أما غيره فإذا وصل إلى هذا الحدِّ لا تُقبل منه توبة.
* وقوله: «يَا عَمِّ قُلْ: لا إله إلّا الله» أي: قُلها بلفظها، واعتقد معناها، ولا يكفي أحدهما عن الآخر، فمن قالها بلسانه ولم يعتقدها قلبه، حَقنت دمَهُ في الدنيا فقط، ومن اعتقدها بقلبه، ولم يلفظ بها، لم يدخل في الإسلام.
وإنما لم يقل له النبيّ ﷺ : اعتقدها مع ذلك بقلبك؛ لأن العرب يعرفون هذه الكلمة ومعناها، ولذا أنكر عليه قولها أبو جهل وصاحبه.
ولأنَّ أبا طالب كان يعتقد بقلبه أنَّ الإسلام هو الحق، لكن هذا لا ينفعه؛ لأنَّه لم ينطق.
* وقوله: «كَلِمَةً» منصوبة، بناءً على أنَّها بدلٌ من «لا إله إلّا الله»، والقاعدة: أنَّ البدل يتبع المبدل في إعرابه، ويجوزُ رفعُها على إضمار المبتدأ، أي: هي كلمةٌ، (١)، ومعلوم أنَّ الكلمة هنا يراد بها الجملة، لا الكلمة المفردة، ومنه قوله ﷺ : «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ (أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ)» (٢).
* وقوله: «أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ؟» أتيا بالكلام على صيغة الاستفهام مبالغة في الإنكار عليه في مخالفة الآباء والكبراء، فهما لما خشيا أن يقولها ذكّراه بالحمية الجاهلية، وأنه لو قالها فسيخالف مِلَّة والده عبد المطلب، وهذه حجةٌ شيطانيةٌ لَبّس بها الشيطانُ على عددٍ من الكفار، ولذا أخبر الله أن فرعون قال لموسى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ هل كلهم ضلوا،
стр. 212
وأنت ومن معك المهتدون؟! قال السعدي: «أي: ما شأنهم، وما خبرهم؟ وكيف وصلت بهم الحال، وقد سبقونا إلى الإنكار والكفر، والظلم، والعناد، ولنا فيهم أسوة؟ وقال الله عن بعض الأمم قولهم: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية (٢٣)]» (١).
وتأمل هنا ضرر رُفقةِ السوء، كيف حرصا على إضلاله وثنيه عن الإسلام، والعجيب أنَّ عبد الله بن أبي أمية أسلم بعد ذلك.
* وقوله: «فَأَعَادَ عَلَيْهِ اَلنَّبِيُّ ﷺ » أعادهُ عليه لشدِّة حِرصه على هدايةِ عمّه، ولم ييأس ﷺ ، وهكذا ينبغي للداعية أن لا ييأس.
* وقوله: «فَأَعَادَا»: أي كررا عليه المقولة السابقة؛ خوفًا من إسلامه.
وعند مسلمٍ تتمة الحديث: «لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِى قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ» (٢)، أي: سررْتُك بقولها، وأبلغتُكَ أُمْنيتك.
* وقوله: «هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ» هذا من تصرف الرواة، وإلّا فأبو طالب قال: «أنا … » ومثل هذه التصرفات مستحسنة، كما قال ابن حجر (٣).
وفي روايةٍ أنّ رسول الله ﷺ قال بعد ذلك: «أمَا والله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ»، فأكدت بثلاث مؤكدات:
١ - القسم. ٢ - اللام. ٣ - نون التوكيد الثقيلة.
وذلك تأكيدًا لعزمه ﷺ ، وهذا من مجازاته له على المعروف، لكن كأنَّه
стр. 213
خشي أن يُنهى فقال: «مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» وهذا ما وقع، إذ نُهِي عن ذلك.
* وقوله: فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة، الآية (١١٣)]. هذا خبرٌ بمعنى النهي، أي: ما ينبغي لهم ذلك.
* فإن قيل: قوله في الحديث: «فَأَنْزَلَ الله» تفيد أنَّها نزلت بعد هذه القصة، وكانت في مكة، يشكل عليها أنه ورد أنَّ رسول الله ﷺ لما اعتمر مرَّ على قبر أمّه، فاستأذن ربّه في أن يستغفر لها، فلم يؤذن له، فكيف استأذن بعد النهي؟ وكيف قيل: إنَّ الآية نزلت بعد استئذانه الاستغفار لأمه؟
* منهم من قال: يُحمل هذا على أنَّ الآية تأخر نزولها، فتكون نزلت إثر استئذانه في الاستغفار لأمه، وحينها يكون لها سببان:
١. متقدم، وهو أمرُ أبي طالب.
٢. متأخر، وهو أمرُ أمّه ﷺ وقد يؤيد هذا قولُ الراوي: «فأنزل الله في أبي طالب، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾، فهذا يشعر أنَّ الأولى نزلت في أبي طالب وغيره، بينما قال في الثانية: «وأنزل في أبي طالب».
وأقربُ منه أن يقال: إنَّ الآية هذه نزلت في قصة أبي طالب، ولذا حين أراد أن يستغفر لأُمّه استأذن ربه، والاستئذانُ يدل على وجود منع سابق، والله أعلم.
ومناسبة الحديث للباب: أنّ فيه نفي هداية التوفيق عن النبيّ ﷺ ، وإذا انتفت عن أكرم الخلق فغيره من باب أولى، ويكون طلبها من غير الله شركًا.
ومما يؤخذ من الحديث غير ما سبق الإشارة إليه: تفسير كلمة لا إله إلا الله، وهو أمرٌ عرفه أبو جهل حين قال لأبي طالب: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟»،
стр. 214
وكم ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف معنى لا إله إلا الله، ولذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «فلا خير في رجلٍ جُهّال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله» (١).
стр. 215
١٩ - باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهِم دينَهم هو الغلو في الصالحين
وقول الله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة، الآية (٧٧)].
في الصحيح، عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح، الآية (٢٣)]. قال: «هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمٍ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى اَلشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصُبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ اَلَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَنُسِيَ اَلْعِلْمُ عُبِدَتْ» (١).
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: «لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم» (٢).
وعن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْد، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» (٣).
وقال: قال رسول الله ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ
стр. 216
قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ» (١).
ولمسلم عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ- قَالَهَا ثَلَاثًا» (٢)(٣).
стр. 217
(الشرح)
هذا الباب متعلق بالغلوّ، وهو من أهم الأبواب، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: المقصود من الباب:
الغلو: مجاوزةُ الحدِّ في مدح الشيء أو ذمِّه، قال الراغب: «الغلو تجاوز الحدّ، يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء، وإذا كان في القدر والمنزلة غلو» (١).
وقال ابن تيمية: «الغلو مجاوزة الحدّ، بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك» (٢).
стр. 218
وقد أراد المصنف في الباب أن يبيّن أنَّ سبب الوقوع في الشرك بالله تعالى، والباعثَ الأوَّل له هو الغلوُ في هؤلاء الصالحين الذين عُبِدوا من دون الله، فمن الغلو بدأت شرارة الضلالة، ودخل الشيطان على هؤلاء، فالناس إنما جرّهم إلى الشرك غلوهم في هؤلاء المعبودين.
ومناسبة الباب لما قبله: أنَّه لما ذكر بعض ما يقع من عباد القبور مع الأموات من الشرك، أعقب ذلك ببيان سببه وهو الغلو.
المسألة الثانية: نصوص الباب: ذكر في الباب خمسةَ نصوصٍ تبين أثر الغلو:
(١) قول الله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء، الآية (١٧١)]. والمخاطَب هنا هم أهل الكتاب - اليهود والنصارى-، أن لا تغلوا في دينكم، وقد كان سبب ضلال النصارى أنَّهم غلوا في عيسى;، حتى ألَّهوه وعبدوه، وغلوا فيمن كان معه من أتباعه فادعوا فيهم العصمة، بينما كان ضلالُ اليهودِ في غلوهم في عيسى; قدحًا، وادعوا أنَّه ولد بغي.
ومناسبة الآية للباب: أنَّ من دعا نبيًّا أو وليًّا من دون الله وغلا فيه، فقد شابه النصارى و اليهود.
ولو تتبعت كلَّ مَنْ ضلّ من الفرق لوجدت أنَّه بسبب غلوهم في جانب، فالرافضة غلوا في حبّ آل البيت، والنواصب بضدّ ذلك، والجهمية غلوا في نفي التشبيه لله حتى نفوا عنه كل شيء، وهؤلاء الذين يعظّمون الأولياء ضلّوا حينما غلوا فيهم.
• ففي الآية: التحذير من الغلوّ في الصالحين والأنبياء، فإنَّه كان سبب ضلال النصارى واليهود (١).
стр. 219
(٢) حديث ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح، الآية (٢٣)] قال: «هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمٍ نُوحٍ».
وكان الناسُ قبل نوحٍ ﷺ على الإسلام، فقد ورد عن ابن عباس: «كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ، فَاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ» (١)، وكانت البداية منهم حينما غلوا في هؤلاء، فإنَّهم كانوا صالحين، ثم ماتوا في زمنٍ متقارب، فحزن الناس عليهم، فاستغلَّ الشيطان هذه العاطفة، وأشار عليهم أن ينصبوا في مواضعهم صورهم، ويسموها بأسمائهم؛ تخليدًا لذكرهم، ولينشطوا للعبادة كلما رأوهم، فلما هلك ذلك القرن وسوس الشيطان إلى من بعدهم أن من سبقوكم وضعوا هذه لأجل عبادتهم.
وهؤلاء الأشخاص الخمسة كانوا قبل نوح؛ لأنَّ نوحًا ﷺ أتاهم ودعاهم إلى ترك عبادة هؤلاء الأصنام، وهذا الموافق لظاهر القرآن، وقاله جمع من
стр. 220
السلف.
ومناسبة الحديث للباب: أنَّه ما أوقع هؤلاء في الشرك إلّا الغلو في الصالحين ومحبتهم، حتى صوروهم، فدخل الشيطان عليهم من هذا المدخل، فالغلو مدخل شيطاني لإيقاع الناس في الشرك، ومنه دخل على كثير من الناس اليوم.
وتبين من الحديث أهمية نشر العلم، وغرس التوحيد؛ فإنَّ نسيان العلم كان مدخلًا للشيطان في نشر الشرك في قوم نوح.
ثم ذكر المصنف كلام ابن القيم مبيّنًا أنَّ أوّل الخلل وقع بسبب الغلو، فقال: (قال غير واحد من السلف: «لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم»).
فقد ذكر ابن القيم طريقَ الشيطان في تدرّجه بهم حتى أوصلهم إلى الشرك، سواء هم أو غيرهم من عباد الأصنام أو القبور، فقال: «ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلّا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه، من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبِدَ أربابُها من دون الله، وعُبِدَت قبورهم، واتُخِذت أوثانًا وبُنِيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادًا لها ظل، ثم جعلت أصنامًا وعبدت مع الله تعالى، وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ [نوح، الآية (٢١ - ٢٤)].
وبيّن في موضعٍ آخر أنّ تدرجه كان خطوةً خطوةً:
١ - ألقى إليهم أنَّ البناء على القبور والعكوف عليها من محبة الصالحين
стр. 221
وتعظيمهم، وأنَّ الدعاء عندها أرجى في الإجابة، حتى تقرر ذلك عندهم.
٢ - بعد ذلك نقلهم إلى الإقسام على الله بها والدعاء بها، وهذا أعظم من الذي قبله؛ فإنَّ شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه.
٣ - ولما تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى دعائه وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنًا يعبد ويعكف عليه ويطاف ويذبح عنده وغير ذلك.
٤ - ونقلهم إلى معاداة من نهى عن الشرك؛ بحجة أنَّهم حطّوا من منزلة هؤلاء الأولياء، فنفروا الناس عنهم وعادوهم، وهذا في السابق ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ … ﴾ وهو موجود إلى الآن (١).
(٣) حديث عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْد، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ».
والإطراء: المبالغة في المدح ومجاوزة الحدّ فيه.
وسبق بيان غلو النصارى في إطراء عيسى ﵈ حتى ادعوا له الألوهية.
فنهى النبيّ ﷺ أتباعه عن إطرائه ﷺ كما وقع من النصارى، وأعقب ذلك ببيان منزلته الحقيقة، حين قال: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ … » ليس لي في الربوبية حقٌّ، بل أنا عبدٌ، والعبد من شأنَّه أنَّه لا يملك ولا يتصرف في أمر سيده، وكل الخلق عبادٌ لله.
ثم طلب منهم ﷺ التوازنَ والتوسط في حقه، بلا إفراط ولا جفاء، فقال: «فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» فيصفوه بالعبودية، ولا يرفعوه فوق ما جعله الله
стр. 222
له، ولا يجفون في حقه، بل يجمعوا بين الوصفين: عبد الله، ورسوله.
ومناسبة الحديث للباب: أنَّه ما أوقعَ النصارى فيما وقعوا فيه إلّا الغلو في عيسى ﵈، ولذا حرص النبيّ ﷺ على التحذير مما وقعوا فيه من الغلوّ حتى لا نضلَّ كما ضلّوا.
والعجيب أنَّ عُبّاد القبور ناقضوا هذا، واعتقدوا أنَّ من اكتفى بوصف النبيّ ﷺ بأنَّه عبدُ الله، وأنَّه لا نفع بيده ولا ضرّ، فقد جفا في حقّه، وأنقص من قدره، ولذا فهم رفعوه فوق منزلته فَضَلّوا بذلك، كما هو مشهور في تعظيمهم لقبره وحلفهم به وتوسلهم به، بل ودعائهم إيّاه، وكم أفاض شعراء الصوفية في تعظيم النبيّ ﷺ ، وذاك باعتقادهم قربة، وهو عين ما نهى عنه ﷺ من الغلو فيه وإطرائه، وأمثل هنا بمثالين:
المثال الأول: محمد بن سعيد البوصيري (ت ٦٩٥ هـ) في الاسكندرية، وله قصيدة شهيرة يحفظها كثير من المتصوفة تسمى البردة، يقول في بعض أبياتها:
فإن لي ذمةً منه بتسميتي … محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذًا بيدي … فضلًا فقل يا زلة القدم
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به
وقال:
فإن من جودك الدنيا وضرتها … سواك عند حلول الحادث العَمِمِ
ومن علومك علم اللوح والقلم
إلى أن قال:
ما سامني الدهرُ ضيمًا واستجرتُ به … إلا ونلت جوارًا منه لم يُضم (١)
стр. 223
المثال الثاني: عبد الرحيم البرعي اليماني، له قصيدة، من أبياتها:
يا سيدي يا رسول الله، يا أملي … يا موئلي، يا ملاذي، يوم تلقاني
وقوله:
سيد السادات من مضر … غوث أهل البدو والحضر
وهذا من أثر الغلو، الذي وقع من هؤلاء في حق النبيّ ﷺ ، وليس ذاك- واللهِ- بتعظيمٍ له، وإنما يتحقق تعظيمه بأن يسلك تجاهه ما سلكه أصحابه ﵃.
(٤) قال ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ».
والحديث جزء من حديث ابن عباس ﵄ عند النسائي وغيره، ولفظه: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ هَلُمَّ الْقُطْ لِي، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصياتٍ هُنَّ حَصى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ».
والحديث فيه النهي عن الغلو والتحذير منه، وهو وإن كان قد ورد في سببٍ خاصٍ-وهي حصى الجمار-، إلا أنَّه عامٌ في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، قال ابن تيمية: «ودين الله وسطٌ بين الغالي والجافي» (١).
٥) عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ- قَالَهَا ثَلَاثًا».
التنطع: التعمق والتكلف، وهو مذمومٌ سواء في القول بالتقعر في إظهار الفصاحة، أو في الفعل بأن يزيد في العبادة على الحد المشروع، كما قال
стр. 224
الصحابي: « … وأَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ … » (١)، ومن ذلك التنطع في حبّ الصالحين.
وعلى كل حال: فمناسبة الحديث للباب: أنَّ فيه النهيَّ عن الغلوّ من وجهين:
١. التحذير منه والنهي عنه في قوله: «إِيَّاكُمْ».
٢. بيان أنَّه سبب هلاك الأمم السابقة.
* خلاصة الباب: أنَّ الغلوَّ ومجاوزة الحد هي سبب الوقوع في الشرك؛ ولذا حذّر منه النبيّ ﵇، وأنَّ الدين وسط بين الغالي والجافي.
стр. 225
٢٠ - باب ما جاء من التغليظ فيمن
عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟
في الصحيح عن عائشة: «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اَلله ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ اَلْحَبَشَةِ، وَمَا فِيهَا مِنْ اَلصُّوَرِ، فَقَالَ: أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمْ اَلرَّجُلُ اَلصَّالِحُ أَوْ اَلْعَبْدُ اَلصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ اَلصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ اَلْخَلْقِ عِنْدَ اَلله» (١)، فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما، عنها، قالت: «لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اِغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اَللَّهُ عَلَى اَلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا». أخرجاه (٢).
ولمسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اَلله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ اِتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا
стр. 226
لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» (١).
فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنَّه لعن -وهو في السياق- من فعله، والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد، وهو معنى قولها: «خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»، فإنَّ الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وكلُّ موضع قُصِدَت الصلاةُ فيه فقد اتُخِذَ مسجدًا، بل كل موضع يُصلى فيه يسمى مسجدًا، كما قال ﷺ : «جُعِلَتْ لِيَ اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٢).
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ اَلنَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ اَلسَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ» (٣)(٤).
стр. 227
(الشرح)
الكلام على الباب في ستّ مسائل:
المسألة الأولى: المقصود بالباب والمراد منه: لمّا كان سبب كفر بني آدم هو غلوهم في الصالحين، وكان قد بيّن في الباب السابق ذمَّ الغلو، أراد أن يُنَوِّعَ التحذيرَ من الافتتان بالقبور، وأخرجه في بابٍ آخر ليكون أبلغ في الترهيب، فعقد هذا الباب، ليقرِّرَ أنَّه إذا كانت عبادةُ الله عند قبرٍ فيها تشديدٌ ونهيٌ، لِما في ذلك من الغلو، فما بالُكَ بمن يعبد نفسَ صاحبِ القبر ويدعوه، لا شك أنَّه أعظم.
المسألة الثانية: ورد في النصوص ما يدل على أنَّ بِناء الأبنية على القبور، واتخاذ مواضعها للعبادة مُحَرّمٌ، وهو صنيعُ شِرارِ الخلق، وقد جاء الشرع بالنهي عن ذلك سدًّا لذريعة تعظيمها التي توصل إلى الشرك بها وعبادتها.
стр. 228
* وقد ساق المصنف مستدلًا لهذا المعنى ثلاثة أحاديث:
(١) حديث عائشة ﵂ في ذكر الكنيسة التي رأتها أم سلمة بأرض الحبشة، ووصفتها بأنَّها كان فيها تصاوير لأناس، ويظهر أنَّ هذا التصاوير هي صورُ أقوامٍ صالحين، كما أفاد ذلك كلام النبيّ ﷺ بعد ذلك، فجاء تعليقه ﷺ بأنَّ الذين صنعوا هذا هم شرارُ الخلق عند الله، ووصْفُهُمْ بهذا الوصف يقتضي تحريمَ فعلهم، بل سيأتي في الحديث الآخر: «لَعْنَةُ اَللَّهُ عَلَى اَلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى … » وهذا سدٌّ لذريعة الشرك.
ثم ذكر المصنف كلامًا لابن تيمية معلقًا على الحديث، وهو قوله: «فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل»، ومضمون كلام الشيخ، أنَّ هؤلاء الذين بنوا على الكنيسة جمعوا بين فتنتين:
أ- فتنة القبور: بتعظيمهم لها وبناءِ المساجد عليها، وهي مبدأ الفتنة كما تقدم.
ب- فتنة التماثيل: أي الصور، وهي سبب وقوع قوم نوح في الشرك كما تقدم.
وإنما سمى ذلك فتنة: لأنَّها سببٌ لصدِّ الناس عن دينهم، وكل ما كان كذلك فهو من الفتنة، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين.
• ومن هنا تعلم: العلّةَ من النهي عن اتخاذ المساجد والأبنية على القبور، وهو سدُّ ذريعة الشرك بعبادتها، فحسم الأمر، بل حرَّم الصلاة في المقبرة.
فإن قيل: إنَّ النهيَ الواردَ هو عن بناء المساجد على القبور، أي: فوقها، لكن لو بني المسجد بجوار قبر ولي، فلا حرج؛ لأنَّ النهي لا يشمله، إذ هو مقيد ب «على»
стр. 229
حيث قال في الحديث: «بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» فيجوز بجنبها، فكيف الجواب؟
* الجواب من وجهين:
أ. أنَّ هذا كلام من لا يعرف العربية، فإن (على) تأتي على معانٍ، منها (عند) ويدل لها نصوص، كقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج، الآية (٦)]. أي: عندها، ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة، الآية (٨٤)]. وليس مراده لا تقم فوقه، وكذا: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة، الآية (٢٥٩)]. إلى غيره من النصوص.
ب. جاءت ألفاظ أخرى فيها التحذير من اتخاذ الأبنية على القبور، كاللعن في الحديث القادم، وهذه تعضد حديث الباب.
(٢) حديث عائشة قالت: «لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اِغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اَللَّهُ عَلَى اَلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ … ».
فلما لعنهم النبيّ ﷺ علّل اللعن بقوله: «اتَّخَذُوا قُبُورَ … » أي: بنوا عليها أماكن يتعبدون عندها لله، وإن لم تُسَمَّ مساجد.
• وعلى هذا: فمن بنى على قبور الصالحين بناءً، وميّزه به عن غيره، فهو داخلٌ في هذا الأمر.
ومِثلُه من بنى مسجدًا على القبر، قال ابن تيمية: «فهذه المساجدُ المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوكِ وغيرهم، يتعيّنُ إزالتها بهدمٍ أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين» (١).
стр. 230
والتغليظُ يؤخذ من الحديث من أوجه:
١. لعنُ النبيّ ﷺ من فعل هذا.
٢. أنَّه قال: «قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ … » فإذا كان اللعنُ في حقّ مَنْ وضع البناء على قبر النبيّ ﷺ فلعن غيره -ممن وضع ذلك على قبور من دونهم- أولى.
٣. أنَّ هذا الكلام منه ﷺ كان في شدة النزع وعند الموت، مع ما سبق من النهي عن ذلك تأكيدًا للأمر، والمرء عند الموت سيؤكد على أهم الأشياء عنده.
(٣) حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ اَلنَّاسِ: مَنْ تُدْرِكُهُمْ اَلسَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ».
وقد بيّن النبيّ ﷺ أنّ الناس يتفاوتون في الشرّ، وأن من شِرار الناس صنفين:
أ- من تقوم عليهم الساعة، ولا يعارض هذا حديث: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي … إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (١)؛ لأن المراد به، أن الطائفة المنصورة تبقى إلى قرب قيام الساعة، ثم بعد ذلك يقبضهم الله، ويبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة.
ب- الذين يتخذون القبور مساجد.
المسألة الثالثة: النبيّ ﷺ لم يدفن في المقبرة، بل دفن في حجرته، يدل لذلك قولها ﵂: «وَلَوْلَا ذَلِك؛ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ
стр. 231
مَسْجِدًا».
وفي هذه الجملة بيانُ سببِ دفنِ النبيِّ ﷺ في حجرته، وعدم إبرازه للناس، وأنَّ ذلك لأمرين:
أ) أنَّه أصْوَنُ له من دفنه مع الناس، حيث لو وقع ذلك لغلا البعضُ في قبره.
ب) لإخباره ﷺ أنَّه ما قُبِضَ نبيٌ إلّا دُفِن حيث قُبِض.
وإذا كان النهيُ للمسجد الذي يصلى فيه لله، وعند قبر النبيّ ﷺ ، فما بالك بمن يقيم حول القبور والأضرحة مساجد وقُببًا يصلي فيها، ويطوف عليها، ويدعو الميت مباشرة أن يشفع له أو يفرج عنه، والله المستعان.
فإن قيل: كيف يجاب عن وضع قبر النبيّ ﷺ في المسجد، وهذا كان منذ القدم ولم ينكره العلماء؟ أوليس هذا السكوتُ دليلًا على جواز جعل القبور في المساجد؟
* الجواب من أوجه:
١ - أنَّ القبر جُعِلَ في بيته ﷺ ، ولعل ذلك لئلا يكون بارزًا للعوام، فيفتن به الجهال.
٢ - أنَّ المسجد كان موضوعًا قبل القبر، فلم يُبن المسجد على القبر.
٣ - أنَّ القبر لم يكن في المسجد، بل إنَّ الصحابة لما احتاجوا إلى توسعة المسجد في عهد عمر ﵁ تحاشوا إدخال حجرات النبيّ ﷺ ، وأخذوا بيت العباس وهو بجوارها، وكذا عثمان ﵁ لم يدخل الحجرات في المسجد حين وسعه.
٤ - أنَّ إدخال حجرات أمهات المؤمنين في المسجد وقع في خلافة الوليد
стр. 232
بن عبد الملك، وقيل: إنَّ ذلك بعد التسعين، ولم يكن بقي من الصحابة بالمدينة أحد، وآخر من مات بالمدينة جابر بن عبد الله في خلافة عبد الملك.
٥ - أنَّه قد أنكر على الوليد بعضُ كبار التابعين، ومن أشهرهم: سعيد بن المسيب أفضل التابعين، وقد أخطأ الوليد في ذلك، وفعل ذلك من غير مشاورة للعلماء.
٦ - أنَّ وضعَ القبرِ الآنَ في حجرة مستقلة منعزلة عن المسجد، ومع ذلك بُنِيَ على طريقةٍ لا يقدر فيها أحدٌ أن يستقبله، إذ بُنِيَ على ثلاثةِ جُدران، وفي هذا قال ابن القيم: ودعا بأن لا يجعل القبر الذي قد ضمّه وثنًا من الأوثان
فأجاب ربُّ العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران (١).
المسألة الرابعة: ورد في الباب ما يدل على النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وهو حديث جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اَلله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ؛ فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ اِتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».
وقوله: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اَلله»: أي أمتنع من هذا وأُنْكِرُه، وأتخلى عن أن يكون لي منكم خليل.
والخليل: الذي يبلغ في الحبّ غايته؛ لأنَّ حُبَّهُ قد تخلّل الجسم كلّه، وهي أعلى درجات المحبة، كما عددها ابن القيم وغيره (٢).
стр. 233
قال ابن القيم: «وأما ما يظنه بعض الغالطين من أنَّ المحبة أرفعُ وأكملُ من الخلة، وأن إبراهيمَ خليلُ الله، ومحمد حبيب الله، فمن جهلهم؛ فإن المحبة عامة، والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة» (١).
* ويدل لذلك: أنَّ النبيّ ﷺ أخبر أنَّه لم يتخذ خليلًا، ومع ذلك أخبر بحبه عائشة ولأبيها ولعمر، والله يحب التوابين، أما الخلّة فهي خاصةٌ بالخليلين.
• وعلى هذا: فمحمد خليل الله، وحبيب الله، وكليم الله.
والحكمة من عدم اتخاذ النبيّ خليلًا له من الخلق: «لأن قلبه ﷺ قد امتلأ بما تخلله من محبة الله تعالى وتعظيمه، فلا يسع لِمُخالَّةِ غيرِه» (٢).
والشاهد فيه قوله: «أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».
وفي هذا الحديث المنع من اتخاذ القبور مساجد، من ثلاثة أوجه:
أ- ذمُّ ما فعله أهل الكتاب.
ب- قوله: «لَا تَتَّخِذُوا».
ج- «فإني أنهاكم عن ذلك» وهو توكيد.
وهذا النهى عن اتخاذ القبور مساجد يشمل:
أ. اتخاذها مصليات يصلى عندها، وإن لم يبن مسجدًا.
ب. أن يبني عليها مسجدًا كما فعل اليهود والنصارى، وكما وقع من
стр. 234
البعض الآن (١).
المسألة الخامسة: أهل العلم يقررون أنَّ النهي عن اتخاذ القبور مساجدَ أوسعُ مِنْ البناء عليها، بل جعل هذه البقعة موضعًا للعبادة يدخل في اتخاذها مسجدًا، يُفهَمُ هذا من كلام ابن تيمية الذي ذكره المصنف، ونصّه: «فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم أنَّه لعن -وهو في السياق- مِنْ فعله، والصلاةُ عندها من ذلك وإن لم يبن مسجدًا» (٢)، وهو معنى قولها: «خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»، فإنَّ الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبرِه مسجدًا، وكل موضعٍ قُصِدت الصلاةُ فيه فقد اتُخِذَ مسجدًا، بل كل موضعٍ يُصلى فيه يسمى مسجدًا، كما قال ﷺ : «جُعِلَتْ لِيَ اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
ومضمون كلام شيخ الإسلام: أن كل موضعٍ قَصدت أن تصلي فيه وتسجد فيصح أن يسمى مسجدًا، بل كل موضع صلّيت فيه فهو في حقيقة الأمر مسجدٌ، قال العثيمين: «وهذا يشهد له العرف، فإنّ الناس الذين لهم مساجد في أعمالهم كالوزارات والإدارات، لو سألت أحدهم أين المسجد؟ لأشار إلى المكان الذي اتخذه مصلى مع أنَّه لم يبنَ فيه» (٣).
ثم ساق ابن تيمية حديث: «جُعِلَتْ لِيَ اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا … » ليستدل به على أنَّ المكان الذي يصلى فيه يسمّى مسجدًا، سواء قصد أو لم يقصد، بني عليه أو لا.
стр. 235
المسألة السادسة: في حديث عائشة أنَّ أم سلمة ذكرت كنيسةً رأتها بأرض الحبشة، وقد اختلف العلماء في حكم دخول الكنائس.
* والخلاصة في دخول الكنيسة أن يقال:
١. أما دخولها للعبادة: فإن كان لعبادة الله فيجوز، وقد صلى الصحابة في كنيسة، قال البخاري: «كان ابن عباس يصلي في بيعة إلا بيعة فيها تماثيل» (١) إلّا أنَّه يجب أن تخلو من المحاذير وهي الصور والقبور.
٢. وأما دخولها للدعوة: فهو جائز، بل مشروع.
٣. وأما دخولها لغير ما سبق: ففيه خلافٌ على أقوال ثلاثة:
القول الأول: التحريم، وهو قول الحنفية والشافعية، إلّا أنَّ الشافعية قيدوا التحريم بما إذا وجد فيها صور.
القول الثاني: الكراهة: وهو قولٌ في مذهب الحنابلة، وذكر ابن تيمية أنَّ الكراهة إذا كان فيها صورٌ؛ لِما رود عن عمر ﵁، أنَّه لما قدم الشام صنع له رجل من عظماء النصارى طعامًا، فقال: «إنا لا ندخل كنائسكم، من الصور التي فيها» (٢).
القول الثالث: الجواز، وهو المشهور من مذهب الحنابلة: واختاره ابن حزم.
وقالوا: تقع حرمة الصور على من صورها، وقد نقل ابن قدامة: «أن عمر
стр. 236
حين دعاه الرجل من النصارى للطعام في الكنيسة أبى أن يذهب، وقال لعلي ﵁ امضِ بالناس فليتغدوا، فذهب علي ﵁ بالناس، فدخل الكنسية وتغدوا هو والناس، وجعل ينظر إلى الصور، وقال: ما على أمير المؤمنين لو دخل فأكل» (١).
والذي يظهر أن الأولى للإنسان أن لا يدخلها لما فيها من الصور التي تمنع من دخول الملائكة، ولقول عمر ﵁: «لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم، فإن السخطة تنزل عليهم» (٢)، ولو قيل بالكراهة من غير حاجة فله وجه، والله أعلم.
* خلاصة الباب: تتبين بكلام الشيخ السعدي ﵀ حيث قال: ما ذكر المصنف في البابين يتضح بذكر تفصيل القول، فيما يفعل عند قبور الصالحين وغيرهم، وذلك أنَّه نوعان:
١ - مشروع. ٢ - ممنوع.
فالمشروع: ما شرعه الشارع من زيارة القبور على الوجه الشرعي.
والممنوع نوعان:
أ- محرمٌ ووسيلة للشرك: كالتمسح بها والتوسل إلى الله بأهلها والصلاة عندها، وكإسراجها والبناء عليها والغلو فيها، وفى أهلها إذا لم يبلغ رتبة العبادة.
ب- شركٌ أكبر: كدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم، وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، وهو شرك أكبر وعين ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم (٣).
стр. 237
٢١ - باب ما جاء أن الغلو في قبور
الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله
روى مالكٌ في الموطأ، أن رسول الله ﷺ قال: «اَللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اَللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اِتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (١).
ولابن جرير بسنده، عن سفيان، عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم، الآية (١٩)]. قال: «كَانَ يَلُتُّ لَهُمْ اَلسَّوِيقَ، فَمَاتَ، فَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ» (٢).
وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: «كَانَ يَلُتُّ اَلسَّوِيقَ لِلْحَاجِّ» (٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ اَلْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ
стр. 238
عَلَيْهَا اَلْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» (١)(٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: أراد المصنف بالباب أمورًا:
١ - التحذير من الغلو في قبور الصالحين، وهي داخلةٌ فيما سبق، لكنها خُصَّتْ لأهميتها، وعِظَمِ خطرها وكثرةِ الضلال فيها.
٢ - بيان أنَّ الغلو فيها يؤول بالناس إلى عبادتها.
٣ - بيان أنَّها إذا عُبِدت سُمِّيت أوثانًا، ولو كانت قبور الصالحين؛ لأن الوثن كلُ ما عُبِدَ من دون الله من قبرٍ أو حجر أو شجر.
المسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب ما يدل على أنَّ اتخاذ القبر مسجدًا يجعله وثنًا يُعبد، وفي الباب قوله ﷺ : «اَللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اَللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اِتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
стр. 239
فدل على أنَّ قبر الرسول لو عُبِد لكان وثنًا كما قال: «وَثَنًا يُعْبَدُ» وإذا كان هذا في قبر النبيّ ﷺ ، فما ظنك بغيره من القبور التي يدعوها ويعبدها الناس، لا شك أنَّها صارت بذلك أوثانًا.
المسألة الثالثة: ورد في الباب ما يدل على أنَّ سبب عبادة أهل القبور لهؤلاء هو غلوهم فيهم، حتى أوصلهم ذلك لأن يعبدوهم من دون الله.
وقد ذكر في الباب كلام مجاهدٍ ﵀ على قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم، الآية (١٩)]. قال: «كان يَلُتُّ لهم السويقَ فمات، فعكفوا على قبره».
فسببُ عبادةِ اللاتِ هو الغلوُ في قبره حتى صار وثنًا يُعبد، وحتى صار ذلك هو السبب في وقوع الشرك في قوم نوح، واليوم ترى من الأمة من يغلو في الأموات ويبني عليهم القباب والمشاهد ونحوها.
المسألة الرابعة: أنَّه ﷺ نهى عن كل ما يكون سببًا لتعظيم القبور، ومن ذلك جعلُ السُرُجِ عندها، وكذا تجصيصُها والبناءُ عليها؛ لِما يوقع ذلك من تعظيمها في نفوس بعض العامة.
وقد ساق في الباب حديث ابن عباس ﵄ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ اَلْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا اَلْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ».
قال ابن قدامة: «لو أُبيح اتخاذُ السُرُجِ عليها لم يُلعَنْ مَنْ فَعله؛ لأن فيه تضييعًا للمال على غيره، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام» (١).
وقال ابن تيمية: «بناء المسجد، وإسراج المصابيح على القبور، مما لم أعلم
стр. 240
فيه خلافًا أنَّه معصية لله ورسوله «(١)، وقال: «إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقًا، لا يجوز بلا خلاف أعلمه، للنهي الوارد» (٢).
ومن تأمّل سنّة المصطفى ﷺ وجد أنّه ضبط أمرَ القبورِ بسياجٍ منيعٍ؛ كي لا يقعَ الناسُ في الغلوّ فيها، ومع هذا فقد خالف كثيرٌ من الناس ما أُمِرَ به في هذا الباب، قال ابن القيم: «ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادًا للآخر، مناقضًا له، بحيث لا يجتمعان أبدًا.
فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها.
ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد، مضاهاةً لبيوت الله تعالى.
ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها.
ونهى أن تتخذ أعيادًا، وهؤلاء يتخذونها أعيادًا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.
وأمر بتسويتها، وهؤلاء يرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب
ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، ونهى عن الكتابة عليها، وهؤلاء يتّخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره» (٣).
стр. 241
المسألة الخامسة: دعى النبيّ ﷺ وقال: «اَللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»، وقد استجاب الله دعاء نبيه في هذا.
قال ابن تيمية: «وقد استجاب الله دعوته، فلم يُتَّخَذَ ولله الحمد وثنًا، كما اتُخِذَ قبرُ غيره، بل ولا يتمكن أحدٌ من الدخول إلى حجرته بعد أن بنيت الحجرة، وقبل ذلك ما كانوا يمكِّنون أحدًا من أن يدخل إليه ليدعو عنده، ولا يصلي عنده، ولا غير ذلك مما يفعل عند قبر غيره، لكن من الجهَّال من يصلي إلى حجرته أو يرفع صوته أو يتكلم بكلام منهي عنه، وهذا إنما يُفعَلُ خارجًا عند حجرته لا عند قبره، وإلا فهو- ولله الحمد- استجاب الله دعوته، فلم يمكن أحدٌ قطُ أن يدخل إلى قبره فيصلي عنده أو يدعو أو يشرك به، كما فُعِلَ بغيره، اتخذ قبره وثنًا، فإنَّه في حياة عائشة ﵂ ما كان أحدٌ يدخل إلّا لأجلها، ولم تكن تمكّن أحدًا أن يفعل عند قبره شيئًا مما نهى عنه، وبعدها كانت مغلقة، إلى أن أدخلت في المسجد، فسدّ بابها وبني عليها حائط آخر، كل ذلك صيانةً له ﷺ أن يتخذ بيته عيدًا وقبره وثنًا» (١).
* خلاصة الباب: أنَّ الغلوَ ومجاوزةَ الحدِّ تجاه القبور والأولياء قد يوصل الإنسان إلى أن يتخذها معبودةً من دون الله، والمشروع تجاه القبور هو أمور:
١. زيارتها للاتعاظ والاعتبار، كما فعل النبيّ ﷺ .
٢. الدعاء للمسلم منهم، كما فعل النبيّ ﷺ مع أهل أحد، وغيرهم.
٣. عدم وضع أي شيء من شأنه تعظيم المقبور، كأنوار وسرج وبنيان وستور وقباب، ونحو ذلك.
стр. 242
٢٢ - باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ -
جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك
وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة، الآية (١٢٨)].
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي، عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» (١).
وعن علي بن الحسين: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةً كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ لَيَبْلُغُنِي أَيْنَ كُنْتُمْ» (٢)(٣).
стр. 243
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بهذه الترجمة: ما سبق من الأبواب كلها في حماية النبيّ ﷺ للتوحيد، لكنه في هذا الباب أراد أن يبيّن حمايته الخاصة للتوحيد، وما كان عليه ﷺ من التحذير من الشرك وحماية التوحيد، فذكر في الباب نصوصًا تبين هذا الهدي من النبيّ ﷺ ، وأنَّه حريص على أن يحمي الأمة من كل أمرٍ قد يَدخلُ عليهم الشرك من قِبَله، وذلك ناشئ من تعظيمه لربه أن يُشْرَكَ به، ومِن رحمته بالأمة أن لا تزلّ بهم القدم في مهاوي الشرك.
المسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة، الآية (١٢٨)].
والمعنى: أنَّ الله يقول ممتنًّا على الأمة: إني أرسلتُ إليكم رسولًا عربيًا من جنسكم، يخاطبكم بلسانكم، وأيضًا هو من خالص العرب، فلم يُصِبهُ مِنْ ولادة الجاهلية شيء، يشقّ عليه ما يشقّ عليكم، ولهذا بُعِث بالحنيفية السمحة، وكانت شريعته أسمح الشرائع في العمل، وكان يترك أمورًا لئلا يشق على أمته.
стр. 244
• والشاهد: أن الله بين في الآية بعض أوصاف النبيّ ﷺ ، ومحاسنه التي تقتضي أنَّه ينصحُ لأمته، ويسدُّ الطُرُقَ الموصلة إلى الشركِ لئلا تقع الأمة في ذلك.
المسألة الثالثة: مِنْ حرصه ﷺ على إغلاق بابِ الشرك نهيُه أن يُتَّخَذَ قبرُه عيدًا، وقد ورد في الباب حديثان يدلان على هذا:
١) حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ».
وقوله: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا»: ذكر ابن تيمية أنَّ في هذه الجملة فائدتين:
أ. النهي عن تعطيل الصلاة في البيوت؛ لئلا تشبه القبور، فأمر بتحري العبادة فيها.
ب. النهي عن الصلاة عند القبور، وبيان أنَّ القبور لا يتعبد فيها وعندها، فإذا كان النبيّ ﷺ شبّه البيت الذي لا يصلى فيه بالقبر، ففيه أن القبر لا يتعبد عنده.
وقوله: «وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ»: العيد: اسم لما يعود ويعتاد فعله، قال ابن القيم: «العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان … » (١) ا. هـ.
ففيه: أنَّ النبيّ ﷺ نهى عن زيارة قبره على وجه مخصوص، واجتماع كالعيد الذي يكون على وجه مخصوص، فيكون قبره مكانًا يجتمع فيه للعبادة.
قال العثيمين: «أي: لا تترددوا على قبري، ولا تعتادوا ذلك، سواء قيدوه
стр. 245
بالسنة أو الشهر أو الأسبوع، فإنَّه نهى عن ذلك، إنما يزار لسبب، كما لو قدم من سفر أو زاره ليتذكر الآخرة» (١).
فأما زيارة قبره ﷺ بدون شدِّ رحل، وبدون غلوٍ فيه وعبادةٍ عنده فتجوز.
• والشاهد: أنَّ في الحديث حماية النبيّ ﷺ لجناب التوحيد فيما يتعلق بقبره وغيره من جوانب:
١. بيان أنَّ القبر موضع لا يتعبد لله عنده. ٢. نهيه أن يجعل قبره عيدًا.
٣. بيان أنَّه ليس للصلاة عليه عند قبره خاصّية، بل إذا قصد القبر للصلاة عليه فهذا منهي عنه، إنما يقصد للسلام عليه بدون شدِّ رحلٍ، ويصلي عليه إذا قدم للمدينة بلا سفر؛ لأجل ذلك إذا صليت عليه في أي موضع بلغه.
٢) ما أورده عن علي بن الحسين: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةً كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا».
وهذا الرجل كان يكرر المجيء إلى هذا الموضع، وذلك إما لاعتقاده أنَّ له فضلًا ومزية، أو بدون هذا الاعتقاد، ولكنه تردد على قبر النبيّ ﷺ ليصلي عليه ويدعو عنده ربه، لكن هذا من وسائل الشرك، ويفتح بابًا إلى الشرك، فنهاه علي بن الحسين، وبيّن له أنّ صلاته على النبيّ ﷺ تبلغه أينما كان.
وفيه أيضًا: الإنكار على من يأتي ويدعو عند قبر النبيّ ﷺ (٢).
стр. 246
٢٣ - باب ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء، الآية (٥١)]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ
(الشرح)
عقد المصنّف هذا الباب، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الباب للتوحيد: أراد المؤلف بهذا الباب أن يذكر ما ورد في النصوص أنَّ الشرك سيقع في الأمة، وسيعود بعضهم إلى عبادة الأوثان.
وهذا الأمر فيه ردٌّ على من زعم -من خصوم الشيخ وغيرهم- أنَّ الشرك لا يقع في هذه الأمة، وأنَّ ما يكون من عبّاد القبور ليس من الشرك؛ لأنَّ الأمة معصومةٌ منه بحديث: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (١).
المسألة الثانية: استدل المصنّف لهذا المعنى بآياتٍ وأحاديث:
(١) قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء، الآية (٥١)].
* وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الِجبْتُ: عامٌ لكل صنمٍ أو سحرٍ أو كهانة ونحوها.
والطاغوت: ما تجاوز به العبدُ حدّه مِنْ معبودٍ كالأصنام، أو متبوعٍ كعلماء الضلال، أو مُطاعٍ كالأمراء إذا كانت طاعتُهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام.
ومناسبة الآية للباب: أنَّ اليهودَ والنصارى مع أنَّهم أوتوا نصيبًا من الكتاب آمنوا بالجبت والطاغوت، وهذه الأمةُ التي قال النبيّ ﷺ عنهم «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ
стр. 250
مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» سيكونُ فيهم من يَكفُر، ويتبعُ سَنن من قبلهم، ويؤمنُ بالجبت والطاغوت.
(٢) قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة، الآية (٦٠)].
* وقوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود -الذين ذمّوا دينكم، وقالوا: لم نَرَ أهل دين شرًّا منكم- هل أنبئكم بِشَرٍّ جزاءً وثوابًا عند الله مما تظنونه بنا؟ هم أنتم الموصفون بهذه الصفات المذمومة في الآية.
ومناسبة الآية للباب: أنَّه إذا كان في أهل الكتاب من عبد الطاغوت، فلابد أن يكون في هذه الأمة من يتشبه بهم ويعبد الطاغوت؛ لأنَّه ﷺ قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ … ».
(٣) قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف، الآية (٢١)].
أي: قال الذين اطلعوا على أمر أصحاب الكهف، وغلبوا على أمر القوم من السلاطين وأصحاب النفوذ: سنتخذ في موضع أصحاب الكهف مسجدًا نعبد الله فيه.
ومناسبة الآية للباب: كما في سابقتها، أنَّ الله بيّن أن من سبقنا بنوا على القبور مساجد، وهذه الأمّة ستفعل ما فعلوا، وقد وقع، فقد بُنِي على القبورِ مساجد ووقع الشرك في الأمة.
وأما الأحاديث فأولها: حديث أبي سعيد ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ اَلْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ قَالُوا يَا