← Акыда

Акыда · id 1251

بغية المستفيد في شرح كتاب التوحيد

منصور الصقعوب

Полный текст (499 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَخْبَرْتُ بِهَا مَنْ أَخْبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طُفَيْلًا رَأَى رُؤْيَا أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإنَّكُمْ قُلْتُمْ كَلِمَةً يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا، فَلَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» (١) (٢).

стр. 387

(الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: مراد المؤلف بهذا الباب بيان حكم قول القائل: «ما شاء الله وشئت» ونحوها من الألفاظ، وبيان أنَّ قولها لا يجوز وأنَّها من الشرك، كما أقر النبيّ ﷺ اليهودي على قوله: «إنكم تشركون». وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ المرء مأمورٌ بأن يوحِّدَ الله في أفعاله وأقوالِه، وهذا اللفظ فيه إشراك كما سبق، وهذا يعني أنَّ من الشركِ شركُ الألفاظ. المسألة الثانية: ذكر المصنّف هذه الأحاديث، وفيها النهي عن لفظين: ١. قول: «ما شاء الله وشئت» ورد هذا في حديث قتيلة أنَّ اليهودي عدّه من الشرك، وأقرّه النبيّ ﷺ على هذا، وورد في حديث ابن عباس، وجعله النبيّ ﷺ من اتخاذ الندّ لله، وورد في حديث الطفيل. • وعلة النهي: أنَّ المشيئة لله وحده، فلا يشرك معه أحدٌ، لا نبيٌ ولا غيرُه. * فإن قيل: فما وجه التفريق بين الطاعة والمشيئة، فإنَّ الله قد قرن طاعته بطاعة الرسول، كما في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]، وأمّا في المشيئة، فقد نهى النبيّ ﷺ عن القرن بينه وبين الله فيها؟ * قال ابن تيمية: «لأنَّ طاعة الرسول طاعة لله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة الرسول، بخلاف المشيئة فليست مشيئة أحدٍ من العِباد مشيئةٌ لله، ولا مشيئةُ الله مستلزمةٌ لمشيئة العِباد، بل ما شاء الله كان وإن

стр. 388

لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله» (١). وإذا كان قد ورد في الحديث النهي عن قرن مشيئة العبد بمشيئة الله وأنَّها من الشرك، مع أنَّ الله أثبت للعبد في القرآن مشيئة، فما بالك بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك ونحوها، أو يقول: أنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلّا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، واللهُ لي في السماء وأنت لي في الأرض، ونحوها من الألفاظ، فلا شك أنَّها أفحشُ من قولِ ما شاء الله وشئت (٢). ٢. قوله: «والكعبة» وهذا حلفٌ بغير الله، وسبق الإشارة لتحريم الحلف بغير الله، وبالكعبة، وأنَّه من الشرك بالله. فإن قيل: حديث قتيلة ورد النهي من اليهودي، فكيف لنا أن نتخذ ذلك تشريعًا؟ * الجواب: ١ - أنَّ كون الأمر ورد من يهودي لا يمنع أن يكون النبيّ ﷺ نبه على النهي عن ذلك قبل كلامه. ٢ - أنَّ كلام اليهودي اكتسب المشروعية بإقرار النبيّ ﷺ له، فصار اتباعنا لسنة النبيّ ﷺ لا لقول اليهودي. المسألة الثالثة: ذكر المصنّف حديث الطفيل (٣)، والشاهد أنَّ فيه بيانًا

стр. 389

لما سبق أنَّ قول: «ما شاء الله وشئت» شرك لأنَّها تقتضي التسوية. * فإن قيل: هل يمكن أن يمنع النبيّ ﷺ الحياء من إقرار الحكم؟ * الحياء لا يمنعه، وإنّما ما ورد عن الله ما يقتضي المنع وأراد أن ينهى عنها لما فيها من المبالغة في تعظيمه الذي لم يرد في الشرع النهي عنه، والإنسان السوي لا يرتاح لتعظيمه والمبالغة في هذا، لكن لمّا كان الدافع لهذه الكلمة تعظيمه لم يقدم ﷺ على ردّهم، فلما سمع الرؤيا جاءه الخبر بالتحريم فجزم ولم يتردد. * خلاصة الباب: أنه لا يجوز قول: «ما شاء الله وشئت»؛ لأن في اللفظ تشريك في المشيئة، فوجب التحرز منه.

стр. 390

٤٥ - باب من سب الدهر فقد آذى الله وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية، الآية (٢٤)]. في الصحيح عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ» (١). وفي رواية: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فِإنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» (٢) (٣).

стр. 391

(الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: بوب المصنّف للباب بمن سبّ الدهر فقد آذى الله، ومتقررٌ أنَّ العباد لا يملكون أن يضرّوا الله بشيء، وفي الصحيح: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّوني … » (١). ولفظ الأذى في اللغة: هو لِما خفَّ أَمْرُه وضَعُفَ أثرُه من الشرِّ والمكروه، وهو بخلاف الضُرّ، فقد أخبر سبحانه أنَّ العباد لا يضرّونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور. والمراد بهذا الباب: النهي عن سبِّ الدهر، وهذا أمرٌ كان موجودًا عند أهل الجاهلية، يقول أحدهم: أصابتهُ قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، ويا خيبة الدهر، ويقع نحو هذا كثيرًا على ألسنة الشعراء. والدهر: هو الزمنُ والوقت، وسَبُّهُ: بتنقّصه وشتمِه ولعنِه ونسبةِ الشرِّ إليه، وهو درجاتٌ، أعلاها لعنُ الدهر. فإن قيل: ما هو السبُّ، وما حدّه؟ * فالجواب: أنَّه يرجع فيه إلى العرف، قال ابن تيمية: «يُرجع في الأذى والشتم إلى العرف، فما عدّه أهلُ العُرفِ سَبًّا أو انتقاصًا أو عيبًا أو طعنًا، ونحو ذلك، فهو من السبّ» (٢). المسألة الثانية: علاقة الباب بالتوحيد: أنَّ سبّ الدهر ينافي كمال التوحيد؛ لأنَّ فيه أذيّة لله، حيث أنَّه في الحقيقة سب للمتصرف في الدهر وهو الله. المسألة الثالثة: سبُّ الدهرِ له ثلاث حالات: ١) أن يسبّ الدهر على أنَّه هو الفاعل: فهذا شرك أكبر؛ لأنَّه اعتقد أنَّ مع

стр. 392

الله متصرفًا، فنسب الحوادث لغير الله، وهذا مذهب من يسمون بالدهرية. ٢) أن يسبّ الدهر لا على أنَّه الفاعل، بل يعتقد أنَّ الله هو المدبّر المصرّف، لكنه سبّ الدهر لأنَّه كان محلًا وزمنًا للأمر المكروه عنده: فهذا حرام. • والعلة: أنَّ هذا سفهٌ في العقل، فقد سبَّ ما ليس محلًا للسبِّ، وهو ضلال وتنقص لله؛ لأنّ السبَّ يعود إلى المتصرّف بالدهر وهو الله، فالدهرُ لا يُقَدِّرُ شيئًا بل الله هو الذي يُقَدِّر. ونظير هذا لو أنَّ رجلًا حكم عليه القاضي بأمرٍ، أو أفتاه مُفْتٍ بفتوى، فجعل يسبّه، وهو إنّما قضى أو أفتى بكلام النبيّ ﷺ ، فيكون كأنَّه سبَّ الرسول ﷺ . ومن ذلك قول: الزمانُ غدّارٌ، يومٌ أسود، شهرٌ نحس، ونحوه. * ولذلك ذكر ابن القيم أنَّ سبّ الدهر فيه ثلاث مفاسد: ١ - سبُّ من ليس أهلًا للسبّ، فإنَّ الدهرَ خَلْقٌ مُسَخَّر. ٢ - أنَّ سبّه متضمن للشرك، فإنّما سبّه لظنه أنَّه يضرّ وينفع، وأنَّه مع ذلك ظالم. ٣ - أنَّ السبّ إنّما يقع على من فعل هذه الأفعال، وربُّ الدهر هو المعطي المانع الخافض الرافع، والدهرُ ليس له من الأمر شيء، فمسبّته مسبّة لله . ٣) أن يقصدَ الخبر المحض دون اللوم والسبِّ: فهذا جائز، كما ورد عن قوم لوط: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود، الآية (٧٧)]. ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت، الآية (١٦)]. فالمراد هنا: أنَّ الأيام التي أوقع الله فيها العقوبة بأعدائه وأعداء رسله كانت أيامًا نحسات عليهم؛ لأنَّ النحس أصابهم فيها، فأرادوا وصف ما وقع لهم، وإن كانت أيامَ

стр. 393

خيرٍ لأوليائه المؤمنين، فهي نحسٌ على المكذبين، سعدٌ للمؤمنين، وهذا كيوم القيامة، فإنَّه عسيرٌ على الكافرين، يوم نحسٍ عليهم، يسيرٌ على المؤمنين، فالمتكلم قَصَد الإخبار، لا السبَّ والتسخّط. ونظير هذا قول: تعبنا من شدة البرد أو الحرّ ونحوه، وقول يوسف ﷺ : ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف، الآية (٤٨)]. وكذا قول: هذه سنة جوع، أو قحط، ومنه تسمية الناس لبعض السنين بسنة المجاعة. المسألة الرابعة: أتى المصنف بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية، الآية (٢٤)]. ووجه الشاهد فيها: أنَّ الله أخبر عن المشركين أنَّهم قالوا: ليس هلاكنا إلّا بمرور الزمن، وما يهلكنا إلّا الدهر، فنسبوا الإهلاك إلى الدهر، فمن سبَّ الدهر أو نسب التصرف إليه، فقد شابههم أو شاركهم في هذا السبّ. المسألة الخامسة: ورد في الحديث: «وَأَنَا الدَّهْرُ» والمقرر عند أكثر أهل العلم أنَّ الدهر ليس من أسماء الله، لأمرين: ١. أنَّ سياق الحديث يأبى ذلك؛ لأنَّه قال: «أُقَلِّبُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، والليل والنهار هما الدهر، فكيف يمكن أن يكون المقلَّبُ، هو المقلِّب؟! ٢. أنَّ أسماءه حسنى، أي: بالغة في الحسن أكمله، والدهر اسم جامد لا يحمل معنى إلّا أنَّه اسم للأوقات، فلا يحوي صفة من صفات الكمال. فإن قيل: فما معنى ما ورد في الحديث «وَأَنَا الدَّهْرُ؟». * قال ابن تيمية: «أكثر العلماء أنَّ هذا الحديث خرج الكلام فيه؛ لردّ ما يقوله

стр. 394

أهلُ الجاهلية ومن أشبههم، فإنَّهم إذا أصابتهم مصيبةٌ أو مُنِعوا أغراضهم أخذوا يسبونَ الدهر والزمان، يقول أحدهم: قبّحَ اللهُ الدهرَ الذي شتّت شملنا، ولعنَ اللهُ الزمانَ الذي جرى فيه كذا وكذا، وكثيرًا ما جرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا، كقولهم: يا دهرُ فعلتَ كذا، وهم يقصدون سبَّ من فعل تلك الأمور ويضيفونها إلى الدهر، فيقع السبّ على الله تعالى؛ لأنَّه هو فاعل تلك الأمور ومحدثها، والدهر مخلوق له هو الذي يقلّبه ويصرّفه، والتقدير: أنَّ ابن آدم يسبّ من فعل هذه الأمور وأنا فعلتها، فإذا سبّ الدهر فمقصوده سبّ الفاعل، وإن أضاف الفعل إلى الدهر، فالدهرُ لا فعلَ له، وإنّما الفاعلُ هو الله وحده» (١). * خلاصة الباب: أنَّ الزمان والدهر وقتٌ لحلولِ قدر الله، فلا يجوز أن يسبّه ابن آدم؛ لأنَّه لا تأثير له، وإنّما سبّه يؤول إلى سبّ الله الذي قدّره.

стр. 395

٤٦ - باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «إِنَّ أَخْنَعَ اِسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ: رَجُلٌ تَسَمَّى مَلَكَ الْأَمْلَاكِ؛ لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهَ» (١) قال سفيان مثل: «شاهان شاه». وفي رواية: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ» (٢) (٣). قوله: «أَخْنَعَ» يعني: أوضع. (الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: المراد بهذا الباب: بيان النهي عن التسمّي بالأسماء التي حوت أوصافًا لا تكون إلّا لله، كقاضي القضاة، أو سلطان السلاطين، وملك

стр. 396

الأملاك، وشاهان شاه، أي: قاضي القضاة، ومثل حاكم الحكّام ونحوها. • وعلة النهي: منافاة ذلك لكمال التوحيد؛ إذ التوحيد يقتضي أن لا يُعَظَّمَ مخلوقٌ ويُجعل في منزلة الله فيما يختص به. قال ابن القيم: «لما كان المُلك الحقُّ لله وحده، ولا ملك على الحقيقة سواه كان أخنع اسم، وأوضعه عند الله، وأغضبه له اسم: شاهان شاه، أي: ملك الملوك وسلطان السلاطين، فإنّ ذلك ليس لأحدٍ غير الله، فتسمية غيره بهذا من أبطل الباطل، والله لا يحبّ الباطل. وقد ألحق بعضُ العلماء بهذا «قاضي القضاة»، وقال: «ليس قاضي القضاة إلّا من يقضي الحق، وهو خيرُ الفاصلين، الذي إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون» (١). المسألة الثانية: دلّ حديث أبي هريرة ﵁ على النهي عن التسمّي بمثل هذه التسميات، وأنّ من تسمّى وتلقّب بهذه الألقاب، فإنَّه قد تسمّى بأوضع اسمٍ عند الله، واتّصف بأوضع وصفٍ، وهو أغيظُ وأخبثُ رجلٍ. • والعلة: ١ - أنَّه قد كذب حين تسمّى بما ليس له، بل هو حقيقٌ بربّ العالمين. ٢ - أنَّه رجى العزّ والشرف والتعظيم بهذا الاسم، فعومل بنقيض قصده، فصار أوضع اسمٍ عند الله. ٣ - ذكر بعض العلماء: أنّ التسمّي بمثل هذه الألقاب من شعائر الفرس

стр. 397

المجوس (١). فإن قال قائل: إنّ المقصود بهذه التسمية ما يستحقه المخلوق: فقولنا: ملك الأملاك، أي: ملكٌ على ملوك الأرض، وهذا قاضٍ على قضاة الدولة، ونحو ذلك، فهل يجوز بهذا القصد؟ * قال ابن أبي جمرة ما ملخصه: «الوعيد على هذه التسمية يقتضي المنع مطلقًا، سواء أراد من تسمى بذلك أنَّه ملك على ملوك الأرض، أم على بعضها، وسواء أكان محقًا في ذلك أم مبطلًا، مع أنَّه لا يخفى الفرق بين من قصد ذلك وكان فيه صادقًا، ومن قصده وكان فيه كاذبًا» (٢). المسألة الثالثة: قال ابن القيم: «ويلي هذا الاسم في القبح والكراهة والكذب: سيّدُ الناس وسيدُ الكُلّ، وليس ذلك إلّا لرسول الله ﷺ خاصة، فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن غيره: إنَّه سيدُ الناس، وسيدُ الكلّ، كما لا يجوز أن يقول: إنَّه سيد ولد آدم» (٣). المسألة الرابعة: هل يُلحق بهذا قول المفتي الأكبر، أو الإمام الأعظم؟ = سُئِلَ الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٤) عن هذا، وكان بعضهم يلقبه بهذا اللقب، فقال السائل: هل يجوز أَنْ يقال لأَحد من العلماء «المفتي الأَكبر» مع أَنَّ الله هو المفتي الأَكبر؟

стр. 398

* فأجاب الشيخ بقوله: هذه المسأَلة ذات شقين. الشق الأول: وهو تلقيب الشخص بالمفتي الأَكبر، فله اعتباران. الاعتبار الأَول: أَنْ يكون هذا الشخص هو الذي يسمي نفسه بهذا الاسم ويحبّه، ويطلب من الناس أَنْ يسموه به. والاعتبار الثاني: كون الناس يسمّونه بهذا الاسم، بدون تشوّق منه، ولا طلب ولا رغبة فيه. فأمّا بالنسبة للاعتبار الأَوّل: فأَنا شخصيًا لا أُسمي نفسي بهذا الاسم لا شفهيًا ولا كتابيًا، ولا أَرغب أَنْ يسمّيني به أَحد، بل أَكرهه، وقد نبّهت على هذا مرارًا في عدة مناسبات. وأَمّا بالنسبة للاعتبار الثاني: وهو كون الناس يسمون الشخص بهذا الاسم، فلا يظهر لي أن في هذا مانعًا شرعيًا؛ لأنَّه وإن كان بلفظ أَفعل التفضيل، فليس القصدُ منه التفضيل المطلق ومنازعة الربّ في الأَكبرية، وإنّما القصد أنَّه أكبر الموجودين من المفتين ومرجع لهم، كما أَنَّ تلقيب غير الرسول ﷺ بلقب الإمام الأَعظم ليس القصد منه التهجم على منصب الرسول، وإنّما القصد أَنَّ هذا الشخص هو أَعظم الأَئمة الموجودين، ومرجعهم الذي يرجعون إليه في أُمورهم، ولهذا صرح الفقهاءُ في كتاب الجنائز بأَنَّ الإمام الأَعظم لا يصلي على الغالّ، ولا على قاتل نفسه، وكما أطلقت لفظة المفتي الأَعظم على بعض العلماء ولم نسمع بأَحدٍ أَنكرها أَوْ حملها على ما حملتَها عليه (١).

стр. 399

المسألة الخامسة: حكم قول صاحب الجلالة، أو صاحب السمو؟ سُئل عنها الشيخ ابن عثيمين، فقال السائل: ما رأي فضيلتكم في هذه الألفاظ: جلالة وصاحب الجلالة، وصاحب السمو؟ * فأجاب الشيخ ﵀ بقوله: «لا بأس بها إذا كانت المقولة فيه أهلًا لذلك، ولم يخش منه الترفع والإعجاب بالنفس، وكذلك أرجو وآمل» (١). * خلاصة الباب: أنه لا يجوز للعبد أن يتسمى بالأسماء التي تحوي أوصافًا لا تليق إلا بالله، تعظيمًا لله سبحانه، فالله لا يشبهه أحد في أفعاله، ولا أسماءه، ولا صفاته، فكذلك كل اسم مشعر بالتعظيم الذي لا يليق إلا به سبحانه لا يجوز للمخلوق التسمي به.

стр. 400

٤٧ - باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك عن أبي شريح ﵁ أنَّه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبيّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اِخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِي كِلَا الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» (١) (٢). (الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: المراد بهذا الباب: بيان وجوب احترام أسماء الله والحذر من امتهانها أو احتقارها، أو تسمية غير الله بها، فهذه الأسماء مختصة بالله، ولذا شُرِع تغيير الاسم لاحترامها وتعظيمها.

стр. 401

وأسماء الله نوعان: ١ - خاصة بالله لا يصحّ أن يسمى بها غيره: فهذه لا يجوز تسمّي غيرِه بها، ويجب تغييره لو وجد، مثاله: الله - الرحمن - رب العالمين. ٢ - ما يصحّ أن يسمى به غيرُ الله: وهي ما دلّت على صفةٍ للمخلوق فيها نصيب، فيصح التسمّي بها لكن بدون التعريف ب (ال)، وأن يقصد به التسمّي على أنَّه علم محض، مثاله: سميع- حكيم، ونحوها. المسألة الثانية: في الباب النهيُ عن التسمّي بأبي الحكَم، وقد غيّر النبيُّ ﷺ اسم أبي شريح، وسببُ التغيير: أنّ الحَكَمَ هو اللهُ، وهذا من أسمائه، فإذا قيل: أبو الحكم كأنَّه قيل: أبو الله. قال البغوي: الحَكَمُ: هو الحاكم الذي إذا حكم لا يُرَدُّ حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله ، ومن أسماءه الحكم (١). فإن قيل: فهل يلزم تغيير اسم من تسمى بالحَكم؟ وكيف يجمع بينها وبين تغيير النبيّ ﷺ هذه الكنية؟ * الجواب: أنَّ هذا الاسم الذي كُنّي به الرجل لُحِظَتْ فيه الصفةُ وقُصدت، وهي الحُكْم، فصارت بذلك مطابقةً للاسم. أما الاسم فإنَّه يراد به العلمية، من دون قصد للصفة، وحينها يجوز، ومِثلُه: كامل، وخالد، ونحوها، فإنَّها أريد بها العلمية، ولم يقصد بها أنَّه له صفة الكمال المطلق، أو الخلود، ونحو ذلك.

стр. 402

المسألة الثالثة: ومن التسمّي المنهيّ عنه: التعبيدُ لغير الله تعالى، كعبد حسين، وهذا حرام؛ لأنَّ التعبيد لا يكون إلّا لله. وكذا التسمي ب (بخش) وهي كلمة هندية معناها الهِبة والرزق، وكان هذا مشهورًا في بلاد الهند، يذكرون اسم مركبًا، فيقولون مثلًا: علي بخش، أو حسين بخش، ونحوه، ويقصدون بها أنَّه هبةٌ ورزق من علي أو من حسين، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الواهب هو الله (١). أما مناداة من تسمّى بذلك فهي جائزة، كما أخبر النبيّ ﷺ عن نفسه أنَّه ابن عبد المطلب.

стр. 403

٤٨ - باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة، الآية (٦٥)]. عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم وقتادة -دخل حديث بعضهم في بعض- أنَّه: «قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ أَرْغَبَ بُطُونًا، وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ - يَعْنِي: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ الْقُرَّاءَ- فَقَالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَهَبَ عَوْفٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ الْقُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ، فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ اِرْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ، وَنَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ، نَقْطَعُ بِهِ عَنَاءَ الطَّرِيقِ. قَالَ اِبْنُ عُمَرَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَعَلِّقًا بِنِسْعَةِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ الْحِجَارَةَ تَنْكُبُ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٦٦)﴾ [التوبة، الآية (٦٥ - ٦٦)].

стр. 404

مَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَمَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ» (١) (٢). (الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: المراد بالباب: أنَّ من هزل بشيء من الدين أو القرآن أو بالله أو برسوله ﵈ فإنَّه يكفر بذلك، ولو قال: إني هازلٌ لا أقصد الحقيقة. وعلاقة الباب بالتوحيد: مِنْ جهة أنَّ الهزلَ بشيء من ذلك فيه انتقاصٌ لله الذي أتى بهذا الدين، واستخفافٌ بجناب الربوبية والرسالة. المسألة الثانية: ذكر أهل العلم أنَّ الاستهزاء بالله أو دينه أو نبيه كفر مخرج من الدين، وذكر الإمام المجدد من ضمن النواقض العشرة: من استهزأ بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه كفر، وهذا ظاهرٌ من الآية، حيث عدّهم كفارًا بعدما كانوا مؤمنين. قال السعدي معلّقًا على الآية: «الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفرٌ مخرجٌ عن الدين؛ لأنَّ أصلَ الدينِ مبنيٌ على تعظيم الله وتعظيمِ دينه ورسله، والاستهزاءُ

стр. 405

بشيءٍ من ذلك منافٍ لهذا الأصل، ومناقضٌ له أشدّ المناقضة» (١). المسألة الثالثة: هل يشترط في حكم المستهزيء أن يكون مُستحلًا للاستهزاء، أم أنه قد يحكم بكفره وإن كان قال ذلك لمجرد الهزل؟ * ظاهر الآية أنَّه يحكم بالكفر ولو لم يستحل ذلك، وهذا ظاهر من كلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: «قال : ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة، الآية (٦٦)]، ولم يقل: قد كذبتم في قولكم: (إنّما كنّا نخوض ونلعب) فلم يكذبهم في هذا العذر، كما كذّبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر كما لو كانوا صادقين، بل بيّن أنَّهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب» (٢). وقال في موضعٍ آخر معلقًا على الآية: «وقد دلَّت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله ﷺ جادًا أو هازلًا، فقد كفر» (٣). المسألة الرابعة: الاستهزاء له صور: ١ - الاستهزاء أو الهزل به سبحانه: فكفرٌ ظاهر. ٢ - الاستهزاء بأحكام دين الإسلام: فهذا كفرٌ سواء هزل واستهزأ، أو سبّ الدين أو لعنه. وهذا له صورٌ عديدة، لكن الجامع لها أنَّ من جعل الشرع سببًا للإضحاك والاستهزاء، فهو داخل في هذا.

стр. 406

• مثاله: من سخر باللحية، أو بالثوب القصير، أو تندّر بآية من آيات القرآن. ٣ - الاستهزاء بالنبيّ ﷺ : فهذا كفر وردة. ٤ - الاستهزاء بأهل الدين والصلاح والعلم: فهذا له حالتان: أ. إن كان لأجل صلاحهم، أو لأجل علمهم: فهذا كفر؛ لأنَّه يرجع إلى دينهم وصلاحهم لا إلى أشخاصهم. ب. إن كان الاستهزاء بصفاتهم الخَلقية أو الخُلُقية، لا لأجل ما هم عليه من الدين: فهذا حرام وليس بكفر. المسألة الخامسة: ذكر العلماء أنَّ الاستهزاء نوعان: ١) صريح: وهو الذي لا يلتبس، كما قال المنافقون: ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء. ٢) غير صريح: كالغمز باليد وإخراج اللسان عند ذكر القرآن، أو شعائر الدين وغير ذلك. المسألة السادسة: ذكر المصنفُ الأحاديثَ في خبرِ مقال الرجل في غزوة تبوك، وفيه إنكار عوف بن مالك ﵁ على القائل، وقوله «كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ»، وفيه: أ- المبادرة بالإنكار. ب- الشدة على المنافقين. ج- جواز وصف الرجل بالنفاق إذا ظَهر منه ما يدلُّ عليه. المسألة السابعة: أنَّ الرجل اعتذر للنبي ﷺ بقوله: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ، نَقْطَعُ بِهِ عَنَاءَ الطَّرِيقِ» ولم يعبأ النبيّ ﷺ

стр. 407

باعتذارهم، إما لأنَّهم كانوا كاذبين فيه، أو لأنَّ الاستهزاء على وجه الخوض واللعب لا يكون صاحبه معذورًا. * خلاصة الباب: أنّ من تعظيم الله احترامَ دينه، وأنَّ من هزل بشيء من دينه فقد عرض نفسه للكفر.

стр. 408

٤٩ - باب قول الله تعالى ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت، الآية (٥٠)]. قال مجاهد: «هذا بعملي، وأنا محقوق به»، وقال ابن عباس: «يريد من عندي». وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص، الآية (٧٨)]. قال قتادة: «على علم مني بوجوه المكاسب». وقال آخرون: «على علمٍ من الله أني له أهل»، وهذا معنى قول مجاهد: «أوتيته على شرف». وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنَّ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ بِهِ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرَهُ، فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ أَوْ الْبَقَرُ -شَكَّ إِسْحَاقُ- فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، وَقَالَ: بَارِكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ بِهِ، فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ

стр. 409

إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ أَوْ الْإِبِلُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارِكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا. فَأَتَى الْأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا، فَأَنْتَجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ قَدْ اِنْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي؛ فَلَا بَلَاغِ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجَلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ: لَهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ! أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا، فَأَعْطَاكَ اللَّهُ الْمَالَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا؛ فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ قَدْ اِنْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي؛ فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؛ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ؛ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» (١) (٢).

стр. 410

(الشرح) مراد المصنّف بهذا الباب: التأكيد على أن من المتقرر أنّ النعم على العباد كلها من الله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ والعباد منهم من يشكر النعم وينسبها لربه، ومنهم من يزعُم أنَّ النعمة حصلت له لمعرفته، أو لأنَّ له على الله حقًّا، فأراد المصنف أن يبين أنَّ الناس تجاه النعم من الله ينقسمون إلى قسمين: القسم الأول: من يزعُم أنَّ ما أوتيه من النعم والرزق، فهو بِكَدِّه وفِطنته لا من الله، أو أنَّه مستحقٌ لذلك لِما يظنُّ له على الله من الحق، وهذا كحال الأقرع والأبرص، فهذا منافٍ للتوحيد، لما فيه من جحد النعم، ونسبتها للنفس. قال ابن القيم: «وهذا حال أكثر الناس؛ لا يعترف بما كان عليه أولا من نقص أو جهل وفقر وذنوب، وأنَّ الله نقله من ذلك إلى ضدِّ ما كان عليه وأنعم بذلك عليه» (١). وحكم هذا الصنيع -أي: نسبة النعم لنفسه وعمله-: قال العثيمين: «إن أضاف النعمة إلى عمله وكسبه، ففيه نوع شرك في الربوبية، وإن أضافها إلى الله لكنه زعم أنَّه مستحق لذلك، وأنَّ ما أعطاه الله فليس محض تفضل، لكن لأنَّه أهل فهذا ترفع في جانب العبودية» (٢).

стр. 411

القسم الثاني: من يعترف بنعم الله ويعتقد أنَّها من فضله سبحانه، ويتذكر ما عليه من قصور، ويشكر الله على عطائه، فهذا هو المشروع، وهذا كحال الأعمى في الحديث. والحديث المذكور ظاهر في أنَّ مَنْ نسب النعم لغير الله فقد كفر بها، ففيه وعيدٌ لمن أنكر نعم الله أو أضافها لغيره. * خلاصة الباب: أنَّه يجب على المسلم التحرز في أقوال اللسان، فربما أودت إلى مهاوٍ، ومن ذلك أن لا ينسب النعم لنفسه، بل ينسبها للمنعم الحقيقي وهو الله.

стр. 412

٥٠ - باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٩٠)]. قال ابن حزم: «اتفقوا على تحريم كل اسمٍ معبّدٍ لغير الله كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشى عبد المطلب». وعن ابن عباس في الآية قال: «لِمَا تَغَشَّاهَا آدَمُ؛ حَمَلَتْ، فَأَتَاهُمَا إِبْلِيْسُ، فَقَالَ: إِنِّي صَاحِبُكُمَا اَلَّذِي أَخْرَجَكُمَا مِنَ اَلْجَنَّةِ، لَتُطِيعُنَّنِي أَوْ لَأَجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَيْ إِيِّلٍ، فَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِكَ، فَيَشُقُّهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ؛ يُخَوِّفُهُمَا، سَمِّيَاهُ عَبْدَ اَلْحَارِثِ، فَأَبَيَا أَنْ يُطِيْعَاهُ، فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأَتَاهُمَا، فَذَكَرَ لَهُمَا، فَأَدْرَكَهُمَا حُبُّ اَلْوَلَدِ، فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ اَلْحَارِثِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾» رواه ابن أبي حاتم (١). وله بسند صحيح عن قتادة، قال: «شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته». وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قال: «أشفقا

стр. 413

أن لا يكون إنسانًا»، وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما (١) (٢). (الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: المراد بالباب: أنَّ من شكر نعمة الله على عبده إذا أنعم عليه بالأولاد وأصلح أبدانهم، أن لا يعبّدوهم لغير الله في التسمية، فإنَّ ذلك كفران للنعم، مناف للتوحيد. • وعلى هذا يقال: بأنَّ تعبيد الأسماء لغير الله: ١. إن كان المقصود تعبيد التأله لغير الله: فهو شرك أكبر. ٢. وإن كان المقصود مجرد التسمية: فهذا شركٍ لكنّه ليس بأكبر، وهو كفرٌ بالنعمة التي أنعمها الله على عبده. المسألة الثانية: قال ابن حزم: «اتفقوا على تحريم كل اسمٍ معبّدٍ لغير الله، كعبد عمرو، وعبدِ الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشى عبد المطلب». وهذا الكلام يشتمل على أمرين: ١ - اتفاق العلماء على أنَّه لا يجوز التسمّي بما عبّد لغير الله، كعبد الحسين

стр. 414

وعبد الكعبة، وعبد النبيّ، وغير ذلك. وأما حديث: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» (١) فإنه ليس المراد به التسمي، وإنما أريد به الوصف والدعاء على من يتعلق قلبه بالدينار والدرهم، فرضي بعبوديتها عن عبودية الله. ٢ - قرّر بعد ذلك أنَّ العلماء لم يتفقوا على تحريم التسمّي بعبد المطلب، بل اختلف العلماء في ذلك، فكرهه بعض العلماء. والصواب: أنَّه لا يجوز؛ لأنَّه تعبيد لغير الله. وأما قوله ﷺ : «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» (٢) فليس هذا من إنشاء التسمية بذلك، بل من باب الإخبار بالاسم الذي عُرِفَ المسمّى به دونَ غيره، والإخبار على وجه تعريف المسمّى لا يحرم، فباب الإخبار أوسع من الإنشاء فيجوز منه ما لا يجوز في الإنشاء، وقد قال العلماء: إن حاكي الكفر لا يُعَدّ كافرًا بذلك إن لم يعتقده. فالتسمي بعبد المطلب حرام من وجوه: ١ - الإجماع منعقد على تحريم التسمي بعبد محمد وعبد النبيّ وعبد المسيح وعبد علي وعبد الكعبة، وهي أولى بالجواز من عبد المطلب لو جازت التسمية به. ٢ - نصّ النبيّ ﷺ على أنَّ التسمي بعبد الحارث من وحي الشيطان (٣)،

стр. 415

وأمرُ عبد المطلب كأمر عبد الحارث، لا فرق بينهما. المسألة الثالثة: ذكر في الباب قصة آدم وحواء، وقد اختُلِف في ثبوتها على قولين: القول الأول: أنَّها قصة باطلة ولا تصح، وممن قال بذلك الحسن البصري وابن كثير، وعلل بعض العلماء لهذا بعلل منها: ١ - أنَّ مثل هذه الأخبار لا تتلقى إلّا بالوحي، وليس لهذه القصة إسناد صحيح. ٢ - أنَّ الأنبياء معصومون من الشرك. ٣ - لو كانت ثابتة فلماذا لم يذكر الله توبتهما من الشرك، والله إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ذكر توبتهم. ٤ - أنَّ فيها أنَّ إبليس جاء إليهما، وقال: أنا صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، وليس هذا بمدخلٍ لمن يريد الإغواء. ٥ - أنَّ الناس حين يأتون آدم للشفاعة يعتذر بذكر ذنبه حين أكل من الشجرة، ولو ثبت وقوعه في هذا الشرك لكان أعظم، فلِمَ لم يذكره! ٦ - قال إبليس: «لا جعلن له قرني أيل … » فإن كانا صدّقاه في أنَّه قادر فهذا شرك في الربوبية، وإن كانا لم يصدقاه فلا يمكن أن يقبلا قوله.

стр. 416

٧ - قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بضمير الجمع، ولو كان آدم وحواء لقال: (عما يشركان). وهؤلاء يوجهون الآية بأن المراد: تعالى الله عما يشركون أي: ذرية آدم وحواء. قال الشنقيطي -وقد ذكر في الآية وجهين-: «معنى الآية أنَّه لما آتى آدم وحواء صالحًا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء; لأنَّه ما أصل لذريتهما، كما قال: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) أي: بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنَّه أصلهم، بدليل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، ويدل لهذا الوجه الأخير أنَّه تعالى قال بعده ﴿ … فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ [الأعراف، الآية (١٩٠، ١٩١)]، وهذا نص قرآني صريح في أنَّ المراد المشركون من بني آدم، لا آدم وحواء، واختار هذا الوجه غير واحد؛ لدلالة القرآن عليه، وممن ذهب إليه الحسن، وابن كثير، والعلم عند الله (١). القول الثاني: أنَّ القصةَ ثابتةٌ بتعدد أسانيدها، وهؤلاء وجّهوا ما وقع من آدم وحواء: بأنَّه تشريك في الطاعة، وكل طاعة للشيطان أو للهوى، ففيهما نوع من التشريك، ولم يقع منهما شرك أكبر ولا أصغر وليس في القصة نقص في مقام آدم وحواء، ويشهد له تفسير قتادة: «شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته». * وأما قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فهذا عائد إلى المشركين من القدرية حيث استطرد من ذكر الشخص إلى الجنس، ولهذا نظائر في القرآن.

стр. 417

٥١ - باب قول الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف، الآية (١٨٠)]. ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: «﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: يُشْرِكُونَ» (١). وَعَنْهُ: «سَمُّوا اَللَّاتَ مِنَ اَلْإِلَهِ، وَالْعُزَّى مِنَ اَلْعَزِيزِ» (٢). وعن الأعمش: «يُدخلون فيها ما ليس منها» (٣). (الشرح) هذا الباب مرتبط بالأسماء والصفات لله تعالى، والكلام عليه في مسائل: المسألة الأولى: المراد بالباب: بيان أنَّ المشروع هو التوسل بالله بأسمائه

стр. 418

الحسنى وصفاته العليا، والردّ على من توسل بعباده أحياءً وأمواتًا، وبيان أنّ أسماء الله حسنى، أي: بالغة في الحسن كماله، فيجب تعظيمها والإيمان بها. وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة توحيد الأسماء والصفات، وكذا من جهة توحيد العبادة، فإنَّ من سمّى الأصنام بأسماءِه فقد أشرك بالله سبحانه. المسألة الثانية: ذكر المصنّف في الباب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف، الآية (١٨٠)]. وفي الآية إشارة إلى أمور ثلاثة: ١. لله الأسماء الحسنى: وهذا متفق عليه، وعبّر ب: (الحسنى) ولم يقل: الحسنة، وذلك لأنَّ الحُسن من صفات المعاني، فكل لفظ له معنيان: حَسَنٌ وأحسن، فالمراد: الأحسن منها، وهو الذي يجمع على (حسنى). وضابط الأسماء الحسنى: «كل اسم دالّ على صفة كمال عظيمة». ٢. الأمر بدعاء الله بأسمائه الحسنى: وذكر ابن القيم أنَّ الدعاء بها على مرتبتين: أ) دعاء ثناء وعبادة: فلا يثنى على الله إلّا بأسمائه وصفاته. ب) دعاء طلب ومسألة: فلا يسأل الله إلّا بها، وينبغي أن يكون ما يثنى به على الله من أسماءٍ موافقٌ لما يدعو به ويطلبه، فلا يقل مثلًا: يا رحيمُ أهلك أعداء الدين، وهكذا (١). ٣. النهي عن الإلحاد في أسماء الله: والإلحاد في أسماء الله هو العدول

стр. 419

بها عن حقائقها إلى ما لا يليق بالله، وله صور: ١ - أن يسمِّيَ الأصنامَ بها كتسمية اللات من الإله، وقد نقل المصنف عن ابن عباس قوله عن المشركين: «سموا اللات من الإله، والعُزّى من العزيز». ٢ - تسميته بما لا يليق بجلاله، كتسمية النصارى له أبًا، والفلاسفة له موجبًا بذاته أو علّة فاعلة. ٣ - وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران، الآية (١٨١)]. وقولهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة، الآية (٦٤)]. ٤ - تعطيل الأسماء الحسنى عن معانيها، وجحد حقائقها، كقول الجهمية: إنَّها ألفاظٌ مجردة، لا تتضمن صفات ولا معاني، فيطلقون اسم السميع، ويقولون: لا سمع له، ونحو ذلك. ٥ - تشبيه صفاته بصفات خلقه، تعالى الله وتقدس عن قولهم علوًّا كبيرًا، فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرقه (١).

стр. 420

٥٢ - بابٌ: لا يقال السلام على الله في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: «كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ فِي اَلصَّلَاةِ، قُلْنَا: اَلسَّلَامُ عَلَى اَللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، اَلسَّلَام عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ : لَا تَقُولُوا: اَلسَّلَام عَلَى اَللَّهِ؛ فَإِنَّ اَللَّهَ هُوَ اَلسَّلَامُ» (١) (٢). (الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: أراد المصنف بالباب: النهي عن قول: السلام على الله. * ووجه ذلك: أنَّ «السلام» من أسماء الله، وله معنيان: ١ - السالم من كل نقص وعيب: فله الكمال المطلق من جميع الوجوه. ٢ - المسلِّم لعباده من كل الآفات: أي: منه السلام، ولذا قال: «ومنه السلام». وعلى هذا: فلا يقال: (السلامُ على الله)؛ لأنَّ هذه صيغةُ دعاءٍ، وهذا فيه تنقصٌ له سبحانه، فهو غنيّ عن كل أحد، وهو الذي يُدعى، وليس بحاجة

стр. 421

إلى دعاء الناس له بأن يَسلم من الآفات والنقائص. ويقال للمخلوق: «السلام عليك» لأنَّه محتاج، ولذا فأهل الجنة حين يسلِّمُ عليهم اللهُ يقولون: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام». قال ابن تيمية: «السلام إنّما يُطلَبُ لمن يحتاج إليه، والله هو السلام، فالسلام يُطلب منه لا يُطلب له» (١). المسألة الثانية: علاقة الباب بالتوحيد من جهتين: ١. من جهة أنَّ الأدب مع أسماء الله وصفاتِه ألّا يخاطَبَ اللهُ بهذا الخطاب، فهو الغني عن عباده، وفي هذا اللفظ تنقص في تحقيق التوحيد. ٢. من جهة أنَّ أسماءه سبحانه وصفاته كاملة، فليس بحاجة إلى من يسلِّمُه من النقائص، وأعقبه للباب السابق، والمناسبة فيهما ظاهرة. المسألة الثالثة: مما يتبع هذا أنَّ الناس عند التقائهم نُدِبَ لهم أن يقولوا: «السلام عليكم»، وفي معنى السلام في التحية قولان: الأول: السلام هنا هو الله ، ومعنى الكلام: نزلت بركته عليكم، ونحو ذلك، فاختير هذا المعنى من أسمائه اسم السلام دون غيره من الأسماء. الثاني: السلام مصدر بمعنى السلامة، وهو المطلوب المدعو به عند التحية. قال ابن القيم: «وفصل الخطاب أن يقال: الحقُّ في مجموع القولين، فكل منهما بعض الحق، والصواب في مجموعهما، فتضمن معنيين: (أحدهما: ذكر الله، والثاني: طلب السلامة) وهو مقصود المُسَلِّم» (٢).

стр. 422

٥٣ - باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اَللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ اَلْمَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّ اَللَّهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ» (١). ولمسلم: «وَلْيُعَظِّمْ اَلرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اَللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» (٢) (٣). (الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: المراد بالباب: أنَّ المرء ينبغي له إذا أراد تحقيق التوحيد أن يتضرع لله بتمام الذلّ والخضوع والتعظيم لله، ومن ذلك أن لا يقول في دعائه: اغفر لي إن شئت، وعِلّةُ النهي مِنْ وجهين: ١. أنَّ العبد لا غنى له عن الله، وتعليقهُ الدعاءَ بالمشيئةِ فيه إيهامٌ بالاستغناءِ

стр. 423

عن ذلك، فكأنَّه يقول: إن شئت فافعل وإلّا فلا تفعل. ٢. وأنَّه يُشْعِرُ بأنَّ هناك من يُكرِهُ اللهَ على ذلك، فقال: «إِنْ شِئْتَ». المسألة الثانية: علاقة الباب بالتوحيد من جهة: ١ - أنَّ تعليقَ الدعاءِ بالمشيئةِ سوءُ أدبٍ مع الله، حيث يوهم الاستغناءَ عن المغفرة، وهذا ينافي كمال التوحيد. ٢ - وأيضًا: فإنَّ من أتى بما يُشعِرُ بأنَّ الله له مكرهٌ لم يقم بتمام الربوبية؛ لأنَّ تمام الربوبيةِ أنَّه لا مكره له، بل لا يُسأل عما يفعل. المسألة الثالثة: ورد في الحديث النهيُ عن هذه الكلمة، واختُلِفَ في الحُكمِ، فظاهر كلام ابن عبد البر: «أنَّه للتحريم» (١)، وذهب النووي: «إلى أنَّه للتنزيه» (٢)، والصارف من التحريم للكراهة ما ورد في حديث زيارة المقابر: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» (٣)، قال ابن حجر: «وهو أولى» (٤). ولعل الأقرب أنَّه يحرم قولها؛ لصراحة الحديث، والأصلُ في النهي إذا تجرّد أنَّه للتحريم. وأما ما ورد في حديث زيارة المقابر، فيحمل على أنَّه على وجه الإخبار، والمنهي عنه حال الدعاء، وفرق بينهما.

стр. 424

وأما ما ورد في السنّة في زيارة المريض من قول: «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (١) فليست من تعليق الدعاء بالمشيئة، وإنما لها توجيهان: ١) أنَّها من باب مخاطبة العائد للعليل بما يُسلّيه من ألمه، ويذكّره بالكفارة لذنوبه والتطهير لآثامه (٢). ٢) أنَّ هذا ليس من باب الدعاء، وإنّما من باب الخبر والرجاء. مال إليه ابن حجر، حيث قال حين تكلم عن قول: «يرحمك الله» للعاطس: «ويحتمل أن يكون إخبارًا على طريق البشارة، كما قال في الحديث الآخر «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» أي: هي طهر لك» (٣)، وكذا قاله ابن عثيمين (٤). فإن قيل: كيف يُجابُ عن بعض الأدعية التي لم يعزم فيها الداعي، كما في دعاء الاستخارة (٥)، وكما في قوله: «فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي .. »؟ (٦). * أجاب السعدي ﵀ بما خلاصته: أن الأدعية نوعان: ١. أدعيةٌ فيها مطالب دينيةٌ كسؤال المغفرة، أو فيها مطالب دنيويةٌ معينة على الدين، كالعافية والرزق ونحوه، فهذه يَطلُبها العبدُ طلبًا مُلِحًّا جازمًا.

стр. 425

٢. بعض المطالب المعيّنة التي لا يُتحقق مصلحتها ومنفعتها، ولا يجزم أنَّ حصولها خير للعبد، فالعبد يسأل ربَّه ويعلقه على اختيار ربه له أصلح الأمرين، كما ذكرنا من الأدعية. ثم قال ﵀: «فافهم هذا الفرق اللطيف البديع بين طلب الأمور النافعة المعلوم نفعها وعدم ضررها، وأنَّ الداعي يجزم بطلبها ولا يعلقها، وبين طلب الأمور التي لا يدري العبدُ عن عواقبها، ولا رجحانِ نفعها على ضررها، فالداعي يعلّقها على اختيار ربه الذي أحاط بكل شيء علمًا وقدرةً ورحمةً ولطفًا» (١). المسألة الرابعة: أمر النبيُّ ﷺ الداعي أن يَعزِم المسألةَ، وأن يُعَظِّمَ الرغبة، والعزمُ في المسألة: الجزمُ فيها، مع الإلحاح، وتيقن الإجابة، وهذا دليل على اهتمامه بما يطلب، قال القرطبي: «نهى عن هذا القول؛ لأنَّه يدل على فتور الرغبة وقلة الاهتمام بالمطلوب» (٢). وأما تعظيم الرغبة: فهي الطِّلبَةُ والحاجةُ التي يريد في سؤاله ربه؛ لأن الله عنده خزائن السماوات والأرض، ولا يعجزه شيء، ولا مُكرِهَ له، وهذا من أدب الدعاء.
следующие страницы →