(الشرح)
عقد المصنّف هذا الباب، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الباب للتوحيد: أراد المؤلف بهذا الباب أن يذكر ما ورد في النصوص أنَّ الشرك سيقع في الأمة، وسيعود بعضهم إلى عبادة الأوثان.
وهذا الأمر فيه ردٌّ على من زعم -من خصوم الشيخ وغيرهم- أنَّ الشرك لا يقع في هذه الأمة، وأنَّ ما يكون من عبّاد القبور ليس من الشرك؛ لأنَّ الأمة معصومةٌ منه بحديث: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (١).
المسألة الثانية: استدل المصنّف لهذا المعنى بآياتٍ وأحاديث:
(١) قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء، الآية (٥١)].
* وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الِجبْتُ: عامٌ لكل صنمٍ أو سحرٍ أو كهانة ونحوها.
والطاغوت: ما تجاوز به العبدُ حدّه مِنْ معبودٍ كالأصنام، أو متبوعٍ كعلماء الضلال، أو مُطاعٍ كالأمراء إذا كانت طاعتُهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام.
ومناسبة الآية للباب: أنَّ اليهودَ والنصارى مع أنَّهم أوتوا نصيبًا من الكتاب آمنوا بالجبت والطاغوت، وهذه الأمةُ التي قال النبيّ ﷺ عنهم «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ
стр. 250
مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» سيكونُ فيهم من يَكفُر، ويتبعُ سَنن من قبلهم، ويؤمنُ بالجبت والطاغوت.
(٢) قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة، الآية (٦٠)].
* وقوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود -الذين ذمّوا دينكم، وقالوا: لم نَرَ أهل دين شرًّا منكم- هل أنبئكم بِشَرٍّ جزاءً وثوابًا عند الله مما تظنونه بنا؟ هم أنتم الموصفون بهذه الصفات المذمومة في الآية.
ومناسبة الآية للباب: أنَّه إذا كان في أهل الكتاب من عبد الطاغوت، فلابد أن يكون في هذه الأمة من يتشبه بهم ويعبد الطاغوت؛ لأنَّه ﷺ قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ … ».
(٣) قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف، الآية (٢١)].
أي: قال الذين اطلعوا على أمر أصحاب الكهف، وغلبوا على أمر القوم من السلاطين وأصحاب النفوذ: سنتخذ في موضع أصحاب الكهف مسجدًا نعبد الله فيه.
ومناسبة الآية للباب: كما في سابقتها، أنَّ الله بيّن أن من سبقنا بنوا على القبور مساجد، وهذه الأمّة ستفعل ما فعلوا، وقد وقع، فقد بُنِي على القبورِ مساجد ووقع الشرك في الأمة.
وأما الأحاديث فأولها: حديث أبي سعيد ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ اَلْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ قَالُوا يَا
стр. 251
رَسُولَ اَللَّهِ! اَلْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟».
وهذا إخبارٌ من النبيّ ﷺ وهذه معجزةٌ من معجزاته، أنَّ الناس سيتبعون سَنن وطريقَ اليهود والنصارى، حتى لو دخلوا جُحر ضبٍّ لدخلوه معهم.
وإنما شبّه بجحر الضب؛ لصعوبته وضيقه وتعرجه، ومع ذلك تحصل المتابعة لهم، وهذا لا يكون لجميع الأمّة، بل لأناس منها، لما تواتر أنَّ الأمة لا تجتمع على ضلالة.
ومناسبة الحديث للباب: كما في الآيات قبله، فقد أخبر النبيُّ ﷺ أنَّ في هذه الأمة مَنْ سيتابع الأمم السابقة في كل شيء، وقد وقع الشرك في الأمم السابقة، وعلى هذا سيوجد هذا في هذه الأمّة.
وثاني الأحاديث: حديث ثوبان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اَللَّهَ زَوَى لِيَ اَلْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ اَلْكَنْزَيْنِ اَلْأَحْمَرَ، وَالْأَبْيَضَ».
* وقوله: «إِنَّ اَللَّهَ زَوَى لِيَ اَلْأَرْضَ»: يحتمل أمرين:
أ- أنَّ الله قوّى له بصره حتى أبصر مشارق الأرض ومغاربها.
ب- أنّ الأرض جمعت له وطويت حتى رأى البعيدَ، وهذا أقربُ لظاهرِ اللفظ، وهو من معجزات النبيّ ﷺ .
قال القرطبي: «هذا الخبر وجد مخبره كما قال ﷺ ، وكان ذلك من دلائل نبوته ﷺ ، وذلك أنَّ ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى طنجة، الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق مما وراء خراسان والنهر، وكثير من بلاد السند والهند والصُغد، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال،
стр. 252
ولذلك لم يذكر أنَّه أريه ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه» (١).
* وقوله: «وَأُعْطِيتُ اَلْكَنْزَيْنِ اَلْأَحْمَرَ، وَالْأَبْيَضَ» قال القرطبي: «يعني به كنز كسرى وهو ملك الفرس، وكنز قيصرَ وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما، وقد قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (٢) وعبّر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأن الغالب عندهم الذهبُ، وبالأبيض عن كسرى؛ لأن الغالب عندهم الجوهر والفضة (٣).
* وقوله: «وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ» أي: الجدب الذي يكون به الهلاكُ العام، ويسمى الجدبُ والقحطُ سَنة، ويُجمع على سنين، ومنه قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾، أي: الجدب المتوالي.
* وقوله: «وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُّوا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ». دعا ربّه أن لا يسلّط على المسلمين عدوًا من غيرهم من الكفار، فيستأصل جماعتهم ومعظمهم وإمامهم ما داموا بهذه الأوصاف، ولو اجتمع عليهم من بأقطار الأرض حتى يقع منهم ما ذكر -أن يهلك بعضهم بعضًا-، فقد يُسلَّطون عليهم حينها.
* وقوله: «وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ» أي: إذا حكمتُ حكما مُبرمًا نافذًا أو معلقًا؛ فإنَّه لا يُرَدُّ بشيء، ولا يَقدِرُ أحدٌ على ردِّه، كما قال ﷺ : «وَلَا رَادَّ لِمَا قَضَيْتَ» (٤).
стр. 253
* وقوله: «وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُّوا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا»، أي: إذا وقع ذلك من المسلمين، فإنَّه قد يسلط الله عليهم عدوهم من الكفار، فيستبيح معظمهم لا كل الأمة، ثم تكون العاقبة للأمة إن رجعوا عما هم فيه من الأسباب الموجبة للتسلط، وقد وقعت هذه العلامة مرات، منها أيام التتار.
* وقوله: وزاد: «وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي اَلْأَئِمَّةَ اَلْمُضِلِّينَ» وهذا الأمر الذي خافه النبيّ ﷺ على الأمّة، وهو وجودُ الأئمة المضلين من علماء متبعين لأهوائهم، أو جهّال ينتصبون للناس على أنَّهم علماء، قد وُجِد، إذ وُجِد من العلماء من يفتي بضلالٍ، ويجيز للناس الذهاب إلى القبور، وغير ذلك، فأوهموا العامة وفتنوهم.
* وقوله: «وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِمْ اَلسَّيْفُ، لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ» لما وقع السيف بقتل عثمان ﵁ لم يُرفَع، وكذلك يكونُ إلى يوم القيامة، ولكن يكثُر تارةً ويقلُّ أخرى، ويكون في جهةٍ دون أخرى.
* قوله: «وَلَا تَقُومُ اَلسَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ» يحتمل أن يلحقوا بهم ببلادهم، أو يبقوا ببلاد المسلمين ويوافقوا الكفار في أفعالهم وعقائدهم.
* قوله: «وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي اَلْأَوْثَانَ» فيه الإخبار أنَّ الشرك سيقع في الأمّة، وقد وقع.
стр. 254
* قوله: «وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ، ثَلَاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ» والمراد: ممن تقوم لهم شوكة، وتبدو لأتباعهم شبهة، كما وقع لمسيلمة الكذاب في عهد النبيّ ﷺ ، وأما مطلقًا فلا يُحصون.
* قوله: «وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى اَلْحَقِّ مَنْصُورَةٌ» أي قائمةً بالعلم والجهاد والذبّ عن الدين، والمرادُ: العاملون بكتاب الله وسنّة نبيّهم ﷺ ، ولا يلزم منه أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، ولا في قُطرٍ واحد، بل يجوز اجتماعهم في بلد وقُطرٍ وجهةٍ، وافتراقُهم في بلدان وأقطار وجهات من الأرض.
* خلاصة الباب: أنّ النصوص دلت على أنَّه سيقع أقوام من هذا الأمة في الشرك، وهذا يفيدنا أمرين:
الأول: الحذر من الشرك ومن الوقوع فيه.
الثاني: أنَّ وقوع الشرك في هذه الأمة وارد، خلافًا لمن قال بأنَّ الشرك انتهى ببعثة النبيّ ﵈، وأنَّ الأمة معصومة منه.
*
стр. 255
٢٤ - باب ما جاء في السحر
وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة، الآية (١٠٢)]، وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء، الآية (٥١)].
قال عمر ﵁: «اَلْجِبْتُ: اَلسِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: اَلشَّيْطَانُ» (١).
وقال جابر ﵁: «اَلطَّوَاغِيتُ: كُهَّانٌ، كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ اَلشَّيْطَانُ، فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ» (٢).
وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «اِجْتَنِبُوا اَلسَّبْعَ اَلْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: اَلشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ اَلنَّفْسِ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ اَلرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اَلْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ اَلزَّحْفِ، وَقَذْفُ اَلْمُحْصَنَاتِ اَلْغَافِلَاتِ اَلْمُؤْمِنَاتِ» (٣).
стр. 256
وعن جندب ﵁ مرفوعًا: «حَدُّ اَلسَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (١).
وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ» (٢).
وصحّ عن حفصة ﵂: «أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا، فَقُتِلَتْ» (٣). وكذلك صحّ عن جندب، قال أحمد: «عن ثلاثة من أصحاب النبيّ ﷺ » (٤).
(الشرح)
هذا الباب من مهمات أبواب العقيدة، والكلام عليه في مسائل:
стр. 257
المسألة الأولى: تعريف السحر.
السحر في اللغة: عبارةٌ عما خفي ولَطُفَ سببه، أي: صار سببُ ذلك الشيء لا يقع بظهور، بل بخفاء، ولذا سمي آخرُ الليل سَحَرًا، قال ابن فارس: «هو إخراج الباطل في صورة الحق، ويقال هو الخديعة، وسَحَرهُ بكلامِه استماله بِرِقَّته وحُسنِ تركيبه» (١)، وقال الرازي: «ولفظ السحر في عُرفِ الشرع مختصٌ بكل أمرٍ يخفى سببه ويُتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع» (٢)
وفي الاصطلاح: رقى أو عزائم وعقدٌ ينفث فيها، فتكون سحرًا له حقيقة، وحقيقة السحر: أنَّه استخدامٌ للشياطين في التأثير.
ومناسبة باب السحر للتوحيد: من جهة أنَّ السحر نوعٌ من الشرك، ففي الحديث: «من سحر فقد أشرك» (٣)، وذلك لأنَّه لا يمكن أن يسحر إلّا بالتقرب إلى الشياطين، فهم لا يخدمونه إلّا إذا تقرّب لهم، وهذا شرك.
المسألة الثانية: ذكر أهل العلم أنَّ السحر نوعان:
١ - عقدٌ ورقى وطلاسم: وهو ما يكون بواسطة الشياطين، وهذا شرك.
٢ - أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته: وهو ما يسمى عند البعض بالقُمْرَة، ومنه بعض صور الصرف والعطف، فهذا عدوان وليس بكفر وشرك؛ لأنَّه مجرد تخييل.
لكن نبه صاحب التيسير وغيره: «أن هذا ليس بسحرٍ، وإن سمي سحرًا فعلى
стр. 258
سبيل المجاز، وفي الحقيقة فاعله مشعوذٌ لا يَصدُق عليه اسمُ الساحرِ، وفِعلُه حرامٌ، لمضرّته وخِداعه وشعوذته، ويعزّر فاعله تعزيرًا بليغًا» (١).
المسألة الثالثة: ما حكم الساحر؟
* المقرر عند أكثر العلماء: أن الساحر كافرٌ (٢)، بأدلة كثيرة، ساق المصنف بعضها، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [البقرة، الآية (١٠٢)]. والمعنى: أن الله قال فيمن اشترى السحر -أي: تعلّمه-، واستبدل السحر عن متابعة الرسول، أنَّه ليس له في الآخرة من نصيبٍ، وكلُ من لا نصيب له في الآخرة فعمله حابطٌ باطلٌ، فيؤخذ كفره من هذه الآية من مواضع:
أ- قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
ب- قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وعلى هذا يكفر من سحر، ومن تعلمه ولو لم يسحر، فمجرد تعلمه كفرٌ كما دلت عليه الآية.
ج- قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ قال الحكمي: «وهذا الوعيد لم يُطلَق إلا فيما هو كفرٌ، لا بقاء للإيمان معه، فإنَّه ما من مؤمن إلّا ويدخل الجنة، وكفى بدخول الجنة خلاقًا، ولا يدخل الجنة
стр. 259
إلا نفس مؤمنة» (١).
المسألة الرابعة: أن مما ذمَّ الله به أهلَ الكتاب إيمانهم بالجبتِ والطاغوتِ، كما في الآية التي ذكرها المصنف، وهي قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء، الآية (٥١)].
والجبت: فسّره عمرُ بأنَّه السحر، والسحرُ من الجبت بلا شك.
وأما الطاغوت: فقد نقل فيه تفسيران:
١. الشيطان، وهو تفسير عمر ﵁.
٢. الكهّان كان ينْزل عليهم الشيطان، في كل حيٍّ واحد، وهذا تفسير جابر، وهو تفسير بالمثال، ويأتي الكلام على الكهان.
وإذا تقرر أن مما ذُمَّ به الكفارُ إيمانهم بالسحر يتبين لك أن الإيمان به محرم، وأن تعاطيه والبحث عنه مذموم.
المسألة الخامسة: قد عدّ النبيّ ﷺ السحرَ من الموبقات، في الدنيا والآخرة.
وذكر في الباب حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا اَلسَّبْعَ اَلْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: اَلشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ .. »، فعدّ السحر من الموبقات في الدنيا والآخرة.
فإن قيل: كيف عطف السحر على الشرك، وقد تقدم أن السحر داخل في الشرك؟
* فالجواب: أنَّ السحر لا يمكن الوصول إليه إلَّا بالشرك، والعطفُ في الحديث، إمّا أن يقال: لأن فيه شيئًا من المغايرة، ففي السحر لم يَقصِد الشركَ، بل
стр. 260
دخل الشركُ تبعًا.
أو يقال: هو من عطفِ الخاصِّ على العام، فعطفُ السحر على الشرك للتنصيص عليه.
المسألة السادسة: هل يُقتَلُ الساحر؟
* ذكر المصنف ﵀ عدة نصوص تفيد قتله:
١) حديث جندب مرفوعًا: «حَدُّ اَلسَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ».
وجندب: هو غير جندب بن عبد الله البجلي، وإنما يسمى جندب الخير، وقد روى أبو نعيم بسنده في معرفة الصحابة قال: جاء جندب وقومٌ يلعبون ويأخذون بأعين الناس يسحرون، قال: فضرب رجلًا منهم ضربةً بالسيف فقتله، فَرُفِع إلى السلطان، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حَدُّ اَلسَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (١).
وقيل: إنَّه قاله حين كان في مجلس الوليد بن يزيد الخليفة، فجاء ساحر يوهم الناسَ أنَّه يَقطع رأسه ويُعيده، فقتله جندب، وقال: «إن كان صادقًا فَليُعد رأسه» (٢)، وكلا الأثرين في سنده ضعفٌ كما تقدم.
وقد أفاد هذا الخبرُ أنَّ حدَّ الساحرِ أن يُضرَبَ بالسيف، وهو كنايةٌ عن القتل.
٢) عن بجالة بن عبدة قال: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ».
стр. 261
٣) عن حفصة ﵂: «أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا، فَقُتِلَتْ» ونُقِل عن أحمد ﵀ قوله: «عن ثلاثة من أصحاب النبيّ ﷺ ».
وعلى هذا يقال: إذا ثبت أنَّه ساحرٌ يستخدم في سحره ما يَصدُق عليه أنَّه سحرُ تأثيرٍ لا تخييلٍ، فهو ساحرٌ يجب قتله، وهذا قول الجمهور، ونقل هذا عن عمر وعثمان وابن عمر.
القول الثاني: أنَّ الساحر لا يُقتَل بمجرد السحر، إلّا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر، وهذا مذهب الشافعي، نقله عنه غير واحد، منهم الترمذي في سننه (١).
والصواب: ما عليه الجمهور، والنصوص صريحةٌ في الأمر بقتله مطلقًا، ولو لم يَقتُل بسحره؛ لما فيه من الضرر على الناس.
ويقول أهل العلم: إنَّ الساحر إذا ثبت عليه السحر يُقتَلُ ولا يُستتاب؛ لأنَّه ربما كذب وأظهر التوبة وبقى على سحره.
* خلاصة الباب: أنَّ السحر حرام، يوقع الساحر في الكفر والقتل، ويوبق طالب السحر في العقوبة العظيمة.
стр. 262
٢٥ - باب بيان شيء من أنواع السحر
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن حيان بن العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنَّه سمع النبيّ ﷺ قال: «إِنَّ الْعِيَافَةَ، وَالطَّرْقَ، وَالطِّيَرَةَ مِنَ الْجِبْتِ» (١).
قال عوف: «الْعِيَافَةُ زَجْرُ الطَّيْرِ، وَالطَّرْقُ: الْخَطُّ يُخَطُّ بِالْأَرْضِ».
والجبت: قال الحسن: «رَنَّةُ الشَّيْطَانِ» إسناده جيد، ولأبي داود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" المسند منه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنِ اِقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ؛ فَقَدِ اِقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ» رواه أبو داود، وإسناده صحيح (٢).
وللنسائي من حديث أبي هريرة ﵁: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا، فَقَدْ
стр. 263
سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» (١).
وعن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» (٢)، ولهما عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» (٣)(٤).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الباب: لما ذكر المؤلف حكم السحر المعروف وحكم فاعله، ذكر أنَّ السحر قد يأتي في النصوص ولا يراد به السحر المعروف، بل يراد به أمورًا أخرى هي من أنواع السحر، أو أمورًا ليست من السحر، لكن فيها شبه به.
المسألة الثانية: من الأمور التي ذكرها في الباب العيافة والطرق والطيرة.
وقد أورد فيها حديث قبيصة العبدي أنَّه سمع النبيّ ﷺ قال: «إِنَّ الْعِيَافَةَ، وَالطَّرْقَ، وَالطِّيَرَةَ مِنَ الْجِبْتِ».
стр. 264
ونقل عن عوف بن أبي جميلة قوله: العيافةُ: زجرُ الطير، والطَرْقُ: الخطُّ يُخَطُّ بالأرض.
* أما العيافة: فهي زجرُ الطير للتشاؤم أو التفاؤل، فإذا أراد أن يُقدِمَ على شيء زجَر الطيرَ، فإذا ذهبت شمالًا تشاءم مما أقدم عليه، وإن ذهب يمينًا تفاءل.
* وأما الطَرْقُ: فهو نوع من الكهانة، والكهانة من السحر، وهو عبارة عن خطوط تُخطّ بالأرض بطريقة يزعم مَنْ خطّها أنَّه يعرف بذلك مكان المفقود أو غير ذلك، فتجد أنَّه يخط خطوطًا كثيرة، ثم يمسح منها بسرعةٍ خطين خطين ونحو ذلك، ثم يزعمُ أنَّه يتعرف على بعض الأمور، بما يبقى من الخطوط.
ومن صورها المعاصرة: ما يُعرف بالأبراج، التي يزعم أصحابها أنَّهم يعرفون عن طريقها بعض ما يقع على صاحبها من أمور الغيب، وكل هذا من الكهانة، وسيأتي الحديث عن الكهانة بأوسع من هذا.
* وأما ما ورد في حديث معاوية بن الحكم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» (١) فيجاب عنه بجوابين:
١ - أنَّ النبيّ ﷺ علَّقه بأمرٍ لا يتحقق الوصول إليه؛ لأنَّه قال: «فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» وما يدرينا أنَّه وافق.
٢ - أنَّه إذا كان الخطُّ بالوحي من الله، فلا بأس به كما هي حال النبيّ ﷺ ؛ لأنَّ الله يجعل له علامةً ينزل الوحي بها بخطوطٍ يُعلِّمُه إياها، أما هذه الخطوط السحريةُ فهي من الشيطان.
стр. 265
* وأما الطيرة: فهي مما نهي عنه، وسيأتي لها بابٌ مستقل.
المسألة الثالثة: مما يُلحَقُ بالسحرِ تعلُّم النجومِ؛ ليستدلَّ بها على الحوادث الأرضية من أمور الغيب.
وأورد المصنف في هذا حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنِ اِقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اِقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ».
فبيّن أنَّ مِنْ أنواع السحر تعلّم النجوم؛ لأنَّ كلًا من المنجِّم والساحِر يَدّعي علم الغيب الذي اختص الله بعلمه.
المسألة الرابعة: أورد المصنف حديث أبي هريرة ﵁: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا، فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ».
وفيه بيان أنَّ من نفث في العُقَدِ فإنَّه ينطبق عليه أنَّه ساحر، وأنَّ من تعاطى السحر فقد وقع في الشرك، والساحرُ متعلقٌ بغير الله وهم الشياطين، ومن تعلق بغير الله وكِل إليه، فالساحر يوكَلُ إلى شياطينه، ومن ذهب إلى السحرة والكهان فإنَّه يوكل إليهم.
المسألة الخامسة: أورد المصنف حديث ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ».
ووجه المطابقة بين النمام والساحر: من جهة أنَّ تأثير النمام في تفريق المجتمعين مثل أثر السحر، فلكل منهما أثر قوي وخفي في التفريق، بل نقل عن يحيى بن كثير أنه قال: «يُفْسِدُ النَّمَّامُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يُفْسِدُ السَّاحِرُ فِي شَهْرٍ» (١).
стр. 266
المسألة السادسة: أورد المصنف في الباب حديث ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا».
والبيان: هو التبيين عما في النفس بالألفاظ الفصيحة التي تأخذ السامع والقلوب فتسحرها.
ووجه الشبه بين البيان وبين السحر بيّنه ابن قتيبة بقوله: «يريد أن منه -أي: البيان- ما يقرّب البعيد ويباعد القريب، ويزيّن القبيح، ويعظّم الصغير، فكأنَّه سحرٌ، وما قام مقام السحر أو أشبهه، أو ضارعه» (١).
وقال ابن القيم: سحرُ البيانِ هو من أنواع التحيّل:
أ- إما لكونه بلغ في اللطف والحسن إلى حدّ استمالة القلوب، فأشبه السحر من هذا الوجه، وعلى هذا: لا يكون مذمومًا بإطلاق؛ لأنَّ استمالة القلوب لا تذمّ إلا إن كانت بالباطل.
ب- أو لكون القادر على البيان يكون قادرًا على تحسين القبيح وتقبيح الحسن، فهو -أيضًا- يشبه السحر من هذا الوجه (٢).
وهو على هذا المعنى يكون مذمومًا، لما فيه من جعلِ الحقِّ في قالب الباطل، والباطلِ في قالب الحق، فيستميل به قلوبَ الجهال حتى يقبلوا الباطل وينكروا الحق.
• واعلم أنَّ الحديث مختلفٌ فيه:
فقيل: جاء للذم.
стр. 267
وقيل: جاء للمدح؛ لأنَّ الله مدح البيان، وعزى ابن عبد البر هذا إلى جمهور أهل الأدب والعلم بلسان العرب (١)، ومنه: «أن عمر بن عبد العزيز سأله رجل عن حاجة، فأحسن المسألة، فأعجبه قوله فقال: هذا والله السحر الحلال» (٢).
قلت: والذي يظهر أن دخول البيان في السحر هو من جهة التعريف اللغوي، فالبيان له أثرٌ دقيقٌ خفيٌ، وبعد هذا فقد يكون هذا الأثر يراد به أمرًا محرمًا، كتزيين باطل ونحوه، فيكون مذمومًا، وقد لا يكون كذلك، فلا يكون مذمومًا.
• وعلى هذا: ففي الحديث الذمّ لبعض البيان الذي فيه تصويب الباطل وتحسينه، حتى يتوهم السامع أنَّه حق، أو يكون فيه بلاغة زائدة عن الحدّ، أو قوة بالخصومة فيذهب بالحق، أما غيره من البيان فلا يذم.
* خلاصة الباب: أن ثمّة تصرفات محرمه تُلحَقُ بالسحر في حُرمتها وفي التأثير على النفوس، والتفريق، وإن كان السحرُ أعظم منها جرمًا، وأشنع جريرةً، وأبقى أثرًا.
стр. 268
٢٦ - باب ما جاء في الكهان ونحوهم
روى مسلمٌ في صحيحه عن بعض أزواج النبيّ ﷺ عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَصَدَّقَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» (١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢).
وَلِلْأَرْبَعَةِ وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا عن أبي هريرة ﵁: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » (٣).
ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مثله موقوفًا (٤).
стр. 269
وعن عمران بن حصين ﷺ مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (١)، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، دُونَ قَوْلِهِ: «وَمَنْ أَتَى» إِلَى آخِرِهِ.
قال البغوي: «العرّاف: الذي يدّعي معرفة الأمور بمقدماتٍ يستدل بها على المسروق ومكان الضالة، ونحو ذلك» (٢).
وقيل: هو الكاهن، والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال أبو العباس بن تيمية: «العرّاف: اسمٌ عام للكاهن والمنجّم والرّمّال ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق» (٣).
وقال ابن عباس في قومٍ يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: «مَا أَرَى
стр. 270
مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلَاقٍ» (١)(٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالكهّان والكهانة، ومناسبة الباب للتوحيد.
الكُهّان: جمع كاهن، والكاهن: هو الذي يدّعي علمَ المغيّبات، ويخبر بها الناس ويأخذها من مسترقي السمع من الجن (٣).
ومناسبة الباب للتوحيد: من جهة أنَّ الكاهن لا يعلم الغيب إلّا باستخدام الجنّ، وهم لن يخدموه إلّا إذا تقرب لهم، وأشرك بالله.
* وقوله في التبويب: «ونحوهم»: تشمل كل من ادّعى علم شيء من الغيب، وكلَّ من مارس نوعًا من الكهانة: مثل: قراءة الفنجان أو الكف.
ومثل: ما يسمى بأبراج الحظ.
وصورتها: أن يُقال: إن كنتَ ولدتَ في بُرج كذا فسيحصل لك في هذا
стр. 271
العام كذا، أو أنَّ من وُلِد في هذا البرج، فإنَّ هذا الشهر عليهم شهر رزقٍ، وغير ذلك.
وإنك إن التمست ضابطًا في هذا، فيُقال: كُلُّ من ادّعى علمًا من الغيب واستخدم في ذلك وسيلة ظاهرة؛ ليوهم بها الناس، فهي من الكهانة، واستمدادُهم هذا من الشياطين، وهي لن تخدمهم إلّا إذا تقربوا لها، وأخطرُ ما في ذلك إذا توّلى مثل هذه الأمور أناسٌ يُظهِرونَ للعامَّةِ أنَّهم أولياء لله، وأنَّهم بقربهم لله نالوا ما نالوا، وهذا يزيد من افتتان الناس بهم، وتلبيسهم الباطل، ولا شك أنَّ هؤلاء أولياء، لكن للشيطان، لا للرحمن، عصمنا الله وإياك من الضلال.
المسألة الثانية: أورد المصنف ﵀ نصوصًا تنهى عن الذهاب إلى الكهان، وتبيّن عقوبة من أتى إليهم:
(١) عن بعض أزواج النبيّ ﷺ عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَصَدَّقَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».
والعرَّاف: بيّنه المؤلف بأنَّه يطلق على من يخبر عن الغائب عن الأعين مما حصل في الماضي، كمن يخبر عن مكان الشيء المسروق، ومن هو السارق، والدابّة الضالّة، ونحو ذلك، ويعرفه بواسطة الجنّ.
(٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ».
(٣) عن أبي هريرة ﵁: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ».
(٤) عن ابن مسعود ﵁ مثله موقوفًا.
стр. 272
(٥) عن عمران بن حصين ﵁ مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ».
وقد خلص أهل العلم من مجموع الأحاديث إلى أنَّ إتيان العرَّافين والكهنة والسحرة له حالات:
أ- إتيانهم لسؤالهم وكشف باطلهم والإنكار عليهم: فهذا جائزٌ، بل مستحب لمن كان أهلًا لذلك.
ب- مجرد إتيانهم وسؤالهم بدون هذا القصد: فالوعيد فيه أنَّه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة، ولو أنَّه لم يصدقهم أو شكّ في صدقهم.
ج- أن يسألهم ويصدقهم: فَيُحَمل عليه ما ورد في الحديث أنَّه كفر بما أنزل على محمد ﷺ ؛ لأنَّ فيه إعانةً للكاهن على الشرك بالله، وفيه تصديقٌ لمن ادَّعى علم الغيب.
واختلف في هذا الكفر، هو أكبر أم أصغر؟
* القول الأول: أنَّه كفر أكبر، لأنه هو المتبادر من إطلاق الكفر في الحديث.
* القول الثاني: أنه كفر أصغر، وهذا رواية عن أحمد، صوّبها ابن مفلح (١)، وحجتهم في هذا أمران:
١ - أنَّ حديث بعض أزواج النبيّ ﷺ لفظه عند أحمد في المسند: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا»، فذكر التصديق وبيّن
стр. 273
العقوبة له، أنَّه « … لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».
٢ - أنَّ هذا الذي صدَّق الكاهن والعرَّاف إنما صدَّق من أخذ العلم ممن استرق السمع، فهو ليس كمن صدّق من ادّعى علمًا من الغيب بلا أي مستند.
لكن لاشك أنَّ جرمه وذنبه أعظم ممن لم يصدّق، ويكفيك أنَّ جمعًا من العلماء حكموا بأنَّه كفرٌ أكبر.
* القول الثالث: أنَّه يتوقف في تحديده، فيقال بأنَّه يكفر، ولا يُقطع بأنَّه يَخرُج من الملّة، وهذا رواية عن أحمد، والعلَّة في هذا أنَّه أوقع لهيبته في القلوب.
المسألة الثالثة: ذكر المصنف ﵀ قول ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: «مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلَاقٍ».
وهذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «يَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ وَفِي حُرُوفِ أَبِي جَادٍ، قَالَ: أَرَى أُولَئِكَ قَوْمًا لَا خَلَاقَ لَهُمْ».
ورواه الطبراني بلفظ: «رُبَّ مُعَلِّمِ حُرُوفِ أَبِي جَادٍ دَارِسٍ فِي النُّجُومِ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ خَلَاقٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).
والمراد بهذا الأثر: ذمُّ من يصنع هذا، وهو تعلّم الحروف الأبجدية، والاستدلال بكل حرف منها على أمور الغيب، ولهم في هذا طرق لا يدل عليها دليل، بل كل ذلك من ادعاء علم الغيب.
• وعلى هذا: فمن تعلم الحروف على وجه معرفة شيء من علم الغيب بها -وهو ما يسمى بعلم الحرف- فهذا محرّم لا يجوز، وأما تعلّمها للتهجي
стр. 274
وحساب الجمل فلا بأس به.
وبهذا تعلم أنَّ كلَّ طريق يعتقد أنَّ فيها معرفة شيء من أمور الغيب لا تجوز.
قال الشنقيطي: «لما جاء القرآن العظيم بأنَّ الغيب لا يعلمه إلّا الله، كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين» (١).
* خلاصة الباب: أنَّ الكهانة محرمة بجميع صورها، وأنَّه يلحق بها كلّ وسيلة يدعي فيها صاحبها معرفة شيء من علم الغيب.
стр. 275
٢٧ - باب ما جاء في النُّشرة
عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» (١)، وقال: «سئل أحمد عنها، فقال: ابن مسعود يكره هذا كله».
وفي البخاري عن قتادة: قلت لابن المسيب: «رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ، أَوْ: يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشَّرُ؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ»» (٢) ا. هـ.
وروي عن الحسن أنَّه قال: «لَا يَحِلُّ السِّحَرَ إِلَّا سَاحِرٌ».
قال ابن القيم: النُشرة: حلّ السحر عن المسحور، وهي نوعان:
إحداهما: حلٌ بسحرٍ مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يُحمل قول الحسن، فيتقرب الناشرُ والمنتشر إلى الشيطان بما يحبّ، ويبطل عمله عن المسحور.
стр. 276
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز (١)(٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: تعريف النشرة والمراد بها:
النشرة: في اللغة: بضم النون: مِنْ النَشر، قال في تاج العروس: هي رُقْيَةٌ يُعالَج بها المجنونُ والمريضُ، ومن كان يُظَنُّ أنّ به مَسًّا من الجنّ … سُمِّيت نُشرةً لأنَّه يُنَشر بها عنه ما خامَرَه من الدَّاء، أي: يُكشَف ويُزال (٣).
وفي الاصطلاح: حلُّ السحرِ عن المسحور.
المسألة الثانية: النشرة أو حلُّ السحرِ عن المسحور قسمان:
١) جائزة: وهي حَلُّه بالرقية والدعاء، وقد رقى النبيّ ﷺ نفسه، ودعا حتى كشف عنه، وقد ورد في السنّة عدة أمور تعالج بها السحر، ومنها الدعاء والرقية والتصبّح بسبع تمرات، وكذا الحجامة لها أثر ظاهر، والإكثار من الطاعات كالقرآن والأذكار ونحوها نص عليها ابن القيم، وذكر ابن بطّال عن كتب وهب ابن منبه: «أن يأخذ سبع ورقاتٍ من سدرٍ أخضر، فيدقُّه بين
стр. 277
حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ويغتسل به، فإنَّه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله تعالى» (١).
٢) مختلف فيها: وهي حلّه بالسحر، وفيها قولان:
القول الأول: الجمهور: أنَّه لا يجوز، واستدلوا بأمور:
١. النصوص الدالة على تحريم السحر، والذهاب إلى السحرة، وهذا الأمر سيترتب عليه ذهاب إلى السحرة.
٢. حديث جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ سئل عن النشرة، فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ»، وهذا الجواب هو على النوع المشهور من النشرة، وهو فكّ السحر بالسحر، ولا يحمل على الجائز؛ لأنَّ الأدلة دلت على جوازه والأمر به.
٣. ورد في الحديث: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا».
٤. وهو المروي عن ابن مسعود، والحسن وغيرهم.
٥. ما يترتب على الذهاب للسحرة من مفاسد، كتصديق الساحر، والاستجابة له في بعض ما يطلب، وعدم الإنكار عليه فيما يفعل، وقد قال شيخ الإسلام: «من حضر إلى مكان فيه منكر، لم يستطع تغييره، لم يجز له الحضور».
٦. أنَّ هذا فيه تنشيط للسحرة وترويج لهم.
القول الثاني: أنَّه يجوز للضرورة، روي ذلك عن بعض أهل العلم، وينسب إلى ابن المسيب، والإمام أحمد.
стр. 278
أما ابن المسيب، فهو ما نقل عنه المصنف هنا عن قتادة: قلت لابن المسيب: «رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنْشَرُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الْإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ، فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ».
وأما الإمام أحمد، فإنه سأله هنا عمن تأتيه مسحورة فيطلقه عنها، فقال: «لا بأس» (١).
ولكن هذين ليسا بصريحين عن ابن المسيب ولا أحمد، وعلى هذا فيحمل كلام ابن المسيب على نوع من النشرة لا يُعلم أنَّه سحر، وهي الرقية أو النشرة الخالية من الشرك، وهذا هو الذي لا مفسدة فيه.
ولو صحّ عنه فهو مرجوح؛ لأنَّه خالفه غيره، بل هو خلاف النصوص.
وأما الإمام أحمد فلم ينصَّ على جوازه، بل إنَّه ورد في مسائل الأثرم عنه ما يدل على المنع منه، قال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل يزعم أنَّه يحل السحر، قال: قد رخص فيه بعض الناس» قيل: أنَّه يجعل في الطنجير ماءً ويغيب فيه، فنفض يده، وقال: «لا أدري ما هذا»، قيل له: أترى أن يؤتى مثل هذا؟ قال: «لا أدري ما هذا» (٢).
وهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المحرم، وبهذا تعلم أنَّ ما ذهب إليه بعض فقهاء الحنابلة من الجواز عند الضرورة ضعيف، والله أعلم.
* خلاصة الباب: أنَّ حلّ السحر عن المسحور منه ما هو محرم وهو ما يكون بالسحر، ومنه ما هو جائز، وهو ما يكون بالرقى ونحوها.
стр. 279
٢٨ - باب ما جاء في التطير
وقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣١)].
وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس، الآية (١٩)].
وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ» (١)، زاد مسلم: «وَلَا نَوْءَ وَلَا غُولَ».
ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ، قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» (٢).
ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر (٣) قال: «ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ
ولأحمد من حديث ابن عمرو: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ، فَقَدْ أَشْرَكَ، قَالُوا: فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَال: "أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (١).
وله من حديث الفضل بن عباس ﵁ «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ» (٢)(٣).
стр. 282
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الطيرة والتطير.
قال الراغب: «أصله التّفاؤل بالطَّيْرِ، ثمّ يُستَعمَلُ في كُلِّ ما يتفاءل به ويتشاءم» (١).
وفي سبب تسميتها قال الخطابي: إنما أخذت من اسم الطير، وذلك أن العرب كانت تتشاءم ببروح الطير إذا كانوا في سفر أو مسير (٢).
المسألة الثانية: مناسبة ذكر التطيّر في كتاب التوحيد: أنَّ التطير فيه تعليق القلب بما يكون من أمور، وأنَّ ذلك علامة على خير أو شر، وهذا فيه منافاةٌ لكمال التوحيد الواجب، وفيه منافاةٌ لكمال التوكل على الله.
المسألة الثالثة: حكم التطيّر: الطيرة محرمة، وهي من الشرك، ولها حالتان:
١. تكون شركًا أكبر: إذا اعتقد أنَّ الطير أو غيره هو الذي يجلب النفع ويدفع الضر.
٢. تكون شركًا أصغر: إذا اعتقد أنَّ هذا سبب، وأنَّ الله ربط النفع والضر بهذه الأسباب، فينهى عنه لما فيه مِنْ جعل الأسبابِ علامةَ خيرٍ أو شرٍّ، وهي لم ترد في الشرع.
стр. 283
* والأدلة على تحريم الطيرة مذكورة في الباب، ومنها:
(١) قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣١)].
وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس، الآية (١٩)]. بيّن الله فيها أنَّ التطير من أفعال وصفات أعداء الرسل، ومنهم قوم فرعون كما في الآية، أما عباد الله المؤمنين وأتباع الرسل فهم يعلقون قلوبهم بالله ويرضون بكل ما يصيبهم منه من تقدير.
(٢) حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ».
والمراد هنا: النفيُ، وهو أبلغ، فيكون المراد أنَّه لا طيرة مؤثرة، وما يقع من الطيرة فهو شيء يتوهمه الإنسان، وليس لها في حقيقة الأمر تأثير، فالموفق من لم ينظر إلى ما يقع من أمور وأشياء، بل يتوكل على ربه ويمضي في دربه.
فإن قيل: ففي هذا الحديث قوله: «لَا عَدْوَى»، وإذا قيل: إنَّ المراد هنا النفي، فالمعنى: لا يعدي شيء شيئًا، وقد ورد في الحديث: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» (١)، وورد أيضًا «لَا يُورَدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» (٢). فكيف الجمع؟
* اختلف في ذلك على أقوال، اختار ابن رجب وابن القيم وغيرهم أنَّ النفي هنا هو عن العدوى على الوجه الذي كان يعتقده أهل الجاهلية، من أنَّ الأمراض تعدي وتؤثر بطبعها ونفسها، من غير إضافة الفعل إلى الله، فأبطل الله هذا
стр. 284
الاعتقاد، ولا يمنع بعد ذلك أن يجعل الله بمشيئته مخالطةَ الصحيحِ مَنْ به عيب أو مرضٌ سببًا للعدوى بتدبير الله وتقديره.
* وأما قوله: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» ونهيه أن يورَدَ مُمرِضٌ على مُصِحّ، ونهيه عن إتيان بلد الطاعون (١)؛ فيقال: إنَّ هذا كلّه من باب اجتناب الأسباب التي جعلها الله أسبابًا للهلاك والإصابة بالأذى، والعبدُ مأمورٌ باتقاء أسباب الشرِّ، كما أنَّه يُنهى أن يُلقِيَ نفسه في الماء أو في النار.
المسألة الرابعة: اعلم أنَّ المنهي عنه من التطير: ما أمضى وما ردّ، لا ما يقع في القلب، بل إذا كان ما تشاءم به ردّه عما يريد، أو ما تيامن به أمضاه إلى ما يريد، فهو التطير المحرم، وقد روى عكرمة: «أنَّهم كانوا عند ابن عمرو وعنده ابن عباس، فمر غراب يصيح (٢)، فقال رجلٌ من القوم: خير، خير، فقال ابن عباس: لا خير ولا شر» (٣)، أي: ليس لهذه الأمور ارتباط بأي حادث، لا خيرَ ولا شرَّ.
• وعلى هذا: فضابط الطيرة التي تكون شركًا: أن تَرُدَّ المتطيّر عن حاجته، لقوله ﷺ : «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ»، فما دامت لم تردّ الإنسان، فلا اعتبار بما وقع في قلبه.
стр. 285
المسألة الخامسة: التطير له صور كثيرة:
* فمنها: التطيّر بالطيور، وهو أصلُ التطيِّر عند أهل الجاهلية، فيزجرون الطير، فإن ذهب ذات اليمين أقدم، وإن كان للشمال تشاءم.
* ومنها: التطيّر بأشخاص معينين، أو بحوادث معينة كمن يركب سيارته فيتعرض لحادث بها فيتشاءم من سفره، أو يفتح دكانه، فيأتيه أول من يشترى أعور فيتشاءم، ونحو ذلك.
* ومنها: التطير بأزمنة معينة، كشهر صفر، أو أيامٍ كالثلاثاء، أو بأرقام محددة، كرقم (١٣)، وغيره، أو بألوان معينة كالأسود، أو غير ذلك.
المسألة الخامسة: ينبغي إذا وقع في القلب شيء من الالتفات لمثل هذه الأمور أن يدعو بما ورد، وذكر هنا دعائين:
* «اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ».
* «اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».
المسألة السادسة: ورد في الحديث نفي أمورٍ غير الطيرة، وهي:
١ - الهامة: بتخفيف الميم، وقد تشدد: البومة، إذا وقعت إلى بيت أحدهم يقول: نعت إليَّ نفسي، أو أحدًا من أهل داري، أو يَخْرَبُ المنزل، وقيل: إنَّ العرب كانت تعتقد أنَّ عظام الميت -وقيل: روحه- تنقلب هامةً تطير، ولا تزال تنادي على قبره، للأخذ بثأره.
٢ - صَفَر: واختلف في المراد به:
* فقيل: المراد تأخيرهم المحرم إلى صفر، وكانوا يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنَّه