة والكتابة، ثم العربية والأدب والحساب، ويروِّضه على المحافظة على الواجبات الدينية، والآداب اللائقة بمركز أهله.
وقد كان الأمير نحويًّا مُبَرَّزًا، وشاعرًا مَجِيدًا كما يأتي، وهذا يبين عنايته بهذا
стр. 40
الجانب، وإن لم أجد نصًّا على اسم مؤدِّبه وأستاذه في العربية والأدب.
فأما الحديث والكتب المؤلفة فيه وفي فنونه وغيرها فسمعها من الشيوخ المعروفين، وكان إلى أن ناهز عمره عِشرين سنة لا يسمع أو لا يكاد يسمع إلا في دار أهله، فإنّنا نجده إذا روى عن بعض شيوخه المتوفين سنة أربعين أو قبلها أو بعدها بقليل = يبين أنّ السماع كان في داره، يقول «قراءة في دارنا» أو نحو ذلك. وهذا يفسِّر لنا ما قد يُستغرب من أنّ جماعة من الشيوخ البغداديين الذين أدركهم لم يُذكروا في شيوخه.
ونذكر الآن بعض شيوخه على ترتيب وفياتهم، وذِكْر المولد إن عرفناه.
شيوخه:
١ - بُشرى بن مَسِيس (ويقال له: بُشرى بن عبد الله) الرومي الفاتني (- ٤٣٠).
٢ - القاضي أبو عبد الله، الحسين بن علي الصيمري الحنفي (٣٥١ - ٤٣٦).
٣ - مُسْنِد العراق، أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان (٣٤٧ - ٤٤٠).
٤ - المحدّث أبو القاسم، عبيدالله بن عمر بن شاهين (٣٥١ - ٤٤٠).
٥ - المحدث أبو منصور، محمد بن محمد بن عثمان السواق (٣٦١ - ٤٤٠).
٦ - المحدث أبو الخطاب، عبد الصمد بن محمد بن محمد .. ابن مكرم (٣٦٦ - ٤٤٠).
٧ - المحدث أبو الحسن، أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي التاجر (٣٦٧ - ٤٤١).
٨ - المحدث أبو علي، الحسن بن علي بن محمد التميمي ابن المذهب (٣٥٥ - ٤٤٤).
٩ - المحدث أبو القاسم، عبد العزيز بن علي الخياط الأزجي (٣٥٦ - ٤٤٤)
١٠ - المحدث أبو طاهر، عبد الغفار بن محمد بن عبد الغفار ابن الأموي (٣٦٣ - ٤٤٧).
١١ - القاضي المحدث الأخباري، أبو القاسم علي بن المُحسِّن التنوخي (٣٦٥ - ٤٤٧).
١٢ - الراوي أبو أحمد، محمد بن موسى الغَنْدَجاني راوية «تاريخ البخاري» وغيره (٣٦٦ - ٤٤٧).
стр. 41
١٣ - المحدث أبو بكر، محمد بن عبد الملك بن محمد بن عبد الله ابن بشران (٣٧٣ - ٤٤٨).
١٤ - الإمام القاضي أبو الطيب، طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري (٣٤٨ - ٤٥٠).
١٥ - المحدّث المؤرخ القاضي أبو عبد الله، محمد بن سلامة بن جعفر القُضاعي المصري (- ٤٥٤).
١٦ - المحدث القاضي أبو تمام، علي بن محمد بن الحسن الواسطي (٣٧٢ - ٤٥٩).
١٧ - المحدث أبو علي، الحسن بن علي بن وهب الدمشقي (-٤٥٩).
١٨ - المحدث أبو القاسم الحسين بن محمد بن إبراهيم الحِنّائي الدمشقي (٣٧٨ - ٤٥٩).
١٩ - المحدث اللغوي النحوي الأخباري أبو غالب، محمد بن أحمد بن سهل بن بَشران الواسطي (٣٨٠ - ٤٦٢).
٢٠ - المحدث أبو محمد عبد الله بن الحسن بن طلحة يُعرف بابن البصري تِنّيسى سكن دمشق (- ٤٦٢).
٢١ - الحافظ الإمام أبو بكر، أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٦٣).
٢٢ - المحدث النبيل أبو جعفر، محمد بن أحمد بن محمد بن المسلمة (٣٧٥ - ٤٦٥).
٢٣ - المحدث الجليل أبو محمد، عبد العزيز بن أحمد الكتاني التميمي الدمشقي (٣٨٩ - ٤٦٦).
٢٤ - المحدث أبو القاسم علي بن عبد الرحمن بن الحسن بن عَليّك الرازي (- ٤٦٨).
٢٥ - مسند خراسان، أبو عمرو، عثمان بن محمد بن عبيد الله المحمي (- ٤٨١).
٢٦ - الحافظ الكبير أبو إسحاق، إبراهيم بن سعيد النعماني الحَبّال المصري (٣٩١ - ٤٨٢).
٢٧ - مسند قزوين أبو منصور، محمد بن الحسين بن الهيثم المقومي ( … - ٤٨٤).
٢٨ - الحافظ الزاهد أبو القاسم، عبد الملك بن علي بن شَغَبَة البصري ( … - ٤٨٤).
وجماعة غير هؤلاء منهم: من أهل واسط: إبراهيم بن محمد بن خلف الجُمَّاري، ومن أهل دمشق: أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد السلمي، ومن أهل مصر: أحمد بن القاسم بن ميمون بن حمزة الحسيني، وعبد الله بن أبي الحسن
стр. 42
الأشعري، وعبد الرحمن بن المُظفّر بن محمد السلمي الأديب، ومن أهل نيسابور: هبة الله بن أبي الصهباء ابن فتحويه أبو السنابل، ومن أهل شيراز: علي ابن محمد بن علي بن الحسين وغيرهم.
رحلاته:
في «تذكرة الحفاظ»: «سمع بُشرى و … وخلائق ببغداد، وأبا القاسم الحِنّائي وطبقته بدمشق و … بمصر، وسمع بما وراء النهر وخراسان والجبال والجزيرة والسواحل، ولقي الحفاظ والأعلام».
الرواة عنه:
جرت عادة المؤلفين أن يذكروا الرواة عن المترجم عقب ذكر شيوخه، وهؤلاء جماعة من الرواة عن الأمير:
١ - الخطيب، وقد تقدم رقم (٢١) من شيوخه (٣٩٢ - ٤٦٣).
٢ - الكَتَّاني، وقد تقدم رقم (٢٣) من شيوخه (٣٨٩ - ٤٦٦).
٣ - الحافظ أبو نصر، محمد بن فتوح الحميدي (٤٢٠ - ٤٨٨).
٤ - الشيخ المحدث الفقيه الزاهد، نصر بن إبراهيم المقدسي (٤٠٧ - ٤٩٠)
٥ - الحافظ أبو محمد، الحسن بن أحمد ابن السمرقندي (٤٠٩ - ٤٩١).
٦ - الحافظ أبو غالب، شجاع بن فارس الذُّهلي (٤٣٠ - ٥٠٧).
٧ - الحافظ شيرويه بن شهردار الهمذاني (٤٤٥ - ٥٠٩).
٨ - الحافظ أبو الغنائم، محمد بن علي بن ميمون النَّرْسي (٤٢٤ - ٥١٠).
٩ - المحدث النحوي الزاهد، محمد بن طرخان التركي (-٥١٣).
١٠ - المحدث أبو علي، محمد بن محمد ابن المهتدي (٤٣٢ - ٥١٥).
стр. 43
١١ - الحافظ أبو عبد الله، محمد بن عبد الواحد الدقاق الأصبهاني (٤٣٠ - ٥١٦).
١٢ - المحدّث أبو الحسن، علي بن الحسين بن عمر بن الفراء المصري (٤٣٣ - ٥١٩).
١٣ - المحدث المفيد أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر ابن السمرقندي (٤٥٤ - ٥٣٦).
١٤ - المحدث أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب (٤٥٢ - ٥٣٩).
١٥ - الحافظ أبو الفضل، محمد بن ناصر السَّلَامي (٤٦٧ - ٥٥٠)
وآخرون، كأبي نصر عبد الملك بن مكي بن بنجير الهمذاني، وأبي ثابت بنجير بن علي.
الثناء عليه:
قال الحافظ محمد بن طاهر المقدسي: «سمعت أبا إسحاق الحَبَّال، (يعني المتقدم رقم ٢٦ من شيوخ الأمير) يمدح أبا نصر ابن ماكولا ويُثني عليه ويقول: دخل مصر في زِيّ الكَتَبة فلم نرفع به رأسًا، فلمّا عرفناه كان من العلماء بهذا الشأن» (١).
وقال الحافظ الحميدي (المتقدم رقم (٣) من الرواة عنه): «ما راجعت الخطيب في شيء إلا وأحالني على الكتاب، وقال: حتى أكشفه، وما راجعت ابن ماكولا في شيء إلا وأجابني حفظًا كأنّه يقرأ من كتاب» (٢).
وقال الحافظ شجاع الذُّهلي (المتقدم رقم (٦) من الرواة عنه): «كان حافظًا فهمًا ثقة» (٣).
وقال شيرويه (المتقدم رقم (٧) في الرواة عنه): «كان الأمير يُعرف بالوزير سعد الملك ابن ماكولا، قَدِم (همذان) رسولًا (من الخليفة إلى ملوك تلك
_________
(١) ينظر: «معجم الأدباء» (٥/ ١٩٨٧).
(٢) ينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥٧٤).
(٣) المصدر السابق.
стр. 44
الجهات) مرارًا، سمعت منه، وكان حافظًا متقنًا عُني بهذا الشأن، ولم يكن في زمانه بعد الخطيب أحد أفضل منه، حضر مجلسه (بهمذان) الكبار من شيوخنا وسمعوا منه» (١).
وقال أبو سعد ابن السمعاني الحافظ: «كان ابن ماكولا لبيبًا حافظًا عارفًا، يرشح للحفظ حتى كان يقال له: الخطيب الثاني، وكان نحويًّا، مجوّدًا، وشاعرًا مبرزًا، جزل الشعر، فصيح العبارة، صحيح النقل، ما كان في البغداديين في زمانه مثله، طاف الدنيا وأقام ببغداد» (٢).
وقال ابن النجار: «أحبّ العلم من الصبا، وطلب الحديث، وأتقن الأدب، وله النظم والنثر والمصنفات، نفَّذَه المقتدي بالله رسولًا إلى سمرقند وبخارى لأخذ البيعة له على ملكها» (٣).
وقال الذهبي عند ذكر كتاب «تهذيب مستمر الأوهام» للأمير: «ملَكْته، وهو كتاب نفيس يدلّ على تبحر ابن ماكولا وإمامته» (٤).
وقال الحافظ مؤتمن السّاجي: «لم يلزم ابن ماكولا طريق أهل العلم فلم ينتفع بنفسه» (٥).
وقال ابن الجوزي في وفيات سنة ٤٨٦ من «المنتظم»: «كان حافظًا للحديث … وكان نحويًّا مبرّزًا، جزل الشعر، فصيح العبارة … وحدّث كثيرًا، وسمعت شيخنا عبد الوهاب يطعن في دينه ويقول: العلم يحتاج إلى دين».
قال المعلمي: عبد الوهاب هو الأنماطي الحافظ الصالح الزاهد، ومولده
_________
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
(٤) «تذكرة الحفاظ» (ص ١٢٠٤).
(٥) المصدر السابق.
стр. 45
سنة اثنتين وستين وأربعمائة (٤٦٢)، وسيأتي أنّ الأمير خرج من بغداد قبل سنة (٤٧٥) ولم يعد إليها، وكان عُمر عبد الوهاب حينئذ نحو اثنتي عشرة سنة، وكان الأمير ذا حشمة وأبّهة، عسى أن يكون عبد الوهاب رآه من بعيد، ورأى أبهته وحشمته، فأراه ما كان معروفًا به من العبادة والصلاح أنّ ذلك نقص في الدين. وغايةُ كلمته أن تكون من الجرح المُجْمَل، لا يُعتدُّ به مع التوثيق، وقد أعرض الذهبي عن كلمة عبد الوهاب فلم يذكرها في «التذكرة»، ولا ذكر الأمير في «الميزان» مع التزامه أن يذكر فيه كل من تُكُلِّم فيه، ولو بما لا يَضرُّه.
فأمّا كلمة المُؤْتَمِن، فَأبعد عن الطعن، إنّما عَنى أنّ اختيار الأمير زِيّ الأمراء أو الكُتَّاب كما عَبَّر به الحافظ الحبال، وقد تقدم حالَ بين الأمير وبين نشر علمه، فلم تنتشر الرواية عنه، وهذا صحيح، حتى قال الذهبي: «يعز وقوع حديث الأمير ابن ماكولا» (١) يعني يعز وجود الحديث مسندًا من طريقه.
وقد قدمت السبب الذي دعا الأمير إلى اختيار طلب العلم مع التشبث بمظاهر الإمارة، وذكرت طرفًا من الشطر الأول، وبقي منه طرف أرى أن أرجئه الآن، وأقدم الشطر الثاني.
الأمير كما قال ياقوت: «مِنْ بَيت الوَزارة والقضاء والرياسة القديمة»، وقد سبقت الإشارة إلى ما وقفت عليه من الرياسة والوزارة، وذلك ثابت متمكن، فأمّا القضاء فإنّما عرفته لِعَمِّه الحُسَين وقد نُشِّئ الأمير تَنشِئة الأمراء، حتى سماعه للعلم، كان يُدعى شيوخ أهل العلم إلى داره ليسمع منهم كما تقدم، ولمّا رحل إلى مصر كان في زِيّ الكُتّاب كما قال الحبال، والكُتّاب إذ ذاك هم الوزراء ونحوهم. هذا شأن الهيئة والأُبهة والحشمة.
فأمّا التلبس بالإمارة فكان حظ الأمير منها هو السفارة بين الخليفة وبين
_________
(١) المصدر السابق.
стр. 46
ملوك البلدان النائية، وقد تقدم أن المقتدي الخليفة نَفَّذَه إلى سمرقند وبخارى لأخذ البَيْعة له على ملكها، وتقدَّم أنَّه ورد هَمَذَان مِرارًا رسولًا من الخليفة إلى ملوك الجهات. وذكر الأمير في رسم (بَزُرْك) من «الإكمال» [١/ ٢٦٨] نظام الملك الوزير المشهور مدبّر الدولة السلجوقية من سنة ٤٥٥ إلى أن توفي سنة ٤٨٥ فقال الأمير: « .... نظام المُلك قِوام الدين، غِياث الدولة رِضي أَمير المؤمنين، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق، يُعرف بين العجم بالبَزُرْك، ومعناه: العظيم، سمع الكثير، وحدّث وأملى بخراسان جميعها، وبالثغور وبقُوهستان وغيرها من البلاد، وسمعت منه إملاءً بالري، وسمعت منه بنواحي خت، وبقراءة غيري، وكان ثقة ثبتًا متحريًّا فهمًا عالمًا».
وكان سفراء الخلفاء إلى الملوك إنّما يُختارون من مشاهير العلماء، وقد اجتمع في الأمير العلم والإعراق في الإمارة، ولم تذكر له مباشرةٌ للإمارة سوى هذه السفارات، ويظهر أنّ الخليفة لقّبه بالأمير سعد الملك ليكون ذلك أرجى لنجاحه في سفاراته، وهل لقّبه أيضًا بالوزير، فقد كان يُعرف بذلك كما سلف من شيرويه؟
لم تكن سفارات الأمير ورحلاته في البلدان لتشغله عن العلم، فقد رأيتَ حاله مع نظام الملك، ومرّ بك قول شيرويه في حال الأمير في همذان. وقال الأمير في باب (بَرهان وبُرهان) عن «تهذيب مستمر الأوهام»: «قال الخطيب: بُرْهان بن سليمان السمرقندي الدبُّوسي بتشديد الباء وهذا وَهم؛ لأنّه الدبُوسي بتخفيف الباء، دَبُوسية بلدٌ بين كَشَانية وكَرْمِينِيَة … دَخلتُه وحَدَّثت به، وسمع جماعة من أهل العلم مني به» (١).
_________
(١) ينظر باب رقم (٣٤) من هذا الكتاب.
стр. 47
الأمير والأدب:
للأمير كتاب (مفاخرة القلم والسيف والدينار) ذكره صاحب «كشف الظُّنون» [٢/ ١٧٥٨]، وقال: «أوله: اللهم إنّا نسألك إلهام ذكرك … إلخ» وله مقاطيع من الشعر من أجودها قوله:
قوِّض خيامك عن أرض تُهان بها وجانِبِ الذلَّ إنّ الذلَّ مُجتنَبُ
وارحل إذا كانت الأوطانُ منقصةً فالمَنْدلُ الرطْبُ في أوطانه حطبُ.
خروج الأمير آخر مرة من بغداد ووفاته:
توافقت الروايات على أن الأمير قُتِل في بعض بلدان الشرق، اغتاله غِلمان له أتراك، وأخذوا ماله وفرُّوا.
واختُلف في الموضع والتاريخ، أمّا الموضع فقيل: خُوْزِستان أو الأَهْوَاز، وهما واحد، وقيل: جُرْجَان، وقيل: كَرمَان.
وأمّا التاريخ فذكر ابن الجوزيُّ الأميرَ في وفيات سنة ٤٧٥ من «المنتظم»، وجَزَم بوفاته فيها، ثم ذكره في وفيات سنة ٤٨٦ وجزم بوفاته فيها أو في التي تليها، وكلا القولين مرويّ عن شيخه محمد بن ناصر، ففي «التذكرة» [ص ١٢٠٥]: «قال ابن ناصر: قُتل الحافظ ابن ماكولا، وقد كان سافر نحو كَرْمَان، ومعه مماليكه الأتراك، فقتلوه وأخذوا ماله في سنة خمس وسبعين وأربعمائة (٤٧٥)، هكذا نقل ابن النجار. وقال أبو سعد السمعاني: سمعت ابن ناصر يقول: قُتِل ابن ماكولا بالأهواز إما في سنة ست أو سبع وثمانين وأربعمائة (٤٨٦)».
وفي «التقييد» [ص ٤١٨]: «أخبرنا محمد بن عمر بن علي بن خليفة الحربي قال: أبنا ابنُ ناصر إجازة: مولد أبي نصر ابن ماكولا في سنة عشرين وأربعمائة، وقتل في سنة خمس وتسعين (كذا) وأربعمائة بخوز كرمان (كذا) قتله غلمان له
стр. 48
من الأتراك وأخذوا الموجود من ماله».
وقوله: «وتسعين» محرف والصواب «وسبعين» جزمًا.
وفي «وفيات ابن خلكان» [٣/ ٣٠٦]: «قال الحُميدي: خرج إلى خراسان ومعه غلمان له أتراك فقتلوه بجرجان، وأخذوا ماله وهربوا، وطاح دمه هدرًا، رحمه الله تعالى».
والحميدي توفي سنة ٤٨٨، كما مرّ في الرواة عن الأمير. وفي معنى الأول ما ذكره ابن عساكر عن إسماعيل ابن السمرقندي قال: «سنة نيف وسبعين وأربعمائة». وفي معنى بل هو عبارة عنه فيما أرى قول ابن السمعاني «بعد الثمانين». فأمّا قول ابن خلكان: «وقال غيره في سنة تسع وسبعين» فشاذ، ولم يبين قائله، وكذلك قول ياقوت وتبعه الكُتبي «سنة خمس وثمانين» وأراه وهما.
وثَمّ قضايا قد يستدل بها على تأخر موت الأمير عن سنة ٤٧٥:
الأولى: أنّ ابن ناصر من الرواة عن الأمير مع أنّه إنّما ولد سنة ٤٦٧، ويجاب عن هذا بأنّه لا مانع من سماع ابن ثماني سنين، مع أنّ ابن ناصر إنّما يروي عن الأمير بالإجازة كما صرّح به ابن نقطة في «التقييد» [ص ٤١٨]، قال: «وآخر من حدّث عنه بالإجازة محمد بن ناصر».
الثانية: ما في «التذكرة» [ص ١٢٠٦] من طريق ابن المقيّر وابن الأخضر عن ابن ناصر: «عن كتاب أبي نصر الأمير إليه» ومن طريق أبي الحسن بن الفراء عن الأمير … ، فذكر خبرًا هو في «الإكمال» [١/ ١٦٢] في رسم (فافاه) و «الإكمال» يرويه الناس عن ابن المقير عن ابن ناصر عن الأمير، فيظهر أنّ الذهبي إنّما أخذ رواية ابن المقير لذاك الخبر من سند «الإكمال» نفسه. فأمّا ما في سياق الخبر من مخالفة لما في «الإكمال»؛ فكأنّ الذهبي ساق لفظ ابن الفراء عن الأمير ولم يسق لفظ ابن ناصر، وعلى هذا فابن ناصر يروي «الإكمال» أو يروي ذاك الخبر على
стр. 49
الأقل بحق إجازة كتب بها الأمير إليه، وابن ناصر نشأ يتيمًا من عائلة هي إلى الفقر أقرب منها إلى التوسّط، فكيف يظن به وهو في السابعة من عمره تقريبًا أن يكتب الأمير إليه؟ أمّا أن يكتب إليه وهو ابن سبع عشرة سنة أو نحوها فهذا لا غبار عليه، فإنّ ابن ناصر كان في ذاك السن طالبًا لبيبًا، فغير ممتنع أن يكتب إلى الأمير يلتمس منه الإجازة فيسعفه الأمير بالكتابة إليه بها.
والذي يظهر لي أنّ كلمة «إليه» من زيادة بعض الرواة توهمًا، وإنّما أصل اللفظ «عن كتاب الأمير أبي نصر»، ويقصد بالكتاب ههنا كتاب الإجازة، كأنّ الأمير كتب إجازة لجماعة التمسوا منه ذلك وكتبوا أسماءهم وكان فيهم من يعتني بابن ناصر، فكتب اسم ابن ناصر معهم، فكتب الأمير بالإجازة لمن في ذاك الكتاب.
وممّا يشهد لهذا ما في رسم (فتحويه) من استدراك ابن نقطة [٤/ ٤٩٩] عند ذكر هبة الله ابن أبي الصهباء أحد شيوخ الأمير ما لفظه: «وسمع منه أبو نصر ابن ماكولا، ونسبه في إجازته كذلك … ».
دلّ هذا على أنَّه كانت هناك إجازة من الأمير مكتوبة معروفة بين أهل العلم اطلع عليها ابن نقطة وأنّها كانت لجماعة، إذ لو كانت لواحد لكان الظاهر أن يسميه ابن نقطة، يقول: «في إجازته لفلان». على أنّه لو صحت كلمة «إليه» لم يكن فيها ما يُنَافي أن تكون الكتابة وابن ناصر في السابعة مثلًا؛ لأنّ الواقع فيما يظهر كما مرّ أنَّ جماعة كتبوا إلى الأمير يلتمسون الإجازة، وكتبوا ابن ناصر معهم، فكتب الأمير إلى المسمَّيْن في الكتاب، ومنهم ابن ناصر، وقد تقدم عن ابن ناصر أنّه قال مرة: إنّ الأمير قُتل سنة خمس وسبعين، فكيف يقول هذا، وعنده كتاب الأمير إليه بعد هذا التاريخ؟
стр. 50
مؤلفات الأمير:
أشهر مؤلفات الأمير كتاب «الإكمال»، وقد حقق العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني ﵀ رحمة واسعة ستة أجزاء منه، وشرع في السابع، فحقق منه خمسين ورقة، ثم وافته المنية. وأكمله من بعده الشيخ أبو بكر محمد الهاشمي، المصحح بدائرة المعارف العثمانية بالهند، في مجلدين، مُثبِتًا عَمَل الشيخ المُعَلِّمي ثم أكمل على عمله.
كما حققه أيضًا -أعني ما تبقى من الكتاب- الأستاذ نايف العباسي.
هذا وتعد تحقيقات الشيخ المعلمي اليماني نبراسًا يَهدي مَنْ بعده، ومِنهاجًا قَويمًا لمن أراد أن يعالج صنعة التحقيق.
وكتاب «تهذيب مُسْتمر الأوهام».
وكتاب «الوزراء» ذكره الأمير في رسم (البَرِيْدِي) من «الإكمال» [١/ ٥٤٩]، قال: «أبو عبد الله البريدي الذي ولي الوزارة، قد ذكرناه في كتاب الوزراء».
وكتاب «مفاخرة القلم والسيف والدينار»، مرَّ ذكره في مبحث «الأمير والأدب».
وقد ذَكره ابن خير الإشبيلي في «فهرسته» [ص ٣٧٢] وقال: «حَدَّثَني بها الشيخ الفقيه أبو الحَسَن عَباد بن سَرحان المَعَافري ﵀ سَمَاعًا مني عليه لأكثرها، ومُنَاوَلة لِجُملتها- قال: حدثني بها الشيخ أبو بكر محمد بن طرخان -قراءة مِنِّي عليه- قال حدثني بها مُؤلِّفُها الرَّئِيسُ الأَجَلُّ أبو نَصر عَلِي بن الوزير العادل أبي القَاسِم هِبة الله بن علي بن جَعفر المعروف بالأمير بن ماكولا ﵀».
стр. 51
المبحث السادس: ترجمة مختصرة للشيوخ الثلاثة المستدرَك عليهم:
أولا: أبو الحسن الدارقطني ﵀ -:
هو: الإمام الكبير الحافظ المجود شيخ الإسلام علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله، أبو الحسن، البغدادي، الدارقطني نسبة لمحلة في بغداد يقال لها «دار القطن».
ولد سنة ستّ وثلاثمائة، (٣٠٦) وقيل: كان مولده لخمس خلون من ذي القعدة سنة خمس وثلاثمائة، ونقل الخطيب القولين، وصدر كلامه بالقول الأوّل، ويرجحه ما جاء في «سؤالات السلمي» عن الدارقطني نفسه حيث قال: ولدت في سنة ستّ وثلاثمائة.
قال الخطيب: «كان فريد عصره … مع الصدق والأمانة، والفقه، والعدالة، وقبول الشّهادة، وصحة الاعتقاد، وسلامة المذهب».
وقال الحاكم: «صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع. ومع صدقه وأمانته وورعه، فقد جمع فصاحة اللسان».
وكان من بحور العلم، ومن أئمة الدنيا، انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله، مع التقدم في القراءات وطرقها، وقوة المشاركة في الفقه، والاختلاف، والمغازي، وأيام الناس، وغير ذلك.
وسمع وهو صبي من: أبي القاسم البغوي، ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبي بكر بن أبي داود، وأبي جعفر بن البختري، وإسماعيل الصفار، وخلق كثير.
وتلا على: أبي الحسين أحمد بن بويان، وأبي بكر النقاش، وأحمد بن محمد الديباجي، وعلي بن ذؤابة القزاز وغيرهم، وسمع حروف السبعة من أبي بكر بن
стр. 52
مجاهد، وتصدر في آخر أيامه للإقراء.
وقال الصوري: سمعت الحافظ عبد الغني يقول:
«أحسن الناس كلامًا على حديث رسول الله ﷺ ثلاثة: ابن المديني في وقته، وموسى بن هارون - يعني: ابن الحمال - في وقته، والدارقطني في وقته».
وقال القاضي أبو الطيب الطبري: «كان الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث».
وقال أبو بكر البرقاني: «كان الدارقطني يملي عليَّ (العلل) من حفظه».
وقال أبو عبد الرحمن السلمي فيما نقله عنه الحاكم، وقال: «شهدت بالله إن شيخنا الدارقطني لم يخلف على أديم الأرض مثله في معرفة حديث رسول الله ﷺ وكذلك الصحابة والتابعين وأتباعهم».
قال: «وتوفي يوم الخميس، لثمان خلون من ذي القعدة من سنة خمس وثمانين وثلاث مائة (٣٨٥)»، وكذا أرخ الخطيب وفاته.
وقال الخطيب في ترجمته: «حدثني أبو نصر علي بن هبة الله بن ماكولا، قال:
رأيت كأني أسأل عن حال الدارقطني في الآخرة، فقيل لي: ذاك يدعى في الجنة الإمام».
أملى كتاب «العلل» من حفظه، وله كتاب «السنن»، وكتاب «القراءات»، وكتاب «الإلزامات»، و «التتبع»، و «أحاديث الصفات»، و «الرؤية»، و «المؤتلف والمختلف»، وغيرها من المصنفات التي تشيد بتبحره في العلم، ورسوخ قدمه (١).
_________
(١) ينظر: «تاريخ مدينة السلام» (١٣/ ٤٨٧)، و «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٤٤٩).
стр. 53
ثانيا: أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزْدِي ﵀ -:
هو: الإمام الحافظ عبدُ الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان الأزدي، الحجة، النسابة، محدث الديار المصرية، أبو محمد الأزدي، المصري.
مولده: في سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة (٣٣٢). وكان أبوه سعيد فَرَضِي مِصر في زمانه.
سمع أبو محمد من: عثمان بن محمد السَّمَرْقَنْدي - وهو أكبرشيخ له -، ومن: أحمد بن إبراهيم بن عطية، وأبي الحسن الدارقطني، ويعقوب بن مبارك، وحمزة بن محمد الكِنَاني الحافظ، والقاضي أبي الطاهر السَّدُوسِي، وأبي الحسن ابن حَيُّويه، وطَبقتهم بمصر، والقاضي يوسف بن القاسم المَيَانِجي، وأبي سليمان ابن زَبر، والفضل بن جعفر المؤذن، وطبقتهم بدمشق.
حدث عنه: الحافظ محمد بن علي الصُّوري، وأبو علي الأَهْوَازي، والقاضي أبو عبد الله القُضَاعي، وأبو إسحاق الحَبَّال، وخلق سواهم.
قال البَرْقَاني: سألت الدارقطني لما قَدِم من مصر: هل رأيت في طريقك مَنْ يَفهم شيئًا من العلم؟
قال: ما رأيت في طول طَرِيقي إلا شَّابًّا بمصر يقال له: عبدُ الغَنِي، كأنه شُعلة نار، وجعل يُفَخِّم أمره، ويرفع ذكره.
قال أبو بكر البرقاني: ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ من عبد الغني.
وقال محمد بن علي الصوري: قال لي الحافظ عبد الغني: ابتدأت بعمل كتاب (المؤتلف والمختلف)، فقدم علينا الدارقطني، فأخذت عنه أشياء كثيرة منه، فلما فرغت من تصنيفه، سألني أن أقرأه عليه ليسمعه مني، فقلت: عنك أخذت أكثره.
стр. 54
قال: لا تقل هكذا، فإنك أخذتَه عني مُفَرَّقًا، وقد أوردته فيه مجموعًا، وفيه أشياء كثيرة أخذتها عن شيوخك. قال: فقرأته عليه.
له من التصانيف: «المؤتلف والمختلف»، و «مشتبه النسبة في الخط واختلافها في المعنى واللفظ»، «كشف الأوهام التي في كتاب المدخل للحاكم»، و «العلم» وغير ذلك مما يدل على إمامته في العلم.
وقد كان لعبد الغني جنازة عظيمة تحدث بها الناس، ونودي أمامها: هذا نافي الكذب عن رسول الله ﷺ .
قال أبو إسحاق الحَبَّال: توفي في سابع صفر، سنة تسع وأربع مائة (٤٠٩)(١).
_________
(١) ينظر: «تذكرة الحفاظ» (ص ١٠٤٧)، و «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٢٦٨).
стр. 55
ثالثًا: أبو بكر الخطيب البغدادي ﵀ -:
هو: الإمام الأوحد، العلامة المفتي، الحافظ الناقد، محدث الوقت، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، صاحب التصانيف، وخاتمة الحفاظ.
ولد: سنة اثنتين وتسعين وثلاث مائة.
وكان أبوه أبو الحسن خطيبًا بقرية دَرْزِيجَان، وممن تلا القرآن على أبي حفص الكِتَّاني، فَحَضَّ ولدَه أحمد على السماع والفقه، فسمع وهو ابن إحدى عشرة سنة، وارتحل إلى البصرة وهو ابن عشرين سنة، وإلى نيسابور وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وإلى الشام وهو كَهل، وإلى مكة، وغير ذلك.
وكتب الكثير، وتقدم في هذا الشأن، وبَذَّ الأقران، وجمع وصنف وصَحَّح وعَلَّل، وجَرَّح وعَدَّل، وأَرَّخ وأَوْضَح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق (١).
ولعل لقب الخطيب انتقل إليه من والده.
سمع: محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق، يعرف بابن رزقويه، وأبا حامد الإسفراييني، وأبا الحسن أحمد بن محمد الضَّبِّي المَحَاملي، وأبا الطَّيِّب الطَّبَري طاهِرَ بن عبد الله بن طاهر بن عمر، وأبا عُمَر ابن مهدي الفَارسي، وأحمدَ بن محمد بن الصلت الأهوازي، والقاضي أبا بكر الحِيْري، وأبا سعيد الصَيرفي، وأبا القاسم عبد الرحمن السراج، وعَلِيَّ بن محمد الطرازي، والحافظ أبا حازم العبدوي، ومحمد بن عبد الله بن شهريار، وأبا نعيم الحافظ، والقُضاعي صاحب مسند الشهاب، وغيرهم كثير.
حدث عنه: أبو بكر البَرْقاني؛ وهو من شيوخه، وأبو نصر بن ماكولا،
_________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٠).
стр. 56
والفقيه نصر، والحميدي، وأبو الفضل بن خَيرون، والمبارك بن الطيوري، وأبو بكر بن الخَاضِبة، وخلق سواهم.
ويكفي في الثناء عليه شهادة المصنف حيث قال في مقدمة هذا الكتاب: «فإن أبا بكر أحمدَ بن عَلِي بن ثابت الخَطِيب البَغدادي ﵀ وكان أَحدَ الأعيان ممن شاهدناه معرفةً، وإتقانًا، وحفظًا، وضَبطًا لِحَديث رسولِ الله ﷺ ، وتَفَنُّنًا في عِلَلِه وأسانيدِه، وخِبرةً برُواتِه ونَاقِليه، وعِلْمًا بِصَحِيحه، وغَرِيبه، وفَرْدِه ومُنْكَرِه، وسَقِيمه، ومَطْرُوحِه، ولم يَكُنْ للبَغْدَاديِّين بعدَ أبي الحَسَن عَلي بن عُمر الدَارقطني مَنْ يَجْري مَجْرَاه، ولا قام بعده بهذا الشأن سِواه».
ويقول ابن الجوزي أيضا: «وكان حريصًا على علم الحديث، وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه، وكان حسن القراءة، فصيح اللهجة، وعارفًا بالأدب، يقول الشعر الحسن.
أما عن تصانيفه:
يقول ابن الجوزي ﵀ (١): وصنف فأجاد، فله ستة وخمسون مصنفًا بعيدة المثل منها: «تاريخ بغداد»، «وشرف أصحاب الحديث»، و «كتاب الجامع لأخلاق الراويّ وآداب السامع»، و «الكفاية في معرفة أصول علم الرواية»، و «كتاب المتفق والمفترق»، و «كتاب السابق واللاحق»، و «تلخيص المتشابه في الرسم»، و «كتاب باقي التلخيص» (٢)، و «كتاب الفَصل والوَصل»، و «المُكْمَل في بيان المهمل»، و «الفَقِيه والمُتَفَقِّه»، و «كتاب غُنية المقتبس في تمييز الملتبس»، و «كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة»، و «كتاب المُوضح أوهام الجمع والتفريق»، و «كتاب المؤتنف تكلمة المختلف
_________
(١) «المنتظم» لابن الجوزي (١٦/ ١٣٠).
(٢) يعني: تالي تلخيص المتشابه.
стр. 57
والمؤتلف»، و «كتاب لهج الصواب في أن التسمية من فاتحة الكتاب»، و «كتاب الجهر بالبسملة»، و «كتاب رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والألقاب»، و «كتاب القنوت»، و «كتاب التبيين لأسماء المدلسين»، و «كتاب تمييز المزيد في متصل الأسانيد»، و «كتاب من وافق كنيته اسم أبيه»، و «كتاب من حدّث فنسي»، و «كتاب رواية الآباء عن الأبناء»، و «كتاب الرحلة»، و «كتاب الرواة عن مالك»، و «كتاب الاحتجاج عن الشافعي فيما أسند إليه والرد على الطاعنين بجهلهم عليه»، و «كتاب التفصيل لمبهم المراسيل»، و «كتاب اقتفاء العلم بالعمل»، و «كتاب تقييد العلم»، و «كتاب القول في علم النجوم»، و «كتاب روايات الصحابة عن التابعين»، و «كتاب صلاة التسبيح»، و «كتاب مسند نعيم بن همار»، و «كتاب النهي عن صوم يوم الشك»، و «كتاب الإجازة للمعدوم والمجهول»، و «كتاب البخلاء».
وغيرها من التصانيف النافعة ذكرها الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١)، وغيره.
مرضه ووفاته:
ويقول مكي الرميلي: مرض الخطيب في نصف رمضان، إلى أن اشتد الحال به في غرة ذي الحجة، وأوصى إلى ابن خيرون، ووقف كتبه على يده، وفرق جميع ماله في وجوه البر وعلى المحدثين (٢).
وتوفي في رابع ساعة من يوم الاثنين سابع ذي الحجة من سنة ثلاث وستين، ثم أخرج بكرة الثلاثاء، وعبروا به إلى الجانب الغربي، وحضره القضاة والأشراف والخلق، وتقدم في الإمامة أبو الحسين بن المهتدي بالله،
_________
(١) (١٨/ ٢٨٩).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٦).
стр. 58
فكبر عليه أربعًا، ودفن بجنب قبر بشر الحافي وقال ابن خيرون: مات ضحوة الاثنين، ودفن بباب حرب. وتصدق بماله وهو مئتا دينار، وأوصى بأن يتصدق بجميع ثيابه، ووقف جميع كتبه، وأخرجت جنازته من حجرة تلي النظامية، وشَيَّعه الفقهاء والخلق، وحملوه إلى جامع المنصور، وكان بين يدي الجنازة جماعة ينادون: هذا الذي كان يَذُبُّ عن النبي ﷺ الكَذِب، هذا الذي كان يحفظ حديثَ رسول الله ﷺ . وخُتِم على قبره عدة ختمات (١).
_________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٦). وينظر ترجمته في مقدمة تحقيق كتاب «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» للخطيب.
стр. 59
نَمَاذج مِنْ صُوَر المَخطُوطَات
стр. 60
الصفحة الأولى من نسخة تشستربيتي «ش».
стр. 61
صورة آخر الجزء الأول من نسخة تشستربيتي «ش».
стр. 62
صورة بداية الجزء الخامس من «ش» ويظهر تغير الخط عن سابقه.
стр. 63
صورة بداية الجزء السادس من «ش» ويظهر تغير الخط عن سابقيه.
стр. 64
صورة آخر صفحة من «ش».
стр. 65
صورة صفحة العنوان من نسخة فيض الله «ف».
стр. 66
صورة الصفحة الأولى من «ف».
стр. 67
صورة من أثناء «ف» يظهر فيها بداية جزء.
стр. 68
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة فيض الله «ف».
стр. 69
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه أستعين.
قال الأَمِيرُ الحَافِظُ أبو نَصْرٍ عَلِيُّ بنُ هِبَةِ اللهِ بن جَعْفَر بن مَاكُولَا ﵀:
الحَمدُ لله الذي تَفَرَّد بالكَمَال، فلا نَقْصَ في تَمَامِه، وتَوَحَّد بِمُتْقَن الفِعَال، فلا خَلَل في أَحْكامه، وقَرَّر الأمور على مَشِيئَتِه، فلا نَقْضَ لإبْرَامِه.
وصلواته على مَنْ أَرْسَله رَحْمَةً إلى خير أُمَّةٍ أُخْرِجَت للناس، وطَهَّر به القُلوب الصَدِئَة مِنْ الأَدْنَاس، وجَعَله للأنبياء صلوات الله عليه وعليهم مُكَمِّلًا وخَاتَمًا، وصَيَّره إلى الحق داعيًا وبه قَائِمًا، وعلى أهل بيته وأصحابه وأزواجه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد ذلك،
فإن أبا بكر أحمدَ بن عَلِي بن ثابت الخَطِيب البَغدادي ﵀ وكان أَحدَ الأعيان ممن شاهدناه معرفةً، وإتقانًا، وحفظًا، وضَبطًا لِحَديث رسولِ الله ﷺ ، وتَفَنُّنًا في عِلَلِه وأسانيدِه، وخِبرةً برُواتِه ونَاقِليه، وعِلْمًا بِصَحِيحه، وغَرِيبه، وفَرْدِه ومُنْكَرِه، وسَقِيمه، ومَطْرُوحِه، ولم يَكُنْ للبَغْدَاديِّين بعدَ أبي الحَسَن عَلي بن عُمر الدَارقطني مَنْ يَجْري مَجْرَاه، ولا قام بعده بهذا الشأن سِواه.
وقد استفدنا كثيرًا مِنْ هذا اليَسِير الذي نُحسِنُه، وبه وعنه تَعَلَّمنا شَطرًا من هذا القَليل الذي نعرفه بِتَنْبِيهِه ومَنِّه، فجزاه الله عَنَّا الخَير، ولَقَّاه الحُسْنَى ولِجَميع مشايخنا وأئمتنا ولجميع المسلمين = كان قد عَمل بالشَّام كِتابًا سَمَّاه «المُؤْتَنِف
стр. 70
تَكْمِلَةَ المُؤْتَلِفِ» (١) ولما عاد إلى بغداد قرأ عَلَيَّ شَيئًا من أَولِه، مُغْرِبًا عَلَيَّ به، ومُطرِفًا (٢) لي بما ضَمَّنَه إياه، ومُعَرِّفًا لي قَدْر ما تَيَسَّر له، وأنه قد اسْتَدرك فيه على أئمة هذا العلم أَشياءَ تَم عَليهم السَهوُ فِيها، ونَبَّه على أشياءَ غَفَلوُا عنها ولم يُحِيطُوا بها مَعْرفةً، ووجدتُه كبيرًا، فَظَننتُ أَنه قَدْ اسْتَوعب ما يُحْتَاجُ إليه في هذا المعنى، ولم يَدَع بَعْدَه لِمُتَتَبِّعٍ حُكْمًا، ولَمَّا دُعِي به فأجاب (٣) قال لي بعضُ المُتَشاغِلين والمُعْتَنين بهذا العلم: لَقَدْ تَعِب الخَطِيبُ وأَتْعَب، تَعِبَ (٤) بما جَمَعه، وأَتْعَب مَنْ أَراد أن يَعْرِفَ الحَقِيقَة في اسم؛ لأنه يحتاج أن يطلبه في كتاب الدارقطني، فإن لم يجده، ففي كِتَابَي عبدِ الغني، فإن لم يجده ففي كتاب الخطيب، ثم يَحتاج أن يُفَسِّر طَبقاتِه أيضًا فَيمضي زَمانه ضَياعًا، ويصير ما أُرِيدَ مِنْ إرشادِه تَضْليلًا، فلو أنك جمعت شَمل هذه الكتب وجعلتها كتابًا واحدًا، حُزتَ الثَوابَ ويَسَّرت (٥) على مُبتَغِي العِلم الطِلَاب، ورَاجَعَني في ذلك مُرَاجعةً تَحَرَّمتُ (٦) لها، وأوجبتُ له فيها رِعايةً لِحَقِّه، ورغبةً في مساعدته، واغْتِنامًا للأجر في إفادة مُسترشِدٍ (٧) وتَعليم جَاهلٍ، ومعرفةِ طَالبٍ.
وبدأتُ بالنظر في كتاب الخطيب، فوجدته يذكُر في أوله: أنه قد جَمَع فيه مِنْ (٨) مُؤتَلِف أسماء الرواة وأنسَابهم ومُخْتَلِفِها، ومِمَّا تَتضمَّن كتب أصحاب
стр. 71
الحديث من ذلك -وإن لم يكن المذكور راويًا مشهورًا (١) - ما شَذَّ عن كِتاَبيْ أبي الحسن علي بن عمر، وأبي محمد عبد الغني بن سعيد، المُصَنِّفَين في المُؤتِلف والمُختلف، وفي مُشْتَبِه النِسبة، وأنه يذكر ما (٢) رُسِم فيهما، أو في أحدهما عَلى الوَهَم، ودَخَل عَلى مُدَوِّنه فيه الخَطَأُ والسَهْو، ويُبَين فيه صَوابَه، ويُورِدُ شَواهِدَه ويَذكُر صَحِيح ما اختلفوا فيه مِمَّا انتهى إليه عِلمُه، ويُقِر ما أَشْكَل عليه من ذلك، لِيَنْسُب كُلَّ قولٍ إلى صاحبه، وجعله خمسة فصول:
أورد في الأول منها: ما لم يذكراه، ولا واحِدٌ منهما.
وفي الثاني: أوهام كُتُبِهم.
وفي الثالث: ما أَغفلاه مِمَّا أوردَا له نَظَائِر.
وفي الرابع: أَشياءَ ذَكَراها وقَصَّرا في شَرحِها وإيضْاحِها، فَبَيَّنها، وأَتَمَّ نُقْصَانها.
وفي الخامس: ما أورداه من الأحاديث نَازِلَةً، ووقعت له عالية.
ولما أَنْعَمتُ النظَر فيه، وجَدتُه قَدْ ذَكَر في الفَصل الأول: ما قد ذكراه أو أحدهما.
وفي الفصل الثاني: قد غَلَّطَهُما في أشياء لم يَغْلِطا فيها، وأَخَلَّ بأوهام لهما ظَاهِرة.
وفي الفصل الثالث: قَدْ كتب (٣) أشياءَ ذَكراها أو أحدهما، وأَخَلَّا (٤) بِنَظائِرَ لِما ذَكراه، لم يَهْتَدِ إليها.
وفي الفصل الرابع: لم يَشْرَح مِنْ مَا ضَمِن بَيَانَه إلا شَيئًا يَسِيرًا، وفي كتبهم أشياء كثيرة (٥) تحتاج إلى شرح وبيان وإيضاح وتعريف، ولا سِيَّما كتاب
стр. 72
عبد الغني؛ فإن أكثر ما فيه غَيرُ مُبَيَّنٍ، ووجدت له في تَضَاعِيف الكتاب أوهامًا من تَصحيفٍ وإسقاط أسماء مِنْ أَنْساب، وأَغلاطًا غيرَ ذلك، فتركته على ما هو عليه، وجمعت كتابي الذي سَمَّيته «بالإكمال» ولم أتعرض فيه لِتَغْلِيطه، ولا تَغليط (١) غَيرِه، ورسمتُ ما غَلَط فيه واحِدٌ منهم في كتابي على الصحة، ولَمَّا أعان اللهُ تعالى على تَمَامِه، ذكرتُ ما رُوِي عن النَبيِّ ﷺ أنه قال: «مَنْ كَتَم عِلمًا عَلِمَهُ أُلْجِمَ يومَ القِيامَة بِلِجَامٍ مِنْ نَار» (٢).
وما رُوِي عن بَعض السَلف أنه قال: «وما أوجب الله تعالى على الجهال أن يتعلموا حتى أوجب على العلماء أن يُعَلِّمُوا» (٣).
وخَشِيتُ أن تَبقى هذه الأوهامُ في كتبهم، فَيظُن مَنْ يراها أنها الصحيح، ويَتَّبع أَثَرهُم (٤) فيها، فَيَضِل مِنْ حَيث طَلَب الهِدَايةَ، ويَزِل مِنْ جِهةِ مَا أراد الاسْتِثْبَات، وإذا رأى كتابي رُبَّما (٥) تَصوَّر أن الغَلَط ما ذَكرتُه أنا، وإن أحسن الظن بي، جَعَل قولي خِلافًا، وقال: كذا ذكر فلان، وكذا ذكر فلان.
فاسْتَخرتُ اللهَ تعالى ورَغِبتُ إليه في عَضْدِي (٦) بالتوفيق والإرشاد، وسألته إلهامي القَصْدَ وتَأييدي بالسَدَاد وجمعتُ في هذا الكِتَاب أَغْلاطَ أبي الحَسَن عَلِي ابن عُمَر، وعبد الغَنِي بن سعيد مِمَّا ذَكره الخَطِيبُ، ومما لم يذكره؛ لتكون أغلاطهما في مكان واحد، وما غَلَّطَهُما فيه وهو الغَالِط، وأغلاط الخطيب في المُؤتنِف.
ورَتَّبتُه على حروف المُعْجَم لِيَسْهُل طَلبُه على مُلْتَمِسِه ويَقرُبَ وُجودُه مِنْ
стр. 73
طَالبِه وبَيَّنتُ الحُجَّة على ما ذكرته، والدليلَ عَلى ما أوردته، واعتمدت الإيجاز والاختصار، ولم أَسُق (١) الطُرَق، وأُكْثِر بِتَكرير الأسَانِيد، وتركت أغلاط الخطيب (٢) في تراجم أبواب حَكَاها عن الشَيخَين وَهِم عَلَيهما، أو على أحدهما فيها، ورتبها على غير ما رَتَّبَاه؛ تَركًا للمضايقة، ولأن ذلك مما لا يَضُر طالبَ العِلم جَهْلُه، ولا يَنفعه اسْتِفَادتُه.
ويَعلمُ اللهُ تَعالى أن قَصْدِي فيه تَبصير المُسترشِد وإرشَاد الحَائر (٣) وتيسير الطرق على حافظي شَريعة الإسلام، وتَقريب البَعِيد على ناقلي سنن الأحكام، وهو بقدرته ولُطْفِه لا يُضِيع أَجرَ مَنْ أَحْسَن عَملًا، إنه جواد كريم رؤوف رحيم. (٤)
стр. 74
باب: قَولِ مَنْ بَعثَه اللهُ بالبَيِّناتِ والهُدَى: إنما الأعمال بالنِّية، وإنما لامْريءٍ ما نَوَى.
(١) أخبرنا أبو طَالِب محمدُ بن محمد بن إبراهيم بن غَيْلَان -قُريء عَليه في دارنا- أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، حدثنا عبد الله بن رَوْح المَدَائِني، ومحمدُ بنُ رِبْحٍ البَزَّاز قالا: حدثنا يَزيدُ بنُ هارون.
وحدثنا القاضي أبو عبد الله الحُسَين بن عَلِي بن محمد الصَيْمري (١) -بلفظه قراءة في دارنا- حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بجَرْجَرَايا، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا يزيد بن هارون.
وأخبرنا عبد العزيز بن علي بن أحمد -قراءة عليه في دارنا- قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الحافظ الجَرْجَرَائِي (٢)، حدثنا أحمدُ بن يحيى الحُلْوَاني، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا (٣) زهير بن معاوية قالا (٤): حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التَيْمِي، أنه سَمِعَ عَلْقَمَةَ بنَ وَقَّاص يقول: سمعتُ عُمَر بنَ الخَطَّاب ﵁ على المِنبر يقول: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنما الأعمالُ بالنِّية، وإنَّما لامْرِيءٍ ما نَوَى، فمن كانت هِجرتُه إلى الله ورسولهِ: فَهِجرتُه إلى الله، وإلى رسوله، ومن كانت -زاد عبد العزيز- هِجرتُه إلى دنيا يُصِيبُها، وإلى امرأة يَتَزوَّجُها: فَهجرتُه إلى ما هَاجَر إليه» (٥).
اللفظ لابن غيلان، وهذا حديثٌ صَحِيحٌ غَريبٌ، يُقَال إن الأنصاريَّ تَفَرَّد به،
стр. 75
وأصحاب الحديثِ يَجمعُون طُرُقَه، ويَجمعون مَنْ رَواه عن الأنصاري، ويقال: إن يحيى بن سَعيد القَطَّان لَم يَسْمَعْه مِنْ الأنصَاري.
(٢) وقال لي أبو إسحاق الحَبَّال بِمِصْر: إن عبد الغَنِي بن سَعِيد قال: جِئتُ يومًا إلى أبي الحَسَن عَلِيِّ بنِ زُرَيق ﵀ فقال: ألا أُعْجِبُك مِنْ أبي حامد الجُرْجَانِي، ذَاكَرَني بِحديثٍ ليحيى بن سَعِيدٍ القَطَّان، عن يحيى بن سعيد: الأعمال بالنِّية، فَأنكرتُ عَلَيه ذلك، فقلتُ أنا: إنَّ هَذا الحَدِيث أَخْطَأ فِيه الأَعْمَشي (١) بِخُرَاسَان، فقال لي أبو الحَسَن بن زُرَيق: سَمِعت أبا عبد الرحمن النَسَوي يقول: حَدِيث الأعمال بالنِية حَدِيثٌ جَلِيلٌ، تَفَرَّد به يَحْيَى بن سَعِيد الأنصاري، فات يَحْيَى القطان (٢).
قلت (٣): وقد تَابَع يَحْيَى بن سعيد عليه، عن محمد بن إبراهيم التيمي: محمدُ ابن عَمْرو بن عَلْقَمة الليثي من طريق فيه مقال.
(٣) أخبرنا أبو الحَسَن بن أبي الفضل (٤) بن أبي بكر المَنصُوري -قراءةً (٥) - أخبرنا محمد بن أحمد، حدثنا محمدُ بنُ مَنصُور بن نَصْر (٦) بن مَنصُور، حدثنا محمد بن الفرج الهمذاني (٧)، حدثنا محمد بن عُبَيد (٨) بن عبد الملك، حدثنا الربيعُ ابن زِيَاد الضَبِّي، حدثنا محمد بن عَمرو اللَّيثِي، عن محمد بن إبراهيم التَيْمِي، عن عَلْقَمة بن وَقَّاص الليْثِي، سمعتُ عمرَ بنَ الخطاب ﵁ يقول: سمعتُ