لم يكن هذا الحديثُ ليخفى على الإمام، وإنما له توجيه، فربما أنَّه منسوخ أو متأول أو غير ذلك، وقال قائلهم: كل حديثٍ لم يأخذ به إمامنا، فهو مؤول أو منسوخ.
فهؤلاء يُخشى عليهم من أمرين:
١. الفتنة، وهي الشرك كما ورد في الآية، ويكون هذا بأن يتدرج بهم الأمر حتى يقعوا فيه.
٢. أن يصيبهم عذاب أليم؛ لمخالفتهم أمر النبيّ ﷺ ، وتقديم قول أحد من الأمة على أمر الله أو أمر رسوله ﷺ .
وورد عن الأئمة الأربعة وغيرهم أنَّهم نهوا عن تقليدهم إذا خالف قولهم الدليل والآية، وعن بعضهم: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي، وقد قال أحمد: «لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي، وخُذ من حيث أخذوا» (١).
٣) حديث عدي بن حاتم ﵁ أنَّ الله ذكر أنَّ اليهود والنصارى قد اتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وهذا الأمر يحتاج لبيان، وبيانه في:
المسألة الخامسة: طاعة العلماء والكبراء في تحليل الحرام ثلاث صور:
١. أن يعلموا أنَّهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ، اتّباعا لرؤسائهم، مع علمهم بأنَّهم خالفوا دين الرسول ﷺ ، فهذا كفر، وقد جعلوهم أربابًا مع الله، وإن لم يكونوا يصلّون لهم ويسجدون.
стр. 352
٢. أن يكون اعتقادُهم وإيمانُهم بتحريمِ الحرامِ وتحليل الحلال ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلمُ ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنَّها معاصٍ، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.
٣. أن يتابعوهم جهلًا فيظنّوا أن ذلك حكم الله، فهذا:
أ- إن لم يمكنه التعلم فلا شيء عليه؛ لحديث: «مَنْ أُفْتِىَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَانَ إثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ» (١).
ب- وإن أمكنه معرفة الحق بنفسه، فهذا مفرط آثم.
* خلاصة الباب: أنَّ التشريعَ والأمرَ كلَّه لله، فهو المطاعُ بإطلاق، وكذا رسوله ﷺ ، وما عداه فطاعتهم مقيدة بحدود الشرع، مع اعتقادنا أنَّهم غير معصومين، وأن الميزان هو الشرع.
стр. 353
٣٩ - باب قول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء، الآية (٦٠ - ٦٢)].
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة، الآية (١١)].
وقال الشعبي: «كان بين رجلٍ من المنافقين، ورجلٍ من اليهود خصومةٌ، فقال اليهوديُ: نتحاكم إلى محمد؛ لأنَّه عرف أنَّه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنَّهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه، فنَزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾» (١).
وقيل: «نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافعُ إلى النبيِّ ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما
стр. 354
القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله» (١).
وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف، الآية (٥٦)].
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة، الآية (٥٠)].
عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» (٢)(٣).
(الشرح)
هذا الباب في الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله، وبيانِ
стр. 355
أنَّ التحاكم يكون إلى رسول الله، وذلك من لوازم شهادة أنَّه رسول الله، والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الباب للتوحيد:
أ- إمّا أن يقال: أنَّ من مقتضى التوحيدِ التحاكمَ إلى شرع الله، والتحاكمُ إلى غيرِ شرعه سبحانه قدحٌ في التوحيد.
ب- أو يقال: إنَّ التوحيد مبني على الشهادتين، وما مضى من الأبواب هو في معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فنبه في هذا الباب على شيء مما يتعلق بشهادة «أنَّ محمدًا رسول الله»، وأنَّها تتضمن تحكيم شرعه وطاعته.
المسألة الثانية: هذا الباب هو فيما يتعلق بالتحاكم إلى الله ورسوله، والتحاكم إليهما هو التحاكم إلى الشرع كما لا يخفى، وخلاف ذلك التحاكم إلى غير الشرع.
واعلم أنَّ الكلام في الحكم بغير ما أنزل الله يتناول ثلاثة أطراف:
١ - المشرِّع. ٢ - الحاكم بذلك التشريع. ٣ - المتحاكمون إليه.
أولًا: المشرِّع: ويراد به من شرَّع القوانين وخالف الشرع: فمن شرّع أمرًا خلاف الشرع فقد كفر؛ لأنَّه ناقض الشرع وخالفه، ولأن التشريع حقٌ إلهيٌ، فمن نازع الله فيه فقد كفر.
ثانيًا: الحاكم بغير ما أنزل الله: فهذا له حالتان:
١. أن يكون هذا الأمرُ منه على الدوام، فهو يحكم بغير شرع الله، كالذي يأتي بالقوانين ويجعلها محلّ الحُكمِ بما أنزل الله، فالمقرر عند أكثر العلماء أنَّ هذا كفرٌ ورِدَّةٌ، وأنَّ حكمَه حكم من سنَّ القوانين، بل حُكِيَ الإجماعُ على
стр. 356
هذا، قال ابن كثير معلّقًا على قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾: «ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَمِ المشتملِ على كل خير، الناهي عن كل شرٍّ وعدل، إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستندٍ من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان، الذي وضع لهم اليَساق -وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه-، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن فعل ذلك منهم فهو كافرٌ يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله» (١).
وقال الشنقيطيّ: «وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه، مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله ﷺ ، أنّه لا يَشكّ في كفرهم وشركهم إلّا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم» (٢).
وهذا الأمر كان موجودًا في الجزيرة في زمن دعوة المجدد، وكانوا يسمون ذلك: السُلُوم، أو سوالف البادية، أو شرع قبيلة كذا، ويتحاكمون إليها، وقد أنكر العلماء هذا الأمر، قال ابن سحمان: «فإن كثيرًا من الطوائف المنتسبين إلى الإسلام قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم، ويسمون ذلك
стр. 357
الحق بشرع الرفاقة، كقولهم شرع عجمان، وشرع قحطان، وغير ذلك، وهذا هو الطاغوت بعينه، الذي أمر الله باجتنابه» (١).
٢. أن يكون ذلك في قضيةٍ أو قضايا قليلةٍ وليست دائمة، وهو يعلم أنَّه عاصٍ بتحكيم غير شرع الله، إنما ارتكبه لهوى أو ظلمٍ ونحوه، فهذا لا يَكفُر، بل حكمه أنَّه مرتكبٌ للذنب، قال ابن القيم: «إن اعتقد وجوبَ الحكمِ بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنَّه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر» (٢)، فيكون كفرًا أصغر بقيود ثلاثة:
١ - أن يكون في قضية أو قضايا قليلة.
٢ - أن يعلم أنَّه مخطئٌ عاصٍ مستحقٌ للعقوبة.
٣ - أن يكون الدافع لذلك الهوى والعدوان ونحوهما، لا الاستخفاف أو الاستحلال، أو اعتقاد أنَّ غيرَ شرعِ الله أفضل أو مساوٍ، أو يجوز الحكم به.
ثالثًا: المتحاكم لغير شرع الله: فمن تحاكم إلى من يحكِّمُ غير شرع الله له أحوال:
١) أن يكون مُجبرًا ملزمًا بذلك، فليس عليه شيء، كمن رُفع به عند محكمة تحكم بالقوانين.
٢) أن يذهب باختياره ورغبته، ويرى أن الحكم بذلك جائز سائغ، فهذا كفر.
стр. 358
٣) أن يرى أنَّ الحكم بذلك لا يجوز، ومع هذا يذهب برغبته واختياره، فهذا ليس بكفر، لكنه على خطر عظيم، ومن هذا من يذهب ويرفع عند محكمة تحكم بالقوانين، وهو يرى أنه عاصٍ بذلك.
ويدخل في التحاكم إلى القوانين التحاكم إلى كل جهة وإدارةٍ شرعت أحكامًا مخالفة لشرع الله.
والجامع لذلك: هو أنَّ من شرع أمرًا مخالفًا للشرع فهو من هذا، وما لم يدخل فالأصل أنَّ لولي الأمر أن يجعل من الأمور التي لا تخالف الشرع وتضبط الناس.
ومن صور التحاكم إلى غير شرع الله تعالى ما يلي:
١. ما وقع في زمن التتار، كما ذكر ابن كثير في تفسيره (١)، حيث إنَّهم حكموا بكتاب ودستور صنعه جنكيز خان، ويسمى (الياسق) أو (الياسه) وفيه مجموعة من أحكامٍ اقتبسه من شرائع شتى، وفيه أحكام أخذها عن مجرد نظره، وصار في بنيه شرعًا، يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة.
٢. التحاكم إلى الهيئات الدولية التي تحكم بقوانين البشر، وتخالف شرع الله.
٣. التحاكم إلى محاكم الكفار في بلادهم، وهو غير ملزم بذلك، ويستطيع التحاكم لغيرهم.
فأما إن اضطر للتحاكم لمحاكم البلاد الكافرة، فيجوز- والله أعلم- بقيود ثلاثة:
стр. 359
١) كراهة التحاكم إليهم.
٢) أن لا يأخذ المتحاكم إليهم أكثر من حقه.
٣) أن يكون ما يطالب به من حقٍ تقرّه الشريعة.
وحينها لا يُعتبر هذا من التحاكم إلى الطاغوت؛ لأنَّ المتقدّم إنما يأخذ حقّه الذي أقرّته الشريعة فقط، وهذا من شريعة الله، ومحكمةُ البلد وسيلةٌ لتنفيذ ما أقرّته الشريعة، وهو مضطر لهم.
٤. العمل ببعض الأنظمة واللوائح التي فيها مخالفة لشرع الله، كما يحصل في بعض الجهات في بعض الدول أن تسنّ قوانين وأنظمة مخالفة لشرع الله، فمن علم بها فليس له التحاكم إليها؛ لأنَّها مخالفة لشرع الله تعالى.
المسألة الثالثة: وردت نصوص عديدة تدل على وجوب التحاكم إلى شرع الله وحكمه، وساق المصنف بعضًا منها:
١) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ وقد ذكر المؤلف للآية سببي نزول:
١. ما ورد عن الشعبي في تحاكم يهودي ومنافق، وطلبِ المنافق من اليهودي التحاكم إلى اليهود؛ لأنَّهم يأخذون الرشوة.
٢. أنَّها نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: «نترافع إلى النبيّ ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله».
стр. 360
وهي نماذجُ تعطي صورًا للتحاكم الذي ذمّه الله، ولذا قال ابن كثير بعد ذكر سبب النزول: «والآيةُ أعمُّ من ذلك كله، فإنَّها ذامّةٌ لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ها هنا» (١).
واعلم أنَّ الآية دليلٌ على كفر التحاكم لغير شرع الله، فالله تعجّب من زعمهم أنهم مؤمنون، مع أنهم يحكمون بغير شرع الله، وما ذلك إلّا لأنَّ دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب.
ثم أُتْبِعت هذه الآية بآية في الموضوع، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. ثم علقه وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وفيها:
١ - أنَّه لا يجوز للمسلم التحاكم إلى غير الكتاب والسنة.
٢ - أنَّه عدّ التحاكم إليه من تحقيق الإيمان، فلا يتمّ إيمان امرئٍ إلّا بذلك.
٢) قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء، الآية (٦٥)].
وسبب نزولها قصة الأنصاري مع الزبير ﵁، وقيل: بل نزلت في اليهودي والمنافق الذين تحاكما إلى الطاغوت، ورجح الطبري الثاني (٢).
وعلى القول بأنَّه في قصة الزبير -وهو ثابت عند البخاري (٣) -، فإذا كان
стр. 361
هذا الأمر نزل في مخاصمةٍ في سيل ماء، فما بالك بمن لم يرض بقضاء النبيّ ﷺ وحكمه في أصول الدين وفروعه، وصدَّ الناس عن ذلك.
قال ابن القيم: «فأقسم سبحانه بأجلِّ مُقسَمٍ به -وهو نفسه على أنّه لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله، حتى يُحَكِّموا رسول الله ﷺ في جميع موارد النزاع، في جميع أبواب الدين، فإنّ لفظة «ما» من صيغ العموم .. ولم يقتصر على هذا حتى ضمّ إليه انشراح صدورهم بحكمه، حيث لا يجدون في أنفسهم حرجًا -وهو الضيق والحَصَر- من حكمه، بل يقبلوا حكمه بالانشراح، ويقابلوه بالتسليم، لا أنّهم يأخدونه على إغماض، ويشربونه على قذى، فإنَّ هذا مناف للإيمان، بل لابدّ أن يكون أخذه بقبول ورضا وانشراح صدر.
ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضمّ إليه قوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فذكر الفعل مؤكدًا بمصدره القائم مقام ذكره مرتين، وهو التسليم والخضوع له والإنقياد لما حكم به طوعًا ورضًا، وتسليمًا لا قهرًا ومصابرة، كما يسلم المقهور لمن قهره كرهًا، بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحبّ شئ إليه، يعلم أنَّ سعادته وفلاحه في تسليمه إليه ويعلم بأنه أولى به من نفسه وأبرّ به منها وأقدر على تخليصها، فمتى علم العبد هذا من رسول الله ﷺ واستسلم له، وسلم إليه، انقادت له كل علّة في قلبه، ورأى أن لا سعادة له إلّا بهذا التسليم والانقياد» (١).
٣) عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ».
стр. 362
والحديث أخرجه البيهقي وأبو الشيخ في كتاب الحجة، وأبو نعيم في الأربعين من رواية نعيم بن حماد، عن عبد الوهاب الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو به، وصححه النووي ﵀.
ولكن ضعفه طائفة من أهل العلم، منهم ابن عساكر (١)، وابن رجب (٢)، حيث قال: تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا، من وجوه منها:
١ - أنَّه تفرد به نعيم بن حماد المروزي، وقد ضعفه طائفة وقالوا: «عنده مناكير»، وقال ابن معين: «ليس بشيء ولكنه صاحب سنة».
٢ - أنَّه اختلف فيه على نُعيم.
٣ - وفي إسناد عقبة بن أوس متكلم في روايته عن ابن عمرو.
فالصواب ضعف الحديث، لكن مع هذا فمعناه صحيح، وأصله في القرآن (٣).
والشاهد في الحديث: أنَّ العبد لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب، حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي، فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه، ولا يجد في نفسه حرجًا من أوامر الدين، ويعتقد أن المشرع هو الله.
المسألة الرابعة: قد عدّ الله التحاكم إلى غيره إفسادًا في الأرض، وتحاكمًا إلى حكم الجاهلية، وساق المصنف في هذا آيتين:
стр. 363
١. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾
٢. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
ووجه الشاهد من الآيتين: أنَّ التحاكم إلى غير الله ورسوله هو من أعمال المنافقين، وهو من أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح للأرض إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله وهو سبيل المؤمنين.
واعلم أنَّ الإفساد المعنوي الذي يحصل بتحكيم غير شرع الله أعظمُ من الإفسادِ الحسيّ الذي يترتب عليه الإيذاء للناس في دنياهم، بل لا مقارنة بينهما.
المسألة الخامسة: التحاكم إلى غير شرع الله هو من اتباع أهل الجاهلية في ضلالهم، وقد ساق المصنف قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة، الآية (٥٠)].
وخلاصة القول في تفسيرها: أنَّ الله أنكر على كل من خرج عن حكم الله، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، وترك الحكم بشرع الله في كل القضايا كفر بالله سبحانه كما تقدم.
المسألة السادسة: أورد المؤلّف في الباب ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قتل من أراد التحاكم إلى غيره، وهذا الأثر أتى به الشيخ بصيغة التمريض (قيل)، وقد ذكره الواحدي في أسباب النزول معلقًا عن الكلبي عن أبي صالح، وهذا مع تعليقه إسنادٌ ضعيف، لكن ورد له شاهد ذكره ابن تيمية في الصارم المسلول، ومع هذا فهو ضعيف؛ لأنَّه مرسل، ومن رواية ابن لهيعة (١)،
стр. 364
نعم ساق صاحب التيسير له شاهدًا ثم قال: «فهذه القصة مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولًا يغني عن الإسناد، ولها طرق كثيرة ولا يضرها ضعف إسنادها» (١).
لكن هذا فيه نظر والله أعلم، فليس للقصة طرق يعتمد عليها، ولذا قال ابن باز ﵀: «القصة فيها نظر، وإنما يقال: القصة وقعت بسبب يهودي ومنافق، قال اليهودي: نتحاكم إلى محمد ﷺ ، وقال المنافق: نتحاكم إلى حكامكم، وقيل: إنَّه كعب بن الأشرف، لعلمه أنَّه يأخذ الرشوة، فنزلت الآية، هذا أصح ما قيل، والله أعلم» (٢).
* خلاصة الباب: أنَّ التشريع مما يختص به الله تعالى، وعلى هذا فمن جعل مشرّعًا غير الله، أو شرَّع هو شيئًا يخالف ما شرعه الله، أو تحاكم إلى من يحكم بغير شرع الله فقد وقع في المحذور.
стр. 365
٤٠ - باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات
وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد، الآية (٣٠)].
وفي صحيح البخاري قال علي ﵁: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟» (١).
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه، عن ابن عباس: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا اِنْتَفَضَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصِّفَاتِ اِسْتِنْكَارًا لِذَلِكَ، فَقَالَ: مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟ يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ؟!» (٢).
«ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر «الرحمن» أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾» [الرعد، الآية (٣٠)] (٣).
стр. 366
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مرادُ المؤلف بهذا الباب: بيان حكم من جحد شيئًا من الأسماء والصفات، إمّا بتكذيبٍ أو تأويلٍ، وما جزاؤه.
وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ التوحيد من أنواعه: توحيد الأسماء والصفات، فلا يَتِمُّ توحيدُ العبدِ حتى يؤمن بتوحيد الأسماء والصفات، فمن جحدها أو شيئًا منها، فإنَّه لم يكمل توحيده.
المسألة الثانية: توحيد الأسماء والصفات عند أهل السنة يكون بأن يُثبِتَ المرءُ لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فمذهبُ أهل السنة بريء من التعطيل والتكييف والتمثيل والتحريف.
المسألة الثالثة: استدل المصنف للباب بقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد، الآية (٣٠)] وقد اختلف في سبب نزولها، فنقل عن ابن عباس: «أنَّها نزلت لما قال النبيّ ﷺ لكفار قريش: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن؟ فنزلت» (١).
وقيل: إنَّها نزلت لما أراد المشركون كتابة الصلح يوم الحديبية، كتب عليّ ﵁: «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف
стр. 367
الرحمن (١).
* والشاهد في الآية: أنَّ الله سمى إنكارهم لاسم الرحمن كفرًا، ومَن كفر باسمٍ من أسماء الله أو جحده فقد كفر بالله.
المسألة الرابعة: ورد في الباب أثر علي ﵁ في البخاري: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟» وهذا قاله حين كثر القُصّاصُ في خلافته وصاروا يذكرون أحاديث ليست من الأحاديث المعروفة، ولهذا كثر الوضع بهذا السبب.
ويدخل فيما لا يعرفه الناس نوعان من الكلام:
١. ما يُستنكر من جهة عدم ثبوته.
٢. ما لا تستوعبه عقولهم؛ لئلا يُفتنوا، وقد ورد عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً» (٢)، وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فمنها ما يسيء بعض الناس فهمه، كما نُقِل عن الحسن البصري أنَّه أنكر تحديث أنس ﵁ للحَجّاج بقصة العرنيين؛ لأنَّه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي، وكما يحصل من البعض أنَّه يحدِّثُ بأحاديث عند ناسٍ، فتكون سببًا لأن يتركوا طاعةً أو يقويهم على بدعة، ولذا كان بعضُ السلفِ لا يحدِّثُ في ديار الخوارج بمثل حديث: «وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ» (٣) ونحوه، ولذلك يقول بعض أهل العلم:
стр. 368
إنَّه لا ينبغي أن تحدث العصاة بنصوص الرجاء، ونحو ذلك، قال ابن حجر: «وضابط ذلك: أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب» (١).
• إذا تقرر هذا: فنصوص الصفات نُقل عن مالك أنَّها من هذا الباب، أي: لا ينبغي أن يُحَدَّثَ بها العامةُ؛ لأنَّها لا تستوعبها عقولهم، فقد يفهمون منها التشبيه.
وأجاب صاحب التيسير عن هذا بما معناه: «ما أظنّ ذلك يثبت عن مالك، والقرآنُ مملوءٌ من آيات الصفات فماذا يقال؟ بل يقال: إنَّ أحاديث وآيات الصفات مازالت تُقرأ على العوام، بل من شرط الإيمان بالله الإيمان بالأسماء والصفات» (٢).
• وعلى هذا: فيحمل كلام مالك ﵀ على بعض نصوص الصفات مما قد يلتبس فهمها على العوام، أو ما يتعلق بدقائق البحث في مسائل الأسماء والصفات مما لا يتصوره العوام، وقد ورد أن مالكًا ﵀ قال ذلك عندما حدّث بحديث الصورة «إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (٣).
وقد ذكر المصنف عن ابن عباس: «أنَّه رأى رجلًا انتفض لما سمع حديثًا عن النبيّ ﷺ في الصفات -استنكارًا لذلك- فقال: ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه».
وقد قال الذهبي: حدّث وكيعٌ عن إسرائيل بحديث: «إذا جلس الربُّ على
стр. 369
الكرسي، فاقشعرّ رجلٌ عند وكيع، فغضب وكيع، وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها» (١).
المسألة الخامسة: أورد المصنف أثر ابن عباس: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا اِنْتَفَضَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصِّفَاتِ اِسْتِنْكَارًا لِذَلِكَ، فَقَالَ: مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟ يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ؟!».
وفيه أن هذا الرجل انتفض جسمه إنكارًا حين سمع أحاديث في الصفات، فأنكر ابن عباس صنيعه، وقال: «مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟! يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ؟!».
وها هنا يرِدُ على كلام ابن عباسٍ سؤال وهو: هل نصوص الصفات من المتشابه؟ وإذا قلنا: إنَّها من المتشابه، فمعلوم أنَّ منهم من قال: المتشابه لا يعلمه إلا الله؟!
* نصوص الصفات من المحكم -وإن قال السيوطي: إنَّها من المتشابه (٢) - وأما أثر ابن عباس فيقال فيه: التشابه أمرٌ نسبي، فقد يكون متشابهًا عند قوم، وبيِّنًا جليًا عند آخرين، وبعض الناس يقصر فهمه عن إدراك المعنى، أو يفهمه على معنى خطأ فيما يتعلق بالصفات، فهو من المتشابه في حقّه، فيكون التشابه من حيث فهم بعض الناس وقصوره، أما من حيث المعنى فليست نصوص الصفات من المتشابه.
* خلاصة الباب: وجوب الإيمان بأسماء الله وصفاته، على وفق مذهب السلف الصالح، وعدم جحد شيء منها.
стр. 370
٤١ - باب قول الله تعالى ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل، الآية (٨٣)].
قال مجاهد ما معناه: «هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي» (١).
وقال عون بن عبد الله: «يقولون: لولا فلان لم يكن كذا» (٢).
وقال ابن قتيبة: «يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا».
وقال أبو العباس، بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: «إن الله تعالى قال: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» (٣) -الحديث وقد تقدم-: «وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به، قال بعض السلف: «هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقًا، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير» (٤)(٥).
стр. 371
(الشرح)
هذا الباب هو في حكم إضافة نعم الله لغيره، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب وعلاقته بالتوحيد.
المراد بالترجمة: التأدّب مع الله في الألفاظ، وأن تنسب النعم إلى الله، فهو المسبّب الحقيقي.
وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ إضافة النعم إلى غير الله:
أ- إن كان أضافها على أنَّ المنعم بها غير الله، فهذا شركٌ في الربوبية؛ لأنَّه أضافها إلى السبب على أنَّه فاعل.
ب- وإن كان أضافها لغير الله على أنَّه سببٌ -كما ورد من الألفاظ في هذا الباب والذي بعده-، فهذا نوعٌ من الشرك في الألفاظ.
المسألة الثانية: اعلم أنَّ الواجب على العبد تجاه النعم من الله:
١. أن يشكر نعم الله عليه بلسانه، فيلهج بالحمدِ والثناء على الله، وأن ينسبها ويضيفها إلى المنعم الحقيقي وهو الله.
٢. أن يحبّ الله على ما أعطاه، ويعترف بقلبه أنَّه المنعم الحقّ، وأنَّه محض تفضّلٍ منه، وليس للعبدِ استحقاق على الله.
٣. أن يشكره بأفعاله، بأن يستخدم النعم في طاعة الله.
وبهذه الأمور تدوم النعم بإذن الله، وذاك شكرها الذي قال الله فيه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
стр. 372
المسألة الثالثة: نسبةُ النعمِ لغير الله له حالات بعضها أشدُ من بعض:
الحالة الأولى: أن ينسب النعم لغير الله نسبة إيجادٍ وخَلقٍ، فيعتقد أن غير الله هو من أوجدَ النعمة؛ وهذا كفرٌ بالله، حيث جعلَ المنعم غيره سبحانه، والله هو وحده الرازق ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر، الآية (٣)].
الحالة الثانية: أن يضيف النعم للمخلوق، باعتقاد أنَّ المخلوق سببٌ، والمنعم هو الله، فهذا له حالتان:
أ-إن كان المخلوقُ سببًا: فلا يجوز؛ لأنَّه أضاف النعمة له، ولم يضفها إلى الله.
وقد يدخل هذا فيما ورد عن أبي سعيد ﵁: «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللَّهِ … » (١).
ب- أن لا يكون المخلوق سببًا، كما لو أضاف النعمة للولي فلان، أو للأمير، وليس له فيها أي تسبّب، فهذا أشنع، وقد يصل إلى الشرك، إن اعتقد أنَّه له تصرفًا في الأمور، وسيأتي لهذا أمثلة في المسألة الرابعة.
الحالة الثالثة: أن ينسب النعمة لله، ومع هذا يشكر المخلوق؛ لأنَّه تسبب في هذا، وثبت أنَّ له سببًا، فهذا جائز، بل مشروع، وقد قال النبيّ ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﵁: «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» (٢).
стр. 373
المسألة الرابعة: ذكر المصنف في الباب قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل، الآية (٨٣)]. وهي دالّةٌ على ذمِّ من أنكر نعمة الله ولم ينسبها له بعدما عرفها.
وذكر في الباب ثلاثة أقوالٍ للسلف فيما يدخل في الآية، وكيف تنكر النعم.
الأول: ما ورد عن مجاهد، وساقه بمعناه، ولفظه: «هي المساكنُ والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، يعرف هذا كفار قريشٍ ثم ينكرونه، بأن يقولوا هذا كان لآبائنا فورّثونا إياه» وهذا فيه تناسٍ للمسبب وهو الله، وفي هذا يقول ابن القيم ما معناه: «لما أضافوا النعم إلى غير الله، فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره، فإن الذي يقول هذا جاحد لنعمة الله غير معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما، فأنكراها، وقالا: إنما ورثنا هذا كابرًا عن كابر، وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم، إذ أنعم بها على آبائهم، ثم ورثهما إياها فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمه» (١).
الثاني: أن يقول: لولا فلان ما حصل كذا، ومثله قول: لولا فلان قائد السيارة لهلكنا، أو لولا فلان ما نجحت في تجارتي، ومنه قول عون بن عبد الله: «يقولون: لولا فلان لم يكن كذا»، فمثل هذه الألفاظ:
أ- إن أراد بها السبب: فلا ينبغي له قولها، سواء كان السببُ خفيًا، أو لا اعتبار له، أو كان السببُ ظاهرًا، ولو أراد الإخبار وكان الخبرُ صدقًا مطابقًا للواقع، فالأولى أن لا يقولها، وأجازه بعضهم للإخبار.
стр. 374
ب- إن أراد أن هذا هو المسبب: فلا يجوز؛ لأنَّه نسب النعم لغير الله، وهو المنعم الحقيقي والمدبر.
الثالث: ما ورد عن ابن قتيبة: «أنَّهم إذا حصلت لهم نعمةٌ أو مطر أو مال أو غيره، قالوا: إنَّ الآلهة شفعت لنا، أو الولي بشفاعته حصل لنا كذا».
وهذه العبارة شركٌ بالله تعالى، قال ابن القيم: «أما قول القائل: (بشفاعة آلهتنا) فتتضمن الشرك مع إضافة النعمة إلى غير وليها، فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر وأذلُّ من أن تشفع عند الله، وهي مُحضَرةٌ في الهوان والعذاب مع عابديها» (١).
واختار ابن جرير التفسير الأول (٢)، وذكر غيرُ واحد أن الآية تعم الثلاثة، وهذا أقرب.
* خلاصة الباب: أنَّه يجب التحري في الألفاظ والتأدب، وأن لا يصدر منه لفظ فيه نسبة النعم لغير المنعم الحقيقي وهو الله تعالى.
стр. 375
٤٢ - باب قول الله تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة، الآية (٢٢)].
قال ابن عباس في الآية: «الْأَنْدَادُ هُوَ الشِّرْكُ، أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ: وَاللَّهِ، وَحَيَاتِكَ يَا فُلَانُ، وَحَيَاتِي، وَتَقُولَ: لَوْلَا كُلَيْبَةُ هَذَا؛ لَأَتَانَا اللُّصُوصُ، وَلَوْلَا الْبَطُّ فِي الدَّارِ، لَأَتَى اللُّصُوصُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَقَوْل الرَّجُلِ: لَوْلَا اللَّهُ وَفُلَانٌ، لَا تَجْعَلْ فِيهَا فُلَانًا، هَذَا كُلُّهُ بِهِ شِرْكٌ» (١).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ (٢) أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» (٣).
стр. 376
وقال ابن مسعود ﵁: «لِأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا» (١).
وعن حذيفة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ» (٢).
وجاء عن إبراهيم النخعي: «أنَّه يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك، قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا لولا الله وفلان» (٣)(٤).
(الشرح)
هذا الباب قريب من الباب السابق، إلّا أنَّ الأول في وجوب إفراد الله
стр. 377
بالنعم، وهذا في إفراد الله بالمشيئة والحلف والاستعاذة ونحو ذلك، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: مراد المؤلف بالباب ذِكرُ صورةٍ مِنْ صور جعل الندِّ مع لله تعالى، ومعلومٌ أنَّ الندَّ هو المِثلُ والنظير، وجعلُ الندِّ لله: صرفُ أنواعِ العبادة أو شيء منها لغير الله، واتخاذُ الأنداد نوعان:
١ - شركٌ أكبر: كمن يدعو غير الله، ونحو ذلك من العبادات.
٢ - شركٌ أصغر: وهو ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول: ما شاء الله وشئت ونحو ذلك، وهو المراد هنا؛ حيث ساق ألفاظًا يجب لمن أراد تحقيق التوحيد التحرز منها، ولو لم يقصد بها معناها، إذ هي من الشرك في الألفاظ.
وعلاقة الباب بالتوحيد: أنَّ المرء ينبغي أن يحقق توحيده، وأن يتحرز من كل لفظٍ يخالف التوحيد، ومن ذلك ما ذكره في هذا الباب.
المسألة الثانية: ذكر المصنف عدّة عباراتٍ فيها إشكال، وهي:
١) قول: «والله وحياتك يا فلان، وحياتي»: وهذه فيها حلفٌ بغير الله، وتسويةٌ لغير الله بالله في هذا، والصواب أن يحلف بالله وحده.
وقد ورد النهي عن الحلف بغير الله في الحديث الذي ذكره المصنف عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ».
ولذا يرى جمهور العلماء -بل حكى ابن عبد البر الإجماع-: «أن الحلف بغير الله لا يجوز» (١)، خلافًا لمن رأى أنَّه مكروه؛ لأنَّ الحلف عبادة، وفيها
стр. 378
تعظيم للمحلوف به، فلا تصرف لغير الله؛ لأنَّه هو المعظَّمُ، ولا شك أن الحالف بغير الله ما حمله على ذلك إلا تعظيمه للمحلوف به، وهذا يقع من بعض من يعظمون الأولياء، قال الشيخ سليمان بن عبد الله: «ولهذا إذا توجهتْ على أحدهم اليمينُ بالله تعالى أعطاك ما شِئتَ من الأيمان صادقًا أو كاذبًا، ولو قيل له: احلف بحياة الشيخ فلان، أو بتربته ونحو ذلك، لم يحلف إن كان كاذبًا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أعظمُ في قلبه من ربِّ الأرباب، وما كان الأولون هكذا، بل كانوا إذا أرادوا التشديد في اليمين حلفوا بالله تعالى، كما في قصة القسامة التي وقعت في الجاهلية» (١).
وإذا كان الحلف بغير الله شركًا -كما ورد في الحديث- فإن حكمه يختلف، حيث يقول أهل العلم:
أ- إن اعتقد أنَّ المحلوف به مساوٍ لله في التعظيم والحق: فهو شرك أكبر.
ب- إن لم يعتقد ذلك: فهو شرك أصغر.
* ولأجل خطورة الحلف بغير الله، قال ابن مسعود ﵁: «لأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا». وذلك لأنَّ الحلف بالله كاذبًا كبيرة، والحلف بغير الله شرك وكفر، وإن كان أصغر فهو أكبر من الكبائر بإجماع السلف، قال ابن تيمية معلّقًا على كلام ابن مسعود ﵁: «لأنَّ حسنةَ التوحيدِ أعظمُ من حسنةِ الصدق، وسيئةَ الكذبِ أسهلُ من سيئة الشرك» (٢).
٢) قول: «لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص» وهذه فيها نسبة عدم وقوع السرقة للكلب حين نبح، وللبطّ حين صوّت، وهذا
стр. 379
خللٌ، فالله هو المسبب، ولو شاء لما نبح الكلب، وما انتبه البط، فالصواب هنا أن يقول: «لولا الله وحده»، أو يقول:» لولا الله ثم كذا»؛ لأن (ثم) تفيد التراخي في المرتبة، وأما التشريك بالواو فلا يجوز، فالمراتب ثلاث:
١. لولا الله وحده، فهذا الكمال.
٢. لولا الله ثم فلان: فيجوز إذا كان سببًا.
٣. لولا الله وكذا: فلا يجوز.
٣) قول: «ما شاء الله وشئت»: وقد ورد عن حذيفة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ». والإشكال في هذه الكلمة أنَّه عَطفَ بالواو، والعطفُ بالواو يقتضي المساواة؛ لأنَّها لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وتسويةُ المخلوقِ بالخالقِ في نوعٍ من أنواع العبادة شرك.
٤) قوله: «لولا الله وفلان»: وهذه فيها جعلُ المخلوقِ مساويًا لله في السببية، وقد قال في الأثر: «لا تجعل فيها فلانًا، هذا كله به شرك».
٥) قول: «أعوذ بالله وبك» وفيها ما في سابقتها من تسوية غير الله في الاستعاذة، والواجبُ أن يقول: «أعوذ بالله وحده»، أو يقول: «أعوذ بالله ثم بك»، إذا كان فيما يقدر المخلوق عليه.
وقد نقل المصنف عن إبراهيم النخعي: «أنَّه كان يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، حتى يقول: ثم بك».
والسلف يطلقون الكراهة ويريدون بها التحريم غالبًا، كما هنا، وكما ورد في أول الكتاب: «كانوا يكرهون التمائم كلها» وقد ورد في القرآن الكراهة
стр. 380
وأريد بها التحريم: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.
* خلاصة الباب: أنَّه لا يجوز للإنسان أن يتخذ مع الله نِدًا، لا في العبادة، ولا في الحلف، ولا في الألفاظ من استعاذة واستغاثة ونحوه.
стр. 381
٤٣ - باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله
عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ، فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ» (١)(٢).
(الشرح)
مراد المؤلف بالباب: أنَّ الإنسان إذا حُلف له بالله فليقنع وليرضَ؛ لأنَّ الحالف أكدَّ حلفه بالله، فمن تعظيم الله أن تقنع بمن حلف لك بالله، وسيأتي بيان هذا في الباب.
وقد أورد المصنف حديث ابن عمر، وفي الحديث إشارةٌ إلى عدة مسائل:
الأولى: النهي عن الحلف بالآباء، ويدخل فيه الحلف بغير الله مطلقًا، وقد وردت أحاديث عديدة فيها النهي عن الحلف بغير الله، ومنها:
١. حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ
стр. 382
بِاللَّهِ» (١). وفي لفظ: «أَلَا مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلاَّ بِاللَّهِ، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» (٢).
٢. حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ مرفوعًا: «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِيت وَلَا بِآبَائِكُمْ» (٣).
٣. ما ورد عن سعد بن عبيدة: «أنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَا وَالكَعْبَةِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يُحْلَفُ بِغَيْرِ اللهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشركَ» (٤).
ولأجل هذا نهى العلماءُ عن الحلفِ بغير الله، وسبق أنه محرمٌ عند الجمهور.
* ومن صور الحلف بغير الله: الحلفُ بالآباء، وكان موجودًا عند العرب، فنهى النبيّ ﷺ عنه كما في هذه الأحاديث.
فإن قيل: كيف نجيب عما ورد في حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» أَوْ «دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ»؟ (٥).
* أجيب عنها بأجوبة عديدة، لعل أقواها ثلاثة أجوبة:
١ - أنَّ هذا منسوخ، وذلك لأن الذي يظهر أنَّه وقع في أول الأمر، ثم نُسِخَ بأحاديث النهي عن الحلف بالآباء.
стр. 383
٢ - أنَّه جارٍ على عادة العرب في قولهم ألفاظًا ولا يريدون حقيقتها، كما يقولون: ثكلتك أمك، أو تربت يمينه، ونحوها.
٣ - أن لفظة: «وَأَبِيهِ» شاذة، تفرد بها إسماعيل بن جعفر في رواية بعض الرواة عنه، وقد اختلف عليه هو أيضًا، فقد وردت روايته عند البخاري بدونها، وأكثر الذين رووا الحديث ذكروه بدونها، وإنما بلفظ: «أفلح إن صدق»، ولذا أعرض البخاري عنها، وأوردها مسلم بطريقةٍ توحي بأنَّه يريد إعلالها لا الاحتجاج بها، وقد ذكر مسلم في مقدمته أنَّه قد يورد ألفاظًا يريد إعلالها، فلعل هذا منها، ومن له دُربة في صحيح مسلم يدرك هذا من طريقة سوقه للمتابعات والأسانيد (١).
الثانية: أنَّه ينبغي لمن حلف بالله أن يصدُقَ في يمينه، ولا يجوزُ له الكذب في اليمين، فإن ذلك استخفافٌ بالله الذي حلف به كاذبًا، فإنْ ترتب على حَلِفِه أكلٌ لمالٍ أو ظلمٌ لحقٍ فهي اليمين الغموس.
الثالثة: أنَّه ينبغي لمن حُلِف له بالله أن يرضى، وذلك تعظيمًا لمن حُلف له به، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «رَأَى عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسرقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسرقْتَ؟ قَالَ: كَلاَّ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، فَقَالَ عِيسى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي» (٢)، وهذا لتعظيمه لله سبحانه.
وقد توعد في الحديث من لم يرض بمن حلف له بالله، بأنَّه ليس من الله فقال: «وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ»، وهذا من ألفاظ الوعيد التي تبقى على ظاهرها؛ ليكون ذلك أوقع لهيبتها في القلوب.
стр. 384
لكن هل هذا -أي: الرضا بمن حلف بالله- على إطلاقه؟
* للعلماء في الحديث أقوال، والظاهر والله أعلم: أن الأمر لا يخلو من حالين:
أ- أن يكون الحالف بالله هو في حالة الدعاوى والخصام والتحاكم: فمن حُلِفَ له عند القاضي إذا توجهت اليمين عليه، فإنّ على المحلوفِ له أن يرضى باليمين ويلتزمَ بمقتضاها.
ب- أن يكون في غير ذلك: أي في عامة أمور الناس وأحوالِهم، فإذا حلف لك أحدٌ بالله فالأصل أنَّه يجب أن ترضى، إلا إن علمت أو غلب على ظنِّكَ وترجح عندك أنَّه كاذب، إما للقرائن، أو لأنَّه معروف بالكذب ونحو ذلك، فلا يجب حينها أن تصدقه وترضى، ولا تأثم بذلك، والله أعلم.
• مثاله: قال لك خادمك: والله ما سرقتُ، والقرائن تدل على أنَّه هو السارق، فلا تأثم بعدم تصديقه بحلفه.
* خلاصة الباب: أن من تعظيمك لله، وإجلالك له ولاسمه سبحانه، أن إذا حلف لك أحدٌ بالله، وأنت لا تدري أصادقٌ هو أم كاذب، فإنك تصدقه، إلا إن تبين لك خلاف ما حلف عليه.
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مراد المؤلف بهذا الباب بيان حكم قول القائل: «ما شاء الله وشئت» ونحوها من الألفاظ، وبيان أنَّ قولها لا يجوز وأنَّها من الشرك، كما أقر النبيّ ﷺ اليهودي على قوله: «إنكم تشركون».
وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ المرء مأمورٌ بأن يوحِّدَ الله في أفعاله وأقوالِه، وهذا اللفظ فيه إشراك كما سبق، وهذا يعني أنَّ من الشركِ شركُ الألفاظ.
المسألة الثانية: ذكر المصنّف هذه الأحاديث، وفيها النهي عن لفظين:
١. قول: «ما شاء الله وشئت» ورد هذا في حديث قتيلة أنَّ اليهودي عدّه من الشرك، وأقرّه النبيّ ﷺ على هذا، وورد في حديث ابن عباس، وجعله النبيّ ﷺ من اتخاذ الندّ لله، وورد في حديث الطفيل.
• وعلة النهي: أنَّ المشيئة لله وحده، فلا يشرك معه أحدٌ، لا نبيٌ ولا غيرُه.
* فإن قيل: فما وجه التفريق بين الطاعة والمشيئة، فإنَّ الله قد قرن طاعته بطاعة الرسول، كما في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]، وأمّا في المشيئة، فقد نهى النبيّ ﷺ عن القرن بينه وبين الله فيها؟
* قال ابن تيمية: «لأنَّ طاعة الرسول طاعة لله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة الرسول، بخلاف المشيئة فليست مشيئة أحدٍ من العِباد مشيئةٌ لله، ولا مشيئةُ الله مستلزمةٌ لمشيئة العِباد، بل ما شاء الله كان وإن
стр. 388
لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله» (١).
وإذا كان قد ورد في الحديث النهي عن قرن مشيئة العبد بمشيئة الله وأنَّها من الشرك، مع أنَّ الله أثبت للعبد في القرآن مشيئة، فما بالك بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك ونحوها، أو يقول: أنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلّا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، واللهُ لي في السماء وأنت لي في الأرض، ونحوها من الألفاظ، فلا شك أنَّها أفحشُ من قولِ ما شاء الله وشئت (٢).
٢. قوله: «والكعبة» وهذا حلفٌ بغير الله، وسبق الإشارة لتحريم الحلف بغير الله، وبالكعبة، وأنَّه من الشرك بالله.
فإن قيل: حديث قتيلة ورد النهي من اليهودي، فكيف لنا أن نتخذ ذلك تشريعًا؟
* الجواب:
١ - أنَّ كون الأمر ورد من يهودي لا يمنع أن يكون النبيّ ﷺ نبه على النهي عن ذلك قبل كلامه.
٢ - أنَّ كلام اليهودي اكتسب المشروعية بإقرار النبيّ ﷺ له، فصار اتباعنا لسنة النبيّ ﷺ لا لقول اليهودي.
المسألة الثالثة: ذكر المصنّف حديث الطفيل (٣)، والشاهد أنَّ فيه بيانًا
стр. 389
لما سبق أنَّ قول: «ما شاء الله وشئت» شرك لأنَّها تقتضي التسوية.
* فإن قيل: هل يمكن أن يمنع النبيّ ﷺ الحياء من إقرار الحكم؟
* الحياء لا يمنعه، وإنّما ما ورد عن الله ما يقتضي المنع وأراد أن ينهى عنها لما فيها من المبالغة في تعظيمه الذي لم يرد في الشرع النهي عنه، والإنسان السوي لا يرتاح لتعظيمه والمبالغة في هذا، لكن لمّا كان الدافع لهذه الكلمة تعظيمه لم يقدم ﷺ على ردّهم، فلما سمع الرؤيا جاءه الخبر بالتحريم فجزم ولم يتردد.
* خلاصة الباب: أنه لا يجوز قول: «ما شاء الله وشئت»؛ لأن في اللفظ تشريك في المشيئة، فوجب التحرز منه.
стр. 390
٤٥ - باب من سب الدهر فقد آذى الله
وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية، الآية (٢٤)].
في الصحيح عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ» (١).
وفي رواية: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فِإنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» (٢)(٣).