← Акыда

Акыда · id 1251

بغية المستفيد في شرح كتاب التوحيد

منصور الصقعوب

Полный текст (499 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ب- أنَّ الله حكم على من دعا غيره بأنَّه أضل الضالين، وأنَّ الدعاء عبادة، وصرفها لغير الله شرك. ج- كفر الداعي بصرفه الدعاء لغير الله، ولذا قال: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، ومنه قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم، الآيات (٨١ - ٨٢)] (١). * فإن قيل: لماذا أتى بقوله: ب ﴿وَمَنْ﴾ في قوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ﴾، ولم يقل: (ما لا يستجيب له) مع أنَّهم يدعون الأصنام وهي جماد، و (من) تكون للعاقل؟ * لأمرين: ١. أنَّهم لّما عبدوها فإنما هم نزَّلوها منزلة العاقل، وإلَّا فغيرُ العاقلِ محالٌ أن يُدعى، وعلى هذا خوطبوا بمقتضى ما يدعون؛ لأنَّه أبلغُ في إقامةِ الحجة عليهم. ٢. أنَّ ما يدعون قد يكونون ملائكة مسخرين، وقد يكونون أنبياء وصالحين، وقد يكونون أصنامًا، فغلّب جانب من يعقل. وخامس الآيات: قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل، الآية (٦٢)]. وهذه الآية راجعة إلى قوله في أوّل الآيات: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل، الآية (٥٩)]. والمضطر: المكروب الذي مسّهُ الضر، والسوء: كل ما يسوء الإنسان.

стр. 177

والمعنى: أن كفّار قريش يؤمنون بتوحيد الربوبية، وهم إذا جدَّ الجِدُّ زالَ الشرك ودعوا الواحد الأحد سبحانه، فيبيّن الله لهم ويقول: من هو الذي حينما تصيبكم الشدائد تتوجهون إليه فيجيب دعاءكم، ويكشفُ الضُرَّ عنكم؟ فإذا كان معلومًا لديكم، فلماذا تدعون غيره؟! ومناسبة الآية للباب: من جهة أنَّ الله هو وحده المدعوُ في الشدائد، مجيبُ المضطر، الكاشفُ للسوء، والمشركون يقرون بهذا، وحينها لا ينبغي أن يدعى أو يستغاث بغيره. • وبهذا تعلم: أنَّ من اعتقد في غير الله من الأولياء وأصحاب القبور وغيرهم أنَّهم يكشفون السوء، أو يجيبون دعاء المضطر، ودعاهم لذلك، فإنَّه قد أشرك شركًا أكبر من شرك العرب في الجاهلية؛ لأنَّ المشركين الأوائل يعتقدون أنَّ كشف السوء وإجابة المضطر هي من عند الله، أما معبوداتهم فما هي إلا شافعة، فمن اعتقد أنَّ ما يعبده من دون الله هو من يكشف الضرَّ، فقد وقع في أغلظ من شرك الأوائل. قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «فإن كثيرًا من الناس ينتسبون إلى الإسلام، وينطقون بالشهادتين، ويؤدون أركان الإسلام الظاهرة، ولا يكتفى بذلك في الحكم بإسلامهم، ولا تحلّ ذكاتهم؛ لشركهم بالله في العبادة بدعاء الأنبياء والصالحين، والاستغاثة بهم، وغير ذلك من أسباب الردة عن الإسلام» (١). * وأما الحديث: فهو ما نقله عن الطبراني بإسناده: «أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ اَلنَّبِيّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي اَلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ من هذا المنافق، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَلله ».

стр. 178

والحديث نسبه المصنف إلى الطبراني في المعجم الكبير عن عبادة بن الصامت، ولم أقف عليه في المطبوع من المعجم الكبير، إلا أنَّ ابن كثير ذكره بإسناده ومتنه في جامع المسانيد (١)، وعزاه للطبراني، وابنُ كثيرٍ إذا عزا للطبراني حديثًا في هذا الكتاب، فإنما يقصد أنه أخرجه في المعجم الكبير؛ إذ كتاب المعجم الكبير من الأصول العشرة التي جمعها ابن كثير في كتابه هذا (٢)، وقد عزاه -أيضًا- للطبراني: الهيثميُّ (٣). وقد رواه أحمد في المسند بنحوه، وليس فيه ذكر الاستغاثة، وإنما فيه قوله ﷺ : «لَا يُقَامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ لِلَّهِ»، وهذا كما يظهر هو في ما يتعلق بالقيام، على أنَّ في إسناده عبد الله بن لهيعة، وكذا فيه رجلٌ مبهمٌ لم يسم، وهو الراوي عن عبادة بن الصامت، فالحديث إسناده ضعيف. ولكن من أهل العلم من يُرَقِّي الحديث إلى الاعتضاد؛ لأن النصوص تؤيده. ومعنى الحديث: أنَّ هؤلاء الصحابة حين استغاثوا بالنبيّ ﷺ في أمرٍ يقدر عليه، وهو كفُّ أذى هذا المنافق، بيّن لهم ﷺ أنَّ الاستغاثة لا تطلب إلا من الله. وسبب إنكار النبيّ ﷺ عليهم يحتمل أمرين: ١ - أن النبيّ ﷺ لم يكن قادرًا على دفع ضرر ذلك المنافق، فأمرهم أن

стр. 179

يستغيثوا بالله. ٢ - أو أنَّه كان قادرًا، ولكنَّ أراد إرشادهم إلى التأدب مع الله في الألفاظ، فيكون هذا المنفي من باب التأدب في اللفظ وسدِّ الذريعة. لكن يشكل على هذا قوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾، فكيف يجمع بين الآية والحديث؟ * على الاحتمال الأول: لا إشكال، وعلى الاحتمال الثاني: تحمل الآية على الجواز، والحديثُ على الأدبِ والأولى (١). وبهذا تعلم أنَّ دعاء الميت والغائب، وكذا الحاضر فيما لا يقدر عليه إلَّا الله، والاستغاثة بغير الله في كشف الضرّ أو تحويله هو الشرك الأكبر؛ لأنَّ الدعاء هو العبادة، ولأنَّ من خصائص الألوهية إفراد الله بسؤال ذلك منه. ومناسبة الحديث الباب من جهتين: ١. أنَّ فيه إنكار النبيّ ﷺ الاستغاثة بغير الله؛ لأنَّ الاستغاثة عبادة لا تصرف إلا لله. ٢. أنَّه إذا كان هذا النهي منه ﷺ فيما يقدر عليه في حياته، فكيف يجوز أن يُستغاث به بعد وفاته، ويطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله؟! كما جرى على ألسنة كثير من الشعراء، كالبوصيري (٢) والبرعي من الاستغاثة بمن لا

стр. 180

يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا (١). * خلاصة الباب: ١ - أنَّ الاستغاثة عبادة من العبادات، وكذا الدعاء بنوعيه. ٢ - أنَّ صرف الاستغاثة والدعاء لغير الله شرك، إلّا إذا كان ذلك لحيّ حاضر قادر مع الاعتقاد أنَّه سبب، فلا يكون شركًا.

стр. 181

١٥ - باب قول الله تعالى ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ [الأعراف، الآيات (١٩١ - ١٩٢)]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر، الآية (١٣)]. وفي الصحيح، عن أنس ﵁ قال: «شُجَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهِمْ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران، الآية (١٢٨)]» (١). وفيه عن ابن عمر ﵄: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يَقُولُ: إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ فِي اَلرَّكْعَةِ اَلْأَخِيرَةِ مِنَ اَلْفَجْرِ: «اَللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا، بَعْدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اَلله لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ اَلْحَمْدُ، فَأَنْزَلَ اَللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾». وَفِي رِوَايَةٍ: «يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمِّيَّةَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾» (٢). وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً

стр. 182

نَحْوَهَا- اِشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ ! لَا أُغْنِكَ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا» (١) (٢).

стр. 183

(الشرح) عقد المصنّف هذا الباب، وصدّره بقول الله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، والكلام عليه في مسائل: المسألة الأولى: المراد بالترجمة: بيان حال المدعوين من دون الله وأنَّهم لا ينفعون ولا يضرون، سواء أكانوا ملائكةً أو أنبياءَ أو صالحين أو أصنام، فكلُ من دُعي من دون الله فهذا حاله، ولذا قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج، الآية (٧٣)]. ومناسبةُ البابِ للتوحيد ولما قبله: أنَّ المؤلف لما ذكر أمورًا من الشرك، كالاستعاذة والاستغاثة بغير الله، ذكر براهين دالَّة على بطلان عبادة ما سوى الله، وأنَّ ما سوى الله لا يستحق أن يُصرَفَ له شيءٌ من أنواع العبادة. ولما بيّن حال الداعي لغير الله، وأنَّه ليس هناك أضلّ منه، ناسب أن يذكر حال المدعو، وأنَّه لا يملك شيئًا. المسألة الثانية: نصوص الباب: ذكر في الباب خمسة نصوص مستدلًا بها للترجمة، آيتين وثلاثة أحاديث: (١) قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ [الأعراف، الآيات (١٩١ - ١٩٢)]. وقد صُدِّرت الآيةُ بقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وهو استفهامٌ إنكاري على من يشرك في العبادة مع الله غيره من الخلق، والحال أنهم ليس لهم قدرة، بل هم مخلوقون مدبرّون.

стр. 184

* ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾: أي أنَّ معبوداتهم لا تقدر على نصر من استنصر بهم من عابديهم، بل هم قاصرون عن ذلك، بل ولا يقدرون على نصر أنفسهم والدفاع عنها وردِّ الضر عنها، فكيف يدفعونه عن غيرهم، وقد روي أن عمرو بن الجموح اتخذ صنمًا من خشب في داره يقال له: مناة -كما كان الأشراف يصنعون-، فلما أسلم فتيانُ بني سلمة -ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل- كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، وفيها عَذِرُ الناسِ منكسًا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: «ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟» ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه وطهره، ثم قال: «أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه». فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه، ففعلوا مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطيبه ويطهره، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه، استخرجه من حيث ألقوه يومًا، فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال له: «إني- والله- ما أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع، هذا السيف معك». فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبًا ميتًا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة، فيها عذر من عذر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به، فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسًا مقرونًا بكلب ميت، فعلم حينها أنَّه لا يدفع عن نفسه، فهداه الله للإسلام (١).

стр. 185

فالمراد أنَّ هذه المعبودات من دون الله لا تصلح أن تكون معبودة من وجوه: ١ - أنَّها لا تخلق. ٢ - أنَّها مخلوقة. ٣ - لا تستطيع نصر الداعين. ٤ - ولا نصر أنفسها. ومناسبة الآية للباب: أنَّه إذا كانت هذه حال ما يُعبَدُ من دون الله، وأنَّه في غاية العجز، فكيف يليق بعاقل أن يدعو من هذا وصفه، ويدع من بيده كل الأمور سبحانه؟! (٢) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر، الآية (١٣ - ١٤)]. والقطمير: هو اللفافة تكون على نواة التمر. والمعنى: أنَّ الله أخبر عن حال المدعوين من دونه أنَّهم عاجزون، وأنَّهم قد انتفت عنهم الشروط التي لابد أن تكون في المدعو، وهي ملك ما طلب منه، وسماع الدعاء والقدرة على إجابته، فمتى عُدِمَ شرطٌ بطل أن يكون مدعوًا، فكيف إذا عُدِمَت كلها؟! وهؤلاء الذين يُدْعَون من دون الله إما أنَّهم لا يسمعون دعاء من يدعوهم؛ لأنَّهم إما ملائكةٌ مشغولون بما خُلِقوا له، وإما أمواتٌ لا يسمعون، ولو افترض أنَّهم سمعوا دعاءكم إيّاهم ما قدروا على ما تطلبونه منهم، ولا يقدر على هذا إلّا الله، بل إنَّهم يوم القيامة يتبرؤون ممن أشرك بهم مع الله، وهذا كقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ (٨٢)﴾ [مريم، الآية (٨١ - ٨٢)].

стр. 186

وبعد هذا البيان الذي لا يُبْقِي في القلبِ انصرافًا للمخلوق، ختم الله الآية بقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: أي لا يُخبِرُك بمآلات الأمورِ وعواقبها، مثلُ الخبيرِ العالم ببواطن الأمور، وهو الله سبحانه. فمناسبة الآية للباب: أنَّ فيها الردَّ والبرهان القاطع على بطلان الشرك، والردَّ على المشركين بالله وبيان حال معبوداتهم، وإذا كانت هذه حالها، فكيف تدعى من دون الله؟! واعلم أن هذا لا يتنافى مع كون الأموات قد يسمعون كلام الأحياء، فإن هذا فيه خلافٌ في ثبوته أولًا (١)، ولو ثبت فلا يلزم أنهم يسمعون كل شيء، وعلى فرض سماعهم لكل شيء، فالله أخبر أنَّهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، وهذا كافٍ. (٣) حديث أنس ﵁ قال: «شُجَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهِمْ؟». والشجة: الجرح في الرأس والوجه خاصة (٢). والرباعية: الأسنان في المقدمة التي تلي الثنايا، والإنسان له أربع رباعيات، والذي كسر رباعية النبيّ ﷺ هو عتبة بن أبي وقاص، قال ابن حجر: «والمراد: أنَّها كُسِرت فذهب منها فلقة، ولم تُقْلَع من أصلها» (٣).

стр. 187

* وقوله: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهِمْ؟»: استفهامٌ، معناه: ما أبعد هؤلاء عن الفلاح، وقد شجوا نبيهم. والمعنى: أنَّ أنسًا ﵁ في هذا الحديث بَيّنَ ما لحق النبيّ ﷺ من أذى قومه يوم أحد، فكأنَّه لحقه من تلك الحالِ يأسٌ من فلاح كفار قريش، فقال: «كيف يفلحون»، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، فأمور الخلق وتدبيرهم وعقابهم أو رحمتهم ليست إليك بل إلى خالقهم سبحانه، أما أنت فعبدٌ مأمورٌ بإنذارهم وجهادهم، فامض لشأنك ودُم على الدعوة لدين ربك (١). ومناسبة الآية للباب ووجه الشاهد منها من جهتين: ١. أنَّه إذا كان النبيّ ﷺ وهو قد أوذي وكسرت رباعيته لم يعذره الله بكلمة: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ … » وبيّن أنَّه ليس له من الأمر شيء، فما بالك بمن سواه كالأولياء أو الأنبياء، وغيرهم ممن هم إما أموات أو جمادات، وهم لا يملكون من التدبير شيئًا. ٢. أنَّه لو كان النبيّ ﷺ يملك جلبَ النفع ودفع الضر، لَدَفع الضُرّ عن نفسه، ولَما أصيب وأدمي وجهه وكسرت رباعيته، فكيف بمن هو دونه ﷺ ؟! (٤) عن ابن عمر: «أنَّه سمع رسول الله ﷺ يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ فِي اَلرَّكْعَةِ اَلْأَخِيرَةِ مِنَ اَلْفَجْرِ: اَللَّهُمَّ اِلْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا بَعْدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اَلله لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ اَلْحَمْدُ، فَأَنْزَلَ اَللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾»، وَفِي رِوَايَةٍ: يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمِّيَّةَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾» أخرجه البخاري، وهو في قنوت النبيّ ﷺ بعد أُحُدٍ،

стр. 188

حين كُسرت رباعيته وأُدمي وجهُه، فقال: «اَللَّهُمَّ اِلْعَنْ فُلَانًا» لأناسٍ من رؤوس المشركين. واللعنُ: «الطرد والإبعاد من الله، وهو من الخلقِ السبُّ والدعاء» (١). فيكون اللعن إذا صدر من الخلق: طلبُ طردِ الملعون وإبعادِه من الله بلفظ اللعن، وليس المراد مطلق السبّ والشتم. والمعنى: أنَّ النبيّ ﷺ لما أوذي دعا على هؤلاء الكفار، فجاءه التأنيب والنهي ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ولم يكن النبيّ ﷺ يعلم الغيب، فإنَّ هؤلاء الثلاثة الذين سمّاهم أسلموا وحسُنَ إسلامهم، وكان الله عليمًا ببواطن الأمور حين لم يستجب للنبي ﷺ دعاءه، فأين هذا مما يعتقده عبّاد القبور في الأولياء والصالحين، بل في الطواغيت أنَّهم ينفعون مَنْ دعاهم ويكشفون بلاءه وينصرون من لاذَ بجاههم، فيدعونهم برًّا وبحرًا، وفي كل حال، فإذا كان هذا في النبيّ، فما بالك بغيره؟! ووجه الشاهد ومناسبة الحديث للباب: أنَّ النبيّ ﷺ ليس له من الأمر شيء، ويتبين ذلك بأمرين ذُكرا في الحديث السابق: ١. أنَّه لما آذاه هؤلاء المشركون لم يستطع ردّ أذاهم بنفسه، بل لجأ إلى ربّه القادر على جلب النفع ودفع الضر. ٢. أنَّه لما دعا على هؤلاء أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. ولا تعارض بين هذا الحديث، وبين الذي قبله، كون الآية نزلت فيهما، بل يقال: إنَّ هذه القصة كانت في غزوة أحد، وأنَّه قنت بعد غزوة أحد،

стр. 189

فكلا القصتين في غزوة أحد (١). (٥) حديث أبي هريرة ﵁ قال: «قَامَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا! اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ ! لَا أُغْنِكَ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا». ومعنى الحديث: أنَّ النبيّ ﷺ حين نزل عليه قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام خطيبًا على الصفا، وبدأ بالنصح للأقربين، وأمرهم بالتوحيد حتى ينقذوا أنفسهم من النّار، ولا يعتمدوا على شرفِ النسبِ وقرابته لهم، فهو ﷺ لا يملك لأقربِ الناس إليه -وهم عمّه وعمته وابنته الصغرى- شيئًا، فمن أراد النّجاة فليوحد الله ولا يعتمدْ على الخلق، فالخلقُ ليس بأيديهم شيء من النفع أو الضر.

стр. 190

ومناسبة الحديث للباب: من جهة أنَّه لا يجوز أن يُطلَب من الرسول -ومِن غيره من باب أولى- إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا؛ وإذا كان هذا النبيّ ﷺ أفضلُ الخلق وسيدُ المرسلين يقول هذا، خصوصًا لأقرب الناس إليه، فما الظن بغيره من عامة الناس، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف، الآية (١٨٨)]. واعلم أن كونه ﷺ لا يغني عنهم من الله شيئًا، لا ينافي شفاعته لهم يوم القيامة؛ إذ شفاعته ﷺ هي أمرٌ من الله ابتداءً فضلًا عليه وعليهم، لا أنَّه ﷺ يشفع فيمن شاء، فشفاعته بأمر الله، ولهذا كان يُعَلِّم أصحابه أن يدعوا له أن يبعثه الله المقام المحمود. * خلاصة الباب: أنَّه لا أحد يستحقّ أن تتوجه القلوب له بالعبادة إلا الله. وأنَّه إذا كان أعظم خلق الله من الملائكة والأنبياء لا يملكون لأنفسهم دفعًا أو نفعًا، فغيرهم من باب أولى، فعلى المسلم أن يتوجه إلى الله وكفى. *

стр. 191

١٦ - باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ، الآية (٢٣)]. في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كأنَّه سلْسِلَة عَلَى صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضه فَوْقَ بَعْضٍ - وصفه سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَه الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعت مِنَ السَّمَاءِ» (١). وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَرَادَ اَللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالْأَمْرِ، تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ، أَخَذَتِ اَلسَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ -أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ- خَوْفًا مِنْ اَللَّهِ ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ اَلسَّمَوَاتِ، صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ فَيُكَلِّمُهُ اَللَّهُ مِنْ وَحَيِّهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى اَلْمَلَائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ، سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟

стр. 192

فَيَقُولُ: قَالَ اَلْحَقَّ، وَهُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اَلله » (١) (٢).

стр. 193

(الشرح) عقد المصنف هذا الباب عن الملائكة، فالضمير في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يرجع إلى الملائكة، والكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: معنى الترجمة والمراد بها: أراد المؤلف بالباب: أن يستدلَّ للتوحيد بشيء من دلائل عظمة الله، وهو حال الملائكة الذين هم أعظم المخلوقات وأقوى من عُبِد من دون الله، وقد ورد في الحديث شيء من وصفهم، كحديث جابر مرفوعًا: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» (١)، وقال ابْن مَسْعُودٍ ﵁: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ» (٢).

стр. 194

فإذا كانت هذه الملائكة الذين عَظُمَ خَلقُهم وقوي بأسُهم، وهذا حالهم مع الله، وهذا خوفهم منه وخشيتهم له، فكيف يتجهُ أحدٌ إليهم ويدعوهم من دون الله استقلالًا أو وساطةً طلبًا لشفاعتهم؟! وإذا كان هذا في الملائكة مع جلالة قدرهم، وقربهم من ربّهم، لا يجوز أن يُدعون من دون الله، فغيرهم ممّن هو أضعف منهم وممن لا يقدر على شيءٍ من الأصنامِ والأمواتِ؟! أولى أن لا يُدعى ولا يعبدَ من دون الله. المسألة الثانية: أورد المصنف في الباب حديثين مستدلًا بهما على الباب: (١) ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كأنَّه سلْسِلَة عَلَى صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضه فَوْقَ بَعْضٍ -وصفه سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ- فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَه الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعت مِنَ السَّمَاءِ». * وقوله: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ»: أي إذا تكلم بالأمر الذي شاء وقوعه، والذي قضاه في السماء مما يكون. * وقوله: «خَضَعَانًا لِقَوْلِهِ»: بفتح الخاء والضاد من الخضوع، وفي رواية بضم أوله وسكون ثانيه، بمعنى: خاضعين. * وقوله: «كأنَّه سلْسِلَة عَلَى صَفْوَانٍ»: أي كأنَّ الصوت المسموع صوت

стр. 195

السلسلة على الصفوان، وهو الحجر الأملس، وهذا التشبيه اختلف في المراد به: - فقيل: المرادُ صوتُ الملَكِ بالوحيّ، كما ورد أنَّ الوحيَّ كان يأتي النبيّ ﷺ كصلصلة الجرس، وهذا فيه نظر. - وقيل: هو تشبيه ما يحصل للملائكة من الفزع، أنَّه كفزعِ من يسمع سلسلةً على صفوان (١). - وقيل: إنَّه تشبيه سماع الملائكة لصوت الله تعالى بسماع من يسمع سلسلةً على صفوان، وهذا يفيد أنَّه كلام حقيقي، بصوتٍ، وأنَّه قوي، وهذا تشبيه للسماع بالسماع، وليس تشبيهًا للمسموع -وهو كلام الله- بالمسموع وهو صوت السلسلة تجر على الحجر، وفرق بينهما. ونظير هذا حديث: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ» (٢) هو تشبيه للرؤية بالرؤية، من حيث أنَّهم يرونه بوضوح، وظهور، وبلا تزاحم، وليس تشبيهًا لله تعالى بالبدر، فالله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. * والدليل: حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْي، سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ صَلْصَلَةً، كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا فَيُصْعَقُونَ … »، وفي لفظ: «تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ، سُمِعَ له صوتٌ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ» (٣).

стр. 196

قال عبد الله بن أحمد: «سألت أبي ﵀ عن قوم، يقولون: لما كلَّم الله موسى لم يتكلَّم بصوت، فقال أبي: بلى، إنَّ ربك تكلَّم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت، ثم ساق حديث ابن مسعودٍ هذا، ثم قال: وهذا الجهمية تنكره، وقال أبي: هؤلاء كفار، يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أنَّ الله لم يتكلَّم فهو كافر، ألا إنَّا نروي هذه الأحاديث كما جاءت» (١). والمراد: أنَّ هذا يدلّ على أنَّ الصوت مسموع حقيقةً، خلافًا لمن ينكر صفة الصوت لله ، ولكنه صوتٌ يليق بجلاله وعظمته. * وقوله: «يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ»: هو بفتح الياء، وسكون النون، وضم الفاء والذال المعجمة: أي يَخْلُصُ ذلك القولُ ويمضي في قلوب الملائكة حتى يفزعوا منه. * وقوله: «فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ»: أي يسمعُ الكلمةَ التي قضاها الله، وسمعتها الملائكة ثم تحدثوا بها. ومسترقُ السمع: هم من الشياطين، يركب بعضهم بعضًا، فيسمعون أصوات الملائكة بالأمر مما يقضيه الله، فيتوجهون بما سمعوا إلى الكهان. ومسترقو السمع يسمعون إمّا من الملائكة في السماء الدنيا، ولا يتعدونها؛ لأنَّها سقف محفوظ. ويحتمل أنَّهم يسمعون من الملائكة في السحاب؛ لحديث عائشة ﵂:

стр. 197

«إِنَّ المَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي العَنَانِ -وَهُوَ السَّحَابُ-، فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ، فَتُوحِيهِ إِلَى الكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» (١). وقد وصف سفيان بن عيينة ركوب الشياطين بعضهم فوق بعض، بأن مَيّلَ يده وفرّق بين أصابعه. * وقوله: «فَرُبَّمَا أَدْرَكَه الشِّهَابُ»: هو النجم الذي يرمى به ربما أدركه قبل إلقائها، وربما ألقاها قبل أن يدركه لحكمة يعلمها الله، وإلّا فالله لا يعجزه شيء، والرجمُ بالشُهُبِ كان موجودًا في الجاهلية، بدلالة حديث: «مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ إِذَا كان مثْل هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قالوا: نَقُولُ: وُلِدَ عَظِيمٌ أوَمَاتَ عَظِيمٌ» (٢)، فلما بُعِثَ النبيُّ ﷺ مُنِعت، ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن، الآية (٩)]. وبعد موت النبيّ ﷺ زال السبب الذي لأجله قُطِعوا، فعادوا وعادت الشهب. * وقوله: «أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟»: أي أنَّ الذين يأتون الكهان يصدقونهم إذا ذكروا لهم أمرًا، بسبب أنَّهم ذكروا لهم مرةً أمرًا فوقع كما قالوا، فاعتقدوا أنَّ ما يقولونه حقٌ، وما هي إلّا كلمةٌ واحدة في مئات الكذبات. ومعنى الحديث والشاهد منه: أنَّ النبيّ ﷺ بيّن ما تكون عليه الملائكة من حالةٍ عند نزول الوحي وتكلُّمِ اللهِ به، أنَّهم يفرقون ويفزعون ويصعقون، بالرغم من عِظَمِ خلقهم، حتى يكون أولّ من يفيق منهم جبريل، فإذا كانت

стр. 198

هذه حالة الملائكة، فمَن دونهم أولى أن يخاف الله، وأنَّه لا يُدعى ولا يُستشفع إلا بالله. (٢) عن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَرَادَ اَللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالْأَمْرِ، تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ، أَخَذَتِ اَلسَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ -أَوْ قَالَ رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ- خَوْفًا مِنْ اَللَّهِ ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ اَلسَّمَوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ فَيُكَلِّمُهُ اَللَّهُ مِنْ وَحَيِّهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى اَلْمَلَائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ، سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: قَالَ اَلْحَقَّ، وَهُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اَلله ». ومعنى الحديث: أنَّ النبيّ ﷺ بيّن فيه حالة الملائكة عند سماع الوحي، وأنَّهم كلهم يصعقون حتى جبريل، لكن هو يكون أول من يفيق، فهو الموكل بالوحي، فيكلمه الله بما أراد من الوحي، وكلما مرّ بسماءٍ من السماوات السبع يسأله ملائكتها ماذا قال ربنا؟ فيقول: قال الحق وهو العلى الكبير. ومناسبة الحديث: كالذي قبله، أنَّه إذا كانت هذه حالة الملائكة، فمن دونهم أضعف؛ لأنَّ الملائكة أقوى وأعظم عباد الله، وأعطاهم الله من القوة العظيمة ما أعطاهم، ومع هذا فهذه حالهم. فكيف يدعو المشركُ مَلَكًا أو من هو دونه باعتقاده أنَّ له قدرة، أو تدبيرًا أو شفاعة عند الله؟! * وخلاصة الباب: أن المرء ينبغي أن يعظّم ربه، ومِن تعظيمه لربه: أن يتوجه له بالعبادة، ولا يتوجه لأحدٍ، ولو كان ملَكًا مقرّبًا. *

стр. 199

١٧ - باب الشفاعة وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام، الآية (٥١)]. وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر، الآية (٤٤)]. وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة، الآية (٢٥٥)]. وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم، الآية (٢٦)]. وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ … ﴾ [سبأ، الآيات (٢٢ - ٢٣)]. قال أبو العباس: «نفى الله عما سواه كلَّ ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره مُلك أو قسط منه، أو يكون عونًا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبيَّن أنَّها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء، الآية (٢٨)]، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون أنَّها لهم، هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبيّ ﷺ «أنَّه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولًا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تُعط، واشفع تُشفع» (١) (٢).

стр. 200

وقال أبو هريرة له ﷺ : «مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قال: مَنْ قَالَ: لا إله إلّا الله، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» (١)، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقته أنَّ الله سبحانه هو الذي يتفضَّل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذِنَ له أن يشفع؛ ليكرمه وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبيّ ﷺ أنَّها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه (٢). (الشرح) باب الشفاعة من أهم الأبواب في كتاب التوحيد، والكلام عليه في مسائل: المسألة الأولى: تعريف الشفاعة، والمراد بها: في اللغة: اسمٌ مِنْ شفع يشفع إذا جعل الشيء بين اثنين، وهو ضدُّ الوتر. واصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، سميت بذلك لأنَّ

стр. 201

طالبَ الحاجة كان منفردًا في الأوَّل، ثم انضم إليه شافعٌ، فصارا شفعًا. المسألة الثانية: مناسبة الباب: لما كان المشركون قديمًا وحديثًا يعبدون من دون الله الأصنام والأضرحة ونحوها، فإذا أُنكِرَ عليهم قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وادَّعَوا أنَّ غرضهم بذلك طلب الشفاعة فقط، فبين المؤلف هنا أنَّ الله عدّ ذلك من الشرك، وأنَّ طلب الشفاعة منهم هي عبادة لغير الله، وإن ادِّعَوا أنَّ ذلك من تعظيم الله. واعلم أنَّ أصل الشرك من قديمِ الزمان وحديثِه هو بطلب الشفاعة، وتعلُّق الناس بأذيالها، وذلك لأنَّ المشركين يقولون نحن نجعلهم شفعاء، فقاسوا الله بخلقه، وقال الله على لسانهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآية (٣)]. المسألة الثالثة: كيف يقال: إنَّ من اتخذ الشفيع مشركٌ، وهو إنما اتخذه شفيعًا إلى الله بقصد تعظيم الرب، فإنَّه -على حدّ قولهم- لا يتوصل إليه إلا بالشفعاء، كملوك الدنيا؟ * الجواب: أنَّه وإن كان دافعه وقصده تعظيم الله، إلا أنَّه ليس كل من قصد التعظيم وُفِّق وأصاب؛ لأنَّ اتخاذ الشفعاءِ والأنداد من دون الله فيه هضمٌ للربوبية، وتنقّص لعظمة الله، وسوء ظنٍّ به سبحانه، ولذا قال الله عن المشركين، وهم يخاطبون معبوداتهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الصافات، الآية (٩٧ - ٩٨)]، وهذه التسوية منهم ليست تسويةً لمعبوداتهم بذات الله وصفاته وأفعاله، ولا ادّعوا أنَّها خلقت السماوات والأرض وغير ذلك، وإنما ساووهم في المحبّةِ والتعظيمِ والعبادة. ووجه كون الاستشفاع بالأولياء فيه هضمٌ للربوبية وسوء ظنٍّ بالله؛ لأن المستشفع لا يخرج من أمور:

стр. 202

* إما أن يظنَّ أنَّ الله يحتاج إلى من يُدبِّر أمرَ العالم معه مِنْ وزيرٍ ومعين. * وإما أن يظنَّ أنَّ الله إنما تتم قدرته بقدرة الشفيع. * أو يظنَّ أنَّ الله لا يعلم حتى يُعلمه الشفيع، أو لا يرحم حتى يجعله الشفيع يرحم، أو لا يجيب دعاءه حتى يسألوا الشفيع، كحال ملوك الدنيا، وهذا نقص. * أو يظنَّ أنَّ للشفيع حقًا على الله، فهو يُقسِمُ عليه بحقّه ويتوسل إليه بالشفيع كما يتوسل إلى الملوك بالناس الذين لهم عليهم حقٌ، وكل هذا نقص، وسوء ظن بالله. فإن قيل: هذا فيمن عَبَدَ الشفعاء، أما من دعاهم فقط فلا يعد ذلك شركًا؟ * فالجواب: أنَّ مجرد اتخاذ الشفعاء شرك، ودعاؤهم للشفاعة عبادة لهم وإشراك لهم في عبادة الله، فإن النبيّ ﷺ قال: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» (١). المسألة الرابعة: الشفاعة نوعان: ١) مثبتة: وهي ما كانت بشرطي الشفاعة: ١ - إذنُ الله للشافع. ٢ - رضاه عن الشافع والمشفوع له. ٢) منفية: وهي ما كانت تُطلب من غير الله، أو يقال: أنَّها ما اختل فيها شرطٌ مِنْ شروط الشفاعة المثبتة.

стр. 203

والحكمة من جعل الله الشفاعة: إكرامُ الله للشافع من وجهين: ١. ظهور فضل الشافع على المشفوع له. ٢. ظهور منزلة الشافع عند الله. المسألة الخامسة: ذكر المصنف في الباب خمس آيات متعلقة بالشفاعة: (١) قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام، الآية (٥١)]. في هذه الآية خَوَّفَ اللهُ عباده يوم الحشر الذي ليس للإنسان فيه أحدٌ إلّا الله، فليس لهم هناك أحدٌ يدافع عنهم من معبوداتهم، وإذا كان الإنذار هنا هو للمؤمنين الذين يخافون يوم الحشر، وأنَّهم ليس لهم وليٌ ولا شفيع، فكيف بمن وقع في الشرك. ففي الآية نفي الشفاعة التي لم تتوفر شروطها، ومفهوم هذا أنَّها ثابتةٌ بإذنه، كما قال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾. (٢) قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر، الآية (٤٤)]، وهذه الآية يزيدها بيانًا ما قبلها، وهي قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (٤٤)﴾ [الزمر، الآية (٤٣ - ٤٤)]. قال المفسرون: إنَّ (أم) بمعنى: (بل)، أي أنَّ الله أنكر عليهم طلب الشفاعة من دون الله حين قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾، وقال لهم: ﴿أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾، وهذه حقيقة الخلق كلهم، فهم إما أنَّهم لا يعقلون، فلا يعلمون شيئًا مما في نفوس الناس من حاجاتهم، ولو عقلوا فإنَّهم لا يملكون، ثم قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ففُهم من هذا أمورٌ: ١. أنَّ الشفاعة بجميع أنواعها ملك لله.

стр. 204

٢. إذا كانت له، فكيف تطلب ممن لا يملكها؟! بل ينبغي أن تطلب ممن يملكها. (٣) قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. نفت الآيةُ الشفاعةَ عن المخلوق استقلالًا بلا إذن من الله، وقيّدت الشفاعة بإذن الله، فالمخلوق لا يبتدئ بالشفاعة دون أن يأذن الله له بها، ولا يأذن الله إلّا لمن رضي عمله، وهو الموحِّدُ غيرُ المشرِك، وعلى هذا آل الأمر إلى أنَّ المرء يوجه قلبه لله، فمن طلبها من المخلوق فقد أشرك، وقد أفادت الآية أمورًا: ١. الردّ على الخوارج الذين ينكرون الشفاعة مطلقًا؛ إذ إنَّ الله أثبتها لمن شاء. ٢. الردّ على من اتخذوا الشفعاء من دون الله، فبين الله أنَّهم لا يشفعون إلّا بإذنه، وبدون إذنه لا يمكن لأحد أن يشفع. (٤) قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم، الآية (٢٦)]. * ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾: أي ما أكثر الملائكة الذين في السماء، ومع ذلك لا تغني شفاعتهم إلّا من بعد إذن الله ورضاه. * ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾: فيه بيان شرطي الشفاعة: ١ - الإذن من الله. ٢ - الرضى عن الشافع والمشفوع له. والذي يرضى اللهُ عنه هو المؤمن الموحد، واستثني من ذلك أبو طالب، فإنَّ اللهَ أذن بالشفاعة له، ولم يرضَ الله عمله، إكرامًا للنبي ﷺ .

стр. 205

فإن قال المشرك: أعلمُ أنَّهم لا يشفعون إلا بإذن الله، لكني أدعوهم ليأذن الله لهم في الشفاعة لي، فكيف يجاب عنه؟ * الجواب: أنَّ الله لم يجعل الشرك به ودعاءَ غيره سببًا لإذنه ورضاه، بل ذلك سببٌ لغضبه ومقته، ولذا نهى عنه فقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس، الآية (١٠٦)]. فدعاءُ الأولياءِ هو شركٌ لا يرضاه الله، وهو عين ما كان المشركون الأوّلون يفعلونه، فإنَّ الفارق بينهم وبين الموحد مسألة الشفاعة. وإذا علمت أنَّ الله هو الذي بيده الأمور، وهؤلاء الأولياء بظنك أنَّهم يشفعون لك عند الله، فَلِمَ لا تدعو الله مباشرة؟ فالله يغضب إن تركت سؤاله. وقد أفادتك الآية أنه إذا كان الملائكة المقربون لا تغني شفاعتهم إلّا بإذن الله ورضاه، فكيف تشفع الأصنام والأضرحةُ لمن عبدها؟! (٥) قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ (٢٣)﴾ [سبأ، الآية (٢٢ - ٢٣)]. ﴿قُلِ ادْعُوا﴾: تُحمَلُ على أحد معنيين: أ. أَحْضِرُوهم. ب. ادعوهم دعاء مسألة. وهو أمر تعجيز؛ لأنَّ هؤلاء -كما بين الله بعد ذلك- لا يملكون، وليسوا شركاء ولا مظاهرين معاونين، والشفاعة لا يملكها إلَّا الله. (ذرّة): الذرُّ صغار النمل، يضرب بها المثل في القِلَّة. قال ابن القيم: «فالمشرك إنَّما يتخذ معبوده لما يعتقد أنَّه يحصل له به من

стр. 206

النفعِ، والنفعُ لا يكون إلّا ممن فيه خصلةٌ من هذه الأربع: إمّا مالكٌ لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتبًا متنقلًا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعةً لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه، فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاةً وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها» (١). المسألة السادسة: ذكر المصنف كلام ابن تيمية في الشفاعة، وهو كلامٌ متين، حريٌ بالتأمل، وخلاصة كلامه ما سبق بيانه. وتأمّل حديث أبي هريرة ﵁ الذي ذكره ابن تيمية، حيث جعل أشرف أسباب نيل الشفاعة توحيد الله، ولذا قال ابن القيم: «تأمل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تُنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين أنَّ الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء، وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلبَ النبيُّ ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أنَّ سبب الشفاعةِ تجريدُ التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع والمشفوع» (٢). ثم تأمّل قوله عن رسول الله ﷺ أنَّه لا يَسأل إلا حين يخرُّ ساجدًا ويدعو ثم يؤذن له بالشفاعة، فإذا كان الرسول ﷺ وهو أعظمُ الناس جاهًا عند الله لا يشفع، إلّا بعد أن يحمد الله ويثني عليه، ويتضرع ويطيل السجود ويفتح عليه من المحامد، فكيف بهذه الأصنام؟!

стр. 207

المسألة السابعة: ذكر أهل العلم أنَّ الشفاعة قسمان: ١) الشفاعة الخاصة بالرسول ﷺ : وهي أقسام: ١ - الشفاعة العظمى: وتكون لتعجيل القضاء، وهي لكل أهل الموقف. ٢ - شفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها. ٣ - شفاعته لبعض الكفار أن يخفّف عذابهم، وهذه لأبي طالب خاصة. ٢) العامة له، ولغيره من الأنبياء والصالحين، ويدخل فيها صور: ١. الشفاعة فيمن استحقَّ دخول النار أن لا يدخلها. ٢. الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها: وهذه أجمع عليها الصحابة وأهل السنة. ٣. الشفاعة في رفع درجات المؤمنين وزيادة ثوابهم. * خلاصة الباب: أنَّ الإنسان لا يجوز له أن يتعلق بغير الله عبر باب الشفاعة، فيعتقد أن تقرّبه لغير الله إنما هو لكي يشفعوا له عند الله، وإنما يجبُ أن يطلب الشفاعة، عبر بوابة التوحيد لله تعالى، فهو مالك الشفاعة، ولا يشفع أحد لأحد، إلّا وقد رضي الله عمله. *

стр. 208

١٨ - باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص الآية (٥٦)]. في الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ اَلْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ الله ﷺ وَعِنْدَهُ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ أَبِي أُمِّيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمِّ، قُلْ: لا إله إلّا الله، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اَللَّهِ، فَقَالَا لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ اَلنَّبِيُّ ﷺ ، فَأَعَادَا، فَكَانَ آخَرَ مَا قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لا إله إلّا الله فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ : لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة، الآية (١١٣)]». وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص، الآية (٥٦)] (١) (٢).

стр. 209

(الشرح) عقد المصنّف هذا الباب بعد باب الشفاعة، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد بالباب: بيانُ حالِ النبيّ ﷺ ، الذي هو أفضلُ الخلقِ وأقربُهم لله، وأعظمهم جاهًا، ومع ذلك فحين حرص على هداية عمه أبي طالب الذي خدمه وحماه، لم يقدر ﷺ على هدايته، بل إنَّه استغفر له بعد موته، فنهاه ربه. وإذا تقرَّر هذا، عُلِمَ أن رسولَ اللهِ ﷺ ، ومن باب أولى من هم دونه من الأنبياء، أو الصالحين، فضلًا عن غيرهم، لا يملكون النفع والضرَّ، وأنَّ ذلك كله بيد الله؛ إذ لو كان هذا لأحدِ من الخلق؛ لكان لأفضلهم ﷺ منه نصيبًا وافرًا.

стр. 210

المسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب آية وحديثًا. * أما الآية: فهي قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص، الآية (٥٦)]، والمعنى: ليس إليك أن تهدي من أحببت هدايته، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء، وله الحكمة البالغة سبحانه. ولا تنافي بين هذه الآية، وبين قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فإن الهداية نوعان: ١ - هداية دلالة وإرشاد: بأن يَدُلَّ ويُرشِدَ إلى الحقّ، فهذه تتوجه إلى النبيّ ﷺ ، كما في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ٢ - هداية توفيق: بأن يوفّق صاحبه للخير والبر، فهذه هي المنفية في الآية، وهي ليست إلّا لله. * وأما الحديث: فهو في خبر النبيّ ﷺ مع أبي طالب. * وقوله: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ اَلْوَفَاةُ» حضور الوفاة هنا تحتمل معنيين: ١. حضرت علامات الوفاة: وإلّا لو انتهى إلى المعاينة لم تنفعه ولو قالها، قال الله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء، الآية (١٨)]، ويدل لهذا المعنى أنَّهم تراجعوا الكلام، وهذا لا يكون لمن هو في النزع. ٢. حضرته الوفاة الحقيقية: لكن رجا النبيُّ ﷺ أنَّه إذا نطق بها -ولو في تلك الحال- أن تنفعه ويشفعُ هو ﷺ فيه، ولذا قال: «أجادل لك بها» «أشفع لك» «أشهد لك بها»، ولم يجزم أنَّها تنفعه لو قالها، فيكون هذا خاصًا بأبي طالب،

стр. 211

أما غيره فإذا وصل إلى هذا الحدِّ لا تُقبل منه توبة. * وقوله: «يَا عَمِّ قُلْ: لا إله إلّا الله» أي: قُلها بلفظها، واعتقد معناها، ولا يكفي أحدهما عن الآخر، فمن قالها بلسانه ولم يعتقدها قلبه، حَقنت دمَهُ في الدنيا فقط، ومن اعتقدها بقلبه، ولم يلفظ بها، لم يدخل في الإسلام. وإنما لم يقل له النبيّ ﷺ : اعتقدها مع ذلك بقلبك؛ لأن العرب يعرفون هذه الكلمة ومعناها، ولذا أنكر عليه قولها أبو جهل وصاحبه. ولأنَّ أبا طالب كان يعتقد بقلبه أنَّ الإسلام هو الحق، لكن هذا لا ينفعه؛ لأنَّه لم ينطق. * وقوله: «كَلِمَةً» منصوبة، بناءً على أنَّها بدلٌ من «لا إله إلّا الله»، والقاعدة: أنَّ البدل يتبع المبدل في إعرابه، ويجوزُ رفعُها على إضمار المبتدأ، أي: هي كلمةٌ، (١)، ومعلوم أنَّ الكلمة هنا يراد بها الجملة، لا الكلمة المفردة، ومنه قوله ﷺ : «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ (أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ)» (٢). * وقوله: «أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ؟» أتيا بالكلام على صيغة الاستفهام مبالغة في الإنكار عليه في مخالفة الآباء والكبراء، فهما لما خشيا أن يقولها ذكّراه بالحمية الجاهلية، وأنه لو قالها فسيخالف مِلَّة والده عبد المطلب، وهذه حجةٌ شيطانيةٌ لَبّس بها الشيطانُ على عددٍ من الكفار، ولذا أخبر الله أن فرعون قال لموسى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ هل كلهم ضلوا،

стр. 212

وأنت ومن معك المهتدون؟! قال السعدي: «أي: ما شأنهم، وما خبرهم؟ وكيف وصلت بهم الحال، وقد سبقونا إلى الإنكار والكفر، والظلم، والعناد، ولنا فيهم أسوة؟ وقال الله عن بعض الأمم قولهم: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية (٢٣)]» (١). وتأمل هنا ضرر رُفقةِ السوء، كيف حرصا على إضلاله وثنيه عن الإسلام، والعجيب أنَّ عبد الله بن أبي أمية أسلم بعد ذلك. * وقوله: «فَأَعَادَ عَلَيْهِ اَلنَّبِيُّ ﷺ » أعادهُ عليه لشدِّة حِرصه على هدايةِ عمّه، ولم ييأس ﷺ ، وهكذا ينبغي للداعية أن لا ييأس. * وقوله: «فَأَعَادَا»: أي كررا عليه المقولة السابقة؛ خوفًا من إسلامه. وعند مسلمٍ تتمة الحديث: «لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِى قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ» (٢)، أي: سررْتُك بقولها، وأبلغتُكَ أُمْنيتك. * وقوله: «هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ» هذا من تصرف الرواة، وإلّا فأبو طالب قال: «أنا … » ومثل هذه التصرفات مستحسنة، كما قال ابن حجر (٣). وفي روايةٍ أنّ رسول الله ﷺ قال بعد ذلك: «أمَا والله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ»، فأكدت بثلاث مؤكدات: ١ - القسم. ٢ - اللام. ٣ - نون التوكيد الثقيلة. وذلك تأكيدًا لعزمه ﷺ ، وهذا من مجازاته له على المعروف، لكن كأنَّه

стр. 213

خشي أن يُنهى فقال: «مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» وهذا ما وقع، إذ نُهِي عن ذلك. * وقوله: فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة، الآية (١١٣)]. هذا خبرٌ بمعنى النهي، أي: ما ينبغي لهم ذلك. * فإن قيل: قوله في الحديث: «فَأَنْزَلَ الله» تفيد أنَّها نزلت بعد هذه القصة، وكانت في مكة، يشكل عليها أنه ورد أنَّ رسول الله ﷺ لما اعتمر مرَّ على قبر أمّه، فاستأذن ربّه في أن يستغفر لها، فلم يؤذن له، فكيف استأذن بعد النهي؟ وكيف قيل: إنَّ الآية نزلت بعد استئذانه الاستغفار لأمه؟ * منهم من قال: يُحمل هذا على أنَّ الآية تأخر نزولها، فتكون نزلت إثر استئذانه في الاستغفار لأمه، وحينها يكون لها سببان: ١. متقدم، وهو أمرُ أبي طالب. ٢. متأخر، وهو أمرُ أمّه ﷺ وقد يؤيد هذا قولُ الراوي: «فأنزل الله في أبي طالب، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾، فهذا يشعر أنَّ الأولى نزلت في أبي طالب وغيره، بينما قال في الثانية: «وأنزل في أبي طالب». وأقربُ منه أن يقال: إنَّ الآية هذه نزلت في قصة أبي طالب، ولذا حين أراد أن يستغفر لأُمّه استأذن ربه، والاستئذانُ يدل على وجود منع سابق، والله أعلم. ومناسبة الحديث للباب: أنّ فيه نفي هداية التوفيق عن النبيّ ﷺ ، وإذا انتفت عن أكرم الخلق فغيره من باب أولى، ويكون طلبها من غير الله شركًا. ومما يؤخذ من الحديث غير ما سبق الإشارة إليه: تفسير كلمة لا إله إلا الله، وهو أمرٌ عرفه أبو جهل حين قال لأبي طالب: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟»،

стр. 214

وكم ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف معنى لا إله إلا الله، ولذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «فلا خير في رجلٍ جُهّال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله» (١).

стр. 215

١٩ - باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهِم دينَهم هو الغلو في الصالحين وقول الله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة، الآية (٧٧)]. في الصحيح، عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح، الآية (٢٣)]. قال: «هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمٍ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى اَلشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصُبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ اَلَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَنُسِيَ اَلْعِلْمُ عُبِدَتْ» (١). وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: «لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم» (٢). وعن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْد، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» (٣). وقال: قال رسول الله ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ
следующие страницы →