أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (١).
٣/ خلط التراب بالريق: بأن ينفث على الإصبع بشيء من ريقه، ثم يوضع في التراب، ويمسح به المريض أثناء الرقية، ودل لها حديث عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا «بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا» (٢).
٤/ الرُقية في الماء ثم شربه: وقد أجاز هذا كثير من أهل العلم، ونُقِل هذا عن الإمام أحمد، قال ابنه صالح: ربما اعتللت، فيأخذ أبي قدحًا فيه ماء، فيقرأ عليه، ويقول لي: اشرب منه، واغسل وجهك ويديك.
ونقل عبد الله، أنه رأى أباه يعوّذ في الماء، ويقرأ عليه، ويشربه، ويصب على نفسه منه (٣).
٢ - رقى ممنوعة: وهي ما تخلف فيها شرطٌ أو أكثر من شروط الرقى الجائزة، وقد تكون شركًا، إن كان فيها شرك، وهى التي تسمّى العزائم ويدل لها حديث: «مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ»، وحديث: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»، وقد تكون حرامًا، بحسب ما تشتمل عليه من ألفاظ، وبحسب اعتقاد الراقي والمرقي فيها.
المسألة الثالثة: ذكر المصنف خمسة أحاديث، وآثار متعلّقة بالرقى والتمائم.
أولها: حديث أبي بشير الأنصاري ﵁: «أنَّه كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي
стр. 107
بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَأَرْسَلَ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ»، والحديث رواه الشيخان (١)، عن أبي بشير الأنصاري ﵁، وقد اختلف في اسمه، قال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم صحيح، كان مشهورًا بكنيته (٢).
* وقوله: «فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ»: لم يرد تعيين هذا السفر، كما ذكر ابن حجر.
* وقوله: «فَأَرْسَلَ رَسُولًا»: هو زيد بن حارثة، كما ورد في رواية، وقد بعثه الرسول ﷺ لينادي بهذه الكلمات.
* وقوله: «أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ»: الشكّ من الراوي، هل نهى عن كل قلادة، أو عن التي من أوتار القوس؟
قال صاحب التيسير: «والأوَّل -يعني: النهي عن القلادة من الوتر- أصحَّ، لاتفاق الشيخين عليها وللرخصة في القلائد إلّا الأوتار» (٣).
وعلى كلّ حال: فالحديث يراد به النهيّ عن كل ما يُعلَّقُ، ويراد به أمرًا شركيًا، مِنْ دفع العين أو رفع بلاء، سواء أكان من وترٍ أو من غيره، أما إذا عُلِّقَت القلائدُ ولم يُقصد بها أمرًا شركيًا، مثل تقليد الهدي الذي يُهدى للبيت العتيق فلا حرج فيها.
وقد نصّ الحديث على القلادة التي من وتر: لأنَّها كانت موجودة عند أهل الجاهلية، حيث إنَّهم إذا اخلولق الوترُ أبدلوه بغيره، وأخذوا القديم وعلّقوه بالدواب، اعتقادًا أنَّه يدفع العين والمكاره عن الدابة.
стр. 108
• واعلم أنَّ النهي عامٌ، سواء كانت معلقة على الرقبة، أو على اليدِ أو الرِجل أو غيرها، وسواء أكانت على البعير أو الآدمي أو غيرهما، وإنّما نصّ على البعير؛ لأنَّه هو الذي كان منتشرًا عندهم.
وثاني الأحاديث: حديث ابن مسعود ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ».
وقد دلّ الحديثُ على تحريم الرُقى الشركية والتمائم والتولة، وأنَّها من الشرك. فأمّا الرقى والتمائم فتقدّم بيانها.
وأما التِوَلَةُ: فقال عنها المصنّف: شيءٌ يصنعونه يزعمون أنَّه يُحبِّبُ المرأة إلى زوجها والزوجَ إلى امرأته، وبهذا فسّره ابن مسعود كما عند ابن أبي حاتم والحاكم، وهو ضربٌ من السحر، وإنّما كان شركًا؛ لما يراد به من دفع المضار وجلب المنافع من غير الله تعالى (١).
وهذه التمائم، والتولة، من حيث حكمها لها حالتان:
أ- تكون شركًا أصغر: إذا اعتقد أنَّ هذه الأمور سببٌ، وأنَّها لا تفعل بنفسها.
стр. 109
ب- تكون شركًا أكبر: إذا اعتقد أنَّ هذه الأمور تنفع وتضرّ من دون الله، وأنَّها تفعل بنفسها.
وثالث الأحاديث: حديث عبد الله بن عكيم مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» رواه أحمد، والترمذي، والحاكم، وقال عنه الترمذي: حديث حسن غريب.
والحديث فيه ضعف، وعبد الله بن عكيم، يكنى أبا معبد الجهني، أدرك زمان النبيّ ﷺ ، ولا يُعرف له سماعٌ صحيحٌ، قاله البخاري وأبو زرعة وغيرهما، فهو مخضرم، وحديثه مرسل (١)، لكن الحديث له شواهد يتقوى بها.
* وقوله: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا»: شيئًا نكرة، فتشمل جميع الأشياء، والتعلق يكون بالقلب، بأن يعتمد عليه ويعتقد أنَّه سينفعه.
ويكون بالفعل، بأن يعلّق على نفسه شيئًا من التمائم والتعاويذ وأشباهها، ويكون بهما جميعًا.
* وقوله: «وُكِلَ إِلَيْهِ»: أي يكله الله إلى هذا الأمر ويخذله، وهذه قاعدة عظيمة، أنَّ كل شيء يُعَلِّق الإنسانُ به قلبه من دون الله من بشرٍ أو حجر أو شجر أو قبرٍ أو حلقةٍ أو خيطٍ أو تميمةٍ أو غير ذلك، فإنَّ الله يَكِلُه إليه، ومن توكَّل على الله فهو حسبه وكافيه.
وبهذا تَعرف ضلال من نسوا التعلّق بالله والتوكّل عليه، فلجئوا إلى أمورٍ لم ترد في الشرع، وهم بهذا وقعوا في الشرك، ووكلهم الله إلى أنفسهم وإلى ما جعلوه من أسباب، وهذا هو غاية الخذلان، وقد قال ابن القيم: «أجمعوا
стр. 110
على أنَّ التوفيق: أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأنَّ الخذلان: أن يخلي بينك وبين نفسك» (١).
ومناسبة الحديث للباب: من جهة أنَّ الحديث دلَّ على أنَّ من علَّق قلبه بشيء دون الله، فإنَّ هذا من الشرك، ويكون جزاؤه من الله أن يكله إلى هذا الذي توكَّل عليه، ولن يجد فيه نفعًا ولا دفعًا.
ورابع الأحاديث: عن رويفع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أنَّه مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْهُ بَرِيءٌ».
ورويفع: هو ابن ثابت الأنصاري، طال عمره وتوفي سنة (٥٦ هـ) (٢)، فوقع ما أخبر به النبي ﷺ من قوله: «لَعَلَّ الْحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ».
* وقوله: «فَأَخْبِرِ النَّاسَ»: فيها دليلٌ على وجوب إخبار الناس وتبليغ العلم والعقيدة الصحيحة، وهذا واجب وأمانة يتحمّلها القادرون.
* وقوله: «مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ»: عقدُ اللحية يُفَسّرُ على أحد أوجهٍ أربعة:
١. ما كانوا يفعلونه في الحروب -في الجاهلية- مِنْ عقد لحاهم تكبرًا وافتخارًا وهذا من زِيّ الأعاجم.
٢. ما يفعله أهل الترف من تجعيد لحاهم وتحسينها وكدّها حتى تتجعّد، وهذا للتجمّل، وهذا فعل أهل التأنيث، مع أنَّ إصلاح اللحية ودهنها وإكرامها مطلوب، لكن ما لم يصل إلى الترف والإسراف.
стр. 111
٣. وإما خوفًا من العين؛ لأنَّها إذا كانت حسنة، أراد أن يشوهها ويشوه نفسه؛ خوفًا من العين.
٤. أن المراد عقد اللحية في الصلاة؛ لأنَّ هذا من العبث في الصلاة، وهو مكروه، ويدل على عدم الخشوع، قال ابن العراقي: «والأولى حمله على عقد اللحية في الصلاة»، كما في رواية: «من عقد لحيته في الصلاة».
قال ابن قاسم: «ويشبه هذا ما يفعله كثير من أهل الفسق والكبر، مِنْ فتل أطراف الشوارب، وإبقائها مخالفة لما ثبت عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى» (١)(٢).
* وقوله: «أو تقلّد وترًا»: تقدم بيانه، وأنَّه جعل قلادة من وتر على عنق الدابة وغيرها، وهذا الشاهد من الحديث.
* وقوله: «أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ»: أي أزال الخارج من السبيلين بأيّ من هذه الأشياء؛ لأنَّها طعام الجنّ وعلف دوابهم، ونهى النبيّ ﷺ عن الاستجمار بها (٣).
стр. 112
* وقوله: «فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْهُ بَرِيءٌ»: وهذا وعيد شديد يدلّ على أنّ هذه الأمور من الكبائر.
والأولى في أحاديث الوعيد إجراؤها على ظاهرها، من دون تعرض لها بتفسير، فهذا أبلغ في الزجر ولا تصرف عن ظاهرها بالتأويل، إلّا إذا خشي أن يفهمها البعض على ظاهرها في التكفير، فيكفِّر بها أهل المعاصي، كما هو مذهب الخوارج.
ومناسبة الحديث والشاهد منه: أنَّ النبيّ ﷺ أخبر أنَّه بريء ممن تقلد وترًا دفعًا للضرّ؛ لأنَّ هذا من الشرك كما تقدم.
فائدة: قال صاحب فتح المجيد: «فإذا كان هذا فيمن تقلد وترًا، فكيف بمن تعلّق بالأموات وسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، وما يترتب على ذلك من العبادة التي لا يستحقها إلّا ربُّ الأرض والسماوات، الذي جاء النهيّ عنه وتغليظه في الآيات المحكمات» (١).
وخامس الآثار: عن سعيد بن جبير قال: «مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً منْ إِنْسَانٍ، كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ» (٢).
стр. 113
* قوله «كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ»: أي كان له مثل ثواب من أعتق رقبة.
ووجه الشبه بين عتق الرقبة وقطع التميمة: أنَّ إعتاق العبد فيه إعتاقٌ له من الرقّ، وقطعُ التميمة منه فيه إعتاقٌ له من الشرك؛ إذ تسبب في فكاكه من النار.
وفي أثر ابن جبير: إزالة المنكر باليد لمن كان قادرًا عليه، وإلّا فباللسان، وإلّا فبالقلب.
المسألة الرابعة: أشار المصنف ﵀ إلى تعليق التمائم إذا كان ما كتب فيها من القرآن، ونقل في المسألة قولين لأهل العلم، فقال: (لكن إذا كان المعلّق من القرآن، فرخصّ فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهيّ عنه منهم ابن مسعود ﵁.
وعلى هذا ففي المسألة قولان:
القول الأول: أنَّ وضع التمائم من آيات القرآن جائز، وليس من التمائم المحرمة، وهذا نُقِلَ عن جماعة، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن المسيب، وابن عبد البر، والقرطبيّ، وهو رواية عن أحمد.
* وحجة هذا القول: عموم قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾، وهذه التمائم التي فيها القرآن هي كالرقية بالقرآن.
وأما الأحاديث الواردة في النهي عن التمائم، فحملوها على التمائم من غير القرآن، والشركية.
стр. 114
القول الثاني: أنَّه محرَّم ولا يجوز، ولا فرق في ذلك بين كونها من القرآن أو من غيره، وهذا هو الأقرب.
وقد قال به جمع من الصحابة، منهم: ابن مسعود وتلاميذه، وابن عباس، وحذيفة، وغيرهم، وهو رواية عن أحمد، وهو قول أكثر العلماء، ومنهم النخعيّ، وابن العربيّ، وصاحب فتح المجيد، وصاحب التيسير، والسعدي، والحكمي، والألباني، وابن باز، والعثيمين، والفوزان، وغيرهم.
وذكر بعضهم لترجيح هذا القول عدة أوجه:
١ - عموم النهي: ولا مخصص للعموم.
٢ - سدًا للذريعة: فإنَّه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
٣ - أنَّه إذا عُلِّق فلن يخلو من أن يمتهنه المعلّق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء، وغير ذلك (١).
٤ - أنَّ النبيّ ﷺ قد كان يرقي ويُرقى، فلو كان تعليق تمائم القرآن جائزًا لأمر به، قال ابن قاسم: «وليس في كتاب الله، ولا سنّة رسوله ما يدل على إجازة تعليق شيء من القرآن، ولا ثبت عن أحد من الصحابة المقتدى بهم تجويزه، ولا فعله مع توفر الدواعي إليه، وما ذاك إلّا لأنَّه ينافي التوكّل والإخلاص، ولعلّ عبد الله بن عمرو ﵁ يُعَلِّقه في الألواح لا أنَّه تميمة» (٢) ا. هـ.
وقد نقل المصنّف عن إبراهيم النخعيّ قوله: «كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا، مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقُرْآنِ».
стр. 115
ويقصد بالذين يكرهون: أصحاب ابن مسعود، وهم قرناء إبراهيم، كعلقمة والأسود وأبي وائل ومسروق والربيع بن خثيم وعبيدة السلماني وغيرهم، وهذه الصيغة يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم.
والمراد بالكراهة هنا: كراهة التحريم؛ إذ الكراهة عند السلف يريدون بها التحريم، وتقدمّ أنَّ التمائم محرّمة، أمّا من غير القرآن فبالإجماع، وأمّا من القرآن فعلى قول الأكثر كما تقدم.
* خلاصة الباب: أنّ الرقى ليست على حالٍ واحد، فربما كانت مشروعة، وربّما كانت شركيّة، فالواجب تبيين هذه من هذه، فليس كل راق رجلًا صالحًا، فربّما رقى بشرك.
وأمّا التمائم فالأقرب أنَّها ممنوعة مطلقًا كما تقدم.
*
стр. 116
٩ - باب من تبّرك بشجر أو حجر أو نحوهما
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم، الآية (١٩)].
عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللهُ أَكْبَرُ، إنَّها السُّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣٨)]. لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ «(١)(٢).
стр. 117
(الشرح)
عقد المصنّف هذا الباب فيما يتعلّق بالبركة والتبرّك، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: أراد المصنّف ﵀ بهذا الباب بيان حكم من تبرّك بالأشجار
стр. 118
والأحجار، ونحوها من القبور والبقع وغيرها، وبيان أنَّها من الشرك وأفعال المشركين.
والبركة لغة: النماء والزيادة (١)، وقيل: كثرة الخير وثبوته.
والتبرك: طلبُ البركةِ والخير من الغير، يقال: باركه الله، وبارك فيه، وبارك عليك، وبارك له (٢).
وأما مناسبة الباب لما قبله: فإنَّ هذا الباب مكمِّل للأبواب قبله؛ لأنَّ ما قبله في لبس الحلقة وفي التمائم وتعليقها وأنَّها من الشرك، فبيّن هنا أنَّ من الشرك التبرّك بالأشجار ونحوها؛ لما فيها كلّها من الاعتقاد بغير الله أنَّه ينفع ويضرّ، ومعلوم أنَّ الذي يقدر على جلب النفع ودفع الضرّ هو الله ﷻ .
المسألة الثانية: يمكن أن يذكر في باب التبرّك ضوابط مهمة ينبغي التنبه لها:
١. أنَّ البركة لا تثبت في شيء من الأشياء إلّا بدليل شرعيّ؛ لأنَّ الأصل النفي لها وعدم ثبوتها، وهي أمرٌ توقيفي لا اجتهادي.
٢. أنَّ ما يُتبَرَّكُ به من الأعيانِ والأقوالِ والأفعالِ والأزمانِ التي تثبت فيها البركة بطريق الشرع، إنّما هي سببٌ للبركة وليست بواهبةٍ لها.
•مثاله: ماء زمزم سبب للبركة وليس واهبًا للبركة بذاته، ومِثلُه بقيّة الأمور المباركة مِنْ مطعومٍ وموطنٍ وزمانٍ وغيره.
стр. 119
٣. اعلم أنَّ التبرّك قسمان: أ- مشروع. ب- ممنوع.
أما التبرّك المشروع فتحته صور:
١ - التبرّك بذات النبيّ ﷺ وعَرَقِه وثيابِه: فهذه لا تكون إلّا للنبيّ ﷺ وهي منقطعة بوفاته، إلا ما نفصل منه فيصح ولو بعد وفاته، كشعره لو وُجِد.
٢ - التبرّك بالأقوال: كقراءة القرآن وقراءة البقرة، وقد ورد فيها: «أَخْذُهَا بَرَكَةٌ» (١)، والتبرك بكل شيء بحسبه، فالتبرك بالقرآن بتلاوته، وهكذا.
٣ - التبرّك بالأفعال: كأكلة السحر، ففيه بركة، وكذا الاجتماع على الطعام يباركه الله «اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» (٢)، والتبرك بهذه الأطعمة يكون بأكلها.
٤ - التبرّك بالأمكنة: بالمساجد عمومًا، والمساجد الثلاثة-المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى- خصوصًا.
والتبرّك بالمساجد يكون: بالإكثار من الصلاة والتعبد فيها، ولا يكون بالتمسّح بترابها وجدرانها ونحو ذلك؛ لأنّ التبرّك عبادةٌ ويشترط فيها المتابعة.
٥ - التبرّك بالأزمنة: كليلة القدر ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان، الآية (٣)] ويوم الجمعة وشهر رمضان، وعشر ذي الحجة، والتبرّك فيها يكون بالاجتهاد بالعبادة.
٦ - التبرّك بالأطعمة: كماء زمزم، والحبّة السوداء، والعسل واللبن.
стр. 120
وأما التبرّك الممنوع فتحته أنواع:
١ - التبرّك بالأمكنة المباركة على غير ما ورد في الشرع: كتقبيل جدران الكعبة، والتمسح بها وبتربة المسجد، أو بمقام إبراهيم، ونحو ذلك.
٢ - التبرّك بالقبور، والدعاء عندها للتبرك بها.
٣ - التبرّك بمقامات الأنبياء: كغار ثور وحراء، أو الطور الذي كلّم الله فيه موسى ﷺ ونحوها، والسفر إليها والتعبد عندها، وكذلك الأمكنة التي صلّى فيها النبيُّ ﷺ ، فلا يشرع تتبعها؛ لأنَّها لم تقع منه تقصدًا.
٤ - التبرّك بأزمنةٍ معينة: كمولد النبيّ ﷺ ، والإسراء والمعراج، ويوم بدر، وفتح مكّة بنوع من التعظيم والعبادة.
٥ - التبرّك بذواتِ الصالحين وآثارهم: فهذا لم يشرع، ولم يؤثر عن أحد.
• وعلى هذا: فالتبرك بآثار الصالحين، والتمسّح بهم، وبثيابهم، وبعرقهم، ونحو ذلك قياسًا على النبيّ ﷺ خطأٌ من عدة أوجه:
١ - عدم المقاربة فضلًا عن المساواة للنبيّ ﷺ في الفضل والبركة.
٢ - عدم تحقق الصلاح، فإنَّه لا يتحقق الصلاح إلا بصلاح القلب، وهذا لا يطلع عليه.
٣ - أنَّ الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غير النبيّ ﷺ ، لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه (١).
فإن قيل: ورد في الصحيح أن عتبان بن مالك ﵁ دعا النبيَّ ﷺ إلى
стр. 121
منزله ليصلي فيه، فيتخذه مصلى «فجاء النبيّ ﷺ ، فصلى في بيته» (١) أليس فيه دليل على جواز التبرك بآثار الصالحين؟
* فالجواب من أوجه:
أ- لم يقصد عتبانُ أن يتبرّك بموضع صلاة النبيّ ﷺ ، وإنما قصدَ أن يُقِرَّهُ الرسولُ ﷺ على الصلاة جماعةً في داره عند عدم استطاعته حضور الجماعة.
ب- لو كان القصد التبرّك بموضع صلاة النبيّ ﷺ ؛ لبقي هذا الموضع يتبرّك به الورثة فمن بعدهم، كما نقل عن بعض الصحابة في تبركهم بشعر النبيّ ﷺ وقدَحه.
المسألة الثالثة: يقرّر أهل العلم أنَّ التبرك بالأشياء المحرمة، كذوات الصالحين أو المواضع التي لم يثبت فيها شيء ونحو ذلك، أنَّه محرَّم ومن الشرك، ثم يقولون:
* يكون شركًا أصغر: إن اعتقد أنَّه سببٌ للبركة والتمسها منه.
* ويكون شركًا أكبر: إن اعتقد أنَّ منه البركة، كما أنَّها من الله، كأن يقول: يا عبد القادر الجيلاني بارك لي في زوجتي، أو يا بدوي مُنَّ علي بكذا، فهذا صرف العبادة لغير الله.
المسألة الرابعة: ترد على ألسنة الناس عبارات عديدة في البركة، وهي تختلف في حكمها.
الأولى: قول (هذه من بركتك أو من بركاتك): وهي جائزة على الأقرب، ويدل
стр. 122
لها ما ورد في حديث عائشة ﵂ في قصة التيمم وفيه: «أن أسيد بن حضير ﵁ قال: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» (١)، وقالت عائشة ﵂: «فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا» (٢)، أي: جويرية أم المؤمنين.
لكن لا ينبغي أن تُقال لمن لا يُعرف منه خير وصلاح.
وكذا لا تقال عند حصول أمرٍ من الله لا علاقة للإنسان به، كالمطر مثلًا، فالمطر من الله وحده.
الثانية: قول: (تباركت علينا): فلا تجوز؛ لأنَّ (تبارك) من خصائص الله، فلا تقال لغيره، وقد أشار لهذه ابن القيم (٣).
وأجازها بعض العلماء، منهم الشيخ بكر أبو زيد (٤).
الثالثة: قول (كُلّك بركة): فالأولى أن لا تُقال؛ لأنَّها على خلاف الحقيقة؛ إذ فيها مبالغة، فالإنسان ليس كلّه بركة.
* ومنها: (أبرك الساعات أن نراك)، فهذه معلوم أنَّها تقال على سبيل الإكرام والاحتفاء، ومع هذا فالأولى أن لا تقال؛ لأنَّ أبرك الساعاتِ ساعةٌ تطيع فيها الله، ولئن كان اللقاءُ بالإخوان في الله طاعة، إلّا أنَّه قد لا يكون أبرك
стр. 123
الأوقات.
المسألة الخامسة: استدل المصنّف في الباب بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم، الآيات (١٩، ٢٠، ٢١، ٢٢)]. ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣٨)].
والمعنى: أنَّ الله يقول للمشركين الذين يعبدون الأصنام -وفي مقدمتها هذه الأصنام الثلاثة المشهورة- هل نفعتكم هذه الأصنام بشيء؟ هل دفعت عنكم الضرّ؟ هل جلبت لكم رزقًا أو نفعًا؟ ومعلوم أنَّهم لا يقدرون على الجواب.
قال القرطبي: «قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ وَحُمَيْدٌ وَأَبُو صَالِحٍ (اللَّاتَّ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ … وَالْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ: (اللَّاتَ) بِالتَّخْفِيفِ» (١)(٢).
* أما على القراءة الأولى: فقال الأعمش: «سمّوا اللات من الإله، والعزى من العزيز» ا. هـ. فقد اشتقّوها من اسم الله، قال ابن كثير: «كانت صخرة بيضاء يتبركون بها ويطلبون قضاء الحوائج، وكانت لأهل الطائف، وكانوا يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش» (٣) ا. هـ.
ولم تزل موجودة حتى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، فهدمها وحرقها بالنار، وذلك في السنة الثامنة.
стр. 124
• وعلى هذا: يكون علاقة الآية بالباب من جهة التبرك بالأحجار.
* وأما على القراءة الثانية: فقد قال ابن عباس: «كَانَ رَجُلًا يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحَاجِّ؛ فَلَمَّا مَاتَ عَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ» (١).
ومعنى اللتّ: أن يأتي بالسويق ويجعل فيه السمن فيطعمه الحجاج.
• وعلى هذا: فيكون من باب التبرّك بالأموات، وهو من شرك القبور.
قال صاحب التيسير: «ولا تخالف بين القولين، فإنَّ من قال: إنَّها صخرة لم ينف أن تكون صخرة على القبر أو حواليه، فعظمت وعبدت تبعًا لا قصدًا، فالعبادة إنّما أراد بها صاحب القبر» إلى أن قال ﵀: «فتأمَّل فعل المشركين مع هذا الوثن، ووازن بينه وبين بناء القباب على القبور، والعكوف عندها ودعائها وجعلها ملاذًا عند الشدائد» (٢).
* وأما العزى: فتقدم قول الأعمش أنَّها من اسم الله (العزيز).
قال ابن جرير: «كانت شجرة عليها بناءٌ وأشياءٌ بنخلة بين مكة والطائف كانت قريش تعظمها» ا. هـ، ولذلك قال أبو سفيان يوم أُحد: «لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ» (٣)، ولما فتح النبيّ ﷺ مكّة أرسل خالد بن الوليد، فأتاها فقطع السمرات الثلاثة التي عندها، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبيّ ﷺ فأخبره، فقال ارجع فإنك لم تصنع شيئًا، فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة -وهم حجبتها- امتنعوا في الجبل، وهم يقولون: يا عزى يا عزى، فأتاها خالد،
стр. 125
فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها، فعلاها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: تلك العزى (١).
• وهذا: لأنّ الواقع أنَّ المشركين ليست عبادتهم لهذه الأصنام، وإنّما عبادتهم للشياطين فهي التي تدعوهم إلى عبادتها، وهى التي تكلمهم أحيانًا ويظنّون أنّ الصنم هو الذي يتكلم، أو أنّ الميّت هو الذي يتكلم (٢).
* وأما (مناة) فاختُلِف في اشتقاقها:
١. فقيل: من اسم الله المنان.
٢. وقيل: سُمِّيت مناة؛ لكثرة ما يُمنى-أي يراق- عندها من الدماء للتبرك بها.
* وكان موضعها بالمُشلَّلِ عند قديد، بين مكة والمدينة، وكانت للأوس والخزرج، وكانوا يُهلّون منها للحج، فلما فتح النبيّ ﷺ مكة أرسل علي بن أبي طالب إليها فهدمها.
* وقوله: ﴿الْأُخْرَى﴾: أي المتأخرة وضيعة القدر.
وإنما خُصّت هذه الثلاثة: لأنَّها أشهر الأصنام عند العرب وأعظمها، فبيّن الله لهم أنَّها لم تنفعهم ولم تضرهم هذه الأصنام.
* وقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾: استفهام إنكاري للمشركين الذين إذا جاء أحدهم ولدٌ ذكر استبشر، وإذا جاءه أنثى ظل وجهه مسودًا، ومع ذلك
стр. 126
يقولون: الملائكة بنات الله.
وقيل: يجوز أن يراد أنَّ اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموها لله شركاء، ومن شأنكم أن تحقروا الإناث، وتستنكفون أن يولدن لكم أو ينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أندادًا لله وتسموهم آلهة؟
قال صاحب التيسير: «ما أقرب هذا القول إلى سياق الآية» (١).
وقوله: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾: أي جائرةٌ باطلة، إذ نزَّهتم أنفسكم عن البنات، ونسبتموها لله.
• واعلم أنَّ مستند الكفار والمشركين في عبادتهم للأصنام أمران:
١ - حُسْنُ ظنِّهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، والظنُّ لا يغني من الحق شيئًا.
٢ - حظُّ أنفسهم في رياستهم واتباع أهوائهم، وأضرُّ شيءٍ على الإنسان أن يتَّبع ما يهوى ويترك الهدى.
وإذا تقرر هذا فاعلم أن وجه مناسبة الآية للباب: هي أنَّ الذين يعبدون هذه الأصنام يعتقدون أنَّها تنفعهم وتضرهم، وهم يتبرَّكون بها ويتقربون إليها ويذبحون لها ويدعونها، فعدّ اللهُ عملهم شركًا.
• فيؤخذ من هذا: أن كُلَّ من تبرَّك بشجرٍ أو قبر أو حجرٍ أو غير ذلك، قاصدًا بذلك جلب النفع أو دفع الضر، فقد شابههم في شركهم.
• واعلم: أنَّ الذي يفعله بعضُ معظّمي القبورِ اليوم هو من جِنس ما كان يفعله
стр. 127
أصحاب الأصنام، فقد ذكر ابن هشام: «أنَّ العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوتٌ تُعظَّمُ كتعظيم الكعبة، لها سدنةٌ وحُجَّابٌ، ويُهدى لها كما يُهدى للكعبة، ويُطاف بها ويُنحَرُ عندها، وهم يعرفون فضل الكعبة عليها؛ لأنَّهم كانوا يعرفون أنَّها بيت إبراهيم ﵈ ومسجده» (١).
المسألة السادسة: ذكر المصنّف في الباب حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللهُ أَكْبَرُ، إنَّها السُّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣٨)]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ «.
ومضمون الحديث: أنَّه لما فتح النبيُّ ﷺ مكّة خرج إلى حنين، وهو وادٍ بين مكّة والطائف -وكانت غزوة حنين في السنة الثامنة في شهر شوال وقصتها معروفة-، وكان معه الصحابة، ومعه قومٌ قريبوا عهدٍ بكفر -كما قال أبو واقد ﵁ وإنّما قال هذا ليعتذر عن طلبهم وسؤالهم، إذ إنَّ غيرهم لا يجهل ذلك، ولو وقر الإيمانُ في قلوبهم لما سألوا هذا، وكان للمشركين سدرةٌ يعكفون عندها ويلزمون مكانها تبركًا بها، وكانوا أيضًا يُعَلِّقون عليها أسلحتهم طلبًا للبركة.
فلما رأى هؤلاء القومُ حدثاءُ العهد بالإسلام تلكَ السدرةَ أعجبهم عملُ المشركين، وظنّوا أنَّ هذا الأمرَ سائغٌ، فطلبوا من النبيّ ﷺ أن يجعل لهم
стр. 128
شجرة مثلها يُعَلِّقون عليها ويعكُفون حولها -وهم قصدوا بهذا التقرُّبَ إلى الله - فقال النبيّ ﷺ : «اللهُ أَكْبَرُ» تعجبًا واستعظامًا له وتنزيهًا لله عن هذا العمل، إذ كيف يقولون هذا وهم آمنوا بأنَّه لا إله إلّا الله؟! ولكن: «إنَّها السُّنَنُ»، والسنن: الطرق، أي: أنَّ السبب الذي أوقعكم في هذا هو التشبُّه، فقاس الرسول ﷺ ما قاله الصحابة على ما قالته بنو إسرائيل لموسى وطلبوه منه، حيث إنَّه لما نجاهم الله وأغرق فرعون وقومه مروا في طريقهم على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: يا موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، فقال موسى;: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، أي: أنَّ الذي أوقعكم في هذا هو جهلكم بالتوحيد، وعلى هذا فالتشبه بالكفار في عبادتهم وتقاليدهم أمرٌ خطير.
بل إنَّ أوَّل حدوث الشركِ في جزيرة العرب إنما كان بسبب التشبّه بالكفار، حين ذهب عمرو بن لُحَيّ إلى الشام فوجدهم يعبدون الأصنام فأعجبه ذلك، فجلبها إلى الحجاز.
فإن قيل: الآية: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فيها طلبُ إله من دون الله، أمّا الصحابة فإنَّهم إنما طلبوا شجرة يعلقون عليها، فكيف يكونان سواء؟!
فالجواب: طلبُ هؤلاء الصحابة من النبيّ ﷺ ، هو من جنس مطلق المشابهة للكفار، لا أنَّها مماثلة في الشرك بعينه.
قال ابن تيمية: «فأنكر النبيّ ﷺ مجرّد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلّقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟» (١).
стр. 129
وقال الشاطبي: «فإنَّ اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنَّه هو بنفسه» (١).
والمراد: أنَّ مجرد مطلق المشابهة بين الفريقين لا تُخرِجُ من الملة، فالصحابة طلبوا ولم يفعلوا، ثم إنهم كانوا حدثاء بكفر (٢).
ومناسبة الحديث للباب ووجه الشاهد منه: أنَّ النبيّ ﷺ أنكر على هؤلاء طلبهم التبرك بالأشجار، وجعله مثلَ طلب بني إسرائيل أن يكون لهم إلهٌ، فهذا مثلُ هذا وإن اختلف اللفظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر مع اتفاق المعنى، وحينها يقال: من طلب البركة من شيء ولم يثبت أنَّ فيه بركة، فإنَّ فعله محرم ولا يجوز.
* وإذا تقرر هذا فثمة فوائد تؤخذ من الحديث، أهمها اثنتان:
١) أنَّ تعظيم غير المعظم قد يوقع في الشرك، حينما يغلو المرء به.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: «فإذا كان اتخاذ شجرة؛ لتعليق الأسلحة والعكوف عندها اتخاذ آلهة مع الله، مع أنَّهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظنُّ بما حدث مِنْ عُبَّادِ القبور مِنْ دُعاء الأموات والاستعانة بهم والذبح والنذر والطواف بقبورهم، وتقبيل أعتابها وجدرانها والتمّسح بها وجعل السدنة والحجّاب لها؟! وأي شبهٍ بين هذا وبين تعليق الأسلحة على شجرة تبركًا» (٣).
وأهل القبور يقولون: إنَّ فعلهم هذا ليس بشرك، وإنّما هو توسلٌ ومحبة
стр. 130
للأولياء والصالحين!
فيقال لهم: وإن سمّيتموه توسلًا أو محبّة أو وفاءً للصالحين فإنَّه في الحقيقة شرك، فالذي يتبرَّك بالحجر أو الشجر أو القبر بالتوجه له بالدعاء، فقد اتخذه إلهًا وإن كان يزعم أنَّه ليس بإله.
٢) أنَّ حسن المقاصد لا يغير من الحكم الشرعي شيئًا، فهؤلاء الصحابة قصدهم حسن، ومع هذا أنكر عليهم النبيّ ﷺ وغضب، وجعل مقالتهم مثل مقالة بني إسرائيل، فدلّ على أن المقاصد الحسنة لا تبرّر الغايات السيئة المبتكرة.
* خلاصة الباب: أن البركة توقيفيةٌ، فلا تثبت إلا بنص، وأن التبرك بما ثبت في البركة يكون على وفق الشرع، وأن من تبرك بشيء على خلاف مقتضى الشرع فقد وقع في المحذور، والله أعلم.
*
стр. 131
١٠ - باب ما جاء في الذبح لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ … ﴾ [الأنعام، الآيات (١٦٢ - ١٦٣)]. وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر، الآية (٢)].
عن علي ﵁ قال: «حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيه، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ» (١).
وعن طارق بن شهاب (٢)، أن رسول الله ﷺ قال: «دَخَلَ اَلْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ وَدَخَلَ اَلنَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ؟ قَالَ: مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا، فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُهُ، قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ اَلنَّارَ، وَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اَللَّهِ ، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ؛ فَدَخَلَ اَلْجَنَّةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣)(٤).
стр. 132
(الشرح)
الذبح لغة: الشقّ، وكل ما يُشق فقد ذُبِح، قال ابن فارس: الذال والباءُ والحاءُ أصلٌ واحد، وهو يدل على الشق، فالذبح: مصدر ذبحتُ الشاة ذبحًا (١).
وشرعًا: إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص.
стр. 133
والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بهذا الباب: بيانُ ما جاء من الوعيد على من ذبح شيئًا من البهائم قاصدًا بذبحه غير الله، وأنَّه شركٌ أكبر؛ لأنَّ الذبح عبادةٌ مِنْ أجَلِّ العباداتِ، وقربةٌ من أفضل القربات المالية، وإذا كان الذبحُ عبادةً، فلا يجوز أن تُصرف لغير الله، وصرفُها لغيره شرك أكبر.
والمؤلف نبّه على هذا لانتشاره عند أهل زمانه، وإلى الآن.
المسألة الثانية: ذكر أهل العلم أن الذبح له حالتان (١):
الأولى: ذبح تقرّب وتعبّد: وهذا له صور ثلاث:
١ - ذبح النُسك: بأن يتقرب إلى الله بالذبح تعظيمًا له، ويدخل فيه الأضحية والعقيقة والنذر والهدي وغيرها، وهو فيه مأجور.
٢ - الذبحُ البدعي: وهو أن يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله-وسيأتي بيانه في الباب الآتي-.
٣ - الذبحُ الشركي: وهو أن يذبح لغير الله تقربًا، وله صور:
١/ الذبح عند القبور تقربًا إليها، فهذا شرك أكبر.
٢/ الذبحُ للجِنِّ دفعًا لأذاهم، كما لو ذبح عند نزول البيت أو غير ذلك: والأقرب أنه شركٌ أكبر؛ لأن الذبح عبادةٌ مستقلةٌ، فمتى ما صُرِفَتْ لغير الله صار ذلك شركًا أكبر.
стр. 134
٣/ الذبحُ للشياطين كي يستخدمهم، وهو شركٌ أكبر كذلك، لأنه صرف العبادة -وهي الذبح- لغير الله، قال ابن القيم: «مَنْ ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب فقدْ عَبَدَه، وإن لم يسمّ ذلك عبادة، بل يسمّيه استخدامًا» (١).
٤/ الذبحُ للقادم عند قدومه ووصوله المكان تقربًا له: وهذا شركٌ أكبر، وقد ذكر المروزي أن ما ذُبِحَ عند استقبال السلطان تقربًا إليه، أفتى أهل بخارى بتحريمه؛ لأنه مما أهل به لغير الله.
فأما لو كان ذبحُه للقادم تقربًا لله عند قدومه، ولكنه استقبله بذلك: فهذا بدعيٌ ومحرم (٢).
الثانية: الذبحُ المباح: وهو ما يُقصد فيه التمتع باللحم، أو الاتجار به، ونحو ذلك، وقد يكون مشروعًا إذا ذبح بقصد إكرام الغير، ما لم يصل إلى الإسراف.
المسألة الثالثة: حكم الأكل من الذبيحة التي ذبحت لغير الله.
لا يجوز؛ لأنَّها أُهِلَّ بها لغير الله، وقد قال الله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة، الآية (٣)].
قال النووي: «لا تحلُّ هذه الذبيحة، سواء أكان الذابحُ مسلمًا أو نصرانيًا أو يهوديًا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله، والعبادةَ له، كان
стр. 135
ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا» (١).
المسألة الرابعة: ذكر المصنف في الباب آيتين وحديثين:
* أما الآية الأولى: فهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام، الآيات (١٦٢ - ١٦٣)]، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغيره، ولكل من بعدهم إلى قيام الساعة.
* ﴿إِنَّ صَلَاتِي﴾: والصلاة لغة: الدعاء، وفي الشرع: العبادة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، وهي عبادةٌ تشتمل على عباداتٍ قلبية كالخشوع والخشية، وقوليةٍ: كالتكبير والتحميد وقراءة القرآن، وعمليةٍ: كالركوع والسجود.
* ﴿وَنُسُكِي﴾: أي ذبحي، والمراد: ما يذبح من بهيمة الأنعام على وجه التقرب والعبادة، وقال الزجاج: «النسك كل ما تقرب به إلى الله، إلا أن الغالب عليه أمر الذبح» (٢).
﴿وَمَحْيَايَ﴾: أي ما أحيا عليه في عمري من العبادة كلها لله خالصًا.
﴿وَمَمَاتِي﴾: أي ما أموت عليه، أي: أحيا وأموت على التوحيد.
فكل هذه الأمور لا تكون إلا لله، وغيره لا يستحق أن يصرف له شيء منها؛ لأنَّ كلَّ المخلوقات مربوبة لله وهو خالقها، فلا يستحق هذا إلا الله.
﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾: أي بذلك الإخلاص في العبادة أمرني الله.
стр. 136
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: أي أول المسلمين من هذه الأمة. قاله قتادة (١)؛ لأنَّ إسلام كل نبي متقدمٌ على إسلام أمته، والأنبياء كانت دعوتهم للإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
* وفي قرن الصلاة بالنسك في الآية فائدة وهي: بيان فضل النسك لله، وأنَّه عبادة عظيمة، قال شيخ الإسلام: «أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين، وهما الصلاة والنسك، الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عِدَتِه، وأمرِه وفضلِه وخلفه عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة في صلاتهم إلى ربهم يسألونه إياها، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر وتركًا لإعانة الفقراء وإعطائهم، وسوءِ الظن منهم بربهم، ولهذا جمع الله بينهما» (٢).
ومناسبة الآية للباب: أنَّ الذبح لا يكون إلا خالصًا لله، وبذلك أمر الله نبيَّه محمدًا ﷺ ، وصرفُه لغير الله مخالفة؛ لأمر الله وأمر رسوله ووقوع في الشرك.
* وأما الآية الثانية: فهي قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر، الآية (٢)].
وهذا أمر من الله لنبيِّه أن يخلص الصلاة لله، ويخلص له النحر سبحانه.
والمعنى: أنَّ الله لما امتن على محمدٍ ﷺ بإعطائه الكوثر أمره أن يشكر النعمة، بأن يصلي له، وبأن يذبح وينحر له سبحانه.
قال صاحب التيسير في معنى الآية: «فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه،
стр. 137
وشرفك وصانك من مِنَنِ الخلق، مراغمًا لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفًا لهم في النحر للأوثان» (١).
ومناسبة الآية للباب: أن الله قرن في الآيةِ الذبحَ بالصلاة، وأمر بصرفهما كليهما لله، فدلَّ على أنَّ الذبح عبادة عظيمة لا تصرف إلا لله.
* وأما الأحاديث فأولها: حديث علي ﵁ قال: «حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيه، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ».
* وقوله: «بأربع كلمات»: أي بأربع جمل، إذ الكلمة في اللغة العربية تطلق على الجملة المفيدة، كقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله).
* وقوله «لَعَنَ اللهُ»: اللعنُ: الطرد والإبعاد من رحمة الله، والمراد به إذا أضيف من المخلوق لله: اللهم أبعده واطرده عن رحمتك.
وقوله: «مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»: عامٌ يشمل ذبح أي شيء مما يُذبح لغير الله، من آدمي أو جني أو صنم أو غيره.
* وقوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيه»: الوالدان هما الأب والأم وإن عَلَو، وكلما قَرُبَ كان أشدّ؛ لأنَّه أولى بالبر.
ولعن الوالدين يأتي على أحد صورتين كلاهما محرم:
١ - مباشرة لعنهما وسبهما: قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ واللعن والشتم
стр. 138
أشدّ.
٢ - أن يتسبب في لعن والديه: بأن يلعن والدي رجلٍ، ثم يرد عليه ذلك بالمثل، فيكون متسببًا في لعن والديه، وفي الحديث: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ» (١).
* وقوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا»: المُحْدِثُ: بكسر الدال، وهذا يشمل:
١ - الإحداث في الدين: كأن يؤوي مبتدعًا.
٢ - الإحداث في شؤون الأمة، والإيواء: الحماية والدفاع عنه، كأن يؤوي مجرمًا يستحق إقامة الحدّ، فيحول بينه وبين الناس بجاهه أو قوته أو جنوده وسلطانه.
والحديث يعمُّ المعنيين، وكلما كان الحدثُ أكبر كانت الكبيرة أعظم.
وقد ورد في بعض الروايات «مُحْدَثًا» بفتح الدال، والمُحْدَثُ: البدعة، ويكون إيواؤها بالرضى بها، فإذا رضي بالبدعة وأقرَّ عليها فاعلها، ولم ينكر عليه فقد أواها، إلا أنَّ ضبطها بكسر الدال أولى.
* وقوله: «لَعَنَ اَللَّهُ مِنْ غَيْرِ مَنَارَ اَلْأَرْضِ»: منار الأرض جمع منارة، واختلف في معناها على أقوال:
١. المراسيم والعلامات التي تُفَرِّقُ بين الجيران، وتغييرها: بأن يقدمها أو يؤخرها ظلمًا؛ ليزيد في مسافة أرضه، وهذا أقرب الأقوال، وقد قال ﷺ
стр. 139
«منِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (١).
٢. العلامات التي على الطرق لتوضحه وتبينه، وقد يدخل فيها في عصرنا العلامات التي تضعها المواصلات في الطرق، فيأتي من يغيرها ليضلّ الناس.
ومناسبة الحديث للباب: أنَّ النبيّ ﷺ لعنَ من ذبح لغير الله، وهذا يدل على شدة الأمر؛ إذ لا يلعن إلا على أمر عظيم، وهذا عام - كما سبق- في كل من ذبح لغير الله، سواء أكان في نيته التقرب للمذبوح أو لدفع شرّه أو طلب الخير من المذبوح، فكلّه شرك أكبر، وسواء تلفظ بالنية بأن قال: هي لكذا، أو نوى ذلك بقلبه.
وفي هذا الحديث لعن النبيُّ ﷺ أنواعًا من الفُسّاقِ، وأهل العلم يقررون بأن لعنَ الفاسقِ له حالتان:
أ- لعنٌ على العموم: كهذا الحديث، وقد ورد أن النبيّ ﷺ لعن أنواعًا كثيرة من الفساق بعمومهم، كآكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه (٢)، ولعنَ في الخمر عشرة (٣)، والواصلة والمستوصلة (٤) وغيرها، فهذا جائزٌ، فلو قال رجلٌ مثلًا: لعن الله آكل الربا، فيجوز.
стр. 140
ب- لعنُ الفاسقِ المعيّن: فالذي عليه أكثر العلماء، واختاره ابن تيمية (١)، أنَّه لا يجوز لعن الفاسق المعين، وإنما يُلعَنُ من اتصف بهذا الوصف، فلو رأيت من يشرب الخمر فليس لك أن تقول: لعنك الله، بل تقول: لعن الله شارب الخمر.
* ويدل لذلك: أن النبيّ ﷺ لعن شارب الخمر، ولما أُتي بأحد الصحابة يشرب الخمر قال رجل من الصحابة: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (٢)، وقد كان الإمام أحمد يكره لعن المعيّن، كالحجاج ويزيد بن معاوية، ويقول: «ألا لعنة الله على الظالمين».
* وأما الحديث الثاني: فهو حديث طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: «دَخَلَ اَلْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ وَدَخَلَ اَلنَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ؟ قَالَ: مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا، فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُهُ، قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ اَلنَّارَ، وَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اَللَّهِ ، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَدَخَلَ اَلْجَنَّةَ»، وهذا الحديث عزاه المصنف لأحمد، وليس هو في المسند، وإنما أخرجه أحمد في الزهد.
وطارق بن شهاب: صحابيٌ على الصحيح وقول الأكثر، وقد قال عن نفسه: «رأيت النبيّ ﷺ وغزوت في خلافة أبي بكر»، ومات سنة (٨٣ هـ)، وقد رواه طارق عن سلمان ﵄ عن النبيّ ﷺ ، كما بينتُ ذلك في تخريج
стр. 141
الحديث آنفًا.
إلا أن الحديثَ أعلّه بعضُ العلماء بالوقفِ على سلمان الفارسي، وهو المحفوظ، فيحتمل أن سلمان أخذه من أهل الكتاب؛ لأنَّه كان نصرانيًا فأسلم.
ومضمونُ الحديثِ: أن هذين الرجلين مرّا على صنمٍ لا يتجاوزه أحدٌ حتى يقرب له شيئًا تعظيمًا له، فقيل للرجلين: قَرِّبا، فامتنع الأول، واعتذر الآخر بأنَّه ليس عنده ما يقربه، فهو موافقٌ على الذبح لهذا المعظم، فرضوا منه بأيسر شيء؛ لأنَّ قصدهم موافقتهم على ما هم عليه من الشرك، فقرَّب ذبابًا، ولو وجد بدنة لقربها، فلما قَرَّبَ الذبابَ استوجب دخول النار؛ لأنَّه قصد بهذا الذبحِ غيرَ الله، والعبرةُ بالنيةِ وعملِ القلب.
وقد اختلف أهل العلم في الحديث على رأيين:
الرأي الأول: من يرى ضعف الحديث، ويُعِلُّه بما سبق، ثم إنَّهم يستنكرونه بأن الرجل في الحديث لا يخلو حاله من أمرين:
١. أنَّه لما قدَّم الذبابَ للصنم إنما قدمه عبادة له وتعظيمًا، فهو في هذه الحالة لا يكون مسلمًا، بل هو مشرك.
٢. أنَّه فعل ذلك خوفًا من القتل، وهو في هذه الحالة لا تجب له النار، وحينها فالحكم عليه بأنَّه مسلم دخل النار في ذبابٍ يأباه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ … ﴾، وقد نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر به ﷺ ، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء معتذرًا إلى النبيّ ﷺ (١).
стр. 142
ذكر هذا الألباني ﵀ (١).
الرأي الثاني: من يرى صحة الحديث، ويجيب عن الإشكال الذي أورده الأولون -وأنَّ الرجل إما أن يكون مكرها أو مشركًا حقيقة- بجوابين:
الأول: أن كون الإكراه عذرٌ هو من خصوصيات هذه الأمة، أما من سبقها من الأمم فإنَّ الإكراه في حقهم ليس بعذر، وعليه فإنَّ هذا الرجل وقع في الشرك مكرهًا، ومع هذا فلم يُعْذَر.
قال الشنقيطي على قوله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾: «أخذ بعض العلماء منها أنَّ العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة؛ لأنَّ قوله عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ … ﴾ ظاهرٌ في إكراههم على ذلك، وعدم طواعيتهم، ومع هذا قال عنهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾».
وقال أيضًا: «ومن أصرح الأدلة في أن من قبلنا ليس لهم عذرٌ بالإكراه، حديثُ طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه لصنم، مع أنَّه قرّبه ليتخلص من شرّ عَبَدَةِ الصنم، وصاحبُه الذي امتنع من ذلك قتلوه، فَعُلِم أنَّه لو لم يفعل لقتلوه كما قتلوا صاحبه، ولا إكراه أكبر من خوف القتل، ومع هذا دخل النار ولم ينفعه الإكراه، وظواهرُ الآيات تدل على ذلك، فقوله: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ ظاهر في عدم فلاحهم مع الإكراه؛
стр. 143
لأن قوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾، صريح في الإكراه» (١).
الثاني: أنَّ الذي يظهر أنَّه غير مُكرَه؛ لأنَّه اعتذر بأنَّه لم يجد ما يذبحه ويقرِّبُه، ولو كان مُكرهًا لم يُعاقَب ما دام قلبه مطمئنًا بالإيمان؛ لقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾
وعلى كل حال، فالأقرب أنَّ الحديث إسناده ضعيف، والحديث وإن كان الأقرب ضعفه، إلا أنَّ ذلك لا يغيِّر من الحكم شيئًا، فالنهي عن الذبح لغير الله، وكون الذابح مشركًا، وردت فيه أدلّة أخرى غير هذا الحديث.
* خلاصة الباب: أنَّ الذبح بقصد تعظيم المذبوح له والتقربِ له عبادةٌ، فلا ينبغي أن تصرف لغير الله، وصرفُه لله قربةٌ مِنْ أشرف القربات، وصرفه لغير الله شرك أكبر.
стр. 144
١١ - باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة، الآية (١٠٨)].
عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: «نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانٍ اَلْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ اِبْنُ آدَمَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِهِمَا (١)(٢).
стр. 145
(الشرح)
عقد المصنف هذا الباب (بابٌ لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله)، والكلام عليه في عدة مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالترجمة: أن يبيّن ما يدلّ على أنَّ المسلم لا يجوزُ أن يذبح لله، أو يتعبد لله بأي عبادة في زمان أو في مكان قد اتخذه المشركون لعبادتهم.
أما المكان: فكما في هذا الحديث، وكما عند القبور.
وأما في الزمان فكما في يوم المولد النبوي، وغير ذلك من الأزمان التي يجعل البعض من الناس فيها عباداتٍ لم يرد الشرع بالأمر بها.
واعلم أنَّ الأمر لا يختص بالذبح -كما نص عليه المصنف-، بل يراد به النهي عن تحرّي العبادات في الأماكن والأزمان التي يوافق ويشابه بها المشركين، وذِكرُ الذبح في الباب إنما هو للمثال.
قال ابن تيمية: «ومن اعتقد أن الذبح عند القبر أفضل، أو الصلاة، أو الصدقة،