ب. الاعتماد على المذاكرة في التفوق والنجاح.
ج. الاعتماد على الطبيب في حصول الشفاء.
فهذا النوعُ منهيٌ عنه، والواجبُ التعلّق والاعتماد على الله لا على الاسباب، والتوكل عبادةٌ لا دخل للمخلوق فيها.
المسألة الخامسة: ثمة عبارات متعلقة بالتوكل تحسنُ الإشارة إليها، ومنها:
* قول: (توكلت عليك): يحرم قولها؛ لأن التوكل عبادة قلبية لا تكون إلا لله تعالى.
* قول: (توكلت على الله وعليك)، لا تجوز، لما سبق.
* قول: (توكلت على الله ثم عليك)، اختلف فيها على قولين:
١ - من أجازها، باعتبار أن التوكل على الله هو تفويض الأمر إليه والاعتماد عليه، والتوكل على العبد بعد التوكل على الله تفويض العبد فيما يقدر عليه، فالمراد: توكلت على لله ثم وكلتك بهذا الأمر، أو اعتمدت عليك في إنجازه، ويشترطون هنا أن يكون فيما يقدر عليه المخلوق، وممن نقل عنه هذا القول: ابن باز، وبه أفتت اللجنة الدائمة.
٢. من منع من ذلك؛ لأن التوكل عبادةٌ قلبية، فلا يصلح إلا لله، ولا يجوز هذا القول، وممن قال بهذا: محمد بن إبراهيم (١)، ويفهم هذا من كلام ابن تيمية حيث قال: «والوكالة الجائزة أن يوكل الإنسان في فعل يقدر عليه … إلى أن قال: فليس له أن يتوكل عليه وإن وكله، بل يعتمد على
стр. 317
الله في تيسير ما وكله فيه» (١).
ولعل الأقرب المنع من هذا؛ لأن التوكل هو الاعتماد والتعلق والالتفات، وذلك لا يكون إلا بالله وحده (٢).
* قول: (وكلتك في كذا) لا بأس بها، وهذا من باب الوكالة لا من باب التوكل.
المسألة السادسة: أورد المصنف في الباب أثر ابن عباس ﵄: «حسبنا الله ونعم الوكيل» وهو مما له حكم الرفع؛ لأن مثله لا يؤخذ بالرأي.
والمراد: أن الذي ينبغي للإنسان عند الملمات والشدائد أن يقول بلسانه وبقلبه: «حسبنا الله ونعم الوكيل» فهذه الكلمة فيها تفويض الأمر لله، والتجاء واعتصام به سبحانه، وهي كلمة نفع الله بها من قالها، وهما: إبراهيم ﵈ إذ قالها حين ألقي في النار، ومحمد ﵈ حيث تحزبت عليه الأحزاب.
*خلاصة الباب: أن المسلم يتقرب إلى الله بالتوكل، وأنَّه يكون باللجأ إليه في جلب النفع ودفع الضر مع فعل السبب، وأن من توكل على غيره سبحانه، فقد أشرك.
стр. 318
٣٤ - باب قول الله تعالى ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف، الآية (٩٩)]. وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر، الآية (٥٦)].
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: «اَلشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اَللَّهُ» (١).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: «أَكْبَرُ اَلْكَبَائِرِ: اَلْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اَللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اَللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ» (٢)(٣).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
стр. 319
المسألة الأولى: المقصود بالباب: التأكيد على وجوب أن يكون العبد معلقًا قلبه بين رجاء الله وعدم القنوط، وبين الخوف من الله وعدم الأمن من مكره، ولقد ضلَّ أقوام غلَّبوا الرجاء، وأقوام غلَّبوا الخوف.
فالمراد بالباب: التنبيه على أنَّ الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب، وأنَّه ينافي التوحيد، كما أنَّ القنوط من رحمة الله كذلك، ولذا قال بعض السلف: «من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن» (١).
• واعلم أنَّ من صفات المكذبين للرسل أنَّهم يأمَنُون من مكر الله، فإذا رأوا النعم تأتيهم اطمأنوا وأمِنوا من عذاب الله مع أنَّهم مستحقون له، والواجب على المسلم أن يجعل في قلبه الخوف من الله، لاسيما عند فعل المعصية وكذا الطاعة، وهذا هو هدي المسارعين للخيرات، ولذا ورد في الحديث عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون، الآية (٦٠)]. قالت عائشة ﵂: «هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ » (٢).
المسألة الثانية: ورد في نصوص الباب أمورٌ من الكبائر، ولها ارتباط بالباب، وهي:
١. القنوط من رحمة الله: وهو استبعاد الخير والإحسان منه، ومن ذلك
стр. 320
استبعاد الفرج وتيسر الأمر المتعسّر، ومن ذلك ما يقع من بعض العصاة إذا كثرت ذنوبهم، فربما قنطوا من رحمة الله ومن توبته عليهم، والمسلم يسمع من النصوص ما يجعله لا يقنط، ومنها:
أ- ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر، الآية (٥٣)].
ب- «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ يَغْفِرُ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (١).
• واعلم أنَّ أقرب الناس للقنوط هم الذين لا يعرفون الله، أما الذين يعرفونه فهم لا يقنطون، لعلمهم بسعة رحمته.
ولذا ورد أنَّ قدامة بن عبد الله ﵀ شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة، الآية (٩٣)]، فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب ﵁ اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنَّهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصرّوا على استحلالها قُتِلوا، وذلك أنَّ هذه الآية نزلت لما حرم الله الخمر وكان تحريمها بعد وقعة أحد قال
стр. 321
بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فأنزل الله هذه الآية؛ مبيّنًا فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم يُحرّم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين (١)، كما كان من أمر استقبال بيت المقدس.
ثم إنَّ أولئك الذين فعلوا ذلك يُذمّون على أنَّهم أخطأوا وأيسوا من التوبة، فكتب عمر إلى قدامة يقول له: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ (٣)﴾ [غافر، الآيات (١ - ٣)]. ما أدري أي ذنبيك أعظم؟ استحلالك المحرم أولًا؟ أم يأسك من رحمة الله ثانيًا؟
٢. اليأس من روح الله: وقيل: هو بمعنى القنوط، وقيل: بينهما فرق، وهو أنَّ القنوطَ أشدُّ اليأس، وقيل: بل المراد هنا بالقنوط: القنوط من رحمة الله واستبعاد حصول المطلوب، وباليأس: أن يستبعد زوال المكروه.
٣. الأمن من مكر الله: ومكر الله هو أنَّه إذا عصاه عبده وأغضبه، أنعم عليه بأشياء يظن أنَّها من رضاه، وإنما هي استدراج. قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والمعنى: استدراجه بالنعم حتى يأخذه على غره.
وقال ابن تيمية: «هو إيصال الشر إلى الغير بطريق خفي» (٢).
وهذه الأمور وردت في حديث ابن عباس، وقد ورد في الآية أن من أمِنَ مكر الله، فهو من الخاسرين.
стр. 322
المسألة الثالثة: ورد في الباب قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، فهل يوصف الله بالمكر؟
* قال أهل العلم: المكرُ في محلِّه محمودٌ، وهو في مقابلة مكر الماكر يدل على القوة، ولذا لا يجوز أن تصف الله بالمكر على سبيل الإطلاق، وإنما في مقابلة المكر ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ فمكرُ الله ورد في النصوص في مقابلة من مكرَ بأنبيائه وأوليائه، وهذا من الصفات التي تثبت لله مقيدة، قال ابن القيم: «المكرُ: إيصال الشيء الي الغير بطريقٍ خفي، وكذلك الكيدُ والمخادعةُ، ولكنه نوعان: قبيحٌ وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه، وحسنٌ وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له، فالأول مذموم، والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يُحمَد عليه عدلًا منه وحكمة، وهو تعالى يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب، لا كما يفعل الظلمة بعباده» (١).
المسألة الرابعة: ورد في الباب الأمر بالخوف من الله وعدم الأمن من مكره، وورد الأمر بالرجاء وعدم اليأس من رحمته، فبأيهما يعمل الإنسان وأيهما يقدم؟
* كلاهما مأمور به، فالخوف يقبض ويردع عن المعصية، والرجاء ينشِّط للطاعة، ولكل من الخوف والرجاء أحوالٌ يُغلَّبُ فيها ويقدّم:
* فيغلّب الخوف من الله على الرجاء:
عند المعصية، وعليه حينها أن يتذكر شدّة عقوبته سبحانه كي يرتدع ويتوب.
* ويغلّبُ الرجاء على الخوف:
١. عند التوبة من الذنوب؛ كي يقوى قلبه لقبول التوبة ولا يقنط.
стр. 323
٢. عند قرب الأجل؛ كي يموت على حسن ظن بالله، وقد قال ﷺ : «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ» (١).
* وأما عند فعل الطاعات فعليه أن يجمع بين الخوف أن لا تقبل، والرجاء وحسن الظنّ بالقبول، وهذا ما عليه المسلم الحق.
وقد قال أبو علي الروذباري: «الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت» (٢).
* وثمة أحوالٌ خاطئة تقع في الخوف والرجاء ليست على الصواب وهي مذمومة ومنها:
١) الرجاءُ من المُصِرِّ على المعاصي، أو المفرِّط في الواجبات.
٢) الخوفُ الذي يصل بصاحبه إلى القنوط من رحمة الله.
والمراد: أن لا تغلّب أحدهما، فمن الناس من يقول: أنا الرجل الصالح، صاحب الطاعات، فيفتنه الشيطان، ومنهم من يقول: أنا صاحب الذنوب التي لن يقبلها الله، فيغويه الشيطان، ويقنط.
* خلاصة الباب: أنَّ تعظيم الله يتم بالخوف منه وعدمِ الأمن من مكره، ومع هذا عدم القنوط من رحمته، والتوسط بين هذين هو هدي المسلم الحق، وكلا الطرفين مذموم.
стр. 324
٣٥ - باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن، الآية (١١)]. قال علقمة: «هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ، فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ» (١).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اِثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (٢).
ولهما عن ابن مسعود مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (٣).
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ، عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَة فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤).
стр. 325
وقال ﷺ : «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا اِبْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» (١)(٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
الأولى: مناسبة الباب للتوحيد:
* من جهة أنَّ الصبر على القدر مأمورٌ به وواجب، وبقوة الصبر على المكاره في مراد المعبود سبحانه تُعلَمُ صحة عبادة المرء ومحبته، فالصابر يتحمل المشاقّ لأجل الله، فأعظمهم محبةً وتوحيدًا أشدُّهم صبرًا (٣).
стр. 326
* ومن جهة أخرى، فقد يتمادى به الأمر حتى يقع في الكفر، حينما يسبُّ ربه، لأجل قَدَره، ولذلك نبّه المؤلف على هذا.
المسألة الثانية: منزلة الصبر في دين الإسلام عظيمة، قال الإمام أحمد: ذكره الله في تسعين موضعًا من كتابه، وفي الحديث: «مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (١).
• واعلم أن الصبر ثلاثة أنواع:
١ - على طاعة الله. ٢ - عن معصية الله. ٣ - على أقداره.
والمراد هنا الثالث، وتعريفه: حبسُ النفسِ عن الجزع، وحبسُ اللسان عن التشكي والتسخط، والجوارحِ عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما.
المسألة الثالثة: للإنسان مع الصبر على الأقدار أربعة أحوال: السخط، الصبر، الرضا، الشكر.
فالصبر واجب، والرضا مستحب، وأرفع منه الشكر، وأما التسخط فمحرم، ودلّ على ذلك حديث أبي هريرة ﵁: «اِثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (٢).
وحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ» وقد ورد في الباب أفعالٌ من التسخط ومما لا يجوز عند المعصية، وهي:
١. النياحة على الميت، والنَوح أصله التناوح وهو التقابل، ثم استعمل في
стр. 327
اجتماع النساء وتقابلهن في البكاء على الميت (١).
ثم صارت النياحة تطلق على رفع الصوت بالبكاء والندب، وهو تعداد محاسن الميت وهذا من التسخط.
٢. ضرب الخدود: وخص الخدّ لكونه الغالب، وإلّا فضربُ بقيةِ الوجه مثله.
٣. شقّ الجيوب: والجيب ما يُفتَحُ من الثوب ليدخل فيه الرأس، وشَقُّه: إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات التسخط (٢).
٤. الدعاء بدعوى الجاهلية: وهو «ندب الميت» قاله ابن تيمية (٣)، وقال غيره: «هو الدعاء بالويل والثبور»، وقال ابن القيم: «الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ، وتفضيل بعضهم على بعض، يدعو إلى ذلك ويوالي عليه» (٤)، قال صاحب التيسير: «والصحيح أن دعوى الجاهلية تعم ذلك كله» (٥).
وهذه الأشياء المذكورة هي من التسخط، وقد ورد الذمُّ لها من وجهين:
١) أنَّها من الكفر: أي من خصال الكفر وشُعَبِه، فأطلق الكفرَ على من قامت به خصلة من هاتين الخصلتين، لكن ليس من قامت به شعبةٌ من شعب الكفر
стр. 328
يصير كافرًا الكفر المطلق، حتى يقوم به حقيقةُ الكفرِ، كما أنَّه ليس من قامت به شعبةٌ من شُعَبِ الإيمان يصيرُ مؤمنًا الإيمان المطلق، حتى يقومَ به أصلُ الإيمان، وفرقٌ بين الكفر المعرف بأل، وذلك المخرج من الملة، كما في قوله: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» (١)، وبين الكفر المُنَكَّرِ في الإثبات، فذلك يقتضي التشديد والزجر.
٢) أنَّه ليس منا من فعل ذلك: وهي من نصوص الوعيد، ووردت في عدة أحاديث، واختلف الأئمة في تأويلها، وذهب الثوري وأحمد: «إلى كراهة تأويلها، لتكون أبلغ في الزجر وأوقع في النفوس» (٢).
المسألة الرابعة: أنَّ المؤمن يرضى عن الله في أقداره، ويصبر على قضائه، ويدعوه لذلك أمور:
١ - أنَّه يعلم أنَّ ذلك بقدر الله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: بقدره وإرادته الكونية القدرية، وحكمته التامة ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد، الآية (٢٢)].
٢ - أنَّ مَنْ صبر، واستسلم لقضاء الله، عوّضه عما فاته من الدنيا هُدىً في قلبه ويقينًا صادقًا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرًا منه، ولذا أورد المصنف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن، الآية (١١)]، قال علقمة: «هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ، فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ».
٣ - أنَّ مثل هذه المصائب هي مكفرات ذنوب، ولذا أورد المصنّف في
стр. 329
الباب قوله ﷺ : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ، عَجَّلَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا … »، فكون التكفير يقع في الدنيا أهون، وقد نقل الشارح عن ابن تيمية قوله: «المصائب نعمة؛ لأنَّها مكفراتٌ للذنوب، وتدعو إلى الصبر، فيثاب عليها، وتقتضي الإنابةَ إلى الله، والذلَّ له والإعراض عن الخلق» (١).
٤ - أنَّ الله يوقع الابتلاء على من يحبهم، ليرفع درجاتهم، ويختبر صدق محبتهم، ولذا أورد المصنف قوله ﷺ : «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا اِبْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ».
فأفاد الحديثُ أنَّ الرضا بالبلاء عبادة، وأنَّ السخطَ محرم، وأنَّ عاقبة الرضى الثواب، وطمأنينة القلب، وعاقبة السخط الحسرةُ، والتألم لأجل المصيبة، فلا هو كسب الأجر على المصيبة، ولا هو صبر واحتسب فهوَّنها الله عليه.
المسألة الخامسة: ذكر ابن تيمية أنَّ الصبر على الأقدار التي تقع على العبد بغير اختياره من المصائب نوعان:
النوع الأول: نوعٌ لا اختيار للخلق فيه: كالأمراض وغيرها من المصائب لا السماوية، فهذه يسهل الصبر فيها؛ لأن العبد يشهد فيها قضاء الله وقدره، وأنَّه لا مدخل للناس فيها، فيصبر، إما اضطرارًا، وإما اختيارًا.
النوع الثاني: ما يحصل بفعل الناس في ماله أو عرضه أو نفسه، فهذا النوع يصعب الصبر عليه جدًا؛ لأن النفس تستشعر المؤذي لها، وهي تكره الغلبة، فتطلب الانتقام، فلا يصبر على هذا النوع إلا الانبياء والصديقون، وكان
стр. 330
نبينا ﵈ إذا أوذي يقول: «رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» (١)، وأخبر عن نبيّ من الأنبياء أنَّه ضربه قومه فجعل يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (٢) فجمع في هذه ثلاثة أمور: العفو عنهم، والاستغفار لهم، والاعتذار عنهم بأنهم لا يعلمون.
وهذا النوع من الصبر عاقبته النصر والهدى والسرور، والأمن والقوة في ذات الله، وزيادة محبة الله ومحبة الناس له وزيادة العلم (٣).
* خلاصة الباب: أنَّ الصبر على قدر الله وعدم التسخط منه، طاعة من الطاعات، وأنَّ التسخط على قدر الله نقص في التوحيد؛ لأنَّ مدبر الأقدار هو الله، والاعتراض على قدره هو اعتراض على حكمته، ومن وقع في هذا فهو لم يحقق الرضا بالله ربًا.
стр. 331
٣٦ - باب ما جاء في الرياء
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف، الآية (١١٠)].
وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «قَالَ تَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»، رواه مسلم (١).
وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ مَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيْهِ» رواه أحمد (٢)(٣).
стр. 332
(الشرح)
عقد المصنّف هذا الباب فيما يتعلق بالرياء، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الباب: لمّا كان العمل والعبادة إنّما يقصد بها وجه الله، كان من التفت قلبُه لغيره، وقَصد بالعبادة وجه غيره، واقعًا في الشرك، وهو ما يسمى بالرياء، ولذا نبه المصنّف على هذا في كتاب التوحيد.
المسألة الثانية: تعريف الرياء وحكمه وبواعثه:
الرياء: مصدر راءى يرائي، أي: عمل عملًا ليراه الناس، فهو فعل الخير لإرادة الغير، قال ابن حجر: «الرياء إظهار العبادة؛ لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها» (١).
والفرق بين الرياء وبين السمعة: أنَّ الرياء لأجل رؤية الناس، والسمعة هي العمل لإسماع الناس.
والرياء من أخطر أدواء القلوب، وباعثه في النفس ثلاثة أشياء، ذكرها ابن قدامة، وذكرها الحارث المحاسبي حين قال: «فالذي يبعث على الرياء وقبول خطرات العدو هذه الثلاث خِلال: حبُّ المحمدة، وخوفُ المذمّة والضعة، والطمعُ للدنيا، ولما في أيدي الناس جميعًا، ويجمع ذلك كلّه: حبُّ المحمدة وخوفُ المذمة؛ لأنَّ العبد قد يعلم أنَّه لا ينال ما عند الناس بطاعة ربّه إلّا أن يحمدوه عليها فتبذل له أموالهم، وأنَّه إنما جزع من الذم
стр. 333
للمحمدة كراهية أن يزول عنه حمدهم، فتؤول هذه الخلال الثلاث إلى حبّ المحمدة، إلّا أنَّها تشعبت وتفرقت على أقدارِ الناس وقدرِ مراتبهم» (١).
وأما حكمه: فهو شركٌ، ثم قد يكون شركًا أكبر إذا كان القصدُ لغير الله خالصًا، وليس في قلبه إرادة الله أبدًا، ويكون أصغر إذا قصد الله وغير الله.
وقد ورد النهي عنه في نصوصٍ أشار لها المؤلف، وهي:
(١) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، فذكر الله أنَّ قبول العمل يكون بأن لا يشرك به أحدًا، وهذا ميزان الأعمال الباطنة، ويكون صالحًا، وهذا ميزان الأعمال الظاهرة.
(٢) قوله ﷺ : «قَالَ تَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
وفيه أنَّ الله يردّ عمل من أشرك في القصد معه غيره، وقد ورد في الحديث: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشركُ الأَصْغَرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الشركُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إلى الَّذِينَ كُنْتُم تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟» (٢).
المسألة الثالثة: ذكر بعض أهل العلم أن للرياء أنواعًا:
١) الرياءُ البدني: وهو أنَّ يُظهِرُ المرائي النُّحُولَ والصفار على جسمه؛ ليوهم الناس شدّة اجتهاده في العبادة، وخوفَه من الله والدار الآخرة.
٢) الرياءُ من جهة اللباس والزي: وهو أنَّ يلبس على خلاف ما يلبسه الناس من الثياب، التي يزعم أنَّه لا يلبسها إلّا العلماء وأهل الله وخاصته؛ لأجل أن يقال: إنَّه عالمٌ أو عابدٌ أو زاهدٌ.
٣) الرياء بالقول: وهو الرياء بالنطق والكلام، كإظهار أنَّه حافظٌ للحديث، وإظهارِ الذكر لله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمام جمع من الناس، ومنه رياء أهل الوعظ والإرشاد الذين يُظهِرون للناس أنَّهم يحفظون الأخبار والآثار؛ لأجل مجاراة العلماء وإظهار غزارة العلم، ومنه خفض الصوت وترقيقه بقراءة القرآن؛ ليظهر للناس الحزن والخوف ونحو ذلك.
٤ - الرياء بالعمل: ومنه المراءاةُ بطول الصلاة والقيام والركوع والسجود وإظهار الخشوع، والمراءاة بكثرة الصدقة والحج وغيرها من الأعمال التي يراها الناس ويحمدونه عليها.
٥ - الرياء بكثرة الأصحاب والزوار: وهذا كالذي يتكلّف بدعوة العلماء والعبّاد؛ ليراه الناس ويقولوا: إنّ أهل العلم والدِّين يتردّدون عليه ويزورونه، فيحمدونه لأجل ذلك.
كلّ هذه الأنواع يقع فيها الرياء، ولذلك يجب على المسلم البعد عن الرياء والحذر منه، والحرص على إخلاص العمل لله ؛ لتكون أعماله مقبولة عند الله.
стр. 336
المسألة الرابعة: للعمل مع الرياء أحوال أشار إليها ابن رجب بما خلاصته:
١ - عملُ المرائي الذي دخله الرياء من أساسه، بحيث أنَّه لم يعمل العملَ إلّا من أجل الناس، وهو ما يسمى بالرياء المحض، فهذا العملُ باطلٌ مردودٌ على صاحبه، وهو كحال المنافقين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء، الآية (١٤٣)]، وهذا لا يكاد يصدر من مسلم.
٢ - أن يكون العملُ لله ويشاركه الرياء:
أ. فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه، قال ابن القيم عن هذا النوع: «أن يبتدئها -أي: العبادة- مُريدًا بها الله والناس، فيريد أداء فرضه، والجزاءَ والشكورَ من الناس، وهذا كمن يصلي بالأُجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلّى، ولكن يُصلي لله وللأجرة، وكمن يحجّ ليُسقِط الفرضَ عنه، ويقال: فلان حجّ، أو يعطي الزكاة كذلك، فهذا لا يُقبل منه العمل» (١).
ب- إن كان أصلُه لله ثم طرأ عليه نيّة الرياء، قال ابن رجب: «فإن كان خاطرًا، ثم دفعه فلا يضره، بغير خلاف» (٢).
وإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟
* في ذلك خلافٌ بين العلماء، فمنهم من يرى أن العمل إذا كان أوله مرتبطًا بآخره بطل، وإن كان غير متصل أُجِرَ على أوله.
ومنهم من يرى أنَّه يثاب، وأنَّه يجازى بنيته الأولى.
стр. 337
وقال ابن القيم: «فهذا المعمول فيه على الباعث الأول ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير الله، فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة، وفسخها، أعني: قطع ترك استصحاب حكمها» (١).
* فأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضله ورحمته واستبشر بذلك، لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى حديث أبي ذر عن النبيّ ﷺ قال: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (٢).
المسألة الخامسة: يجب على الإنسان أن يسعى لجعل أعماله لله، وينقّي قلبه من الرياء والسمعة، ومما يعين على ذلك عدة أمور:
١. أن يدافع بواعث الرياء، وهي ثلاثة -سبق ذكرها- حب المحمدة-، والفرار من ألم الذم والنقد، والطمع فيما بأيدي الناس.
فجاهد نفسك على مدافعة هذه الأشياء من القلب، باستشعار أنَّ مدح الناس وذمهم لا يغير من منزلتك عند الله شيئًا، وإنَّما ترتفع عند الله أو تنزل بإخلاصك أو رياءك، وبأن تستشعر أنَّ الخلق إلى زوال قريب ماضون، فكم كان في الأرض من أقوام أرادوا بأعمالهم مدح الناس وثنائهم، فأثنى الناس عليهم، والآن قد مضى المادح والممدوح، ولا يبقى للعبد في قبره إلّا ما أخلص لله من عمله!
وبأن يستشعر أنَّ ما في أيدي الناس هو من الله، فهو الرازق لا سواه،
стр. 338
فعلّق القلب بالله ولا تذلّ لأحد سواه.
٢. أن يُعَوِّدَ نفسه إخفاء العبادات، كما يخفي السيئات، بأن يغلق الأبواب، ويجاهد على عدم إظهارها للناس، كي يعوّد نفسه الإخلاص، ويروّضها أن لا تطلب المدح من المخلوق (١).
٣. أن يتذكر أنَّ طلب المحمدة والرياء، قد يبطل العمل فيصير من أخسر الناس عملًا، فلا هو كسب بطاعته الثواب، ولا هو ارتاح من عناء الطاعة.
المسألة السادسة: قد يتعبد الإنسان لله بعبادة أكثر مما يفعله في العادة حين يكون مع الناس، وذلك وقع منه لا لأجل طلب المدح، وإنما لأنَّه نشط للخير مع الجماعة.
• مثاله: رجلٌ له عادة أن يوتر بثلاث ركعات، وحين كان مع أصحابه ورأى نشاطهم زاد من عبادته، أو أنَّه صام معهم حين صاموا، فهل هذا من الرياء؟
* العبرة بما في القلب، فإن كان قصده طلب المدح فذلك رياء، وإن كان قد نشط حين رآهم وليس لأجل حبّ المدح فهو جائز، وذلك لأنَّ الإنسان قد يغلبه الشيطان على نفسه، فإن كان مع الجماعة نشط.
قال ابن قدامة: «ففي مثل هذه الأحوال ينتدب الشيطان للصدّ عن الطاعة، ويقول: إذا عملت على غير عادتك كنت مرائيًا، فلا ينبغي أن يلتفت إليه، وإنما ينبغي أن ينظر إلى قصده الباطن، ولا يلتفت إلى وسواس الشيطان.
ويختبر أمره بأن يمثل القوم في مكان يراهم ولا يرونه، فإن رأى نفسه تسخو بالتعبد فهو لله، وإن لم تسخ كان سخاؤها عندهم رياءً، وقس على
стр. 339
هذا» (١).
* خلاصة الباب: أنَّ العبادة لله، فلا يجوز أن يقصد بها العبد غير وجهه سبحانه، ولا أن يطلب من وراءها مدح الناس وثنائهم، وأن يحذر المسلم من الرياء فهو من أخطر الأدواء على العمل الصالح.
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مراد المصنّف من الترجمة بيانُ أمرين:
١ - أنَّ أداء العبادة لأجل نيل حظٍّ من الدنيا، شركٌ ينافي كمال التوحيد الواجب.
٢ - وأنَّ الواجب على الإنسان أن يخلص أعماله لله، ولا يخلط ذلك بشيء من أمور الدنيا، وذلك لأنَّ العبادة إنّما طلبها الله، وهو الذي يجازي ويحاسب، ويعلم ما في الضمائر، فمن الغبن أن ينصب المرء في العبادة، وينوي بذلك دنيا زائلة.
قال سفيان الثوري: «إنَّ أقبح الرغبة أن تطلب الدنيا بعمل الآخرة» (١).
فإن قيل: فما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟
* فالجواب: بينهما عموم وخصوص، فيجتمعان في أنَّ كلًا منهما عملٌ لغير الله، ويختلفان في قصدهما، فذاك أراد الثناء، وهذا أراد الدنيا، وكلاهما خاسر، لكن الثاني أهون.
المسألة الثانية: اعلم أنَّ الأصل أنَّ المرء تكون أعماله لله، لا يريد بها أمرًا من أمور الدنيا، وقد جاء ذم من عمل الطاعة وأراد بها أمرًا دنيويًا، في نصوصٍ ذكر المصنف منها آيةً وحديثًا.
* أما الآية: فقوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا
стр. 342
وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾، والمعنى: أنَّ من أرادوا الدنيا، فإننا نعطيهم ونوفّر لهم ثواب أَعْمَالِهم في دنياهم، في الصحة والسرور في المال والأهل والولد، وَهُمْ لا يُنقَصون.
وقد فُسِّرت الآيةُ بتفسيراتٍ، لعل من أحسنها تفسير قتادة ﵀ حيث قال: «من كانت الدنيا همّه وطِلبته ونيّته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يُفضِي إلى الآخرة وليس له حسنةٌ يُعطى بها جزاءً، وأما المؤمنُ فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة» (١).
وهذه الآية وإن كانت في الكفار، إلّا أنَّه لما كان من يعمل لغير الله، وإنما للدنيا قد شاركهم في القصد لغير الله صار حكمهما واحدًا (٢).
стр. 343
* وأما الحديث: فقوله: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ … ».
وعبدُ الدينار: طالِبُه الحريصُ على جمعه، القائمُ على حفظه، لا يرضى ولا يغضب ولا يحبّ ولا يُبغِض إلّا لأجله، سمّاه عبدًا له لشدّة شغفه وحرصه عليه، ولكونه هو المقصود بعمله، وكلُّ من توجه بقصده لغير الله، فقد جعله شريكًا له في عبوديته.
ووصفهُ بأنَّه عبدٌ ولم يقل مالك ولا جامع المال؛ لأنَّه منغمس في محبة الدنيا وشهواتها.
فدعى النبيّ ﷺ عليه بأن ينتكس، وإذا أصيب بشوكة فلا أخرجها، وقد ذكر النبيّ ﷺ في الحديث علامة من يريد الدنيا فقط قال ﷺ : «إِنْ أُعْطِيَ رَضِي، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ».
فمن كانت هذه حاله، فإنَّه يستحق أن يُدعى عليه بما يسوءه في العواقب.
المسألة الثالثة: الأعمال الصالحة إذا وقع معها نيّةُ أمرٍ دنيوي لا تخلو من حالات ثلاث:
أولًا: مَنْ قصد الدنيا فقط، وليس في قلبه شيء من قصدِ التعبّد؛ فحكمه
стр. 344
أن عمله حابط، وليس له من الأجر شيء، وقد وقع في الشرك.
* والدليل: حديث أبي بن كعب ﵁ أنَّ النبيّ ﷺ قال: «بَشِّر هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ، وَالدِّينِ، وَالنَّصر، وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصيبٌ» (١).
ولأنَّ الله أخبر عن حبوط عمله كما في الآية: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ [هود، الآية (١٦)].
قال ابن القيم معلقًا على الآية: «الله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فإذا أحبط ما ينجو به وبطل لم يبق معه ما ينجيه، فإن كان معه إيمان لم يُرِد به الدنيا وزينتها، بل أراد الله به والدار الاخرة لم يدخل هذا الايمان في العمل الذى حبط وبطل وأنجاه إيمانه من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط».
وقال أيضًا: «من كانت الدنيا مُرادَه ولها يعمل في غاية سعيه، لم يكن له في الأخرة نصيب» (٢).
• مثاله: من يصلي أو يصوم، أو يحج، وليس في قلبه شيء من التعبد، بل يريد بذلك أمرًا دنيويًا من مال أو منصب أو نحوه.
لكن قال العلماء: «هذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن، فإنَّ
стр. 345
المؤمن ولو كان ضعيف الإيمان، لابد أن يريد الله والدار الآخرة».
ثانيًا: من قصد بالعمل الصالح وجه الله، وقصد الدنيا، وهو: المُخَلِّط.
• وله أمثلة: منها من جاهد لإعلاء كلمة الله، ولنيل الغنيمة، ومن توَّلى الأذان للأجر، وللراتب، أو درّس العلوم الشرعية يريد العلم والفائدة، ويريد المال، ونحو ذلك؛ فهذا له حالات ثلاث:
أ- أن يكون الغالبُ عليه إرادة وجه الله، ويريد الدنيا في نفس العمل، فيجوز، ولكن يكتب له من الأجر بقدر ما نوى.
* والدليل على الجواز:
١. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة، الآية (١٩٨)].
٢. حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سريَّةٍ تَغْزُو، فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلاَّ كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سريَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ، إِلاَّ تَمَّ أُجُورُهُمْ» (١).
ب- أن يتساوى القصدان: فهذا ينقص أجرُه بقدرِ ما نوى من الدنيا.
قال السعدي: «وأما من عمل العمل لوجه الله ولأجل الدنيا، والقصدانِ متساويان أو متقاربان، فهذا وإن كان مؤمنًا فإنَّه ناقص الإيمان والتوحيد والإخلاص، وعمله ناقص؛ لفقده كمال الإخلاص» (٢).
стр. 346
ج- أن يكون الغالب عليه إرادة الدنيا، فهذا محرم، وعدّه بعض العلماء من الشرك الأصغر.
ثالثًا: من عمل العمل الصالح، وقصد به وجه الله وحده، وأخذ في مقابل عمله الديني جُعلًا ماليًا؛ كالمجاهد الذي يترتب على جهاده غنيمةٌ أو رَزقٌ، وكما لو أخذ من الأوقاف التي تُجعَل على المساجد والمدارس والوظائف الدينية لمن يقوم بها، فهذا لا تثريب عليه، ولا يضرّ أخذه هذا المال في إيمانه وتوحيده، لكونه لم يُرِد بعمله الدنيا، وإنّما أراد الدين، وقصد أن يكون ما حصل له معينًا له على قيام الدين.
* خلاصة الباب: أنَّ العمل الصالح يجب أن يراد به وجه الله، ولا يقصد به شيئًا من أمور الدنيا، فالدنيا كلها أحقر وأقلّ من أن تنويها في عبادةٍ تتقرب بها لله.
стр. 347
٣٨ - باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله
وقال ابن عباس ﵄: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ، أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ ، وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟!».
وقال الإمام أحمد: «عجبتُ لقومٍ عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور، الآية (٦٣)]. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك».
عن عدي بن حاتم: «أنَّه سمع النبيّ ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة، الآية (٣١)]، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، قَالَ: أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُم» (١)(٢).
стр. 348
(الشرح)
عقد المصنّف هذا الباب للكلام على طاعة العلماء والأمراء، أحكامها، وأقسامها، والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الباب للتوحيد:
هذا الباب من مقتضى التوحيد، إذ أنَّه معلوم أنَّ العبادة تكون بطاعة الله، فإذا عُلِم أنَّ الطاعة بامتثال أمر الله هي العبادة، نبّه المصنف بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الله بهذه الطاعة التي فيها تحليل أو تحريم، وأنَّه لا يطاع في هذا الأمر سواه إلّا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله.
المسألة الثانية: يدخل في الباب طاعة كل مخلوق في تحريم حلال أو تحليل حرام، وإنما ذكر في الباب العلماء والأمراء؛ لأنَّهم أولى من يطاع في مثل هذا، إذ هم أولوا الأمر، وحث الله على طاعتهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية (٥٩)]. لكن طاعتهم تبعًا لطاعة الله.
فلو أطاع أحدٌ عالم ضلالة، أو أميرًا على تحليل محرمٍ أو تحريم حلال،
стр. 349
فهو داخل في هذا الباب.
المسألة الثالثة: من أطاع هؤلاء في التحليل والتحريم فقد اتخذهم أربابًا، وهذا يتبين من وجهين:
١ - لأنَّه عدّهم مُشَرِّعين مع الله، والتشريعُ حقٌّ لله سبحانه.
٢ - لأنَّه قدّم طاعتهم على طاعة الله.
وهذا الأمرُ له أمثلة، ومنها: أنَّ بعض الناسِ يطيع علماء السوء، ويقدم أمرهم على ما ورد عن الرسول.
• ومن ذلك: أنَّ من الناس من يسمع من النصوص الدالة على تحريم تعظيم القبور ونحو ذلك، ثم هو يخالف ذلك؛ لأجل هوى في نفسه، أو يقول: إنَّ علماءنا يفعلون هذا، وهذا خللٌ كبير، وجِماعُ هذا: أن يطيعهم في تحليل حرامٍ وعكسه.
المسألة الرابعة: ساق المصنف للدلالة على الترجمة نصوصًا:
١) قول ابن عباس ﵄: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ، أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ ، وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟!».
وهذا اللفظ الذي ذكره المصنف ليس له وجود في كتب السنة، ولعله ساقه بالمعنى، وقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: «تَمَتَّعَ النبيّ ﷺ ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سيهْلِكُونَ، أَقُولُ: قَالَ النبيّ ﷺ ، وَيَقُولُون: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» (١).
стр. 350
وفي لفظٍ ذكره ابن عبد البر فقال ابن عباس: «وَاللَّهِ مَا أَرَاكُمْ مُنْتَهِينَ حَتَّى يُعَذَّبَكُمُ اللَّهُ، نُحَدِّثُكُمْ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُونَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» (١).
ومراد ابن عباس: أنَّ النص لا يعارض بقول أحدٍ كائنًا من كان، والشاهد: مقالة ابن عباس، وإلّا فمسألة التمتع في الحج فيها خلاف.
فإذا كان هذا قول ابن عباس في الخليفتين الراشدين، فكيف بمن ترك قول رسول الله ﷺ لقول من هو دونهم؟! قال الشافعي: «أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ» (٢).
قال ابن القيم: «فهلاّ قال ابن عباس، وعبد الله بن عمر: أبو بكر وعمر أعلم برسول الله ﷺ منا، ولم يكن أحدٌ من الصحابة، ولا أحدٌ من التابعين يرضى بهذا الجواب في دفع نصٍّ عن رسول الله ﷺ ، وهم كانوا أعلم بالله ورسوله، وأتقى له من أن يقدّموا على قول المعصوم رأى غير المعصوم» (٣).
٢) استشهد بإنكار الإمام أحمد على أقوامٍ ثبت عندهم الحديث بسند صحيح، ثم هم يخالفونه إلى قول الثوري أو غيره مما يكون فيه مخالفة للحديث، إما لعدم علم الإمام به أو عدم ثبوته عندهم أو لغير ذلك، فيأتي من يأتي من الأتباع، ويوافق هذا الإمام، مع أنَّه يرى نصًا وحديثًا صريحًا يخالف مذهبه، فالإمام معذور إذا لم يبلغه أو لم يصح عنده الخبر، إنّما الإشكال فيمن صحّ عنده ثم خالفه لقول بشر، وإذا نوقش في هذا ربّما قال:
стр. 351
لم يكن هذا الحديثُ ليخفى على الإمام، وإنما له توجيه، فربما أنَّه منسوخ أو متأول أو غير ذلك، وقال قائلهم: كل حديثٍ لم يأخذ به إمامنا، فهو مؤول أو منسوخ.
فهؤلاء يُخشى عليهم من أمرين:
١. الفتنة، وهي الشرك كما ورد في الآية، ويكون هذا بأن يتدرج بهم الأمر حتى يقعوا فيه.
٢. أن يصيبهم عذاب أليم؛ لمخالفتهم أمر النبيّ ﷺ ، وتقديم قول أحد من الأمة على أمر الله أو أمر رسوله ﷺ .
وورد عن الأئمة الأربعة وغيرهم أنَّهم نهوا عن تقليدهم إذا خالف قولهم الدليل والآية، وعن بعضهم: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي، وقد قال أحمد: «لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي، وخُذ من حيث أخذوا» (١).
٣) حديث عدي بن حاتم ﵁ أنَّ الله ذكر أنَّ اليهود والنصارى قد اتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وهذا الأمر يحتاج لبيان، وبيانه في:
المسألة الخامسة: طاعة العلماء والكبراء في تحليل الحرام ثلاث صور:
١. أن يعلموا أنَّهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ، اتّباعا لرؤسائهم، مع علمهم بأنَّهم خالفوا دين الرسول ﷺ ، فهذا كفر، وقد جعلوهم أربابًا مع الله، وإن لم يكونوا يصلّون لهم ويسجدون.
стр. 352
٢. أن يكون اعتقادُهم وإيمانُهم بتحريمِ الحرامِ وتحليل الحلال ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلمُ ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنَّها معاصٍ، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.
٣. أن يتابعوهم جهلًا فيظنّوا أن ذلك حكم الله، فهذا:
أ- إن لم يمكنه التعلم فلا شيء عليه؛ لحديث: «مَنْ أُفْتِىَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَانَ إثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ» (١).
ب- وإن أمكنه معرفة الحق بنفسه، فهذا مفرط آثم.
* خلاصة الباب: أنَّ التشريعَ والأمرَ كلَّه لله، فهو المطاعُ بإطلاق، وكذا رسوله ﷺ ، وما عداه فطاعتهم مقيدة بحدود الشرع، مع اعتقادنا أنَّهم غير معصومين، وأن الميزان هو الشرع.
стр. 353
٣٩ - باب قول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء، الآية (٦٠ - ٦٢)].
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة، الآية (١١)].
وقال الشعبي: «كان بين رجلٍ من المنافقين، ورجلٍ من اليهود خصومةٌ، فقال اليهوديُ: نتحاكم إلى محمد؛ لأنَّه عرف أنَّه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنَّهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه، فنَزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾» (١).
وقيل: «نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافعُ إلى النبيِّ ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما
стр. 354
القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله» (١).
وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف، الآية (٥٦)].
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة، الآية (٥٠)].
عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» (٢)(٣).
(الشرح)
هذا الباب في الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله، وبيانِ
стр. 355
أنَّ التحاكم يكون إلى رسول الله، وذلك من لوازم شهادة أنَّه رسول الله، والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الباب للتوحيد:
أ- إمّا أن يقال: أنَّ من مقتضى التوحيدِ التحاكمَ إلى شرع الله، والتحاكمُ إلى غيرِ شرعه سبحانه قدحٌ في التوحيد.
ب- أو يقال: إنَّ التوحيد مبني على الشهادتين، وما مضى من الأبواب هو في معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فنبه في هذا الباب على شيء مما يتعلق بشهادة «أنَّ محمدًا رسول الله»، وأنَّها تتضمن تحكيم شرعه وطاعته.
المسألة الثانية: هذا الباب هو فيما يتعلق بالتحاكم إلى الله ورسوله، والتحاكم إليهما هو التحاكم إلى الشرع كما لا يخفى، وخلاف ذلك التحاكم إلى غير الشرع.
واعلم أنَّ الكلام في الحكم بغير ما أنزل الله يتناول ثلاثة أطراف:
١ - المشرِّع. ٢ - الحاكم بذلك التشريع. ٣ - المتحاكمون إليه.
أولًا: المشرِّع: ويراد به من شرَّع القوانين وخالف الشرع: فمن شرّع أمرًا خلاف الشرع فقد كفر؛ لأنَّه ناقض الشرع وخالفه، ولأن التشريع حقٌ إلهيٌ، فمن نازع الله فيه فقد كفر.
ثانيًا: الحاكم بغير ما أنزل الله: فهذا له حالتان:
١. أن يكون هذا الأمرُ منه على الدوام، فهو يحكم بغير شرع الله، كالذي يأتي بالقوانين ويجعلها محلّ الحُكمِ بما أنزل الله، فالمقرر عند أكثر العلماء أنَّ هذا كفرٌ ورِدَّةٌ، وأنَّ حكمَه حكم من سنَّ القوانين، بل حُكِيَ الإجماعُ على