Полный текст (385 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
للترجيح مدخل عند تعارض الروايات، فيكون من لم يتكلم فيه أصلا راجحا على من قد تكلم فيه، وإن كانا جميعا من رجال الصحيح، وهذا عند وقوع التعارض، انتهى ما أردناه من كلام الشيخ أبقاه الله.
وكان هذا المنزع الذي نزعه شيخ والده أَبُو الْحَسَنِ المقدسي من قوله: هذا جاز القنطرة، تبع فيه الإمام الحافظ أبا الفضل محمد بن طاهر المقدسي، ﵀ في عمله كتابه الذي جمعه في أسماء من احتوى عليه الصحيحان من الرجال، حيث اكتفى في ذلك بالتعريف بأسمائهم، وكناهم، وأنسابهم، ما يتعلق بذلك وموالدهم ووفياتهم، ومن روى عنه، ومن روى عنهم، من غير تعرض لكلام من تكلم في بعضهم، أو تعديل من اتفق على تعديله منهم، غير أنه ألم بيسير من تعليل بعض الحديث المتكلم في علته.
انتهى وقد سلك الإمام الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح ﵀ نحوا من هذا المسلك، وضيق على نفسه بما لا يخلص معه في مخنق الاعتراض الذي أوردناه عليه فلنورد كلامه بنصه، ثم نذكر ما عنده في ذلك مما ظهر لنا، وبه يظهر أن كلام شيخنا أبي الفتح أظهر من كلام الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀، ونص ما قَالَ: ﵀، في النوع الأول من أنوع علوم الحديث، بعد أن قسم الحديث الصحيح أقساما ما نصه: هذه أمهات أقسامه، وأعلاها الأول، وهو الذي يَقُولُ فيه أهل الحديث كثيرا: صحيح متفق عليه، يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة لازم من ذلك وحاصل معه لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول، وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافا لقول من نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن والظن قد يخطئ، وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويا، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولا هو الصحيح، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حجة مقطوعا بها وأكثر
стр. 317
إجماعات العلماء كذلك، وهذه نكته نفسية نافعة، ومن فوائدها القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن.
والله اعلم.
انتهى ما أردناه من كلام الإمام أبي عمرو ﵀ وآن أن نذكر ما عندنا في ذلك فنقول والله المرشد: هذا الذي سلكه شيخنا ﵁ في هذه المسألة من الاعتماد على ما في الصحيحين هذا المسلك من الظن الراجح فيما ذاكره أو أحدهما على ما خرجه غيرهما هو أرجح المذاهب وأحسنها، وهو أظهر من دعوى ابن الصلاح ﵀ الإجماع على صحة ما فيهما أو في أحدهما بناء على قوله إن الأمة ظنت صحتهما وظن الأمة معصوم، فإن الارتهان في الإجماع صعب، وغايته أن يدعي أنه إجماع استقرائي وحاصله شهادة على النفي بأنه لم يجد أحد من الأئمة مطعنا فيما فيهما أو في أحدهما إلا في تلك الأحرف اليسيرة التي هي خارجة عن هذا الإجماع، وهي التي تكلم عليها الدارقطني وغيره مما هو معلوم عند أهل هذا الشأن، ويلزم من دعوى الإجماع على صحة ما فيهما أن يكون ما فيهما أو في أحدهما ما عدا تلك الأحرف مقطوعا بنسبته إلى النبي ﷺ والمقطوع به لا يمكن الترجيح بين آحاده، وإنما يبقى الترجيح في مفهوماته، ونحن نجد علماء الشأن يعرضون لأحاديث كتابي البخاري ومسلم ويرجحون بعضها على بعض باعتبار من سلم رجالهما من التكلم فيه على من لم يسلم، وبغير ذلك من وجوه الترجيحات النقلية، ولو كان الجميع مقطوعا به ما بقي مسلك للترجيح.
فهذا يعارض الإجماع الذي استقرأه ابن الصلاح ﵀ فتأمل ذلك، فهي مسألة نفيسة جدا تمس الحاجة إليها، وعلى ما قرره الشيخ أبو الفتح
стр. 318
يصح الترجيح لأنها مسالك ظنية.
تنبيه بني ابن الصلاح ﵀ كلامه على أن الأمة إذا ظنت شيئا لزم أن يكون ذلك واقعا في نفس الأمر، فيكون عنده مدلول الظن المجمع عليه يصيره الإجماع معلوما وإلا لم يتم له قصد، ولنا أن ننازع في ذلك ونقول: إنما ذلك راجع إلى أنها إذا أجمعت على شيء أنه مظنون فظنها معصوم بمعنى أن ذلك الشيء لا يمكن أن يكون مشكوكا، ولا معلوما ولا مجهولا، وإذا أخذناه على هذا المعنى لم يلزم ما قاله ابن الصلاح ﵀.
تنبيه ثان: من أئمة الشأن من سلك مذهبا أضيق مما سلكه الشيخ الإمام أبو الفتح ﵀، وقال: إنه لا يجوز التقليد في التصحيح والتسقيم لأنا في اتباع من حكم بالصحة أو السقم على حديث وتقليده في ذلك كاتباعنا لمن قَالَ: الحكم في هذه المسألة التحريم أو التحليل، لأن كل واحد منهما أخبر عن ظنه، ولا يلزمنا تقليد أحد، وهذا المسلك مسلك صحيح واضح لا ينسد إلا بما ادعاه الإمام ابن الصلاح من الإجماع، فإن متبع الإجماع ليس بمقلد ولكن هذا الإجماع كما بيناه مصادم بعمل العلماء في أعمال الترجيح، وقد سلم الإمام بن الصلاح ما يدل على هذا المعنى وينقصر عليه في قوله في الفائدة الثالثة من هذا الباب فقال: إن كتاب البخاري أصح الكتابين صحيحا.
وأي ترجيح يكون مع القطع بصحة الجميع وبأنه ﷺ قاله.
وكأن ابن الصلاح قَالَ هذا قبل أن يظهر له ما قرره بعد من أن عصمة ظن الأمة يلزم عنها القطع بالمظنون، أو يتأول قوله: أنه أراد أصح صحيحا من حيث الرجال ووجود الشروط المتفق عليها مستوفاة أو أكثرها لا من حيث المتون، ولكنه خلاف الظاهر فتفهم هذا كله فإنه مهم خاف، والحاجة إليه ماسة، والسالكون مضيق التحقيق أفذاذ قليلون، والكثير يسلك المسلك السهل الرحب، وينكب عن الصعب الضيق، والله المرشد لواضح السبيل بمنه.
стр. 319
صواب الصلاحي وممن لقيناه بالقاهرة المعزية بباب منزله الفتى الطواشي صواب الصلاحي شيخ حسن البزة موقر الجلسة.
سَمِعْتُ عليه بها كتاب التوكل لابن أبي الدنيا، بسماعه من سبط الحافظ السلفي، وكتب لي خطه مجيزا ولبني وأخواتي.
أنا الْفَتَى صَواب الصَّلاحِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ بِالْقَاهِرَةِ الْمُعِزِّيَّةِ، قَالَ: أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَكِّيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَاسِبُ سِبْطُ الْحَافِظِ السِّلَفِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ، أنا
стр. 320
الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ، قَالَ: أنا أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ الْبَطَرِ الْقَارِئُ سَمَاعًا عَلَيْهِ، قَالَ: أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ الْمُعَدَّلُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْدَعِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا الْقُرَشِيُّ، نا مَهْدِيُّ بْنُ حَفْصٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ.
ح وَنا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي، نا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْجَيْشَانِيِّ،
стр. 321
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «
لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» رَوَيْنَا عَنْ صَوَابٍ هَكَذَا عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ فِي الأَصْلِ، وَفِي الْحَاشِيَةِ أَبِي تَمِيمٍ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ، أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ، سَمِعَ أَبَا بُصْرَةَ الْغِفَارِيَّ، وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هُبَيْرَةَ
هذا الحديث الواحد علقناه من الكتاب من أوله، وأعجل السفر عنه نسخه.
стр. 322
- علم الدين العراقي وممن لقيناه أيضا بمصر الإمام العلامة الحافظ البليغ المفسر المتفنن إمام أئمة البيان أبو محمد عبد الكريم بن عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيّ الشافعي ويدعى علم الدين ويعرف بالعراقي، مصري المولد والمنشأ، وقال فيه بعض أصحابنا: أصله من وادي آش أحد معاقل الأندلس الشهيرة، أحد المتصدرين المشهورين بالديار المصرية في علم التفسير والبيان وأصول الدين والفقه.
وله وضع حسن في علم البيان على كتاب الكشاف للزمخشري، وهو فيما بلغني في مجلدين، لقيته بجامع عمرو بن العاص، وبحضرته بعض الأدباء فعرفوه مكاني، فبالغ في البر
стр. 323
والاعتناء، وكان ذلك بين يدي سفري ليوم أو ليومين، وسألته وينشدني شيئا من نظمه، فقال: ليس من الأدب أن أنشدك شيئا خاطبت به غيرك وسيرد عليك مني ما يخصك فأعجلني السفر ولم يقدر لي لقاؤه بعد.
وكان قد قَالَ لي على عادة البلاد: تسل أو تسأل؟ فقلت: كيف ترون، فقال لي: لقيت العلم اللورقي، فقال لي تسل أو تسأل؟ قَالَ فقلت له: سلوا عما، بدا لكم لئلا تقولوا مسائل بيتت، قَالَ: فذاكرته فلم ينصفني.
فقلت للشيخ علم الدين بن أبي إِسْحَاق، أبقاه الله، فسلوا أنتم، فقال: نسألك عن مسألة جرت اليوم في المجلس، وهي: ما إعراب قوله تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] فكالمته وذكرت ما حضرني، فما تعلق بما أورد علي وقال لا يصح حمل الآية الكريمة على ظاهرها لئلا يلزم منه أحد أمرين: إما نفي التنبئة، وإما نصب مثل، قَالَ: وإلى نصب مثل يؤدي تقدير المعربين لهذه الآية فإنهم يقدرونه: ولا ينبئك أحد مثل تنبئة الخبير، قَالَ: ومحمل الآية عندي أن التقدير والمعنى: لا مثل للخبير فينبئك هذه التنبئة، وأنها على المعروف من كلام العرب كقول الشاعر:
على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا ساقه العود النباطي جرجرا
أي لا منار له فيهتدي به: قلت والله المرشد: وتفصيل ما أجمله الشيخ يحتوي على تقرير وتحرير.
стр. 324
أما التقرير فإنه إذا قَالَ القائل: ينبئك مثل زيد، ثم أدخل حرف النفي على ينبئك انتفى هذا الموجب سواء أبقينا مثلا على ظاهرها أو أردنا بها ما يراد بقولهم: مثلك يفعل كذا أي أنت تفعل كذا، ومعلوم أن الآية لم يرد بها نفي التنبئة ولو أريد: لا ينبئك أحد مثل تنبئة الخبير لزم إظهار الفاعل ونصب مثل.
وأما التحرير فإنه مما أقيم فيه المسبب مقام السبب، فنفي المسبب والمراد نفي السبب، وهو وجود مثل لهذا الخبير المخبر، فحاصل المعنى من العبارة الكريمة: يا محمد لا تنبئة موجودة من أحد كهذه التنبئة لانتفاء مثل خبير أنبأك بها، وينظر إلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] المعنى فلا يقبل، وتقديره: فلا يربو أجره كربا الصدقات المقبولات وتضاعفها، فنفي فرعه لانتفاء أصله، لأن الزيادة فرع المزيد، فإذا انتفى الأصل انتفى الفرع، ونحو منه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] أي من خوف الذل، فنفي اتخاذ الولي لانتفاء سببه وهو خوف الذل فإن اتخاذ الولي فرع المخافة من الذل ومسبب عنها.
وأما قول الشاعر:
على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا ساقه العود النباطي جرجرا
فيحتمل عندي وجهين: أحدهما أن يكون مما نفي فيه المسبب والمراد نفي سببه أي لا منار له فيهتدي به، وحاصله نفي المسيب لاعتقاد نفي سببه، وإنما قلنا إن المراد نفي سببه لأنه لا يلزم من نفي المسبب نفس السبب بخلاف العكس.
الوجه الثاني: أن يكون أراد نفي الجدوى، وهي الهداية، فلعدم جدوى هذا
стр. 325
المنار وهي الهداية به، وإن كان موجودا فكأنه معدوم، ومنه قوله تعالا: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] ، يعني الأيمان بعد ثبوتها لانتفاء ثمرتها وهي الوفاء بها.
وكان شيخنا مجلي الحفاظ، ومحلي ترائب المعاني بأتراب الألفاظ، الإمام العلامة أَبُو الْحَسَنِ حازم بن مُحَمَّدِ بْنِ حازم الحازمي، ﵀، يسمي هذا النوع النفي الفرضي، وهو أن يراد نفي الشيء، فينفي جزاؤه، أو ما يخصه إذا قدر وجوده فرضا، ويقصد بذلك تأكيد نفيه ويقول: إن تحقيق التقدير في قول امرئ القيس أن يكون المقصود أنه لا منار فيه يهتدي به، ولو فرض فيه منار أيضا لم يهتد به لأنه من البعد بحيث تتضاءل فيه المسافة التي يمكن أن يهتدي فيها بالمنار فتنقطع عن سالكه، رؤيته وهو على أول تيهه وضلاله، فكأنه لم يهتد به جملة، أو لأنه كثرة الآل والسراب بحيث لو قدر فيه ثبوت منار لم يهتد به أيضا لانطماسه فيها وكأن ما ذهب إليه شيخنا أَبُو الْحَسَنِ ﵀ ينتظم الوجهين المتقدمين ومن هذا المعنى عندي قوله تعالى ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] أي أنهم لا يستجيبون بحال ولو قدرت سمعهم.
ومن نفي الافتراض عندي قول زهير.
بأرض خلاء لا يشد وحيدها ... علي ومعروفي بها غير منكر
أي لا وحيد بها يشد، ولو قدر فيها ثبوت وحيد لم يكن هنالك من يشده لإقفارها من الأنيس
стр. 326
ومنه قول أبي كبير الهذلي.
وعلوت مرتئبا على مرهوبة ... حصاء ليس رقيبها في مثمل
غيطاء معنفة يكون أنيسها ... ورق الحمام جميمها لم يؤكل
أي لا جميم بها يؤكل ولو قدر بها جميم لم يكن بها من يأكله لأنه قفر وكذلك قوله: ليس رقيبها في مثمل أي ليس بها رقيب فيكون في مثمل، والمثمل الملجأ، والكلام على هذا وأمثاله يتسع مجاله، ويقل رجاله، والله أسأل أن ينفعنا، بما علمنا بمنه وفضله.
قلت: وقد يشهد لصحة إدخال النفي على كلمة في الجملة والمراد غيرها إذا كان في الكلام ما يشهد لذلك ما ذكر أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري ﵀ في كتاب الوقف والابتداء من تأليفه لما تكلم على قوله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦] فقال ما نصه: فيه وجهان، إن شئت قلت: الوقف على قوله ﵎ ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ [الأعراف: ٤٦] ثم تبتدئ ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦] أي وهم يطمعون في دخولها وإن شئت قلت: المعنى دخولها وهم لا يطمعون في دخولها قبله فيكون الجحد منقولا من الدخول إلى الطمع كما نقول في الكلام: ما ضربت عَبْد اللَّهِ وعنده أحد فمعناه ضربت عَبْد اللَّهِ وليس عنده أحد، فالجحد منقول من الضرب إلى آخر الكلام، حكي عن العرب، ما كأنها أعرابية، بمعنى كأنها ليست أعرابية، قَالَ وأنشد الفراء.
стр. 327
ولا أراها تزال ظالمة ... تحدث لي نكبة وتنكوها
أراد وأراها لا تزال ظالمة فمعنى الجحد الأول: التأخير وأنشد الفراء أيضا:
إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ ... فدعه وواكل حاله واللياليا
يجئن على ما كان من صالح به ... وإن كان فيما لا يرى الناس آليا
أراد وإن كان في ما يرى الناس لا يألو، فعلى هذا المذهب الثاني لا يحسن الوقف على قوله : ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ [الأعراف: ٤٦] انتهى كلام ابن الأنباري.
قلت: وقد حملوا على نحو من هذا قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] وقالوا: المعنى لم يرها ولم يقارب رؤيتها، والله أعلم.
وكان مع هذا الإمام الجليل الذي لم يقض التمتع به والاقتباس من أنواره حتى أنا لم نظفر منه ولا بالإجازة، وإن كان الرجل إنما يقصد بعلمه ودرايته لا لعلو روايته، الكاتب البارع جمال الدين أَبُو عَبْد اللَّهِ محمد بن إِبْرَاهِيمَ الأنصاري المروي أبوه، المصري الدار، وهو الذي نبه الشيخ الإمام على مكاني فأوجب اعتناء الشيخ بي وبره، وسنذكره بعد إن شاء الله.
стр. 328
المكين العسقلاني وكان أيضا حاضرا في مجلسه الأديب الناظم المعروف بالمكين بن عز بن حسام العسقلاني فأنشدني لنفسه من قصيد:
حثوا كتائبكم تترى إلى التتر ... فما حمى الثغر مثل الطعن في الثغر
وما شفى الغيظ إلا صارم وذكر ... بكف أروع مثل الصارم الذكر
شهم الفؤاد، بحبل الله معتصم ... يوم الوغى، ولدين الله منتصر
ومما جره الحديث في ذلك المجلس لما أخذنا بأطرافه، وأبدينا نبذا من طرائفه ذكر الوزير الجليل الخطيب البليغ العالم المتفنن أبي الحسن سهل بن مالك
стр. 329
الأزدي الغرناطي، نادرة مصره بل نادرة عصره، حكيت عنه حكاية حكاها لي عمي الكاتب الفاضل الفقيه أَبُو إِسْحَاقَ إبراهيم بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رشيد، قَالَ: حكى لي أبو جعفر الطوسي أنه دخل يوما مع جماعة من أصحابه بمرسية على الوزير الأجل أبي الحسن سهل بن مُحَمَّدِ بْنِ مالك لما غربه ابن هود عن وطنه، قَالَ: فقدم إلينا حوتا، فلما فرغنا من أكله، قَالَ لعجوز كانت عنده تخدمه اشتري لهم تينا يأكلونه عليه، وكان الوزير أَبُو الْحَسَنِ في سمعه ثقل، فقالت العجوز: هلا أخرج لهم من عديل التين الطيب الذي سيق له، وهو في الغرفة؟ فسمعها الأصحاب ولم يسمعها الوزير أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: فقلنا له يا سيدي. . . . . . . . . . هلا أطعمتنا من عديل التين الذي أهدي لك؟ فقال: ومن أعلمكم به؟ ثم أنشد لنفسه:
لو جاء إبليس إلى مشربي ... سرا عن الناس بإحدى الطرف
أخبرتني أنت بمن ساقها ... يا عالم الغيب بما في الغرف
فقال لنا علم الدين العراقي: هذا مأخوذ من قول الآخر:
لو طبخت قدر بمطمورة ... بالدار أو أقصى بلاد الثغور
وأنت بالصين لو جبتها ... يا عالم الغيب بما في الصدور
стр. 330
الشريف شرف الدين الكركي وممن لقيته أيضا بمصر الفقيه الإمام الوحد المفتي السيد الشريف شرف الدين أَبُو عَبْد اللَّهِ محمد بن عمران بن موسى بن عبد العزيز بن مُحَمَّدِ بْنِ حزم بن حمير بن سعيد بن عبيد بن إدريس بن إدريس بن إِبْرَاهِيمَ بْنِ موسى بن جعفر بن مُحَمَّدِ بن عَلِيِّ بْنِ الحسين بن عَلِيِّ بْنِ أبي طالب الحسيني ﵃، يعرف بالشرف الكركي.
لقيته بالمدرسة الطيبرسية مع صاحبنا ورفيقنا الوزير الفاضل الكاتب الكامل بدر الدين أبي عَبْد اللَّهِ بن الوزير الجليل الفاضل الفقيه أبي القاسم بن
стр. 331
الحكيم حرس الله مجده وحفظ وده، فقرأ عليه رفيقنا أَبُو عَبْد اللَّهِ شرحه لعقيدة المهدي التي تسمى بالمرشدة وسماه اللمحة المسددة في شرح المرشدة، فسَمِعْتُ عليه جميعه، وذلك في أخريات صفر من عام خمسة وثمانين وست مائة بفسطاط مصر بجامع عمر بن العاص ﵁، وأجازتي جميع رواياته إذ ذاك، ولأولادي أبي القاسم وعائشة وأمة الله.
تضمن الشرح الحديث الذي خصه الترمذي في تعديد الأسماء الحسنى وجرت المباحثة بيني وبينه في تحقيق الكسب وضايقته فآل كلامه إلى أنه إطلاق لغوي من حيث إن العبد صدر منه ذلك الفعل، يعني على وجه الاختيار في الظاهر فنسب إليه وأنه في الحقيقة مجبر، وهذا الذي قاله ليس بحث الأشعريين عليه.
стр. 332
ولد هذا الشيخ بمدينة فاس قواعد بلاد المغرب الشهيرة نشأ بها وتفقه على الشيخ أبي محمد صالح فقيه أهل المغرب في زمانه ثم رحل إلى المشرق وتفقه بمصر على الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وسمع الحديث على الحافظ زكي الدين، وأخبرني أنه سمع عليه الجامع لأبي عِيسَى الترمذي، قَالَ: أنا ابن طبرزد، قَالَ: أنا الكروخي، وذكر تمام السند، ثم رحل إلى الحجاز.
والمرشدة المشار إليها هي العقيدة الموحدية التي كان الموحدون ﵏ يلزمون تعلمها وتعليمها وحفظها الصغار والكبار، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على محمد وعلى آل محمد.
اعلم، أرشدنا الله وإياك، أنه وجب على كل مكلف أن يعلم أن الله واحد في ملكه، خلق العالم بأسره العلوي والسفلي، والعرش والكرسي والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، جميع الخلائق مقهورون بقدرته، لا
стр. 333
تتحرك ذرة إلا بإذنه، ليس معه مدبر في الخلق، ولا شريك في الملك، حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، عالم الغيب والشهادة، لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، فعال لما يريد، قادر على ما يشاء، له الملك والعلاء، وله العزة والبقاء، وله الأسماء الحسنى، لا دافع لما قضى، ولا مانع لما أعطى، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء، لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا، ليس عليه حق ولا عليه حكم، فكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، موجود قبل الخلق، ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض لا يقال متى كان، ولا كيف كان، ولا مكان كون المكان ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان، لا يلحقه وهم، ولا يكيفه عقل، ولا يتخصص في الذهن، ولا يتمثل في النفس، ولا يتصور في الوهم، ولا يتكيف في العقل، لا تلحقه الأوهام والأفكار، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
نجزت وأقام منصرفة من الحجاز بالكرك من أعمال الشام، حتى صارت شهرته بمصر الآن بالكركي، ثم انتقل إلى مصر في حدود سبعين وست مائة، وأقام يدرس ويفتي بالمذهبين، ويلقي الدروس، في كل فن: العربية واللغة والأصليين وعلم الحساب وغير ذلك من العلوم، وصفه لي بعض أصحابنا بهذا كله، وزاد أن قَالَ: واليه انتهت الرئاسة بالديار المصرية، وعليه مدار الفتيا بها في زماننا.
كتب لي بخطه مجيزا، قلت: في استدعاءين، وكان كتبه فيهما أو في أحدهما، وأنا غائب عن الديار المصرية، في توجهي إلى الشام عام أربعة وثمانين
стр. 334
وست مائة وأظن كتبه كان في أواخر شعبان، من السنة، وأجاز لبني وأخواتي.
وسمى بخطه مما روى من الكتب: صحيح مسلم بن الحجاج، أخذه عن بقية السلف شرف الدين بن أبي الفضل المرسي، عن المؤيد الطوسي بسنده.
قال: ومن ذلك الموطأ رواية الليثي، وذلك روايتي عن العبقوي، عن المقدسي، عن الزهري، عن الطرطوشي بسنده المعروف.
قلت: الزهري هو أبو طاهر إسماعيل بن مكي بن عوف القرشي الزهري، عن الفقيه أبي بكر الطرطوشي، قَالَ: أنا الفقيه الْقَاضِي أبو الوليد الباجي، قَالَ: أنا أبو الوليد يونس بن عَبْدِ اللَّهِ الصفار، إجازة ومناولة، قَالَ: أنا أبو عِيسَى الليثي، قَالَ: أنا عم أبي أبو مروان عبيد الله بن يَحْيَى بن يَحْيَى، قَالَ: نا أبي، عن مالك ﵀.
قال: ومن ذلك الشجرة، عن مصنفها ابن عبد السلام الإمام المشهور يعني عز الدين، وكذلك اختصاره الرعاية، للمحاسبي وكذلك
стр. 335
المعجم المترجم عن مصنفه الحافظ العبقوي، وكتاب جامع الأصول في حديث الرسول لابن الأثير، عن عبد المحسن الرجل الصالح خديم الخليل ﵇ بالشام، عن مصنفه، ورسالة التصوف للقشيري، عن المراغي، عن ابن عساكر، عن أبي القاسم ولد المصنف، عن أبيه.
انتهى ما كتبه بخطه من أسانيده في الكتب المذكورة، فابحث عن تحرير أسماء هؤلاء المذكورين، وكيفية أخذ بعضهم عن بعض بحول الله.
أنا الإِمَامُ شَرَفُ الدِّينِ الْكركِيُّ فِيمَا أَذِنَ فِيهِ بِخَطِّهِ، أنا شَرَفُ الدِّينِ ابْنُ أَبِي الْفَضْلِ الْمَرْسِيُّ، أنا الْمُؤَيَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ الصَّاعِدِيُّ الْفُرَاوِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِنَيْسَابُورَ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ الْجُلُودِيُّ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ الْفَقِيهُ، قَالَ: نا أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ
стр. 336
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ»
وبه إلى مسلم:
نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «
لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلا مِثْلا بِمِثْلٍ، وَلا تَشُفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ»
ولهذا الإمام يسير نظم أودع بعضه شرح المرشدة، وهو ما قرئ عليه وَأَنَا أَسْمَعُ، وقد أنشد في هذا التصنيف للشهرستاني، من نهاية الإقدام، قَالَ ينبه فيه على قصور الإفهام.
لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وصيرت طرفي بينها غير نائم
فلم أر إلا واضعا كف حائرا ... على ذقنه أو قارعا سن نادم
стр. 337
فقال الشيخ شرف الدين الكركي المذكور وقد أجبته بشيء أنشدته:
مررت على ربع الحياري فلم تجد ... سوى حائر والشكل بالشكل أعرف
على أن حكم الحس والوهم يزدري ... ورب قوي في النهاية يضعف
وله رثاء رثى به الإمام الصوفي الفقيه العدل الفاضل أبا عَبْد اللَّهِ بن النعمان أوله:
هوى من سماء الدين في الشرق والغرب ... ولي من الأوتاد ينمي إلى القطب
يقول فيها:
لقد ذيل النعمان في الروض إذ جرى ... له في اسمه ذكر لدى النعي في العشب
ورثاه الكاتب الأديب سراج الدين أبو حفص عمر بن مُحَمَّدٍ الوراق.
فقال من قصيد أوله:
عليك فتى النعمان دمعي شقائق ... وعندك أنهار جرت وحدائق
وعندك ما قدمت من كل صالح ... فيا سابقا للخير خيرك سابق
أفادنا هذه الأبيات صاحبنا المحدث أَبُو عَبْد اللَّهِ محمد بن عاصم الرندي، وكتب لي البيتين الأخيرين بخطه.
стр. 338
وأنشدنا صاحبنا الكاتب البارع الوزير أَبُو عَبْد اللَّهِ بن الفقيه الوزير الجليل أبي القاسم بن الحكيم، حرس الله معاليه وشكر مساعية، قَالَ: أنشدني شرف الدين الكركي لنفسه:
إليك أشكو الذي أخشاه من ضرر ... ومنك وحدك ما أرجوه من وطر
عقدا وثيقا به ألقاك معتمدا ... عليك في أمره أو ينقضي عمري
وإن صرفت إلى خلق أمورهما ... ففعلة جرها ضرب من الخور
أو أنها نفثة المصدور تغلبة ... أو سعلة عن أذى في الحلق والسحر
هذا على أنني قد خلته سببا ... مصرفا لي بما تجريه من قدر
تعلقا بأمور أنت شارعها ... هاد إلى فعلها كسبا على قدر
стр. 339
- زين الدين ابن الجميزي السكان ومن لقيته بمصر الشيخ الصالح زين الدين أبو محمد عبد الرزاق بن عماد الدين إبراهيم بن أبي الفضائل هبة الله بن سلامة بن المسلم اللخمي الشافعي السكان المصري المعروف بابن الجميزي.
لقيته بحانوته مع صاحبنا المحدث أبي عَبْد اللَّهِ بن عاصم، وأجاز لي لفظا، وأشك في السماع منه، وكان قبل ذلك قد كتب لي عنه ملتفظا بالإجازة لي، ولبني وأخواتي، صاحبنا المحدث نجم الدين أَبُو عَبْد اللَّهِ محمد بن عبد الحميد، وأنا في الوجهة الحجازية يوم الاثنين السابع والعشرين من محرم من سنة خمس وثمانين.
سمع من عمه بهاء الدين وابن الصابوني، الأربعين البلدانية للسلفي الحافظ ﵀ وغير ذلك، وأجاز له عمه بهاء الدين أَبُو الْحَسَنِ بن أبي الفضائل ابن الجميزي ﵀.
стр. 340
- الجمال المغربي ومن لقيناه بمصر الأديب الفاضل الكاتب البارع الحافل جمال الدين أَبُو عَبْد اللَّهِ محمد بن إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى الأَنْصَارِيّ المروي أبوه من أهل المرية من الأندلس، المصري الدار، ويعرف بالجمال المغربي.
كتبت عنه بعض رسائله، ومن ذلك استفتاء، كان أنشأه لسبب عرض له، وأمل أعرض عنه، فما بلغ منه ما أمله، وذلك أنه خاطب بعض الفضلاء شاكيا له بحاله، وشارحا له ما ألح عليه من فقره وإقلاله، فلم يواسه بشيء من جاهه ولا ماله، فكتب هذا الاستفتاء مستعديا عليه في القضية، وشاكيا به إلى فضلاء الديار المصرية، ونصه، وهو مما سمعته عليه بقراءة، فيقنا المعظم الوزير الجليل الماجد الكامل الأصيل أبي عَبْد اللَّهِ بن الحكيم، حرس الله معاليه، وكتب في الصالحات مساعيه:
стр. 341
ما يَقُولُ السادة الأمجاد، والقادة الإنجاد، كنوز المفاخر، ومعادن المآثر، أهل المجد السامي، والرفد إلهامي، والحسب التليد، والأدب العتيد، في متعفف متكفف، في خمل الخمول مختف، والى كسر الانكسار منكف، لا تمتد إليه راحة براحة، ولا يجد من المواساة ما يأسو به جراحه، ولشدة ما مني به من خصاصة الإفلاس، لا يرى مادة الحياة إلا في الأحلام أو في أيدي الناس، يمسي وأساود الهموم تساور سويداء قلبه، ويصبح وغمام الغموم يكف بما يزيد في كربه، ولا ينفك يعالج بالمنى، قلبا بجمرات الحسرات اكتوى، ويصون عن التبذل، وجها بماء الحياء قد ارتوى، أوى إلى عزيز مصره، وفريد عصره، ومن زكت منه الأواصر، وعقدت عليه الخناصر، وازدانت به صدور المحافل، ودانت له صدور الجحافل، وألقت إليه الرياسة عصا تسيارها، وابتسمت له ثغور السعود وضمته عواصم أسوارها، ليفتح له من الإسعاف بابا مرتجا، وليسبغ عليه من الإسعاد ظلا سجسجا، وليبوئه من الإكرام جنة دانية القطاف، وليورده من الإنعام موارد عذبة النطاف، وليقوم مناد حاله يتثيقف نظره، وليدني منه غنى طال عليه مطال منتظره، ثقة أنه يمير بجوده النمير، وأن السؤال يثير إحسانه الكثير وأن دفع العسير عليه يسير، أفيجوز، لهذا المكمل المؤمل، أن يلفت وجهه عن هذا المذلل المعلل، وأنه إذا شكا إليه ضنك عيشته لا يشكيه، وإذا رآه لقى بين أيدي الجوائح لا يندبه ولا يبكيه، ويتركه والأيام تغاديه وتراوحه بنحوسها، وتضفي عليه من الضرورة لبوس بوسها، وتقطع طرق المناجح على رواد قصوده، وتحكم اليأس على رجائه فتديل مقصوره على ممدوده، ولم يرقب فيه إل ولاء، ولا ذمة انتماء، أفتوا بمقتضى الفتوة، ومروا بمرتضى المروة، مفضلين محسنين، على ممر الإعصار والسنين.
انتهى الاستفتاء، وكتب في الجواب عليه عدد كثير، وجمع كبير من فضلاء المصرين وأدبائهم وعلمائهم أراني من ذلك جملة في بطائقها، وقال لي أريد جمعها في كتاب يضم نشرها، ويبقي أثرها ويخلد خبرها.
وكتب منها صاحبنا الفاضل الوزير الكامل أَبُو عَبْد اللَّهِ وصل الله إسعاده
стр. 342
وسنى في جميع محاولاته مراده، جوابا واحدا ولم ينسبه، وكتبته من خطه، وهو هذا: حقيق بمن اختاره الله لمصره عزيزا، واصطفاه من أهل عصره، فأوفى عليهم تبريزا، وخليق بمن كان لصدور المحافل زينا، ولأعيان الصدور عينا، وبمن أحكمت الأواصر في مودته عقدا، ولويت الخناصر، على فتوته كرما ومجدا، أن يفتح لعافيه من إسعافه مرتج الأبواب ويمنح موافيه من إسعاده أبهج الأسباب، ولا يجوز له وقد ارتدى بحلة الكمال، واغتدى في حلية الجلال، أن يصرف وجه إنصافه، عن طالب إسعافه، ولا يلفت ليت إشفاقه عن خاطب إرفاقه، لاسيما إذا وثق بأنه يمير بنمير موجوده، وعلق بأن سؤاله يثير كثير إحسانه وجوده، وهذا الفاضل وإن كان منكفيا في كسر الانكسار، لعدم اليسار، مختفيا، في خمل الخمول، للخطب المهمول، فقد أحرز من الفضائل منزلة مشيدة الأركان، وبرز بإجماع الأفاضل في حلة معلمة الأردان، وحسبك بما نجم من فتواه من نجوم البديع، حالية بالمقابلة والترصيع، خالية من المقابلة والتربيع، فالإنشاء كلمة مجموعة وهذه نتيجتها ومعناها، ودوحة خضرة، وهذه ينعها وجناها، وإذا تقرر ذلك فالمذهب المهذب في شرع الكرام، الحكم بنهاية المطلب ونيل المرام.
ومن جملة من كتب جوابا عن هذا الاستفتاء ناصر الدين نصير المنياوي، وذكر لي الجمال المغربي المستفتي المذكور أنه وقع لنصير في هذه المجاوبة بيت شعر أثناء الجواب، استحسنه كل من سمعه لجودة نظمه وخفاء التعريض فيه وهو:
عين المروءة في إنسانها أبدا ... نور يرى سر أرباب الضرورات
ومن ترسيل الجمال المغربي المذكور ما سمعته عليه بقراءة رفيقي الوزير الجليل الماجد الكامل الأصيل أبي عَبْد اللَّهِ بن الحكيم، أحكم الله معاقد مجده، وثبت
стр. 343
قواعد سعده، وهي رسالة صدرت له جوابا عن مجموع رسالتين، وردتا عليه، إحداهما أرجأ جوابها حتى وردت عليه أخرى، فجاوب عنهما معا، بدأتها: «لم يزل المملوك متشوقا لمشاهدة محياه الذي تهدي المسار إلى القلوب أساريره ويود الصحب لو استمدت من تألق بشره تباشيره، ويبهر عين الشمس إشراقه، فينقلب إليها بصرها خاسئا وهو حسير، وتظل متحيرة في درج مطالعها فلا تدري إلى أي جهة تسير، والى تقبيل يده التي جارى جود السحاب جودها فكبا، ورام البحر أن يكون أخا لنوالها فانف وأبي، وانتظمت قلائد مننها فزانت أجياد الأجواد، ومد نيل نيلها فكان لرفع الإعدام عن العفاة بالمرصاد، ومتشوقا لمراسمه التي تتجدد بورودها عليه رسوم سعوده، ويورق بوفادات إفاداتها إليه يابس عوده، وتجعل فرق الفرقد لقدم تقدمه نعلا، وتثبت له في العبيد اسما لما كان امتثاله لأوامرها فعلا، وتنفث في روع حاله بتعهدها روح الانتعاش، وتبرز حظه من الإقبال في أبهر حلي وأبهي رياش، وتأخذ بيده لترفعه في حضيض الخمول إلى أوج النباهة، وتحله من قلوب الصدور بما تحله له من نفاسه الوجاهة، إلى أن ألقي إليه كتاب كريم انطوت طوية ضميرة على سر بر يلحق المأمور في الإحسان بأميره عتب به الزمان، وكان من قبل لا يصغى للعتاب، وجنح مما جنى من تجنبه على بغية إلى المتاب، ففضه عن سطور كأنها سموط در أضحى الدرج لها درجا، وإذا أنعم النظر فيه كان المهرق سماء وكل معنى كوكبا وكل لفظة برجا، فاستحشد خواطر أفكاره واستنجدها، وسألها الإعانة على سلوك طريق استصعبها في جوابه واستبعدها، فجاس بها خلال ديار الألفاظ مهملها ومستعملها وأثار بها دفائن المعاني مفصلها ومجملها، فما وجد فنا من بعيد البديع البارع، ولا نوعا من ترصيع التصريع الرائع، إلا وقد ذل لمولانا صعب قياده وأطاعه، وبذل لمراده من مواتاته جهد الاستطاعة، فبينما المملوك متردد الفكر في تلفيق ما يؤدي به واجب الجواب، وجمع ما عساه يصيب به غرض الصواب، إذ تلاه كتاب تليت فيه سورة الإحسان، وجليت منه صورة الحسن، ورويت به عطاش الأذهان حتى ظن أنه صيب المزن، فلله منشيه لقد أنشأ القلوب، بما أنشأ وأطربها بها، وأودع
стр. 344
أصداف الأسماع من درر البلاغات أحسنها وأغربها.
فالأول طلع قمرا جعل الطرف والقلب له نزلا، فثوى فيهما ولم يبغ عنهما حولا وغدا لهذا ذرورا يزيد سواده نورا، ولهذا سميرا يفيد سويداه نورا، والثاني بزغ شمسا أشعتها آداب وفضائل، وبروجها بصائر شرفها فيها غير متناقص ولا متضائل، فلولا أن التوفيق عرف نفس المملوك مظنة الهداية، وصرف طمعها عن طلب النهاية، في حال البداية، لسولت له أن يضاهي النيرين بنجوم كلها في الخفاء سها، وأن يعارض الجواهر بأعراض لا تصدر إلا عمن شرد الرشد عنه فغفل وسها، ويأبي الله إلا أن يهدي إلى سبيل الرشاد من ائتم بأقوال مولانا وأفعاله، وألزم التمسك بعرى ولائه كبير قومه، وصغير آله، على أنه لما ورد الثاني منهما عليه، أعجله في الجواب موصله إليه ولم يمهله غير ساعة من نهار، فأملى لسان المملوك عن بال كاسف، وخاطر في أدهم الهم راسف، ما وقف عليه مولانا من الخطأ والخطل، وشاهده من الزلل والخلل، فإنه وقعت منه غلطات وضحت له بعد قفوله، وصدرت عنه فرطات لم يترو في إصلاحها لتعجيله، فمولانا يضفي عليها ستر تغافله، ويدفع بالصفح عنها في صدر تجامله، أنهى المملوك ذلك بعد تقبيل يد مولانا المالك الوالد، ألقى الله بين يديه لسان الواشي وقلب العدو وعين الحاسد» .
أنشدنا صاحبنا جمال الدين المغربي، بمصر، قَالَ: أنشدنا المعين عثمان بن سعيد بن تولوا الفهري، لنفسه من قصيد، وقد سأله الصاحب زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع الزبيري، معارضة قصيدة حبيب التي أولها.
стр. 345
ما في وقوفك ساعة من باس ... تقضي ذمام الأربع الأدراس
فنظم له قصيدة خيرا منها فقال فيها:
يا سعد ساعدني بوقفه ساعة ... ما في وقوفك ساعة من بأس
تقضي ذمام الأربع الأدراس
يَقُولُ فيها:
وأخذت بالسيف المظفر بالعدى ... ثأر الخلائف من بني العباس
وأنشدنا جمال الدين المذكور بمصر، وكتبه لنا بخطه، قَالَ أنشدنا ابن تولوا لنفسه:
يا ذا الذي استام سكينا ومقلته ... تفعل في القلب أفعال السكاكين
ملكت في الحسن أضعاف النصاب ولم ... تخرج زكاة لعشاق مساكين
وأنشدنا جمال الدين المذكور وكتبه لنا بخطه، قَالَ أنشدنا ابن تولوا لنفسه في صفة كاتب:
ندب له البحر فكر، والغمام يد ... لذاك في الطرس يبدي الدر والزهرا
ما بين لفظ وخط سر حسنهما ... في كل حين يسر السمع والبصرا
وأنشدنا جمال الدين المذكور، قَالَ، أنشدنا المعين ابن تولوا لنفسه من قصيد:
أبني الزبير دعاء داع طالما ... لباه جاه منكم، ونوال
أيديكم أضحت مفاتيح الغنى ... وسواكم أيديهم أقفال
ما في علاكم ما يقال وكيف لا ... وبكم عثار ذوي العلاء يقال
стр. 346
وابن تولوا هذا أحد الأدباء النحاة الصدور من أهل إفريقية تيملي من طائفة الموحدين، استوطن مصر والقاهرة، وكان حيا في هذه المدة، ولكنه كان متعذر اللقاء لشدة مرض لزمه، منع الدخول عليه، واسمه عثمان بن سعيد بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَحْمَدَ بْنِ تولوا يكنى أبا عمرو.
стр. 347
- نصير الحمامي المنياوي وممن لقيناه أيضا بمصر الأديب البارع العذب المنازع الغريب الأمر في ما يأتي به على عاميته من عجيب النظم والنثر ناصر الدين نصير بن أَحْمَدَ بْنِ علي المصري، الحمامي المنياوي، نسبة إلى بعض منى مصر.
وهذا الرجل من مشاهير أدباء المصريين، على أنه فيما وصف لي في عداد العامة أو الأميين، ولكن له طبع معين، ومخالطة لفضلاء والأدباء، هي له على الاستعارات الأدبية والإشارات النحوية، في نظمه أكبر معين، حتى صار كلامه ونثره ونظامه، كأنه صادر عن المبرزين في الطلب، الحائزين فيه أعلى الرتب، وهو
стр. 348
يشتغل باكتراء الحمامات والعمل فيها، فيقصده نبلاء الشعراء ورؤساء الكتاب، ويبايته أهل العلم، والفضل والآداب.
قصدته في حمامه ليلا مع رفيقي الكاتب الجليل الماجد الكامل الوزير الفاضل أبي عَبْد اللَّهِ بن الحكيم، حملنا إليه صاحبنا المحدث المسند المقيد أَبُو عَبْد اللَّهِ بن عاصم الرندي، نزيل مصر، فأملى علينا جملة من كلامه وقد استحضر جماعة من خدامه، بمصابيح في أيديهم وكل منهم قائم على أقدامه، برا بقاصديهم في ناديهم، وهو يتمايل في إنشاده طربا، ويبدي من بدائعه عجبا، فمما ابتدأ به أولا في الإنشاد لنفسه وذلك يدل على حسن تهديه وجودة حسه:
لا تفه ما حييت إلا بخير ... ليكون الجواب خيرا لديكا
قد سمعت الصدى وذاك جماد ... كل شيء تقول رد عليكا
وأنشدنا نفسه:
ما زال يسقيني زلال رضابه ... لما خفيت ضنى وذبت توقدا
ويظنني حيا رويت بريقه ... فاذا دعا قلبي يجاوبه الصدى
وأنشدنا لنفسه:
وليل رضا حتى الغزالة مر لي ... بقرب غزال حسنه ليس يبخس
سقاني سلاف الريق والكأس ثغره ... على ورد خد لاح أعلاه نرجس
وقد كان محمر الشفاه فلم أزل ... أقلبه حتى غدا وهو ألعس
وأنشدنا لنفسه:
أقول لقلبي وقد ذاب ... في هوى شادن حاز حسنا غريبا
تصبر إذا كنت في شدة ... عسى فرج الله يأتي قريبا
وله نظم رائق يفتخر فيه بالجمام وقدمته، ويشير ألطف إشارة بأظرف
стр. 349
عبارة إلى آلاته وشرف صنعته، ويبدي فيه بدائع روائع من توريته، فمما أنشدنا لنفسه من قصيد، يعد في هذا المعنى من النوع الفريد النظم:
قد طاب إيثاري وآثاري ... وقد سمت داري ومقداري
أصبحت ذا ناد ندي غدا ... يعرى به المرء من العار
أبوابه للناس قد فتحت ... من سائر يأتيه أو سار
مرخم ما في حروف اسمه ... نقص فقل من غير إنكار
ولي قدور لم ينم ساعة ... طباخها من كثر خطار
كم من نزيل فيه خولته ... إذ جاء في البارد والحار
كم عصرت عندي مشمولة ... مليحة النشر لزوار
وثم صب وخليع غدا ... يشرب في طاس وقوار
ذو خلوات يحصل الكشف لي ... فيها إذا واصلت أسحاري
ومجلسي في حسنه جنة ... سدر وماء نهره جار
والحوض مع رضوان في خدمة ... الخارج والداخل في داري
مبارك الأعتاب ميمونها ... يحمدها البائع والشاري
أسلب من شئت انتصافا إذا ... لاقيته لا سلب غدار
ألقى به ذا العذر بالبسط ... والتخويل في معروفي الجاري
تأتي ذوو الأعذار سعيا له ... فتنثني من غير أعذار
وله ألغاز مستعذبة استعمل فيها طرقا من التورية مستغربة، من ذلك ما أنشدنا لنفسه في وصف قنطرة الخليج وكسره.
وما اسم خماسي الحروف مؤنث ... يمر عليه من يسير ومن يسري
له حسن شكل زين الرفع نصبه ... على أنه لم يبن إلا على الكسر
له الدهر كم من جعفر وخليفة ... أتى راكبا هذا وهذا أتى يجري
وكم قامت الحرب الضروس لأجل ما ... جرى عنده والنصر تم لذي الصبر
وتلك على التحقيق حرب مسرة ... كما قد بكى المسرور من كثرة البشر
стр. 350
وأنشدنا لنفسه في حق:
يا إماما في كل علم وفن ... وله في القريض باع وكف
أي شيء من أرض صنعا ظريف الشكل ... لم يحك ذاك للظرف طرف
وله حافر برجل ويمشي ... وله منطق وسمع وطرف
يكتم السر لا يبوح بسر ... ومن كرام الأصول ما فيه خلف
حق ما قتله تجده مغطى ... ولو له لو فهمت في الحال كشف
وأنشدنا لنفسه في مخفية على لفظ ما تنطق به العامة
يا شاعرا في عصره واحدا ... ألفاظه في الشعر قسية
ما اسم تراني أبدا شيقا له ... ولو كنت على نية
حروفه تكتبها ظاهرا ... وليس تقرأ غير مخفية
وقد ردد هذا المعنى في وصف آنية يسمونها خماسية، في بيت أنشده لنا من أبيات لم يستحضر غيره:
حروفه عدا سداسية ... وأنت تقرأها خماسية
نحو من هذا ما أنشدنا صاحبنا الأديب الكاتب أبو الحجاج يوسف بن عَلِيٍّ الطرطوشي لنفسه ملغزا في رباعي:
ما اسم لدى العد سداسي ... وهو إذا شئت خماسي
وهو رباعي على حاله ... فاعجب له، وهو ثلاثي
وأنشدنا لنفسه ملغزا في وصف نار، وكتب به لشخص من أصحابه يعرف بالسراج عمر:
وما اسم ثلاثي به النفع والضرر ... له طلعة تغني عن الشمس والقمر
وليس له وجه وليس له قفا ... وليس له سمع وليس له بصر
يمد لسانه تختشي الريح بأسه ... ويهزأ يوم الضرب بالصارم الذكر
стр. 351
يموت إذا ما قمت تسقيه قاصدا ... وأعجب من ذا أن ذاك من الشجر
أيا سامع الأبيات دونك شرحها ... وإلا فنم عنها ونبه لها عمر
وقد أملى علينا غير ذلك من نظمه جده وهزله، فيما لم نر إيراده هنا، وأظن السراج عمر هذا المخاطب هو السراج عمر المعروف بالوراق أحد أدباء الديار المصرية، ومما بلغنا من نظمه أعني من نظم السراج الوراق قوله:
يا نازح الطيف مر نومي يعاودني ... فقد بكيت لفقد النازحين دما
أوجبت غسلا على عيني بأدمعها ... وكيف وهي التي لم تبلغ الحلما
وقوله:
سألتهم وقد زموا المطايا ... ففوا نفسا فساروا حيث شاءوا
ولا عطفوا على وهم غصون ... ولا التفتوا إلى وهم ظباء
وهذا من النظم البديع والنسج الرفيع ولنصير هذا مراجعات ومداعبات ومطايبات مع فضلاء أدباء المصريين، فمما كتب به إليه الأديب أبو الحسين المعروف بالجزار:
حسن التأتي مما يدل على ... عقل الفتي والعقول تختلف
والعبد من كان في جزارته ... يعرف من أين تؤكل الكتف
стр. 352
فجاوبه نصير بقوله:
ومذ عرفت الحمام ظلت فتى ... لطف يداري من لا يداريه
أقبل عذرا من كل معتذر ... وأطلب الرزق عند باريه
أعرف حر الأشيا وباردها ... وآخذ الماء من مجاريه
وعلى ذكر الحمامي والحمام، ما أنشدنا بعض أصحابنا لبعض المشرقيين في وصف طياب:
وقيم كلمت جسمي أظافره ... بغير ألسنة تكليم خرصان
إن أمسك اليد منى كاد يخلعها ... أو سرح الشعر عند الغسل أبكاني
فليس يمسك بالمعروف منه يدا ... ولا يسرح تسريحا بإحسان
ومما وجدته للأديب البارع أبي عثمان سعد بن عَبْدِ اللَّهِ الأقوبي، ﵀ ملغزا في مضاوي الحمام وهو من النثر الجيد في معناه.
ما نجوم اشرقت في سماء، تنير مع الضياء وتخفي عند الظلماء، يهتدى بأنوارها الساطعة، إذا كانت الشمس طالعة، وإن من أعجب الأمور، أن انكدارها يقضي بزيادة النور، فيا ذا الذهن الثاقب، أنبئني ما هذه الكواكب؟ لو قَالَ: يهتدي بأنواها الباهرة، ما دامت الشمس ظاهرة لكان عندي أحسن.
ووقفت بإفريقية على جزء صنفه المحدث الرواية العدل أمين الدين أَبُو الْقَاسِمِ عبد الرحيم بن أَحْمَدَ بن عَلِيِّ بْنِ طلحة الأَنْصَارِيّ، الخزرجي، ذكر فيه الأحاديث الواردة في ذكر الحمام، وختمه بأبيات مما يليق بذكر الحمام، رأيت أن أوردها هنا، ليتضمن اسم هذا الحمامي، ما يصلح أن يحاضر به في الحمام، قَالَ في آخره: شاهدت في صفة حمام بإشبيلية مكتوبا:
أتصعب الحمام من فرط حره ... وتنسى لهيبا في فؤادي وأضلعي
وما اشتق إلا من لهيبي لهيبه ... وما ماؤه إلا بقية أدمعي
стр. 353
وشاهدت في الصفة التي تقابلها منه:
ولم أدخل الحمام ساعة بينهم ... طلاب نعيم، قد رضيت ببوسي
ولكن لتجري دمعتي مطمئنة ... فأبكي ولا يدري بذاك جليسي
قال: وبت ليلة في حمام الخشابين في إشبيلية مع الآجل أبي عبد الرحمن بن السيد المرحوم أبي إِسْحَاق بن أمير المؤمنين ﵏، ووزيره أبي زيد عبد الرحمن بن العباس بن تيفوت، وكاتبه أبي عمرو بن حفصون الشلبي، وكان شاعرا مجيدا، وكان عبد الرحمن أجلح الرأس ثم حلق ما في مؤخر رأسه، فكأن رأسه لم يخلق الله فيه شعرا قط، فناوله الأجل أبو عبد الرحمن المشط والطفل، وقال له اغسل رأسك يا عبد الرحمن، فأنشأ أبو عمرو في ذلك الوقت يَقُولُ:
منحتم المشط لمن عهده ... بالشعر يا مولاي عهد قديم
فلو خطاياه كما شعره ... أتي إلى الله بقلب سليم
قال أمين الدين: سَمِعْتُ أبا الميمون عبد الوهاب بن عتيق بن وردان يَقُولُ: كان ابن الدوري من أهل الأدب والفضل بمصر، فدخل الحمام ومعه ابن رزين فقال ابن رزين.
لله يوم بحمام نعمت بها ... والماء من حوضها ما بيننا جار
كأنه فوق شقات الرخام ضحى ... ماء يسيل على أثواب قصار
فقال ابن الدوري مجيبا في ذلك:
стр. 354
وشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... فكاد يحرقه من فرط إذكاء
أقام يعمل أياما رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء
قال أمين الدين قَالَ أبو الميمون ﵀، وله في الحمام أيضا، ثم أنشدني قوله:
إن عيش الحمام أطيب عيش ... غير أن المقام فيه قليل
هي مثل الملوك يضفي لك الود ... قليلا لكنه يستحيل
جنة تكره الإقامة فيها ... وجحيم يطيب فيه الدخول
فكأن الغريق فيها كليم ... وكأن الحريق فيها خليل
انتهى ما ختم به الجزء فلنجعله ختام ذكر الحمامي، ولنتبع ذلك بفائدة علمية فنقول: إن هذا الاعتراض الذي اعترض به ابن الدوري تشبيه ابن رزين، حتى أتى من الزري عليه بما يزري به ويشين، ليس بصحيح، فإن التشبيه على ضربين: ضرب تمثل فيه ذات شيء بذات شيء آخر لوجود شبه جامع بينهما وضرب يشبه فيه حال من شيء بحال من شيء آخر.
ومن هذا النوع الثاني، هو قول ابن رزين، فكأنه إنما شبه المجموع بالمجموع لا المفردين بالمفردين فلما تخيله ابن الدوري من تشبيه المفرد بالمفرد بادر بالاعتراض.
والنوع الأول كثير بحيث يعني عن المثال:
مديحي عصا موسى وذلك أنني ... ضربت به بحر الندر فتضحضحا
فيا ليت شعري إن ضربت به الصفا ... أيبعث لي منه جداول سيحا
стр. 355
كتلك التي أبدت ثرى البحر يابسا ... وأجرت عيونا في الحجارة سفحا
سأمدح بعض الباخلين لعله ... إذا اطرد المقياس أن يتسمحا
فإن ارتاب مرتاب في حسن قول ابن الرومي، وقال ليس في المديح شيء يشبه العصا، فجوابه، أن يقال: إن التشبيه إنما وقع حال المديح وحال العصا، وذلك من أبدع التشبيه وأبرعه.
ومما يشبه قول ابن رزين هذا قول الشيخ الصوفي أبي يعقوب بن السماط نفع الله، به:
والخيل مع قرع الشكيم كأنها ... ترمي بقطن بالدماء يليل
следующие страницы →