ولأحمد من حديث ابن عمرو: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ، فَقَدْ أَشْرَكَ، قَالُوا: فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَال: "أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (١).
وله من حديث الفضل بن عباس ﵁ «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ» (٢)(٣).
стр. 282
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الطيرة والتطير.
قال الراغب: «أصله التّفاؤل بالطَّيْرِ، ثمّ يُستَعمَلُ في كُلِّ ما يتفاءل به ويتشاءم» (١).
وفي سبب تسميتها قال الخطابي: إنما أخذت من اسم الطير، وذلك أن العرب كانت تتشاءم ببروح الطير إذا كانوا في سفر أو مسير (٢).
المسألة الثانية: مناسبة ذكر التطيّر في كتاب التوحيد: أنَّ التطير فيه تعليق القلب بما يكون من أمور، وأنَّ ذلك علامة على خير أو شر، وهذا فيه منافاةٌ لكمال التوحيد الواجب، وفيه منافاةٌ لكمال التوكل على الله.
المسألة الثالثة: حكم التطيّر: الطيرة محرمة، وهي من الشرك، ولها حالتان:
١. تكون شركًا أكبر: إذا اعتقد أنَّ الطير أو غيره هو الذي يجلب النفع ويدفع الضر.
٢. تكون شركًا أصغر: إذا اعتقد أنَّ هذا سبب، وأنَّ الله ربط النفع والضر بهذه الأسباب، فينهى عنه لما فيه مِنْ جعل الأسبابِ علامةَ خيرٍ أو شرٍّ، وهي لم ترد في الشرع.
стр. 283
* والأدلة على تحريم الطيرة مذكورة في الباب، ومنها:
(١) قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣١)].
وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس، الآية (١٩)]. بيّن الله فيها أنَّ التطير من أفعال وصفات أعداء الرسل، ومنهم قوم فرعون كما في الآية، أما عباد الله المؤمنين وأتباع الرسل فهم يعلقون قلوبهم بالله ويرضون بكل ما يصيبهم منه من تقدير.
(٢) حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ».
والمراد هنا: النفيُ، وهو أبلغ، فيكون المراد أنَّه لا طيرة مؤثرة، وما يقع من الطيرة فهو شيء يتوهمه الإنسان، وليس لها في حقيقة الأمر تأثير، فالموفق من لم ينظر إلى ما يقع من أمور وأشياء، بل يتوكل على ربه ويمضي في دربه.
فإن قيل: ففي هذا الحديث قوله: «لَا عَدْوَى»، وإذا قيل: إنَّ المراد هنا النفي، فالمعنى: لا يعدي شيء شيئًا، وقد ورد في الحديث: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» (١)، وورد أيضًا «لَا يُورَدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» (٢). فكيف الجمع؟
* اختلف في ذلك على أقوال، اختار ابن رجب وابن القيم وغيرهم أنَّ النفي هنا هو عن العدوى على الوجه الذي كان يعتقده أهل الجاهلية، من أنَّ الأمراض تعدي وتؤثر بطبعها ونفسها، من غير إضافة الفعل إلى الله، فأبطل الله هذا
стр. 284
الاعتقاد، ولا يمنع بعد ذلك أن يجعل الله بمشيئته مخالطةَ الصحيحِ مَنْ به عيب أو مرضٌ سببًا للعدوى بتدبير الله وتقديره.
* وأما قوله: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» ونهيه أن يورَدَ مُمرِضٌ على مُصِحّ، ونهيه عن إتيان بلد الطاعون (١)؛ فيقال: إنَّ هذا كلّه من باب اجتناب الأسباب التي جعلها الله أسبابًا للهلاك والإصابة بالأذى، والعبدُ مأمورٌ باتقاء أسباب الشرِّ، كما أنَّه يُنهى أن يُلقِيَ نفسه في الماء أو في النار.
المسألة الرابعة: اعلم أنَّ المنهي عنه من التطير: ما أمضى وما ردّ، لا ما يقع في القلب، بل إذا كان ما تشاءم به ردّه عما يريد، أو ما تيامن به أمضاه إلى ما يريد، فهو التطير المحرم، وقد روى عكرمة: «أنَّهم كانوا عند ابن عمرو وعنده ابن عباس، فمر غراب يصيح (٢)، فقال رجلٌ من القوم: خير، خير، فقال ابن عباس: لا خير ولا شر» (٣)، أي: ليس لهذه الأمور ارتباط بأي حادث، لا خيرَ ولا شرَّ.
• وعلى هذا: فضابط الطيرة التي تكون شركًا: أن تَرُدَّ المتطيّر عن حاجته، لقوله ﷺ : «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ»، فما دامت لم تردّ الإنسان، فلا اعتبار بما وقع في قلبه.
стр. 285
المسألة الخامسة: التطير له صور كثيرة:
* فمنها: التطيّر بالطيور، وهو أصلُ التطيِّر عند أهل الجاهلية، فيزجرون الطير، فإن ذهب ذات اليمين أقدم، وإن كان للشمال تشاءم.
* ومنها: التطيّر بأشخاص معينين، أو بحوادث معينة كمن يركب سيارته فيتعرض لحادث بها فيتشاءم من سفره، أو يفتح دكانه، فيأتيه أول من يشترى أعور فيتشاءم، ونحو ذلك.
* ومنها: التطير بأزمنة معينة، كشهر صفر، أو أيامٍ كالثلاثاء، أو بأرقام محددة، كرقم (١٣)، وغيره، أو بألوان معينة كالأسود، أو غير ذلك.
المسألة الخامسة: ينبغي إذا وقع في القلب شيء من الالتفات لمثل هذه الأمور أن يدعو بما ورد، وذكر هنا دعائين:
* «اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ».
* «اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».
المسألة السادسة: ورد في الحديث نفي أمورٍ غير الطيرة، وهي:
١ - الهامة: بتخفيف الميم، وقد تشدد: البومة، إذا وقعت إلى بيت أحدهم يقول: نعت إليَّ نفسي، أو أحدًا من أهل داري، أو يَخْرَبُ المنزل، وقيل: إنَّ العرب كانت تعتقد أنَّ عظام الميت -وقيل: روحه- تنقلب هامةً تطير، ولا تزال تنادي على قبره، للأخذ بثأره.
٢ - صَفَر: واختلف في المراد به:
* فقيل: المراد تأخيرهم المحرم إلى صفر، وكانوا يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنَّه
стр. 286
شهر مشؤوم، قال ابن رجب: «ولعل هذا القول أشبه الأقوال» (١) ا. هـ.
* وقيل: صفرُ حيةٌ في البطن، وهي دودٌ تصيب الماشية والناس، وربما قتلت صاحبها، وكانت أعدى من الجرب عند العرب، وهذا المشهور عند أكثر أهل العلم، منهم: سفيان وأحمد والبخاري، وجابر بن عبد الله وهو راوي الحديث،
ويجوز أن يكونا مرادين معًا، وأن الصفرين جميعًا باطلان.
٣ - النوء: وقد كانوا يعتقدون أنَّ المطر يكون بالأنواء، وأنَّ بعضها أنواءُ نحسٍ لا يأتي فيها خير، وبعضها محمودة، ولهذا كانوا يسمون بعضها: سعدًا أو سعد السعود، وبعضها يتشاءمون بها أشد التشاؤم كسعد الذابح، فيقولون: هذا نوءٌ غير محمود، أي: لا يحصل فيه المطر أو الخير.
وقد ورد في الحديث: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (٢).
٤ - الغُول: جمعه غيلان، قيل: هم سحرة الجن، وهم يتغولون المسافر يعني: يتراءون للمسافر ليضلوه، وقد يأتونه بنار أو يأتونه بأمور تزعجه وتخيفه.
وليس المعنى نفي وجود الغيلان، ولكن المعنى أنَّهم لا يستطيعون أن يضلوا أحدًا إلّا مَنْ تولى الشيطان، فإنَّ هذا قد تضله الجن والشياطين، وأما المؤمن الذاكر فإنَّ الله يحفظه بالذكر.
المسألة السابعة: أخبر النبيّ ﷺ أنَّه يعجبه الفأل، وبيّنه النبيُّ ﷺ بأنَّه
стр. 287
الكلمةُ الطيبةُ يسمعها، فينشرح صدرُه ويقوى عزمه على ما يريد، ويُحسِنُ الظنَّ بربّه، ويُزيل عن القلب ما يلقيه الشيطان من تخويف وتوهم (١).
والفرق بين الفأل وبين الطيرة بيّنه السعدي بقوله: «الفرق بينهما: أنَّ الفأل الحسن لا يدخل بعقيدة الإنسان ولا بعقله، وليس فيه تعليق القلب بغير الله، بل فيه من المصلحة النشاط والسرور وتقوية النفوس على المطالب النافعة.
وصفة ذلك: أن يعزم العبدُ على سفرٍ أو زواج أو عقدة من العقود، أو على حالة من الأحوال المهمة، ثم يَرى في تلك الحال ما يسرّه، أو يسمعُ كلامًا يسرّه، مثل: يا راشد أو سالم أو غانم، فيتفائل، ويزداد طمعه في تيسير ذلك الأمر الذي عزم عليه، فهذا كله خير، وآثاره خير، وليس فيه من المحاذير شيء.
* وأما الطيرة: فإنَّه إذا عزم على فعل شيء من ذلك من الأمور النافعة في الدين وفي الدنيا، فيرى أو يسمع ما يكره أثّر في قلبه أحد أمرين، أحدهما أعظم من الآخر.
أحدهما: أن يستجيب لذلك الداعي، فيترُكَ ما كان عازمًا على فعله أو بالعكس، فيتطير بذلك وينكص عن الأمر الذي كان عازمًا عليه، فهذا كما ترى قد علّق قلبه بذلك المكروه غاية التعليق وعمل عليه، وتصرف ذلك المكروه في إرادته وعزمه وعمله.
الأمر الثاني: أن لا يستجيب لذلك الداعي، ولكنه يؤثر في قلبه حزنًا وهمًّا وغمًّا، فهذا وإن كان دون الأول، لكنه شر وضررٌ على العبد، وضعفٌ لقلبه
стр. 288
وموهنٌ لتوكله، وربما أصابه مكروهٌ فظن أنَّه من ذلك الأمر فقوي تطيّره، وربما تدرج إلى الأمر الأول» (١).
* خلاصة الباب: أنَّ المسلم يجب أن يعلق قلبه بالله وحده، وألّا يعلق القدر بشيء من مخلوقات الله، فليس للطير ولا غيرها دور في القدر، بل الأمر كله من الله.
وأنَّ الطيرة المحرمة هي المؤثرة إحجامًا أو إقبالًا، بيّن ذلك ما سبق من قول «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ».
стр. 289
٢٩ - باب ما جاء في التنجيم
قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: «خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ; أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ» (١).
«وكره قتادةُ تعلُّم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه» (٢) ذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق.
وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ» (٣)(٤).
стр. 290
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: تعريف التنجيم لغة: مصدر نجَّمَ، مشتقٌ من النجم، والمُنَجِّمُ هو الذي ينظر في النجوم، ويستدل بحركتها وسيرها.
والتنجيم شرعًا: الاستدلالُ بالأحوالِ الفلكية على الحوادث الأرضية، كالمطر والربيع والمحل وغير ذلك، قال الخطابي: «عِلمُ النجومِ المنهي عنه هو ما يدّعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنَّها تدرك معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها، واجتماعها وافتراقها، يدّعون أن لها تأثيرًا في السفليات» (١).
المسألة الثانية: مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
التنجيم ينافي التوحيد لما فيه من ادّعاء علم الغيب، ولما فيه من تعلق القلب بغير الله.
المسألة الثالثة: مصطلح التنجيم يدخل فيه ثلاثة أنواع:
١. اعتقادُ أنَّ النجوم مؤثّرةٌ بنفسها ولها تصريف في الكون: وهذا كفرٌ أكبر، وهو ما كان يفعله الصابئة، وهو شرك قوم إبراهيم;.
стр. 291
٢. علم التسيير: وهو أن يتعلم منازل النجوم وحركاتها؛ ليستدل بها على أمور جائزة، كهبوب الرياح ووقته، والوقت الذي جرت فيه سنة الله في إنزال المطر، ودخول الفصول ونحو ذلك، فهذا جائز.
ويكون مشروعًا لو استدل بها على أمور مشروعة، كالاستدلال بالنجوم على معرفة جهة القبلة، أو الأوقات ونحوه.
قال ابن رجب: «المأذون في تعلمه؛ علمُ التسيير، لا علم التأثير؛ فإنَّه باطلٌ محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير: نتعلم ما يحتاج منه للاهتداء ومعرفة القبلة والطرق جائزة عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه، لِشَغله عما هو أهم منه» (١).
٣. علم التأثير: وهو الاستدلالُ بحركةِ النجوم وطلوعها والتقائها ومواضعها على أمور غيبيةٍ مما يحدث في الكون والأرض من أحداث مستقبلة، وهو ما يراد هنا، وهو نوع من الكهانة؛ لأنَّ النجوم ليس لها أي علامة، ولكن الشياطين توحي إلى المنجِّم بما سيقع فيخبر به.
* ومما يدل على النهي عنه:
١) ما ذكره البخاري في صحيحه، عن قتادة: «خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ؛ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ».
стр. 292
وله تتمة عند ابن أبي حاتم في تفسيره: «وَإِنَّ نَاسًا جَهَلَةً بِأَمْرِ اللَّهِ قَدْ أَحْدَثُوا فِي هَذِهِ النُّجُومِ كَهَانَةً: مَنْ أَعْرَسَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَعَمْرِي مَا مِنْ نَجْمٍ إِلا يُولَدُ بِهِ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ وَالطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالْحَسَنُ وَالذَّمِيمُ، وَمَا عَلِمَ هَذَا النَّجْمُ وَهَذِهِ الدَّابَّةُ، وَهَذَا الطَّائِرُ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَيْبِ».
٢) الأدلة الدالة على تحريم السحر والكهانة، فالتنجيم نوع من الكهانة والسحر، ولذا أتى في الباب بحديث: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ».
المسألة الرابعة: من صوَّر التنجيم المحرم ما يسمى بالأبراج، إذا ولد فلان في البرج الفلاني أو الشهر الفلاني أو اليوم الفلاني، أو كان اسمه يبدأ بحرف كذا أو كذا فسيصيبه كذا وكذا، ويضعون عليها دعاياتٍ مِنْ مثل: مِنْ شهر ميلادك تعرف حظك، أو من اسمك تعرف حظك، وهذا كثير الآن.
وقد صار للتنجيم رواج في الأزمان المتأخرة، فأُلف فيه مؤلفاتٌ، بل وجدت معاهد تعطي شهادات في ذلك، وأُنشئ اتحادٌ للمنجمين ويضم هذا الاتحاد أكثر من خمسة وخمسين ألف عضو من جنسيات متنوعة، والغريب أنَّ رئيس ونائب الاتحاد كلاهما عربي، وهذا يدل على الخلل الموجود عند أعدادٍ من المسلمين، ووجوب التوعية بحرمة مثل هذا الأمر (١).
المسألة الخامسة: من حرص السلف على إغلاق باب التنجيم، ما نقل عن قتادة أنَّه كره تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه.
والمراد بمنازل القمر: المنازل التي ينزلها القمر في الشهر، وهي ثمانية وعشرون منزلًا، ويستفاد من معرفتها: حساب الأيام، ومعرفة الفصول، وأوقات
стр. 293
الصلوات ونحو ذلك.
وعلّة الكراهة: أن ذلك وسيلة للاعتقاد فيها ما لا يجوز، فمنعوا منه؛ سدًّا للذريعة، لكن أكثر العلماء على جوازه بقدر الحاجة، وهذا ما يعرف بعلم التسيير كما سبق؛ لأنه لا شرك فيه.
* خلاصة الباب: أنَّ من أدعى أنَّ النّجوم لها أثر في تصريف القدر، أو زعم أنَّه يتعرّف على القدر بنظره في النجوم، فقد ادَّعى علم الغيب، وهذا المنهي عنه.
стр. 294
٣٠ - باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء
وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة، الآية (٨٢)].
وعن أبي مالك الأشعري ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ».
وقال: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» (١).
ولهما عن زيد بن خالد ﵁ قال: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقَبْلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمَ، قَالَ: قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (٢).
ولهما، من حديث ابن عباس ﵁ بمعناه، وفيه: «قَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ
стр. 295
نَوْءَ كَذَا وَكَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة، الآية (٧٥ - ٨٢)] (١)(٢).
(الشرح)
الأنواء: جمع نَوء بالهمز، وهي النجوم، والاستسقاء: طلب السقيا.
والمراد: طلب السقيا من الأنواء، أو نسبةُ السقيا والأمطار إليها.
وهذا الباب له اتصال بما سبق، وهو نوعٌ مما كان يصنعه أهل الجاهلية تجاه النجوم، من الاعتقادات المحرمة، والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: الاستسقاء بالنجوم قسمان:
стр. 296
١ - ما يكون شركًا أكبر، وذلك:
أ- أن يسأل الأنواء السقيا وإنزالَ المطر، فهذا شركٌ أكبر؛ لأنَّه دعاءٌ لغير الله.
ب- أو ينسبَ حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنَّها الفاعلة بنفسها من دون الله، فهذا شرك أكبر -وإن لم يَدْعُها- وهو شركٌ في الربوبية.
٢ - ما يكون شركا أصغر: وهو أن يَجعل هذه الأنواء سببًا في نزول المطر مع اعتقاده أنَّ الله هو المدبر الفاعل، فهذا شرك أصغر؛ لأنَّ كل شيء جُعِل سببًا لم يجعله الله سببًا فهو شرك.
المسألة الثانية: الاستسقاء بالنجوم ونسبة المطر لها كان موجودًا في الجاهلية، فكانوا يقولون مثلًا: مطرنا بنوء الثريا، وذلك أنَّه إذا سقط نجمٌ وطلع نجمٌ آخر قالوا: لابدّ من مطرٍ ورياحٍ، وينسبون كل مطرٍ إلى النجم الساقط، ولأجل ذلك جاءت النصوص محذرةً منه، ومبينةً بطلان من تعاطاه، ومنها:
(١) قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ والمعنى: أنكم تجعلون شكركم لله على ما أنزل عليكم من المطر والرحمة أنكم تكذبون، أي: تنسبونه لغيره، وقيل غير ذلك
(٢) حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ … » فجاء الحديثُ على جهة الذمِّ نسبةً إلى الجهل، أي: ستفعلُها هذه الأمة إمّا مع العلم بتحريمها، أو مع الجهل بذلك، وهذا ما وقع.
(٣) حديث زيد بن خالد ﵁: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» ففي الحديثِ
стр. 297
النهيُ عن هذا القول؛ لما فيه من الالتفات إلى السبب ونسيان المنعم الحقيقي، وهو الله، قال العثيمين: «وصار كافرًا بالله؛ لأنَّه أنكر نعمة الله، ونسبها إلى سببٍ لم يجعله الله سببًا، فتعلقت نفسه بهذا السبب، ونسي نعمة الله» (١).
المسألة الثالثة: نسبة المطر إلى النوء تحتمل معانٍ:
١ - نسبة إيجاد: بأن ينسب المطر إلى النوء، فهذا شركٌ أكبر، قال ابن رجب: «إضافة نزول الغيث إلى الأنواء، إن اعتقد أن الأنواء هي الفاعلة لذلك، المدبرة له دون الله ، فقد كفر بالله، وأشرك به كفرًا ينقله عن مِلَّة الإسلام، ويصير بذلك مرتدًا، حُكمه حكم المرتدين عن الإسلام، إن كان قبل ذلك مسلمًا» (٢).
٢ - نسبة سبب: بأن يعتقد أنَّ هذا النوء سبب وليس هو المسبب، وتكون الباء للسببية، فهذا شرك أصغر.
٣ - نسبة وقت: بأن يقوله ويريد أنَّ الله أنزل المطر في وقت هذا النوء، وتكون الباء للظرفية، فهذا من حيث المعنى صحيح، فالله أنزل المطر في وقت هذا النجم، ولكن لما في هذه اللفظة من مشابهة للفظة المنهي عنها اختلف العلماء في حكم قولها، على أقوال ثلاثة:
فقيل بالتحريم: قال ابن رجب: «وهو قول أكثر أصحابنا، والنصوص تدل عليه، لما فيها من إيهام المعنى المحرم «(٣).
стр. 298
وقيل بالكراهة: وهو قول الشافعي، وأصحابه، وبعض الحنابلة.
وقيل بالجواز: وهو منقول عن البغوي وغيره (١).
• ومع هذا: فالأولى أن يتجنبه، وأن يقول: «في نوء كذا».
* خلاصة الباب: أنْ تعلم أنَّ المطر نعمة من الله، وأنَّ نسبته لغيره سبحانه، أو طلبه من غيره سبحانه جرمٌ عظيم يوصل الإنسان إلى الشرك بالله تعالى.
стр. 299
٣١ - باب قول الله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة، الآية (١٦٥)].
وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة، الآية (٢٤)].
عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (١).
ولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (٢). وفي رواية: «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى … » إلى آخره (٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: «مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ، وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ، وَوَالَى فِي اللَّهِ، وَعَادَى فِي اللَّهِ، فَإِنَّمَا تُنَالُ وِلَايَةُ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ - وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ - حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ،
стр. 300
وَقَدْ صَارَتْ عَامَّةُ مُؤَاخَاةِ النَّاسِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ لَا يُجْدِي عَلَى أَهْلِهِ شَيْئًا» (١).
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة، الآية (١٦٦)]، قال: «الْمَوَدَّةُ» (٢)(٣).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: عقد المصنفُ هذا الباب للكلام على
стр. 301
المحبّة، وهي من أعمال القلوب، والمحبّةُ اختلف في تعريفها على أقوالٍ، هي في الحقيقة آثارٌ للمحبّة، وأما المحبّةُ نفسها فعرّفها بعضهم بأنَّها: وصفٌ قائمٌ بالقلبِ يؤدي إلى السرور وغيره من المقتضيات، كالطاعة والمؤانسة.
ولعل الأحسن أن يقال: إنَّ المحبة هي من المصطلحات التي لا تُعَرَّفُ بتعريف أوضح منها، فتركُها بلا تعريف أحسن، كالماءِ، والبغضِ ونحو ذلك، فهي شعورٌ قلبيٌ لا توجد عبارةٌ جامعةٌ مانعةٌ تعبّر عنه.
المسألة الثانية: مناسبة الباب للتوحيد: أنَّ المحبّة عبادة، وإذا كانت كذلك وجب صرفُها لله، وكان صرفُها لغير الله شركًا كما فعل المشركون الذين أشار إليهم في الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾
المسألة الثالثة: المحبّة أنواع، فهناك المحبّةُ الطبيعية، ومحبّةُ الزوج لزوجته ونحو ذلك، ولكن المراد بهذا الباب: المحبّة الخاصة، وهي محبّةُ العبادة التي تستلزم الذلّ والتعظيم والخضوع والتعظيم لله محبّة وذلًّا وإجلالًا، وتقتضي فعل أوامره وطاعته وإيثاره على غيره، فهذه المحبّة لا يجوز صرفها وتعلّقها بغير الله.
* ويدل على هذا ما يلي:
١) قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ فذمّ المشركين؛ لأنَّهم اتخذوا أناسًا يحبونهم كحب الله.
ومعنى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: أنَّهم يساوونهم بالله في المحبّة والتعظيم، فيجعلون معبوداتهم شركاء لله في المحبّة، فتكون محبّة مشتركة (١).
стр. 302
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾: الأرجح في معناها أنَّ الذين آمنوا أشدّ حبًّا لله من محبّةِ المشركين بالأنداد لله، فإنّ محبّةَ المؤمنين خالصة، ومحبّةَ هؤلاء مشتركة، فقد ذهب حُبّهم لأندادهم بقسطٍ منها.
٢) قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة، الآية (٢٤)]، فبيّن أنَّه يجب أن تكون محبّة العبد لربه مقدمة على كل شيء، فالمحبةُ الصادقة تستلزم تقديم ما يرضي الله على هذه الثمانية كلها.
٣) حديث أنس ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» والمراد: نفي كمال الإيمان عمّن قدّم محبّة غير الرسول ﷺ عليه، وإذا كان هذا في محبّة رسول الله -وهي تابعةٌ لمحبّة الله، لا يكمل إيمان عبدٍ حتى يحققها- فمحبّة الله أعظم وأجلّ.
٤) قوله: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ … » فحلاوةُ الإيمانِ المتضمنة لِلّذّة والفرح تكون بتحقيق المحبّة لله، وذلك بثلاثة أمور:
أ- تكميل هذه المحبّة. ب- تفريغها. ج- دفع ضدّها.
فتكميلها: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، فإنّ محبّة الله ورسوله لا يُكتفى فيها بأصلِ الحبّ، بل لا بدّ أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما.
وتفريغها: أن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله.
ودفع ضدّها: أن يكره ضدّ الإيمان كما يكره أن يقذف في النار.
إذا تقرّر هذا فاعلم أنَّ محبّة غير الله محبّةً توازي محبّة الله شركٌ أكبر،
стр. 303
لأنّه صرف العبادة لغير الله (١).
المسألة الرابعة: أنَّ من أحبّ الله، ولم يقدّم عليه غيره، فإنَّه ورد في النصوص في هذا الباب له فضائل:
١) أنَّه يحقق الإيمان بهذا؛ ولذا قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى … »
стр. 304
٢) أنَّه ينال لذّة الإيمان؛ ولذا قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا … »، وقال ابن عباس: «وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ -وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ- حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ».
٣) أنَّه بهذا يكون من أولياء الله، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ولذا قال ابن عباس: «مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ، وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ، وَوَالَى فِي اللَّهِ، وَعَادَى فِي اللَّهِ، فَإِنَّمَا تُنَالُ وِلَايَةُ اللَّهِ بِذَلِكَ».
المسألة الخامسة: أنَّ كثيرًا من مؤاخاة الناس قد دخلها الخلل، ولم تصر لله حقًا، ولذا قال ابن عباس في زمنه: «وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا» ففتش عن نفسك، وعن محبتك، هل هي لله أو لغيره، قال يحيى بن معاذ: «الحب في الله لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء» (١)، وهذا ضابطٌ نافعٌ لمعرفة الحب هل هو لله أو لغيره.
واعلم أنَّه يجب أن يكون حبّ الإنسان لإخوانه لله تعالى، وهو حينها مأجور على حبّه، أما من أحب لأمر من أمور الدنيا فهي محبةٌ مذمومة، والدليل قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف، الآية (٦٧)].
* خلاصة الباب: أنّ الحب المقتضي للتعظيم والذل والخضوع عبادة، فلا يجوز صرفه إلا لله تعالى.
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: عقد المصنّف هذا الباب للحديث عن عبادة الخوفِ، وهي من العبادات القلبية، وهي وصفٌ يقوم بالقلب يحمل على فعل الأوامر وترك النواهي، وقد صدّر الباب بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران، الآية (١٧٥)].
والشيطان: إبليس، ويدخل فيه كل شيطانٍ من الإنس والجنّ.
وقوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾: أي يخوّفكم بأولياءه.
والواجب عليكم حينها ألّا تخافوهم، وإنما تخافوا من الله، فهو الذي بيده كل شيء، ولا يحدث في الكون شيء إلا بإرادته.
والتخويف الذي حصل من الشيطان ما أورده الله تعالى في الآية ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران، الآية (١٧٣)].
ومناسبة الباب للتوحيد، ولما قبله: أنَّ الخوف نوع من أنواع العبادة، وإذا كان كذلك فصرفه لغير الله شرك.
وإنما ذكر المصنف ما يتعلق بالخوف بعد ذكر المحبة:
١. لأنَّ العبادة ترتكز على الحب والخوف والرجاء.
стр. 307
٢. لئلا يجنح أحد فيتمسك بالحب فقط دون الخوف، فالمؤمن يجمع بين الحبّ والخوف والرجاء.
المسألة الثانية: الخوف بالنسبة لمن يُخاف منه له حالتان:
١ - خوفٌ من الله. ٢ - خوف من غير الله.
فأما الخوفُ مِنْ غير الله فله صور:
أ. الخوف الشركي: وهو ما يسمى بخوف السرّ، بأن يخاف من غير الله، إما خوفًا من إضراره به، أو يعتقد أنَّه بخوفه منه ينفعه في الآخرة.
• مثاله: ما يقع من المشركين من خوفهم من الأولياء وأصحاب القبور، وخوفهم أن يضرّوهم إن تركوا عبادتهم ونحو ذلك، وهذا الذي كان المشركون يعتقدونه، ولذا يخوفون بهم أولياء الله كقوله: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود، الآية (٥٤)] ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر، الآية (٣٦)]. ولذا فهم يخافون الصالحين والطواغيت كما يخافون الله أو أشد.
ب. الخوف المحرم: وضابطه: الخوفُ من المخلوق؛ خوفًا يمنع من فعل الواجب أو ترك المحرم، كمن يترك صلاة الجماعة خوفًا من مخلوق، أو يحلق لحيته خوفًا من مخلوق، والواجب على المسلم ألّا يخشى أحدًا إلّا الله.
ج. الخوف الطبيعي: كما يخاف المرءُ من عدوٍ أو سَبُعٍ أو غَرَقٍ ونحوه، وهذا لا ذمّ فيه، ومنه قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص، الآية (٢١)].
وأما الخوف من الله: فهو عبادةٌ مِنْ أجلّ العبادات، وهو خوف التعظيم والذلّ
стр. 308
والخضوع لله سبحانه، وقد أثنى الله على أهله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر، الآية (٢٨)]. وأمر بالخوف منه في نصوص عدة، ومنها:
١) الآية التي ساقها المصنف هي قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فجعل الخوف منه شرطًا في الإيمان.
٢) قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، والشاهد فيها: أنَّ الله حينما ذمّ المشركين ونفى عنهم عمارة المسجد الحرام بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ أثبت ذلك للمؤمنين، وأثنى عليهم وبيّن أنَّ مِنْ أظهَرِ خصالهم أنَّهم لا يخشون إلّا الله، والمراد: خشية التعظيم والعبادة، وبه تعلم أنَّ من صفات المؤمنين خشيتهم لله، وهذا دليل على أنَّهم مهتدون؛ لقوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ قال ابن عباس ﵁: «(عسى) من الله واجبة» (١).
المسألة الثالثة: اعلم أنَّ العبد له مع الخوف من الله مقامان:
١) أن يكون مائلًا عن الاستقامة ومقصرًا: فيخاف أن يعاقبه الله، وذلك
стр. 309
الخوف ناشئ من ثلاثة أمور:
١. معرفته بجنايته وقبحها.
٢. تصديق الوعيد، وأنَّ الله رتّب على المعصية عقوبتها.
٣. أنَّه لا يعلم لعله يُمنع من التوبة ويُحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب.
٢) أن يكون مستقيمًا: فخوفه دائمًا يكون مصاحبًا له؛ لِعلمه أنَّ الله مقلّب القلوب، ويتأمل قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. فأي قرارٍ لمن هذه حاله؟ ومَن أحقُّ بالخوفِ منه؟ وقد كان الرسول ﷺ يقول: «لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ» (١)(٢).
• واعلم أنَّ نقصان الخوف من الله، إنما هو بسبب نقصان معرفة العبد بربه.
المسألة الرابعة: أورد المصنف قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ وعلاقتها بالخوف من جهة أنَّ كثيرًا من الناس يدّعي أنَّه يخاف من الله، ولكن عند المحكّات يتبين أنَّ خوفه هو من الناس لا من الله، والدليل: أنَّك تراه إذا أوذي على تمسّكه بدين الله، فإنَّه حينها لا يحتمل أذاهم، فيفرُّ مِنْ ذلك بأن يوافق هؤلاء في أهوائهم وما يريدون، فيكون قد خاف من هؤلاء كما يخاف من الله، والمؤمنُ يعلم أنَّه لابد أن يناله ما يناله في طريق الدين.
ويعلم أنَّ العباد ليس بيدهم جزاء ولا حساب، وحينها فلا ينبغي أن يخاف منهم خوفَ تعظيم، ولا أن يسألهم، ولذا قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا
стр. 310
بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت، الآية (١٠)].
المسألة الخامسة: أنَّ الخوف من الله ينشأ في القلب إذا قوي اليقينُ بالله ربًا خالقًا مدبرًا، وإذا ضَعُفَ اليقينُ بالله تعلّق بعباد الله، وحينها يخذله الله، ويكله إلى الناس، ولضعف اليقين علامات:
١. أن يسعى العبدُ لإرضائهم ولو على حساب سخط الله.
٢. أنَّه إذا جاءه رزقٌ ظنَّ أنَّه من الناس فحمدهم، وإذا مُنِعَ من أمرٍ ظنّ أنَّه من الناس فسخطهم، وهذا نشأ من عدم معرفته بربه، ومن عدم خوفه من خالقه، ولو علم أنّ المتفرد بالعطاء والمنع هو الله، وأنَّ المخلوق لا يقدر على إعطائه شيئًا لم يقدّره الله له لما ذمهم.
* ويدل على هذا: ما ورد عن أبي سعيد ﵁ الذي ساقه المصنف، وهذا الحديث إسناده ضعيف -كما سبق في التخريج-، لكن معناه صحيح كما قال صاحب التيسير (١)، ويروى موقوفًا عن ابن مسعود.
المسألة السادسة: أورد المصنف حديث عائشة ﵂: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ»، وفيه أنَّ من بحث عن رضا الناس ولو كان ذلك بسخط الله، فإنّ العاقبة أنَّ الناس سيسخطون عليه، وسيسخط عليه رب العالمين، والعكس بالعكس، ولذا قال الشافعي: «رضى الناس غاية لا تدرك، فعليك بما فيه صلاح نفسك فالزمه» (٢).
• فالعاقل هو من يبحث عن رضا الله، وإن سخط الناس.
стр. 311
* وعلاقة هذا بالخوف: من جهة أنَّه إذا بحث عن رضا الله، وكان في ذلك سخط الناس فربما خاف منهم، وهنا تذكير للإنسان ألّا يخاف إلّا الله.
* خلاصة الباب: أنّ الخوف المصحوب بالتعظيم والإجلال عبادة لا تصرف إلّا لله، فمن صرفها لغيره فقد وقع في الشرك بالله سبحانه.
*
стр. 312
٣٣ - باب قول الله تعالى ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة، الآية (٢٣)]، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال، الآية (٢)]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال، الآية (٦٤)]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق، الآية (٣)].
وعن ابن عباس ﵂ قال: «﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵈ حِينَ أُلْقِيَ فِي اَلنَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا لَهُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران، الآية (١٧٣)]» (١)(٢).
(الشرح)
الكلام على هذا الباب في عدة مسائل:
المسألة الأولى: أورد المصنف هذا الباب للكلام على عبادةٍ من العبادات
стр. 313
القلبية العظيمة، وهي التوكل.
والتوكل هو: صدق اعتماد القلب على الله، بجلب النفع ودفع الضرّ مع فعل الأسباب (١)، فثمة أمران: فعلُ الأسباب، ثم التعلق بالله والاعتماد عليه.
والناس تجاه التوكل أصناف:
١ - قومٌ تعلقوا بالأسباب، ونسوا التوكل على الله .
٢ - قومٌ تعلقوا بالله، ولم يفعلوا الأسباب.
٣ - التوسط: بفعل الأسباب مع تعلق القلب بالله .
وصدق التوكل يكون: بأن يوقن العبد أن كل ما في الكون، فهو بتدبير الله، وحينها يفوض الأمر إليه وينزل به حاجته، ثم يفعل الأسباب التي جعلها الله أسبابا لهذا الأمر.
وفي هذا يقول ابن القيم مبينًا أن التوكل يكون مع فعل الأسباب: «منعُ الأسبابِ أن تكون أسبابًا قدحٌ في العقل والشرع، وإثباتُها والوقوفُ معها وقطعُ النظر عن سببها قدحٌ في التوحيد والتوكل والقيام به، وتنزيلها منازلها والنظر إلى مسببها وتعلق القيام به جمعٌ بين الأمر والتوحيد، وبين الشرع والقدر وهو الكمال» (٢).
* وعلى هذا: فلابد في التوكل من أمرين: تعلق القلب بالله، وفعل السبب، وإذا تخلف أحدهما لم يصح التوكل، فمن توكل على ربه ولم يبذر أرضه
стр. 314
ولم يغرسها فهذا بطّال، ومن اعتمد على صنعه لنفسه فهذا مخذول، والموفق من فعل السبب ثم توكل، فبذر أرضه ثم توكل على ربه.
ولذلك يروى عن النبي ﷺ أنه قال لمن أتى إليه ومعه ناقته، وقال: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل، أم أطلقها وأتوكل؟ قال «اعقلها وتوكل» (١).
ومرّ الشعبيُّ بإبلٍ قد فشا فيها الجرب، فقال لصاحبها: أما تداوي إبلك؟ فقال: إن لنا عجوزًا نتكل على دعائها، فقال: اجعل مع دعائها شيئًا من القطران -وهو دواءٌ للجرب- (٢).
المسألة الثانية: اعلم أن التوكل على الله من أجل القربات، وآكد العبادات، وقد ورد الأمر به في نصوص عديدة، ومنها آيات ثلاث ساقها المصنف وهي:
١) قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن القيم: «جعلَ التوكلَ شرطًا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل» (٣).
٢) قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فذكر في الآية أعظم صفات المؤمنين، والتي يدور عليها غيرها، وهي هذه الخمس، ومن أعظمها توكلهم على الله.
٣) قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ ووجه الدلالة منها: أنَّه إذا كان الله هو
стр. 315
حسبك، أي: كافيك وناصرك، فيتعين عليك أن تتوكل عليه، لا على غيره.
المسألة الثالثة: ورد في النصوص فضائل تُنال بالتوكل على الله، ومنها:
١. أنَّه يدخل في زمرة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب، فقد ذكر الله صفاتهم، وهي ثلاثٌ ترجع إلى التوكل، ونص عليه في الصفة الرابعة.
٢. أن من توكّل على الله كان الله حسبه وكافيه، قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق، الآية (٣)]، وما ظنك بمن يكون الله حسبه!
٣. أن التوكل على الله منجاة، فالله أنجى إبراهيم; بتوكله على ربه، حين أرادوا إلقاءه في النار، ونجى موسى; حين قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ونجى محمدًا ﷺ حين قال لأبي بكر: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما».
٤. أن في التوكل قوة القلب، وفي الاعتماد على الناس ضعف القلب، وقد ورد عن عمر بن عبد العزيز ﵀: «من أحب أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله» (١).
المسألة الرابعة: التوكل على غير الله قسمان:
١ - شركٌ أكبر: بأن يتوكل على أحدٍ من الخلق، فيما لا يقدر عليه إلا الله.
٢ - شركٌ أصغر: بالتوكل على المخلوق، فيما يقدر عليه، وهو ما يسمى بالاعتماد على الأسباب، وله أمثلة كثيرة، ومنها:
أ. الاعتماد على السلاطين في الرزق وغيره.
стр. 316
ب. الاعتماد على المذاكرة في التفوق والنجاح.
ج. الاعتماد على الطبيب في حصول الشفاء.
فهذا النوعُ منهيٌ عنه، والواجبُ التعلّق والاعتماد على الله لا على الاسباب، والتوكل عبادةٌ لا دخل للمخلوق فيها.
المسألة الخامسة: ثمة عبارات متعلقة بالتوكل تحسنُ الإشارة إليها، ومنها:
* قول: (توكلت عليك): يحرم قولها؛ لأن التوكل عبادة قلبية لا تكون إلا لله تعالى.
* قول: (توكلت على الله وعليك)، لا تجوز، لما سبق.
* قول: (توكلت على الله ثم عليك)، اختلف فيها على قولين:
١ - من أجازها، باعتبار أن التوكل على الله هو تفويض الأمر إليه والاعتماد عليه، والتوكل على العبد بعد التوكل على الله تفويض العبد فيما يقدر عليه، فالمراد: توكلت على لله ثم وكلتك بهذا الأمر، أو اعتمدت عليك في إنجازه، ويشترطون هنا أن يكون فيما يقدر عليه المخلوق، وممن نقل عنه هذا القول: ابن باز، وبه أفتت اللجنة الدائمة.
٢. من منع من ذلك؛ لأن التوكل عبادةٌ قلبية، فلا يصلح إلا لله، ولا يجوز هذا القول، وممن قال بهذا: محمد بن إبراهيم (١)، ويفهم هذا من كلام ابن تيمية حيث قال: «والوكالة الجائزة أن يوكل الإنسان في فعل يقدر عليه … إلى أن قال: فليس له أن يتوكل عليه وإن وكله، بل يعتمد على
стр. 317
الله في تيسير ما وكله فيه» (١).
ولعل الأقرب المنع من هذا؛ لأن التوكل هو الاعتماد والتعلق والالتفات، وذلك لا يكون إلا بالله وحده (٢).
* قول: (وكلتك في كذا) لا بأس بها، وهذا من باب الوكالة لا من باب التوكل.
المسألة السادسة: أورد المصنف في الباب أثر ابن عباس ﵄: «حسبنا الله ونعم الوكيل» وهو مما له حكم الرفع؛ لأن مثله لا يؤخذ بالرأي.
والمراد: أن الذي ينبغي للإنسان عند الملمات والشدائد أن يقول بلسانه وبقلبه: «حسبنا الله ونعم الوكيل» فهذه الكلمة فيها تفويض الأمر لله، والتجاء واعتصام به سبحانه، وهي كلمة نفع الله بها من قالها، وهما: إبراهيم ﵈ إذ قالها حين ألقي في النار، ومحمد ﵈ حيث تحزبت عليه الأحزاب.
*خلاصة الباب: أن المسلم يتقرب إلى الله بالتوكل، وأنَّه يكون باللجأ إليه في جلب النفع ودفع الضر مع فعل السبب، وأن من توكل على غيره سبحانه، فقد أشرك.
стр. 318
٣٤ - باب قول الله تعالى ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف، الآية (٩٩)]. وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر، الآية (٥٦)].
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: «اَلشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اَللَّهُ» (١).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: «أَكْبَرُ اَلْكَبَائِرِ: اَلْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اَللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اَللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ» (٢)(٣).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
стр. 319
المسألة الأولى: المقصود بالباب: التأكيد على وجوب أن يكون العبد معلقًا قلبه بين رجاء الله وعدم القنوط، وبين الخوف من الله وعدم الأمن من مكره، ولقد ضلَّ أقوام غلَّبوا الرجاء، وأقوام غلَّبوا الخوف.
فالمراد بالباب: التنبيه على أنَّ الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب، وأنَّه ينافي التوحيد، كما أنَّ القنوط من رحمة الله كذلك، ولذا قال بعض السلف: «من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن» (١).
• واعلم أنَّ من صفات المكذبين للرسل أنَّهم يأمَنُون من مكر الله، فإذا رأوا النعم تأتيهم اطمأنوا وأمِنوا من عذاب الله مع أنَّهم مستحقون له، والواجب على المسلم أن يجعل في قلبه الخوف من الله، لاسيما عند فعل المعصية وكذا الطاعة، وهذا هو هدي المسارعين للخيرات، ولذا ورد في الحديث عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون، الآية (٦٠)]. قالت عائشة ﵂: «هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ » (٢).
المسألة الثانية: ورد في نصوص الباب أمورٌ من الكبائر، ولها ارتباط بالباب، وهي:
١. القنوط من رحمة الله: وهو استبعاد الخير والإحسان منه، ومن ذلك
стр. 320
استبعاد الفرج وتيسر الأمر المتعسّر، ومن ذلك ما يقع من بعض العصاة إذا كثرت ذنوبهم، فربما قنطوا من رحمة الله ومن توبته عليهم، والمسلم يسمع من النصوص ما يجعله لا يقنط، ومنها:
أ- ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر، الآية (٥٣)].
ب- «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ يَغْفِرُ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (١).
• واعلم أنَّ أقرب الناس للقنوط هم الذين لا يعرفون الله، أما الذين يعرفونه فهم لا يقنطون، لعلمهم بسعة رحمته.
ولذا ورد أنَّ قدامة بن عبد الله ﵀ شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة، الآية (٩٣)]، فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب ﵁ اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنَّهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصرّوا على استحلالها قُتِلوا، وذلك أنَّ هذه الآية نزلت لما حرم الله الخمر وكان تحريمها بعد وقعة أحد قال