← Акыда

Акыда · id 1251

بغية المستفيد في شرح كتاب التوحيد

منصور الصقعوب

Полный текст (499 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الحديث آنفًا. إلا أن الحديثَ أعلّه بعضُ العلماء بالوقفِ على سلمان الفارسي، وهو المحفوظ، فيحتمل أن سلمان أخذه من أهل الكتاب؛ لأنَّه كان نصرانيًا فأسلم. ومضمونُ الحديثِ: أن هذين الرجلين مرّا على صنمٍ لا يتجاوزه أحدٌ حتى يقرب له شيئًا تعظيمًا له، فقيل للرجلين: قَرِّبا، فامتنع الأول، واعتذر الآخر بأنَّه ليس عنده ما يقربه، فهو موافقٌ على الذبح لهذا المعظم، فرضوا منه بأيسر شيء؛ لأنَّ قصدهم موافقتهم على ما هم عليه من الشرك، فقرَّب ذبابًا، ولو وجد بدنة لقربها، فلما قَرَّبَ الذبابَ استوجب دخول النار؛ لأنَّه قصد بهذا الذبحِ غيرَ الله، والعبرةُ بالنيةِ وعملِ القلب. وقد اختلف أهل العلم في الحديث على رأيين: الرأي الأول: من يرى ضعف الحديث، ويُعِلُّه بما سبق، ثم إنَّهم يستنكرونه بأن الرجل في الحديث لا يخلو حاله من أمرين: ١. أنَّه لما قدَّم الذبابَ للصنم إنما قدمه عبادة له وتعظيمًا، فهو في هذه الحالة لا يكون مسلمًا، بل هو مشرك. ٢. أنَّه فعل ذلك خوفًا من القتل، وهو في هذه الحالة لا تجب له النار، وحينها فالحكم عليه بأنَّه مسلم دخل النار في ذبابٍ يأباه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ … ﴾، وقد نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر به ﷺ ، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء معتذرًا إلى النبيّ ﷺ (١).

стр. 142

ذكر هذا الألباني ﵀ (١). الرأي الثاني: من يرى صحة الحديث، ويجيب عن الإشكال الذي أورده الأولون -وأنَّ الرجل إما أن يكون مكرها أو مشركًا حقيقة- بجوابين: الأول: أن كون الإكراه عذرٌ هو من خصوصيات هذه الأمة، أما من سبقها من الأمم فإنَّ الإكراه في حقهم ليس بعذر، وعليه فإنَّ هذا الرجل وقع في الشرك مكرهًا، ومع هذا فلم يُعْذَر. قال الشنقيطي على قوله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾: «أخذ بعض العلماء منها أنَّ العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة؛ لأنَّ قوله عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ … ﴾ ظاهرٌ في إكراههم على ذلك، وعدم طواعيتهم، ومع هذا قال عنهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾». وقال أيضًا: «ومن أصرح الأدلة في أن من قبلنا ليس لهم عذرٌ بالإكراه، حديثُ طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه لصنم، مع أنَّه قرّبه ليتخلص من شرّ عَبَدَةِ الصنم، وصاحبُه الذي امتنع من ذلك قتلوه، فَعُلِم أنَّه لو لم يفعل لقتلوه كما قتلوا صاحبه، ولا إكراه أكبر من خوف القتل، ومع هذا دخل النار ولم ينفعه الإكراه، وظواهرُ الآيات تدل على ذلك، فقوله: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ ظاهر في عدم فلاحهم مع الإكراه؛

стр. 143

لأن قوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾، صريح في الإكراه» (١). الثاني: أنَّ الذي يظهر أنَّه غير مُكرَه؛ لأنَّه اعتذر بأنَّه لم يجد ما يذبحه ويقرِّبُه، ولو كان مُكرهًا لم يُعاقَب ما دام قلبه مطمئنًا بالإيمان؛ لقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وعلى كل حال، فالأقرب أنَّ الحديث إسناده ضعيف، والحديث وإن كان الأقرب ضعفه، إلا أنَّ ذلك لا يغيِّر من الحكم شيئًا، فالنهي عن الذبح لغير الله، وكون الذابح مشركًا، وردت فيه أدلّة أخرى غير هذا الحديث. * خلاصة الباب: أنَّ الذبح بقصد تعظيم المذبوح له والتقربِ له عبادةٌ، فلا ينبغي أن تصرف لغير الله، وصرفُه لله قربةٌ مِنْ أشرف القربات، وصرفه لغير الله شرك أكبر.

стр. 144

١١ - باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله وقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة، الآية (١٠٨)]. عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: «نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانٍ اَلْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ اِبْنُ آدَمَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِهِمَا (١) (٢).

стр. 145

(الشرح) عقد المصنف هذا الباب (بابٌ لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله)، والكلام عليه في عدة مسائل: المسألة الأولى: المراد بالترجمة: أن يبيّن ما يدلّ على أنَّ المسلم لا يجوزُ أن يذبح لله، أو يتعبد لله بأي عبادة في زمان أو في مكان قد اتخذه المشركون لعبادتهم. أما المكان: فكما في هذا الحديث، وكما عند القبور. وأما في الزمان فكما في يوم المولد النبوي، وغير ذلك من الأزمان التي يجعل البعض من الناس فيها عباداتٍ لم يرد الشرع بالأمر بها. واعلم أنَّ الأمر لا يختص بالذبح -كما نص عليه المصنف-، بل يراد به النهي عن تحرّي العبادات في الأماكن والأزمان التي يوافق ويشابه بها المشركين، وذِكرُ الذبح في الباب إنما هو للمثال. قال ابن تيمية: «ومن اعتقد أن الذبح عند القبر أفضل، أو الصلاة، أو الصدقة،

стр. 146

فهو ضالٌ مخالف لإجماع المسلمين» (١). ومناسبة الباب لما قبله: من جهة أنَّه لما قرر أن الذبح لغير الله شركٌ أكبر، إذ نفس الفعل لغير الله، ذكر هنا الذبح لله لكن في مكانٍ يُذبَح فيه لغير الله، فالأوّل من باب الشرك الأكبر، فناسب ذكره بعده. ثم إنَّه ربما قلتَ لشخصٍ رأيته يذبح عند قبرٍ أو غيره، أن الذبح لغير الله شرك، فربما عارضك بأنَّه يذبح لله، فأراد المؤلف أن يبيّن أنَّه حتى ولو كان لله، فما دام أنَّه موضع يُتَعبَّدُ به لغير الله فينهى عنه. المسألة الثانية: الحكمة من النهي عن الذبح لله بمكانٍ يذبح فيه لغير الله: ١. أنَّه وسيلة إلى الشرك على مرّ الأزمان، فسدًّا للذريعة نهينا عن مشاركتهم. ٢. أنَّ فيه تشبهًا بالكفار، وموافقةُ المشركين الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة، وربما اعتقد -مع مرور الوقت- أنَّ الذبح في هذا المكان أفضل من غيره. ٣. أنَّه يؤدِّي إلى أن يغتر بك من يراك على هذا الفعل، فاعتقد أنك تذبح كما يذبح المشركون لغير الله. ٤. أنَّ فيه تقويةً للمشركين على فعلهم إذا رأوا من يفعل مثلهم. المسألة الثالثة: ذكر المصنف في الباب آية وحديثًا مستدلًا بهما على ما بوب عليه. * أما الآية: فقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة، الآية (١٠٨)].

стр. 147

والضمير في الآية يعود إلى مسجد الضرار، وقصته: «أن أبا عامر الفاسق كان قد قرأ الكتب السابقة في الجاهلية، وتعبد حتى صار يسمى أبا عامر الراهب، وكان يعظمه الناس لما يظهر عليه من الدين، فلما هاجر النبيُّ ﷺ إلى المدينة حسده أبو عامر وكفر به وأبغضه، وسمّاه رسول الله ﷺ أبا عامر الفاسق؛ لأنَّه خرج عن طاعة الله وكفر بالرسول، ثم إنَّه ذهب إلى الشام يؤلب النصارى على رسول الله، وكتب وهو في الشام إلى جماعة من المنافقين في المدينة أن ابنوا لنا مكانًا من أجل أن نجتمع فيه ونتشاور (١)، وهم يريدون بهذا المكان ما ورد في الآية: ١ - مضارةً لمسجد قباء. ٢ - التفريق بين المؤمنين. ٣ - الكفر بالله؛ لأنَّه يقرر فيه الكفر، والذي اتخذه المنافقون. ٤ - يكون إرصادًا لمن حارب الله ورسوله. فأظهروه بصورة المسجد، وقالوا: بنيناه من أجل الضعيف والمريض والليلة المطيرة والشاتية، وطلبوا من الرسول ﷺ أن يصلي فيه؛ كي يعطوه الصبغة الشرعية، فاعتذر بأنه على سفرٍ إلى تبوك، وإذا رجع سيصلي فيه، فلما رجع ولم يبق على المدينة إلا ليلة أو ليلتان أتاه الوحي من السماء بهذه الآيات، وفيها: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، ففيها تيئيس للمنافقين أنَّه لن يقوم فيه أبدًا. ووجه الدلالة من الآية: أنَّ الله منع رسوله من الصلاة في مسجد الضرار؛ لأنَّه مؤسَسٌ لمقاصد خبيثة، مع أنَّ صلاة النبيّ فيه لله، فكذلك المواضع المعدّة للذبح لغير الله لا يذبح فيه الموحد لله؛ لأنَّها أسست على معصية

стр. 148

الله والشركِ به، فكلُّ مكان يُعصى الله ويشرك به فيه، فإن الإنسان لا يقوم فيه، ولهذا الأمر ساقه المصنف في الباب (١). وأما الحديث: فعن ثابت بن الضحاك قال: «نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانٍ اَلْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ اِبْنُ آدَمَ». * وقوله «بوَانَةَ»: بضم الباء هضبة وراء ينبع، قريبة من ساحل البحر الأحمر. * وقوله: «وَثَنٌ»: الوثن: كل ما عبد من دون الله من حجر أو قبر أو غيره. * وأما العيد: فهو اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد، إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحوه، قاله ابن تيمية (٢). * وأما الجاهلية: فالمراد بها ما كان قبل الرسالة والإسلام، وهذه زالت ببعثة النبيّ ﷺ لكن قد يبقى أشياء منها في بعض الناس، كما في قوله ﷺ : «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ» (٣)، فأما الجاهلية العامة فقد زالت بالبعثة. * وقوله: «وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ اِبْنُ آدَمَ»: يدخل فيه أمران: ١ - ما لا يملك فعله شرعًا: كما لو نذر إعتاق عبد فلان أو تزوّج زوجة فلان.

стр. 149

٢ - ما لا يملك فعله حِسًّا: كما لو نذر أن يطير في الهواء، ونحوه مما يستحيل. ومعنى الحديث: أنَّ هذا الرجلَ أتى النبيّ ﷺ يسأله في نذرٍ نذره على نفسه، أن ينحر إبلًا في بوانة، فأراد النبيّ ﷺ أن يسأله لِمَ خصص هذا الموضع؟ هل كان فيه وثن لأهل الجاهلية، ولو قبل مدة، أو فيها عيدٌ فاعتادوا أن يأتوا هذا المكان ويتخذوه عيدًا، ولو لم يكن فيه وثن، وفي حديث ابن عباس أنَّه ﷺ قال له: «فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ؟» (١) فلما أجابه بالنفي، وتيقّن النبيُّ ﷺ من سلامة المكان من أمور الشرك ووسائله وشوائبه أذن له بالوفاء بنذره فيه. ووجه الشاهد من الحديث: استفصال النبيّ ﷺ من هذا الرجل، فإنه يدل على أنَّه لو كان في البقعة مكان لعيدهم أو وثن من أوثانهم، فإنَّ هذا مانع من الذبح فيها، وإلا لما حسن الاستفصال. فيؤخذ منه المنع من الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، وإن كان الذين يذبحون فيه لغير الله قد أسلموا، وتركوا ذلك المكان والعيد، سدًّا للذريعة، حتى لا يكون الذبح هناك سببًا لإحياء تلك البقعة، وذريعةً لاتخاذها عيدًا. المسألة الرابعة: كيف يُجابُ عن فعل الصحابة - كابن عمر وغيره -حين صلوا في الكنيسة، فهم تعبدوا لله في مكانٍ يتعبد فيه لغير الله؟ * الجواب على هذا الإيراد من وجوه أقواها اثنان: ١ - أن الصلاة تخالف صلاة أهل الكنيسة، فلا يكون الإنسانُ متشبهًا بهم في العمل، فهم لهم صلاةٌ من نوعٍ يخالف صلاة المسلمين، بخلاف الذبح

стр. 150

في مكان يذبح لغير الله فيه، فالفعل واحد بنوعه وجنسه (١). ٢ - أن الكنيسة مكان لعبادة الله، وجنس العبادة متفق عليها، ولكن اختلفت صفتها، بخلاف الحديث عن الذبح، فهم يتقربون لغير الله. المسألة الخامسة: ورد في الحديث الإشارة إلى الوفاء بالنذر، واعلم أن النذر من حيث وجوب الوفاء به أقسام: ١. نذر الطاعة: فيجب الوفاء به؛ لحديث عائشة ﵂: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (٢). ٢. نذر المعصية: فيحرم الوفاء به؛ لحديث عائشة ﵂: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ». وحديث الباب. والمذهب عند الحنابلة: أنَّ فيه الكفارة؛ لحديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (٣). وقيل: لا كفارة فيه، ولعل الأول أقرب، للحديث. ٣. نذر المكروه: كأن ينذر لله أن يفعل أمرًا مكروهًا؛ فيكره الوفاء به. * خلاصة الباب: أن كل موطنٍ وكل زمانٍ اتخذه المشركون لعبادتهم وشركهم، فإنَّ الإنسان لا يجوز أن يتعبّد فيه لله، بل يتعبّد في غيره من الأماكن؛ لما تقدم من الحكم.

стр. 151

١٢ - بابٌ من الشرك النذر لغير الله وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان، الآية (٠٧)]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة، الآية (٢٧٠)]. وفي الصحيح عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» (١) (٢). (الشرح) النذر لغة: الإيجاب والإلزام. وشرعًا: إلزامُ المكلّفِ نفسه لله شيئًا لم يجب عليه بأصل الشرع. والكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: مرادُ المصنف بالباب، ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: بيَّن المصنف في الباب الأدلة على أنَّ النذر عبادة، وإذا كان كذلك فصرفُه لغير الله شركٌ أكبر ينافي التوحيد، ومعلوم أنَّ ضابط الشرك الأكبر: أن يصرف

стр. 152

العبدُ نوعًا من أنواع العبادة لغير الله، وبهذا يتبيَّن ارتباط الباب بالتوحيد، فهو من جهة أنَّ النذر لغير الله شركٌ، وهو منافٍ للتوحيد. وإنما صار النذرُ لغير الله شركًا أكبر: لأنَّه نذرٌ لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز، لأنَّه عبادة، والعبادة لا تكون للمخلوق. ثم يقال: بأن المنذور له ميتٌ غالبًا، والميت لا يملك. وهو ما نذر له إلا لأنَّه ظنَّ أن الميّت يتصرّف في الأمور من دون الله، واعتقاد هذا كفر، ولهذا قال الفقهاء: خمسةٌ لغير الله شرك: الركوع والسجود والنذر والذبح واليمين. المسألة الثانية: الفرق بين النذر لغير الله ونذر المعصية: النذر لغير الله: ليس لله أصلًا، بل لغيره، كأن يقول: عليَّ نذرٌ للوليِّ فلان، وهذا شرك أكبر. أما نذر المعصية: فهو لله لكنَّه نذرٌ على معصية، كأن يقول: لله عليَّ نذرٌ أن أشرب الخمر، ونذُر المعصية محرمٌ، وأشدُ منه النذرُ لغير الله، وقريبٌ منه الحلف، فالحلف بغير الله -وإن كان المرء صادقًا فيما حلف به- أشنعُ جرمًا من أن يحلف بالله وهو كاذب، ولذا قال ابن مسعود ﵁: «لأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ وَأنَا صَادِقٌ» (١) (٢).

стр. 153

المسألة الثالثة: صور النذر لغير الله عديدة، ومنها: ١ - من ينذر للقبور ابتداءً، كمن ينذر الزيت والشموع على القبر، باعتقادِ أن النذر لهذا الولي ينفع. ٢ - أن يعلق نذره للقبر على قضاء حاجته، كأن يأتي إلى القبر، ويقول: يا سيدي فلان، إن ردّ الله غائبي أو عُوفي مريضي أو قُضِيت حاجتي، فلك كذا من الذهب، أو من الطعام أو الماء ونحوه صدقة. ٣ - النذرُ للجن: كما لو قال: إن رددتم إليَّ مالي، فلكم عليّ نذرٌ كذا من الطعام أو نحوه أو من الأعمال المحرمة. والجامع في ذلك أنَّه نذرٌ صُرِفَ لغير الله. المسألة الرابعة: نصوص الباب: ذكر المصنف آيتين وحديثًا: * أما الآية الأولى: فهي قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان، الآية (٠٧)]. والمعنى: أنَّ الله مدح الأبرار بأنَّهم يوفون بالنذر إذا نذروا، وهذا يقتضي أنَّه عبادة، حيث مدحهم الله، ولا يمدح الله إلا على فعل واجب أو مستحب أو ترك محرم، ولا يمدح على الفعل المباح المجرد، وبهذا يتبين مناسبة الآية للباب: فكون الله تعالى يثني على هؤلاء الأبرار، ويجعل هذا الفعلَ سببًا لدخولهم

стр. 154

الجنة يدل على أن النذر عبادة، فصرفُها لغيره شرك. * وأما الآية الثانية: فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة، الآية (٢٧٠)]. والمعنى: أنَّ الله يُخبِرُ أنَّه يعلم جميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفى الجزاء للعاملين ابتغاء وجهه، إذ إنَّ تعليق الشيء بعلم الله دليلٌ على أنَّه محلُ جزاءٍ منه سبحانه. * ووجه الدلالة من الآية، ومناسبتها للباب، من وجهين: ١. أنَّ الله قرن النذر بالنفقة في سبيل الله، فدلَّ على أنَّ النذر طاعةٌ وعبادةٌ. ٢. أن الله قال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وهذا فيه الحث على الوفاء بالنذر، فدلَّ على أنَّه طاعة وأنَّه لا يضيع عند الله، وإذا كان كذلك فصرفه لغير الله شرك (١). * وأما الحديث: فهو ما في الصحيح عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ». ومعنى الحديث: أنَّ النبيّ ﷺ أمر مَنْ صدر منه نذرٌ أن ينظر في نذره، فإن كان نذر طاعة فليوفِ به، وإن كان نذر معصيةٍ فليترك نذره، ولا يعصِ الله بالوفاء بالنذر، وقد قال ﷺ : «وَاللَّهِ، لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ» (٢). ووجه الشاهد من الحديث: أن كون النذر يكون طاعةً ويكون معصيةً دليلٌ

стр. 155

على أنَّها عبادةٌ، وإذا كانت عبادةً فصرفُها لغير الله شرك. المسألة الخامسة: كيف يكون النذر للقربة منهيًا عنه، ويكون عبادةً في نفس الوقت يُمدح الموفي به؟ =فقال بعض العلماء: أنَّ عقد النذر كلّه منهيّ عنه، وأما ثناء الله فهو على من وفى به، وفرقٌ بين عقدِه والوفاءِ به (١). القول الثاني: أن نذر القربة على نوعين: ١. نذرٌ مقيدٌ: وهو ما عُلِّقَ على حصول نفعٍ، كقول: إن شفى الله مريضي فعلي لله كذا. ٢. نذرٌ مطلقٌ: وهو ما ليس معلقًا على نفع الناذر، كأن يتقرب إلى الله تقربًا خالصًا بنذر كذا من أنواع الطاعة بلا تقييد، كقوله: لله علي نذرٌ أن أصلي ركعتين، وهذا ليس في مقابلة شيء يحدث له. أما الأول: فهو المنهي عنه؛ لأنَّه لم يقع خالصًا للتقرب إلى الله، وإنما بشرط حصول نفع الناذر، ولذا قرّر العلماء أنَّ مَنْ ظنَّ أنَّه لا تحصل له حاجةٌ من حاجاته إلا بالنذر، فإنَّه اعتقاد محرم؛ لأنَّه ظنَّ أنَّ الله لا يعطي إلا بمقابل، وهذا سوءُ ظنٍّ بالله وسوءُ اعتقادٍ فيه، بل هو المتفضل المنعم على خلقه (٢).

стр. 156

وأما الثاني: فهو الذي فيه الترغيبُ والثناءُ على الموفين. وإنما قلنا هذا الجمع لأمرين: ١ - أنَّ نفس الأحاديثِ فيها قرينةٌ واضحةٌ دالةٌ عليه، وهو ما تكرر منها أنَّ النذر لا يردُّ شيئًا مِنْ القدر ولا يُقدِّمُ ولا يؤخّر، فهذا دليلٌ أنَّه أراد بالنذر جلب نفع أو دفع ضرّ. ٢ - أنَّ الجمع بين النصوص واجبٌ ما أمكن، وهذا جمعٌ ممكن واضح (١). فإن قيل: النذر المعلق بشرط إذا ذكرتم أنَّه منهي عنه، فكيف يجب الوفاء به؟ * أجيب عن هذا: بأن الأحاديث دلت على النهي عنه، كما هو معلوم، ودلت على لزوم الوفاء به بعد الوقوع بدلالة قوله ﷺ : «وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (٢)، فهذا نصٌ صريحٌ أن البخيل يلزمه إخراج ما نذر على إخراجه. كذا قيل، ولكن يبقى أنَّ في النذر المطلق إلزامٌ للنفس مالم يجب عليها، فالأولى عدم النذر؛ لأنَّه ربما ألزم الإنسان نفسه فعجز عن ذلك. وقد أشار ابن تيمية إلى التفريق بين النذر المعلق، وبين أن ينذر قربة لله تعالى، فالأوّل منهي عنه، والثاني محبوبٌ مشروع، حيث قال ﵀: «وأما إذا نذر القُرَبَ فالقُرَبُ يحبها الله ورسوله، وإنما يُنهى عن النذر لاعتقاد أنَّه يقضي حاجته، لا كون المنذور مكروها» (٣)، وقال أيضًا: «والنذر ما يُقصد

стр. 157

به التقرب إلى الله، ولهذا أوجب سبحانه الوفاء بالنذر؛ لأن صاحبه التزم طاعة لله، فأوجب على نفسه ما يحبه الله ويرضاه قصدًا للتقرب بذلك الفعل إلى الله» (١). * خلاصة الباب: ١ - أن النذر عبادة. ٢ - أن صرفه لغير الله من الشرك الأكبر، فلا يصرف إلا لله.

стр. 158

١٣ - باب من الشرك الاستعاذة بغير الله وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن، الآية (٦)]. وعن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتحلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» (١) (٢). (الشرح) الكلام على هذا الباب في عدة مسائل: المسألة الأولى: معنى الترجمة والمراد بها: الاستعاذة لغة: الالتجاءُ والاعتصامُ والتحرّز، وحقيقتها: الهربُ من شيء تخافه

стр. 159

إلى شيء يعصمك منه، ولهذا سُمِّي المُستعاذ به مَعاذًا وملجأ (١)، وذكر العلماء أنَّ العياذ يكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب الخير (٢). أما الاستعاذة بالله فقد عرَّفها ابن كثير بقوله: «هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر». ا. هـ (٣). فالعائذ بالله قد هرب ممن يؤذيه أو يُهلِكُه إلى ربّه ومالكه، وفرَّ إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، واستجار به، والتجأ إليه. والاستعاذةُ بالله عبادةٌ من أجلِّ العبادات، أمر الله بها في آيات كثيرة، منها: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف، الآية (٢٠٠)]، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون، الآية (٩٧)]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس، الآية (١)]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر، الآية (٥٦)]. وأما المراد بهذه الترجمة: فهي في الكلام على الاستعاذة بغير الله، وبيان

стр. 160

أنَّها تكون شركًا إذا كانت في أمرٍ لا يقدر عليه إلّا الله، كما سيأتي تفصيله. ومناسبة الباب للتوحيد: من جهة أنَّ الاستعاذة عبادة، وإذا كانت عبادة فصرفها لا يكون إلا لله، وصرفها لغيره شرك، وهذا موضوع كتاب التوحيد. المسألة الثانية: نصوص الباب: ذكر المؤلف مستدلًا على الترجمة آيةً وحديثًا. أما الآية: فقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن، الآية (٠٦)]. * وقوله: ﴿يَعُوذُونَ﴾: أي يلجئون إليهم ويعوذون بهم رهقًا وذُعرًا وإثمًا. * ﴿الْجِنِّ﴾: عالمٌ من عالم الغيب يعيشون في الأرض، أعطاهم الله القدرة على أن يتصوروا بصورٍ متشكلة، وهم مخلوقون من نارٍ، وسُموا جِنًّا؛ لاجتنانهم، أي: استتارهم عن الأنظار، ومنه سُمِّي الجنينُ في بطن أمِّه جنينًا؛ لأنَّه لا يُرى. والآية: ذكر فيها الله خبر الجن الذين استمعوا للقرآن من النبيّ ﷺ وآمنوا به، وكان هذا في وادي نخلةَ بين مكة والطائف وهو يصلي الفجر (١)، فذكروا الانتقادات التي انتقدوها على قومهم من الجن، ومنها: أن الاستعاذة بهم من قِبَلِ بعض الإنس كانت تزيدهم رهقًا وعتوًا. وسبب نزولها: أنَّ العرب كانوا في الجاهلية إذا نزلوا منزلًا قال أحدهم: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فكانوا يستعيذون بهؤلاء الجن، فزادوهم رهقًا، وهذا مع أن الاستعاذة بالجن هنا هو في أمرٍ يقدرون عليه

стр. 161

وهو كفُّ سفهائهم من الإيذاء، ومع ذلك زادهم رهقًا (١). * ووجه الدلالة من الآية، ومناسبتها للباب من وجهين: ١. أنَّ الله حكى عن مؤمني الجن أنَّهم لما تبين لهم دين محمد وآمنوا به، ذكروا أشياء من الشرك كانوا يفعلونها في الجاهلية، ومنها: الاستعاذة بغير الله. ٢. دلت الآية على تحريم الاستعاذة بغير الله، وهذا يدلّ على أنَّ الاستعاذة عبادةٌ، وصرفَ العبادةِ لغير الله شركٌ. * وأما الحديث: فهو عن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتحلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ». وراوية الحديث: خولة بنت حكيم بنت أمية السلمية، يقال لها: أم شريك، يقال: أنَّها هي الواهبة نفسها للنبي ﷺ (٢)، وكانت قبلُ تحتَ عثمان بن مظعون، وكانت صالحة فاضلة (٣). * وقوله في الحديث «مَنْزِلًا»: يشمل أيَّ منزل، سواء كان على سبيل الإقامة الدائمة أو المؤقتة، في البنيان أو في الخلاء. * وقوله: «بكَلِمَاتِ الله»: بكلماته الشرعية، وهي آيات القرآن.

стр. 162

* وقوله: «التَّامَّاتِ»: - قيل معناه: الكاملاتُ التي لا يلحقها عيبٌ ولا نقصٌ كما يلحقُ كلام البشر. - وقيل معناه: الشافية الكافية. - وقيل المراد به: القرآن. * وقوله: «مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ»: أي من شَرِّ كلّ مخلوقٍ قام به الشرُّ مِنْ حيوانٍ أو إنسانٍ أو ريحٍ أو غيره، وفي المسند بسندٍ صحيح تكرار الدعاء ثلاث مرات (١). وهذه الاستعاذة تشمل الاستعاذة ممن شرّه محضٌ، كإبليس والنار، وهذا باعتبار ذاتهما، أمّا باعتبار الحكمة التي خلقها الله من أجلها فهي خير. وتشملُ الاستعاذة من شرّ من فيه شرٌّ وخير، كالجن والإنس والحيوان وغيرهم. وقوله: «لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتحلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ»: شيء: نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فتعمُّ كل شيء فيه أذى وضرر. وتأمل التعبير النبوي: «لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ»، ولم يقل: لم يصبه شيء، والفرقُ: أنَّ عدمَ الإصابةِ تقتضي عدمَ البلاء مطلقًا، أما نفيُ الضرر فيقتضي أنَّه قد يقع البلاء، لكن لا يؤثر ولا يضره. قال القرطبي عن الحديث: «هذا خبرٌ صحيحٌ وقولٌ صادقٌ، علمنا صدقه دليلًا وتجربة، فإني قد سمعت هذا الخبر فعملت به، فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقربٌ بالمهدية ليلًا، فتفكرت في نفسي، فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات» (٢).

стр. 163

فمعنى هذا الحديث: أنَّ الإنسان إذا استعاذ بالله، فإنَّه يحفظه من كل ضرر ومكروه، فهو القادر سبحانه على هذا الأمر، وعلى كل أمر. * ووجه الدلالة من الحديث، ومناسبته للباب: أنَّ النبيّ ﷺ بيّن أنَّ الاستعاذة تكون بالله أو بصفة من صفاته، فدل على أنَّها عبادة، وإذا كانت عبادةً فلا يجوز أن تصرف إلا لله تعالى. وفيه إرشادٌ إلى الاستعاذة النافعة المشروعة، بدلًا مِنْ الاستعاذة الشركية التي كان يستعملها المشركون. المسألة الثالثة: ذكر العلماءُ أنَّ الاستعاذةَ بغيرِ الله نوعان: أ. استعاذةٌ بغير الله جائزة. ب. استعاذةٌ بغير الله ممنوعة. أما الاستعاذة الجائزة فهي الاستعاذة بالحيّ الحاضرِ في أمرٍ يستطيعه في الظاهر، مع طمأنينة القلب وتوجهه إلى الله، وحسنِ الظن به، وأنَّ العبد إنما هو سببٌ. * والأدلة على جوازها عديدة، منها: حديث أبي مسعود ﵁: «أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ» (١)، فالجائزة تكون: ١ - بِحّيٍ لا ميّت. ٢ - حاضرٍ لا غائب. ٣ - بالأسباب الظاهرة، كالنداء بالصوت ونحوه. ٤ - قادرٍ على ما يُطلب منه.

стр. 164

أما الاستعاذة بغير الله الممنوعة، فهي قسمان: ١ - ما يكون شركًا: وهذا له صورتان: أ- الاستعاذة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلّا الله، سواء أكان المخلوق جِنيًّا أو إنسيًا، حيًّا أو ميتًا، فهذا شرك أكبر. ب- الاستعاذة بالمخلوق الحيّ الغائب، أو الميت، فيما يستطيعه المخلوق الحي الحاضر، فهذا شرك أكبر؛ لأنَّه لم يستعذ به إلا لاعتقاده أنَّ له تصرفًا في الكون، كأن يحيط به عدو، فيطلب من الميّت أن يعيذه. ٢ - ما يكون حرامًا: وهو ما إذا كان المستعاذ به جنيًّا في أمرٍ يقدر عليه الجنّي. * ودليل التحريم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ دلت الآية على أنَّ الاستعاذة بالجنِّ حرام. فإن قال قائل: فما الفرق بين الاستعاذة بالمخلوق الحيّ الحاضر فيما يستطيعه، والجنّ الحاضر فيما يستطيعه؟ * من وجوه: ١ - أنَّ المخلوق الحيّ حاضر فعلًا، أما الجنّ فإنَّه غائبٌ مع حضوره، فلا تراه، فأشبه الغائب، والاستعاذة لا تكون غالبًا إلا لاعتقاده أنَّ له تصرفًا خفيًّا. ٢ - أنَّ الاستعاذة بالحيّ الحاضر مشروعة بالنصوص المتقدمة، أمّا الاستعاذة بالجنِّ الحيِّ الحاضر فليس عليه دليل، بل ورد النهيّ عنه كما تقدم في الآية.

стр. 165

* خلاصة الباب: ١ - أنَّ الاستعاذة بالله عبادة من أجلِّ العبادات. ٢ - أنَّها إذا كانت عبادة فلا تصرف إلَّا لله، وصرفها لغير الله شرك. ٣ - أنَّ الاستعاذة المشروعة هي ما كان بالله، أو بصفة من صفاته، وإنما يستعاذ بالله؛ لأنَّه هو الذي بيده كل شيء دون غيره. *

стр. 166

١٤ - باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس، الآيات (١٠٦ - ١٠٧)]. وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت، الآية (١٧)]. وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف، الآيات (٥ - ٦)]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل، الآية (٦٢)]. وروى الطبراني بإسناده: «أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ اَلنَّبِيّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي اَلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ من هذا المنافق، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَلله » (١) (٢).

стр. 167

(الشرح) الكلام على الباب في ست مسائل: المسألة الأولى: معنى الترجمة والمراد بها: ضمّن المؤلف هذا الباب أمرين، أحدهما أخص من الآخر، فذكر الخاص أولًا وهو الاستغاثة، ثم عطف عليه الدعاء، فهو من عطف العام على الخاص، فكل مستغيثٍ داعٍ وليس كلُ داعٍ مستغيثًا. والاستغاثة: طلبُ الغوث، وهو إزالةُ الشدّة. والفرق بين الاستغاثة والدعاء: أنَّ الاستغاثةَ لا تكونُ إلّا من الكرب، أي:

стр. 168

في وقت الشدّة، أما الدعاء فيكون من المكروب المهموم وغيره. ومناسبة الترجمة للتوحيد: من جهة أنَّ الاستغاثة عبادة، وهي من أنواع الدعاء، وكذا الدعاء عبادة، فيكون صرفها لغير الله شركًا ينافي التوحيد. المسألة الثانية: فرّق بعض العلماء بين الاستعاذة والاستغاثة من جهة: أن الاستعاذة: أن تطلب من الله أن يعصمك ويمنعك، وهذا قبل وقوع المكروه. وأما الاستغاثة: فتطلب من الله أن يزيل ما بك من شرّ وكرب، وهذا بعد وقوع المكروه. لكن ابن تيمية ذكر أنَّ الاستعاذة والاستغاثة ألفاظ متقاربة، وكلاهما يكون قبل وقوع الشيء وبعد وقوعه (١). المسألة الثالثة: اعلم أنَّه ليس كل استغاثة بغير الله محرمة، وإنما الاستغاثة بغير الله نوعان: ١. استغاثة ممنوعة: وهي الاستغاثة بالأموات، أو بالحيّ الحاضر على أمر غائبٍ لا يقدر على مباشرته، أو بالحيّ الغائب، فهذا شرك أكبر؛ لأنَّه ما استغاث بهم، إلّا لأنَّه يعتقد أنّ لهم تصرفًا في الكون. ويدخل فيه: الاستغاثة بالحيّ القادر فيما لا يقدر عليه، فهذا لغوٌ باطل، إلّا أنّ صحبه اعتقاد أن له تصرفًا في الكون فيكون شركًا (٢).

стр. 169

٢. استغاثة جائزة: وهي ما كانت بالحيّ القادر الحاضر، كما وقع للرجل من بني إسرائيل مع موسى ﵈، لكن يجب الاعتقادُ أنّ المخلوق سبب، ولا تأثير له بذاته في إزالة الشدة. المسألة الرابعة: بيّن المؤلف في هذا الباب: أنَّ من خصال الشرك الاستغاثة بغير الله أو دعاء غير الله، قال ابن القيم: ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه

стр. 170

ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا مِنْ جهله بالشافع والمشفوع له عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببًا لإذنه، وإنما السببُ لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: «العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك، ولو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصلى، وصام؛ إذ شرطُ الإسلامِ مع التلفظِ بالشهادتين أن لا يَعْبُدَ إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبدَ غير الله فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما … ومجردُ التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعًا» (٢). ومن نظر في واقع معظمي القبور وجد أنهم واقعون في هذا الأمر، فهم يستغيثون بأصحابها، ويطلبون منهم تفريج الكربات، وقضاءَ الحاجات، وهذا شركٌ في الألوهية، حيث صرفوا العبادةَ لغير الله، وشركٌ في الربوبية كذلك، حيث ظنّوا أن لهم تصريفًا في الكون وتدبيرًا، قال سليمان بن عبد الله: «وكثيرٌ منهم وأكثرهم يرى أن الاستغاثة بإلهه الذي يعبده عند قبره أو غيره، أنفعُ وأنجعُ من الاستغاثة بالله في المسجد، ويصرحون بذلك، والحكاياتُ عنهم بذلك فيها طول، وهذا أمرٌ ما بلغ إليه شرك الأولين، وكلهم إذا أصابتهم الشدائد أخلصوا للمدفونين في التراب، وهتفوا بأسمائهم، ودعوهم ليكشفوا

стр. 171

ضُرّ المصاب في البرّ والبحر والسفر والإياب، وهذا أمرٌ ما فعله الأولون، بل هُمْ في هذه الحال يُخلِصون ل ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، فاقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ … ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وكثيرٌ منهم قد عطّلوا المساجد وعمروا القبور والمشاهد، فإذا قصد أحدُهم القبرَ الذي يُعظِّمُه، أخذ في دعاء صاحبه باكيًا خاشعًا ذليلًا خاضعًا، بحيث لا يحصل له ذلك في الجمعة والجماعات وقيامِ الليل وأدبارِ الصلوات، فيسألونهم مغفرةَ الذنوب، وتفريجَ الكروب والنجاةَ من النار، وأن يحطوا عنهم الأوزار، فكيف يظنُ عاقلٌ -فضلًا عن عالمٍ- أن التلفظ ب: "لا إله إلا الله" مع هذه الأمور تنفعهم؟! وهم إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها باعتقادهم وأعمالهم؟!» (١). المسألة الخامسة: أشار المصنف في التبويب إلى الدعاء، وأهل العلم يقولون بأن الدعاء نوعان: ١. دعاء العبادة: وهو عبادة الله بجميع أنواع العبادة، كالصلاة وغيرها؛ لأنَّ الإنسان في هذه العبادات بلسان حاله يدعو الله المغفرة والرضوان والجنة. ٢. دعاء المسألة: وهو طلب ما ينفع الداعي، من جلب نفعٍ أو دفع ضرّ، وهذا عبادة. • وعلى هذا: فدعاء المخلوق فيما لا يقدر عليه إلّا الله -كمن يدعو الوليَّ أن يرزقه الولد أو يدعو ميتًا- فهذا شرك أكبر. المسألة السادسة: نصوص الباب: ذكر المؤلف في الباب خمس آيات

стр. 172

وحديثًا: أول الآيات: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس، الآيات (١٠٦)]. ومعنى الآية: أنَّ الله نهى رسوله محمدًا ﷺ والخطابُ لجميع الأمة- أن لا يدعو من دون الله الذي خلقه أحدًا لا ينفعه ولا يضره في الدنيا ولا في الآخرة، والمراد بذلك كل معبود سوى الله تعالى فكلهم لا ينفعون ولا يضرون، وفي الحديث: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ … » (١). ثم قال الله: فإن فعلت ذلك يا محمد -وهذا من باب الافتراض وإلا فلن يقع ذلك من النبيّ ﷺ ، ولكن لو قدر أنَّه فعله، وهو أكرم الخلق- فيكون حينها مشركًا ظالمًا، والشرك أظلم الظلم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر، الآية (٦٥)]. ومناسبة الآية للباب: أنَّ فيها النهي عن دعاء غير الله، وأنَّ ذلك شركٌ، وفيها أنَّه لا يجلب النفع ويدفع الضر إلَّا الله، فمن طلب ذلك من غيره فقد أشرك؛ لأنَّه دعا غير الله. وثاني الآيات: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس، الآيات (١٠٧)]. أي: إن يُصبك الله بضرٍ وبلاءٍ كمرض وفقرٍ ونحوه، فلن يرفع

стр. 173

ضرك ويكشفه إلّا الله، وإن يُرِدْ أن يصيبك بخيرٍ ونعمةٍ فلا أحدَ يقدر على منعِ رزقه. فالله هو المتصرف في الكون وفي أمور خلقه، فلا يكشف الضُرَّ ويجلبُ الخيرَ إلا هو، وهذا يجعله لمن شاء من عباده بحكمته وعلمه وتوفيقه. ومناسبة الآية للتوحيد: أنَّها دلَّت على أنَّه إذا كان لا يجلبُ النفعَ ولا يدفعُ الضرَّ إلَّا الله، فلا ينبغي أن يُصرَفَ الدعاءُ لغيرِ الله الذي يملك هذه الأمور، ومن طلبها من غيره فقد أشرك؛ إذ كيف يتوجه إلى المخلوق بالدعاء، وهو يعلم أنَّ الضر والنفع ليس بأيديهم، ولذا قال الحسن ﵀: ثلاث آياتٍ وجدتُها في كتاب الله اكتفيتُ بها عن جميع الخلائق، ومنها هذه الآية: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (١). وتأمل كيف فرّق الله في التعبير، فقال في الخير ﴿يُرِدْكَ﴾ وفي الشر ﴿يَمْسَسْكَ﴾ والفرق بينهما: أنَّ الأشياء المكروهة لا تنسب إلى إرادة الله، بل إلى فعله أي مفعوله، فالمسُّ هو من فِعل الله، لكن الضرّ من مفعولاته، أي: وقع بإثر ذلك، فالله لا يريد الضرّ لذاته، وإنما يريده لغيره، لما يترتب عليه من الحكم البالغة، ولذا قال النبيّ ﷺ : «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (٢). أما الخير: فهو مرادٌ لذاته، وقريبٌ من هذا قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، وقريب منه قول الخضر: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ مع قوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾.

стр. 174

• ومثالُ ذلك: أنَّ الإنسان قد يُصاب بمرضٍ، فإنَّ الله لم يُرِد الضرَّ لذاته، وإنَّما أراد المرض لما فيه من الخير له أو لغيره، وقد تكون الحكمة عند المصاب ظاهرة، وقد لا تظهر. وثالث الآيات: قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت، الآية (١٧)]. ومعنى الآية: أنَّ الله لما تكلم عمّن يعبدون الأصنام والأوثان وغيرها مما يعبدون من دون الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت، الآية (١٧)]، فبين لهم أنَّ من يعبدون من دون الله لا يملكون لهم رزقًا ولا ضرًا ولا نفعًا، بل ولا يملكون كشف الضرّ ولا دفعه عن أنفسهم، فمن أين يطلب الرزق إذن؟ قال: ابتغوا واطلبوا الرزق من الله الرّزاق، وأخلصوا له العبادة وحده واشكروه على نعمه. ومناسبة الآية للتوحيد: أنَّ فيها بيان أنَّه لا يطلب الرزق إلَّا من الله؛ لأنَّه القادر عليه، فمن طلبه من غيره فقد أشرك، ففيها وجوبُ إفرادِ الله بالدعاء والعبادة. واعلم أن تقديم لفظ الجلالة على الرزق في الآية أبلغُ من تأخيره -كما لو قال فاطلبوا الرزق من عند الله- لأن التقديم يفيد الحصر، والمعنى: أنَّ الله هو الذي عنده الرزق لا غيرُه، فاطلبوه منه، ولو كانت كلمةُ الرزق مقدّمة لكان قد يُفهم منه أنَّ الرزق قد يكون من الله ومن غيره (١)

стр. 175

ويستفاد من الآية: ١. أن طلب الرزق لا يكون إلَّا من الله. ٢. وجوب شكر الله على نعمه بالقلب واللسان والجوارح. ٣. فيها ردٌّ على المشركين الذين يدعون غير الله ليشفعوا لهم عنده في جلب الرزق، فما ظنك بمن دعاهم أنفسهم واستغاث بهم ليرزقوه وينصروه، كما هو الواقع من عباد القبور. ورابع الآيات: قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف، الآيات (٥ - ٦)]. والضلال: التيه عن الطريق الصحيح، وقد حكم اللهُ بأنَّه ليس في الضلال أضلُّ مِنْ ضلال من يدعون غير الله، حيث يتركون دعاء السميع القريب المجيب، ويدعون أحدًا لا يستجيب لهم، ولا يقدر على إجابتهم، ولو دعوه إلى قيام الساعة، ولا بيده شيء من النفع والضر، ومع ذلك فهو غافلٌ عن دعاء من يدعوه؛ لأنَّه إما ميّتٌ، أو جمادٌ، أو مشغول بما خُلِقَ له، بل وإذا قامت القيامة كان أوّل من يعاديهم هو من دعوه وعبدوه، ويكفر بعبادتهم، فيكون قد لحق المشرك بهذا الدعاء لغير الله الضرر في الدنيا والآخرة. ومناسبة الآية من ثلاثة أوجه: أ- أنَّه إذا كان كل من سوى الله لا يستطيع أن يستجيب من دعاه، فكيف يليق بالإنسان أن يستغيث به ويدعوه من دون الله، كما يفعل عباد القبور (١).

стр. 176

ب- أنَّ الله حكم على من دعا غيره بأنَّه أضل الضالين، وأنَّ الدعاء عبادة، وصرفها لغير الله شرك. ج- كفر الداعي بصرفه الدعاء لغير الله، ولذا قال: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، ومنه قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم، الآيات (٨١ - ٨٢)] (١). * فإن قيل: لماذا أتى بقوله: ب ﴿وَمَنْ﴾ في قوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ﴾، ولم يقل: (ما لا يستجيب له) مع أنَّهم يدعون الأصنام وهي جماد، و (من) تكون للعاقل؟ * لأمرين: ١. أنَّهم لّما عبدوها فإنما هم نزَّلوها منزلة العاقل، وإلَّا فغيرُ العاقلِ محالٌ أن يُدعى، وعلى هذا خوطبوا بمقتضى ما يدعون؛ لأنَّه أبلغُ في إقامةِ الحجة عليهم. ٢. أنَّ ما يدعون قد يكونون ملائكة مسخرين، وقد يكونون أنبياء وصالحين، وقد يكونون أصنامًا، فغلّب جانب من يعقل. وخامس الآيات: قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل، الآية (٦٢)]. وهذه الآية راجعة إلى قوله في أوّل الآيات: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل، الآية (٥٩)]. والمضطر: المكروب الذي مسّهُ الضر، والسوء: كل ما يسوء الإنسان.

стр. 177

والمعنى: أن كفّار قريش يؤمنون بتوحيد الربوبية، وهم إذا جدَّ الجِدُّ زالَ الشرك ودعوا الواحد الأحد سبحانه، فيبيّن الله لهم ويقول: من هو الذي حينما تصيبكم الشدائد تتوجهون إليه فيجيب دعاءكم، ويكشفُ الضُرَّ عنكم؟ فإذا كان معلومًا لديكم، فلماذا تدعون غيره؟! ومناسبة الآية للباب: من جهة أنَّ الله هو وحده المدعوُ في الشدائد، مجيبُ المضطر، الكاشفُ للسوء، والمشركون يقرون بهذا، وحينها لا ينبغي أن يدعى أو يستغاث بغيره. • وبهذا تعلم: أنَّ من اعتقد في غير الله من الأولياء وأصحاب القبور وغيرهم أنَّهم يكشفون السوء، أو يجيبون دعاء المضطر، ودعاهم لذلك، فإنَّه قد أشرك شركًا أكبر من شرك العرب في الجاهلية؛ لأنَّ المشركين الأوائل يعتقدون أنَّ كشف السوء وإجابة المضطر هي من عند الله، أما معبوداتهم فما هي إلا شافعة، فمن اعتقد أنَّ ما يعبده من دون الله هو من يكشف الضرَّ، فقد وقع في أغلظ من شرك الأوائل. قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «فإن كثيرًا من الناس ينتسبون إلى الإسلام، وينطقون بالشهادتين، ويؤدون أركان الإسلام الظاهرة، ولا يكتفى بذلك في الحكم بإسلامهم، ولا تحلّ ذكاتهم؛ لشركهم بالله في العبادة بدعاء الأنبياء والصالحين، والاستغاثة بهم، وغير ذلك من أسباب الردة عن الإسلام» (١). * وأما الحديث: فهو ما نقله عن الطبراني بإسناده: «أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ اَلنَّبِيّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي اَلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ من هذا المنافق، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَلله ».

стр. 178

والحديث نسبه المصنف إلى الطبراني في المعجم الكبير عن عبادة بن الصامت، ولم أقف عليه في المطبوع من المعجم الكبير، إلا أنَّ ابن كثير ذكره بإسناده ومتنه في جامع المسانيد (١)، وعزاه للطبراني، وابنُ كثيرٍ إذا عزا للطبراني حديثًا في هذا الكتاب، فإنما يقصد أنه أخرجه في المعجم الكبير؛ إذ كتاب المعجم الكبير من الأصول العشرة التي جمعها ابن كثير في كتابه هذا (٢)، وقد عزاه -أيضًا- للطبراني: الهيثميُّ (٣). وقد رواه أحمد في المسند بنحوه، وليس فيه ذكر الاستغاثة، وإنما فيه قوله ﷺ : «لَا يُقَامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ لِلَّهِ»، وهذا كما يظهر هو في ما يتعلق بالقيام، على أنَّ في إسناده عبد الله بن لهيعة، وكذا فيه رجلٌ مبهمٌ لم يسم، وهو الراوي عن عبادة بن الصامت، فالحديث إسناده ضعيف. ولكن من أهل العلم من يُرَقِّي الحديث إلى الاعتضاد؛ لأن النصوص تؤيده. ومعنى الحديث: أنَّ هؤلاء الصحابة حين استغاثوا بالنبيّ ﷺ في أمرٍ يقدر عليه، وهو كفُّ أذى هذا المنافق، بيّن لهم ﷺ أنَّ الاستغاثة لا تطلب إلا من الله. وسبب إنكار النبيّ ﷺ عليهم يحتمل أمرين: ١ - أن النبيّ ﷺ لم يكن قادرًا على دفع ضرر ذلك المنافق، فأمرهم أن

стр. 179

يستغيثوا بالله. ٢ - أو أنَّه كان قادرًا، ولكنَّ أراد إرشادهم إلى التأدب مع الله في الألفاظ، فيكون هذا المنفي من باب التأدب في اللفظ وسدِّ الذريعة. لكن يشكل على هذا قوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾، فكيف يجمع بين الآية والحديث؟ * على الاحتمال الأول: لا إشكال، وعلى الاحتمال الثاني: تحمل الآية على الجواز، والحديثُ على الأدبِ والأولى (١). وبهذا تعلم أنَّ دعاء الميت والغائب، وكذا الحاضر فيما لا يقدر عليه إلَّا الله، والاستغاثة بغير الله في كشف الضرّ أو تحويله هو الشرك الأكبر؛ لأنَّ الدعاء هو العبادة، ولأنَّ من خصائص الألوهية إفراد الله بسؤال ذلك منه. ومناسبة الحديث الباب من جهتين: ١. أنَّ فيه إنكار النبيّ ﷺ الاستغاثة بغير الله؛ لأنَّ الاستغاثة عبادة لا تصرف إلا لله. ٢. أنَّه إذا كان هذا النهي منه ﷺ فيما يقدر عليه في حياته، فكيف يجوز أن يُستغاث به بعد وفاته، ويطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله؟! كما جرى على ألسنة كثير من الشعراء، كالبوصيري (٢) والبرعي من الاستغاثة بمن لا

стр. 180

يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا (١). * خلاصة الباب: ١ - أنَّ الاستغاثة عبادة من العبادات، وكذا الدعاء بنوعيه. ٢ - أنَّ صرف الاستغاثة والدعاء لغير الله شرك، إلّا إذا كان ذلك لحيّ حاضر قادر مع الاعتقاد أنَّه سبب، فلا يكون شركًا.
следующие страницы →