Полный текст (547 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
حضر ابن بُندار يوماً، وكان يأكل معه، فنظر إلى غَضارة قد مُلئت ثريداً فأنشد:
ثريدٌ كأَنّ الشَّمس في حَجراته ... نجومُ الثُّرَيا أو عُيون الضَّياوِنِ
فقال: أُفّ، لعن الله قائله! فقال ابن بندار: قائله حسَّان بن ثابت، والنبي ﵇ لا يرضى بلعن من يقول له حاضّاً على جواب المشركين: " قُلْ ومعَك روحُ القُدس ". فسَكَت خَزْيان.
وكان ينجم من قلبه في الوقت بعد الوقت بُغْضُ العرب والأَكَلة؛
стр. 457
أنشد يوماً بيتاً، وقال: أُحبُّ أن أعلم ما يُريد الأعرابيُّ بقوله:
تَرى وَدَك السَّديفِ عَلَى لِحَاهُم ... كَلَوْن الرَّاءِ لَبَّدهُ الصَّقِيعُ
قال: وما انتصف منه أحد كأبي العباس ابن بندار؛ فإنه جرى ليلة حديث العرب والقبائل والأنساب. فقال أبو الفضل: أسَدٌ عِرْقٌ وَشيج ورحاك ونشيج وطراز نسيج، فقال ابن بُندار:
إِذا أَسَدِيٌّ جاعَ يوماً ببلَدةٍ ... وكان سَميناً كَلْبُه فهو آكِلُه
стр. 458
فتغافل أبو الفضل كأنه لم يسمع، وكان حليماً حمولاً لئيماً ذَلُولا.
وقال: أحدّثك من حلمه بأعجب من هذا؛ كُنّا بأَذْرَبيجان لما افتتحناها لإبراهيم بن المرْزُبان وقرَّرناها في يده اتفق أن ظفرنا هناك بطبيب نصرانيّ بغداديّ حسن الحذق، بارع الصناعة، مشهود له بصواب الرأي وجودة التدبير، فأدناه أبو الفضل ورضيَ هدْيَه، وحمِد رأيه وقوله، وكان يخصّه بالبرّ والتحفة؛ فكان من أمره أن أبا الفضل شرب غَداتئذٍ قدحاً من شراب الرُّمان، فبقي في أسفل القدح قليلاً، ومدَّ يده إلى الطّبيب يناوله، تكرِمةً له، ويقول له: اشرب هذه البقية.
فقال له الطبيب: " نَهَى نبيُّكم عن سُؤر الكَلْب "، وأمسك عن القدح.
فاصفرَّ وجه أبي الفضل، ولم ينطق بكلمة، ولا أساء إليه، ولا اعتذر ذاك من فرطته.
стр. 459
ولتدافُع الحديث ما أخرُج من ذكر هذا إلى شأن ذاك. ولقد اضطرب عليّ نسج الرسالة على مذهب المصنّفين، ولكن عذري بيّن، لأني نقلت ما نقلت في وقتٍ صعب وحالٍ عوراء.
سألت العتابيَ، شيخاً من أهل أصفهان كان صحب ابن عباد في أيام الحداثة، عن ترك ابن عباد الشراب.
فقال: والله ما ترك ما ترك لله، ولكن تركه أنه كان إذا سكر افتضح ودعا إلى الفجور به، ولما فشا هذا وقبُحَت القالةُ هَجَره، وأظهر ذلك لتقوى الله، أو لوجه الله تعالى.
ورأيت ابن عباد يوماً يقول لابن أبي هشام: لا تقُل حَرِجت نفسه، إنما الحَرَج للصّدر، قال الله تعالى: (فَلاَ يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) .
فقال له: فأين أنت من قوله تعالى: (ثُمَّ لاَ يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) . فعرق جبينه خجلاً؛ وكان ذاك سبب إعراضه عن هذا الشيخ، وانقلابه عنه بالحرمان.
стр. 460
وقال لي العتابي: كان هذا، يعني ابن عباد يقال له في المكتب: دِيوْجَه، قال: وتفسيره شيطان صغير.
وقال لي ابن الرازي: كلَّمته في شيء يوماً، وقلت في عُرض الكلام: " وكان ذلك لانطلاق لسانه "، فقال له: " اخسأ، الانطلاق في الشيء والطَّلاقةُ في اللّسان ".
قال: فقلت له: ما تصنع بقول الأول وهو يزيد بن الصَّعق يخاطب النّابغة الذّبياني:
وأيُّ الناسِ أَغدَرُ من شآمٍ ... له صُرَدان منطَلَقَ اللسان
стр. 461
قال: فخَمَد وحَقَد.
هكذا قال بفتح القاف، وكان فصيحاً.
وقال يوماً في المجلس، وهو يحدّث عن رجل أعطاه شيئاً فتلكّأَ في قبوله: " ولا بُدَّ مِن شيءٍ يُعينُ على الدَّهرِ " ثم قال: قد سألت جماعة عن صدر هذا البيت فما كان عندها ذاك. فقلت: أنا أحفظُ ذاك.
فنظر إليَّ بغضبٍ وقال: فما هو؟ قلتُ: قد نسيته.
قال: ما أسرع ذكرك من نسيانك.
قلت: ذكرته والحال سليمة، فلما حالت على سلامتها نسيتُ.
стр. 462
قال: وما حيلولتها؟ قلت: نظر الصاحب بغضب، فوجب في حسن الأدب أن لا يقال ما يُثير الغضب.
فقال: ومن تكون حتى يُغضب عليك؟ دع هذا وهات! قلت: قال الشاعر:
أُلامُ على أَخذِ القَليل وإِنَّما ... أُصادِف أَقواماً أقلّ من الذرّ
فإِن أنا لم آخُذ قليلاً حُرِمتُه ... ولا بُدَّ من شيءٍ يُعين عَلى الدَّهْرِ
فسكَت.
وكان ابن عباد ورد إلى الري سنة ثمان وخمسين مع مؤيد الدولة، وحضر مجلس ابن العميد أبي الفضل، وجرى بينه وبين مِسْكَوَيْه كلام، ووقع تجاذب.
قال مسكويه: فدعني حتى أتكلم، ليس هذا نصفة، إذا أردت أن لا أتكلم فدع على فمي مخدَّة.
فقال له: أنا لا أدع على فمك مخدّة، ولكن أدع فمك على المخدّة. وطارت النادرة، ولصقت وشاعت وبقيت.
стр. 463
فأما حديث ابن عباد مع أبي عبد الله الحصيري فمن الطّرائف؛ كان هذا الحصيري من أسقط الناس وأنذلهم، فلما ورد ابن عباد الريَّ تقرَّب إليه وعرض نفسه عليه، وسأل أن يُلقّنه المذهب، فحقره ابن عباد، وكان لا يهشّ له.
فجعل الحصيري يقف في الأسواق والشوارع العظام، والمربعات الكيار، ويُنادي بصوتٍ جهير ويقول: ادعوا الله للصّاحب الجليل، إسماعيل الذي ليس له في الدنيا عديل! ثم يقول بالفارسية: فإنه قد بسط العدل، وأحيا العلم، وبثّ المكارم، وآوى الغرباء؛ لا يشرب الخمر، ولا يَعْفِجُ الغلمان، ولا يخلو بالمُرْدان، ولا يتقحّب بالنساء، ولا ياخذ الرُّشا، ولا يقبل المُصانعات؛ نهاره في المُلك، وليله في دراسة العلم.
وأشباه هذا الكلام الشَّنيع.
وكان المنظر عجيباً، والمسمع أعجب. وكان أهل الريّ يقفون
стр. 464
ويسمعون ويضحكون ويسخرون، والبلد يغلب على أهله النوادر والعيارة.
فلما توالى ذلك منه، نُمي إلى ابن عباد، وشُنع به على الحصيري، واستُؤذن فيه ليُنهى عنه ويُزجر.
فقال: لا تفعلوا فإن باله ينكسر، ونشاطه يذهب، دعوه على شدّته في المذهب وحدَته على أهل الكذِب.
وكان له آخر يُلقّنه بالفارسية، ويقال له: اجلس في الأسواق عند الباقلاّني وعند الصّيدلانيّ، وعند المرّاق، وعند الهرّاس، واطرح له حسن " العدل والتّوحيد "، وادعه إلى المذهب، ولك مشاهرة تدرُّ عليك، وبرٌّ في كل وقت يصل إليك، ولك الجاه العريض في الوصول إليّ، والخلوة معي؛ وكان يقال لهذا الرجل الفُقّاعِيّ.
стр. 465
ورأيت آخر يقال له أبو عليّ الإسكاف، وكان أشفّ من الفُقاعي، على هذا؛ وكان يقال لهؤلاء دعاة الصّاحب، وخاصة الصاحب.
واجتهد بالحسين المتكلم الكُلاّبي أن ينتقل إلى مذهبه، فتلّطف حسين وقال: أيها الصاحب! دعني حتى أكون مشحذاً لك، فما بقي غيري، وإن دخلت في المذهب لم يبق بين يديك من تنثو عليه قبيحه، وتُبدي للناس عُواره.
فضحك من كلامه وقال: قد أعفيناك يا أبا عبد الله، وبعد ما نبخل عليك بنار جهنّم، اصلَ بها كيف شئت! قال لنا حُسين بعد ذلك: يا قوم! أَتُراني أصلى بنار جهنم وعقيدتي وسيرتي معروفتان، ويتَبوّأُ هو الجنة مع قتل الأنفُس المحرّمة، وركوب المحظورات العظيمة؟ إن ظنّه بنفسه لَعَجب، والله لو كان من المرجئة لكان مخوفاً
стр. 466
عليه، فكيف وهو يدعي الوعيد، ويخوِّف بالتخليد؟ لَحا الله الوَقاح.
وقال يوماً: ما صَدْر قول الشاعر:
والمشرَبُ العَذْبُ كَثِيرُ الزّحامْ؟
فسكت الجماعة.
فقال: قد - والله - فشا النّفص، وذهب الحفظ، ومات الأدب.
فقال ابن الرازي: صدره:
يزدَحِم الناسُ علَى بَابِهِ
فأقبل عليه بغيظ، وقال: ما عرفتك إلا متعجرفاً جاهلاً، أما كان لك بالجماعة أُسوة؟ وسمعته يقول: كان أبو الفضل مطبوعاً على معرفة الشِّعر، وكان
стр. 467
لا يخفى عليه جيده من رديِّه، وكان يعجب بقول الشاعر:
وجاءَت إلى باب من السِّجْف بينَنا ... مُجافٍ وقد قامَتْ عليه الولائدُ
لِتَسْمعَ شعرِي وهو يَقرع قلبَها ... بوحيٍ تؤدّيه إليها القصائدُ
إذا سمِعتَ معنىً لطيفاً تنفّسَت ... له نَفَساً تنقدُّ منه القلائدُ
ثم قال: هذا والله القول، وأنا أعجب بقول الآخر حين يقول:
ما زلتُ أَهواك سؤلَ قلبي ... ما دمت بين الأَنام حَيّا
وكيف يَسلُو هَواك قلبٌ ... سَقَيْته من هَواك ريّا
أَولى لك الله ثم أَولَى ... أَما خشِيت العِقاب فِيّا
جِئت إِلينا بغير وعْدٍ ... يا حبّ من زارَنا بَدِيّا
حتّى إذا ملكْت قلبي ... وازدَدت حُسناً نعَمْ وزِيّا
نفرَت نفرَ الظباء عنّا ... فصارَ من دونك الثُّريّا
стр. 468
وسنوسّع هذه الرسالة بعد هذا التطويل ببعض ما يكون حجةً أو عذراً، وإن اعترض حديث سقناه على غَرِّه، وعرضناه على حُلوه ومُرّه، ولولا أن الفائدة - أبقاك الله - في سماع هذه الأشياء ومعرفة هذه الأحوال أضعاف الفائدة في الإضراب عنها، لكان السكوت ممكناً، والإمساك مستطاعاً، والسَّلم واقعاً، والإعفاء سهلاً؛ ولكن الخيرة لا تقع، واليقظة لا تستحكم، والطّبع لا يرتاض حتى تتصفح الأمور، وتتعقّب الدُّهور، وتأخذ نصيبك من الاعتبار، وتبعث همتك على محمود الاختيار؛ والشاعر يقول:
ومن يَطُل عَيشُهُ لا تَلْقَه غَمراً ... وفي الحَوادِث والأيّام تجريبُ
وقال آخر:
أَخو خَمسين مُجتَمعٌ أَشُدِّي ... ونجَّذّنِي مُداورَةُ الشُّؤونِ
стр. 469
وقال آخر:
أَلم ترَ ما لاقيت والدهرُ أَعصر ... ومن يتَملَّ العيشَ يَرْأَ ويسْمَعُ
وقال لي أصحابنا حين وقف على جُرامة هذا الكلام: قد كشفتَ طائفتين كبيرتين، وحملتهما على عداوتك والإرصاد لك، يعني المتكلّمين والمتفلسفين؛ فإن هذه لا تصبر لك على ثَلْبك ابن عبّاد، وهذه لا تسكت عنك في نيلك من ابن العميد.
فقلت له: متى كان الخصم منصفاً، وكان مُدِلاً بالحق متوقّفاً، فإن القول معه يسهل، والجدل يخف، والحديث يُفيد؛ وهل أنا إلا كمن قال لرسول الله ﷺ في حديث: يا رسول الله: رَضيتُ فقلتُ أحسَنَ ما عرَفت، وغضبت فقلت أقبح ما عرفت. فلم يُنكر ذلك رسول الله ﷺ . وأنا أروي لك القصة لتكون الفائدة أظهر، والحجة أنوَر.
стр. 470
قال عمرو بن الأهتم للزِّبْرِقان، حين قال له النبيّ ﵇: ما عِلمك فيه؟ قال: أعلم أنه قد نجمت له مروّة، وأنه مطاع في قومه، وأنه مانعٌ لما وراء ظهره.
فقال الزبرقان: أما والله لقد ترك ما هو أفضل من هذا.
فقال عمرو: أما إذا قال ما قال فهو ما علمت أحمق الأب، لئيم الخال، زَمِرُ المروّة، حديث الغِنى؛ ولقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الأُخرى.
وضحك رسول الله ﷺ .
فقال عمرو: يا رسول الله! لقد غضبت فقلت أقبح ما عرفت، ورضيت فقلت أحسن ما عرفت.
فقال النبي صلى الله عليه: " إنّ من البيانِ لَسِحْراً ".
فهذا هذا، على ما رواه ابن الأعرابي.
ومن أظلم ممن طلب من الساخط ما لا يوجد إلا عند الرّاضي، وطلب من الراضي ما لا يصاب إلا عند السّاخط؟ ومن كان كذلك فقد ردّ الأمور
стр. 471
على أعقابها، وأتى المطالب من غير أبوابها. ولكل واحد من الراضي والساخط شاكلة يعمل عليها، وشيمة يظهر بها. على أني ما بهرَجْت مذهب المتكلمين، ولا زيّفت مقالة المتفلسفين. وإنما قلت في أُولئك إنهم ادّعوا " العدل " وعملوا بالجَوْر، وأمروا بالمعروف وركبوا المُنكر، ودعوا الناس إلى الله بالقول ونفّروا عنه بالفعل، ولم يرجعوا فيما نصروه وذبّوا عنه إلى ورعٍ ظاهر وتحرُّجٍ معروف، ويقين لا خلاج فيه، كما كان عليه سلفهم وأعلامهم؛ واصل، وعَمرو، والحسن ومن جرى مجراهم.
وهذا ما لا أحتاج إلى الاعتذار منه؛ فإني سمعت الدّيّانين منهم يقولون هذا فيهم، ويرونه من الدّاء الذي قد أعضل عليهم.
стр. 472
ثم إني ما رأيت أحداً سكت عن أحدٍ من سفهائهم تغافلاً عنه أو حصراً له إلا ورأيته يقول ويُطنب في ابن عباد غير خاشٍ ولا مُتحاش، لعظم الآفة به على المذهب، وتفاقُم الأمر بمكانه على أهله.
وما قولي هذا فيهم إلا كقولك يوم اجتماعنا في مقبرة معروف الكرخي لبعض الشيعة: لو كنت دائناً بحبّ آل الرسول معتقداً لشرف العِتْرة راجعاً إلى صحة السريرة والعقيدة لظهر ذلك في عفّتك وورعِك، وصلاتك وصيامك، وحجِّك، وعبادتك واجتهادك، وصدقتك ومواساتك؛ مع إحياء الليل وإظماءِ النهار، واقتداءٍ بالذين إياهم تحبّ، وعنهم تذبّ؛ ولم تكن تقنع من جميع محاسن المذهب بسبّ السلف وتضليل الأُمة، وثلب الصالحين وتكفير السّابقين وتدنيس الطاهرين.
стр. 473
فقولك لهذا الرجل الشيعي هو قولي للمتكلم إذا كان دعياً، ولم يكن في مذهبه براً تقياً.
وأما ابن العميد، فمن هذا الذي يتفلسف على بصيرة ومعرفةٍ، وهو يرضى سيرته، ويحمد هَدْيه، ويراه قُدوةً ويعدُّه سعيداً؟ كأن الفلسفة إنما تكون بالدّعوى باللسان، من غير عمل ومعاناة ورياضة، وقمعٍ للشهوات إذا غلبت، وردعٍ للنفس إذا طغت، واستصلاحٍ للأمور بالعدل المؤثر فيها، وطلب السعادة والفوز في العاقبة على ما رسمه علماؤها، وحققه حكماؤها.
هيهات! ظنٌّ لا تسافر فيه العين، وقول لا يصبر على لفْح الكِير. فليت شعري بعد هذا من الخصم الذي يركب البهت، ويدفع العيان، ويسحر العقول، ويطرح الأذهان، ويقول: ليس القول بالعدل والتوحيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا ما هو عليه ابن عباد، ولا الفلسفة إلا ما كان يختاره ابن العميد؟
стр. 474
هذا ما لا يقوله أحد ممن له عقل ونهى، ولا يجترئ عليه من له حجر وحِجا، خاصة إن كان ممن يرُبُّ مروّته بالحق، ويصون كلمته عن الكذب، ويغار على عقله من تعنيف معنّف، ويأنف لنفسه من لومة لائم.
سمعت القاضي أبا حامد المَرْورُّوذِيّ يقول، وكان سيد الفقهاء في وقته وإمام أصحابه في عصره، وعجيب الفضل في جميع أموره؛ لو أن رجلين ظاهرين زكَّيا رجلاً عند الحاكم، ثم سأل الحاكم آخرين مرضِيّيْن عن ذلك المزكّى بعينه فجرَّحاه لكان الحاكم لا يقف ولا يتحيَّر ولا يعيا ولا يحصر، ولكنه يقدّم الجرح على التزكية ويعمل به دونها، ويصير إليه تاركاً لها؟ فإن قلت: ما الحكمة في هذا؟
قيل لك: إن اللذين زكّيا قالا بالظاهر، وربما يكثر مثله، ويغلب شبيهه، وربما يُتكلّف في نظيره بالرياء والسمعة، والنّفاق والخديعة،
стр. 475
والختل والحيلة؛ فلو لم يكن هذا لأمضيتُ التزكية على ظاهرها، وعملت بها، وسكنت إليها. فأما إذا استنظهرتُ فسألت آخرَيْن مرضيَّين عن المزكّى فجرّحاه، فكأنما علِما من باطن أمره وخافي حاله وكُنْه غَيْبه، ومطويّ شأنه ما توارَى عن عرفان من ركَّاه، وخفي على بحث من عدّله. فكان هذا عندي بالقبول أولى والعمل به أحرى.
هذا ما قاله هذا الرجل العالِم، وهلك سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
وابن عباد حفظك الله - ليس بصغير القدر، وابن العميد لم يكن خامل الذكر، وما فيهما إلا من هو غُرة زمانه، وتاريخ دهره، لنباهته وصِيته، وطول أيامه وامتداد دولته، ومواتاة مُراده، وطاعة الناس له، وتوجه الأطماع إليه؛ فكيف يُجزّف الحديث عنهما مجزّف، ويُلزَق الكذب بهما مُلزق، أو يدّعي الباطل عليهما مُدَّع؟ هذا ما لا يطمع فيه حصيف، ولا يعمل عليه عاقل؛ ولكن حديث الدِّين والكَرَم والعقل والمجد والسِّيرة والهدى والجُود والبَذْل،
стр. 476
ليس من حديث الجَدّ والفتح والختال والإنفاق والدولة والسناء والمرتبة في شيء.
اللهم إلى أن يكون الفضل كله عند هذا المخالف في كتاب يُنشأ ومعنىً يُقتضب، وقصيدة تُنشد، ورسالة تُحبّر، ومسألة تتداول بالعيِّ والبيان، ودعوى تُتناقل بالشُّبهة، وعربية تُشقَّق تشقيقاً، وكلمة تُزَوَّقُ تزويقاً، وباطلٍ يُنصر لحاجةٍ تدعو إليه، وحقٍّ يُرفض لأمر يحمل عليه، وخصم يُفحم بما غثَّ وسمن، وشُبهةٍ تُركب بما ظهر وبطن.
أو يكون الفضل عنده، والتَّمام لديه في الأمر والنهي، والعزل والولاية، والقبض والمُصادرة، والكيد والغيلة، والاستخراج والحيلة، والغاشية والحاشية، والخدم والحشم، والدُّور والقصور، والمراكب والمواكب، فيكون كل ما يدّعيه الخصم مقبولاً، وكل ما يأباه مرذولاً؛ فأما أن يكون الفضل - بإحماع الأوّلين والآخرين، والماضين
стр. 477
والغابرين - في الدّينونة والتألُّه والعفاف والتحرُّج والكرم، والطَّهارة والتقزز والنّزاهة والرّقة والرّحمة والجود والعَطية والحِلم والعفو والإبقاء والإغضاء والوفاء والإرضاء والتغافل والتسمُّح والبرّ والتعهُّد، والبِشْر والطَّلاقة، والدّماثة والشجاعة وطلب الذّكر الجميل من كل أحد، إما للساعة وإما للأبد، فينبغي على هذا أن لا يكون لكلام الخصم سامع، ولا لدعواه مُصدّق ولا لحُكمه مُجيز.
قلت لأبي الوفاء المهندسن وكان قد رجع من عند ابن عباد، لقيه بجُرجان مؤدياً إليه رسالة من بغداذ، لقيتُه بالمرْج في ليلة عمياء بالمطر والبرد والثّلج والسّيل العرم: كيف شاهدت ابن عباد، فإنك صَيْرَفيُّ الناس في الناس؟ فقال: يقال لمثله عندنا بنيسابور عندنا طبلٌ هَرْثَمِيّ، ويقال لمثله عند إخواننا ببغداد: مادح نفسه يقرئك السّلام؛ وهو مع هذا عند أصحابه رقيع طيّب، وعند الكُتّاب أحمق غليظ، وعند سفلة المعتزلة واحد الدنيا، وعند الفلاسفة طائر طريف، وعند الصالحين ظلوم قاس،
стр. 478
وعند الله فاسق عاصٍ، وعند أهل بلده أفّاكٌ أثيم، وعند الجمهور شيطان رجيم.
وقلت لأبي السلم تحية بن علي الشاعر القحطاني: أين ابن عباد من ابن العميد؟ فقد زرتهما مُنتجعاً، وزرتهما جميعاً.
فقال: كان ابن العميد أعقل، وكان يدّعي الكرم، وابن عباد أكرم، وهو يدّعي العقل؛ وهما في دعوييهما كاذبان، وعلى سجيّتِهما جاريان.
أنشدت يوماً على باب ذاك قول الشاعر:
إذا لم يكن للمَرْء في دولة امرئٍ ... جمالٌ ولا مالٌ تمنَّى انتقالَها
وما ذاك من بُغضٍ لها غير أنه ... يؤمّل أُخرى وهو يرجو زَوالها
стр. 479
فرُفع إليه إنشادي، فأخذني وأوعدني، وقال لي: انجُ بنفسك فإني رأيتك بعد هذا أَولَغْت الكلاب دَمد.
وكنت قاعداً على باب هذا منذ أيام فأنشدت البيتين على سهوٍ، فرُفع إليه الحديث، فدعاني ووهب لي دُريهماتٍ وخُريقات، وقال: لا تَتمنّ انتقال دولتنا بعد هذا.
وأبو السلم هذا من أغزر الناس في الشعر، يحفظ الطِّمَّ والرِّمَّ، وكان طيّب الإنشاد، رخيم النغمة. أنشدني لابن حسان:
إِن الجديدَيْن في طول اختلافهما ... لا يَفْسُدان ولكن يَفسُد النَّاسُ
لا تَطمعا طمَعاً يُدْني إلى طَبَعٍ ... إِن المطامِع فَقْرٌ والغِنى اليَاسُ
للناسِ مالٌ ولي مالاَنِ مالَهُما ... إذا تحارَسَ أهلُ المالِ، حُرَّاسُ
مَالي الرِّضَا بِالذي أَصبحتُ أَملِكُه ... وماليَ اليأَسُ مما يَملِكُ الناسُ
стр. 480
وقال لي الخليلي: الرجل مجنون، يعني ابن عباد، وفي طباع المعلمين. سمعته وهو يقول للتميمي الشاعر: كيف تقول الشعر؟ وإن قلته كيف تجيده؟ وإن أجدت كيف تغزُر فيه؟ وإن غَزَرت فيه فكيف تَروم غاية وأنت لا تعرف ما الزَّهْلِق وما الهِبْلَع، وما العُثَلطِ، وما الجَلَعْلَع، وما القَهْقَب، وما الطُّرْطُب، وما القَهْبَلِس، وما الخَيْسَفُوج، وما الخُزَعْبِلَة، وما القُذَعْمِلة،
стр. 481
وما العَرَوْمَط، وما السَّرَوْمَط، وما الدَّوْدَرَى، وما المَكْوَرَّى، وما العَفْشَليل، وما القفشليل، وما الجَلَعْبَى، وما القِرْشَبُّ، وما الصِّقْعَل، وما الجِرْدّحْل، وما الدَّرْدَبيس، وما الطَّرْطَبِيس، وما العَلْطَمِيس، وما
стр. 482
الجرَعْبِيل، وما الخُنَعْبيل، وما العُبَاريد، وما العَبابِيد، وما العَباديد، وما النِّقاب، وما الجِرْفَاس، وما اللَّووس، وما النَّعْثَل، وما الطِّرْبَال؟ وما معنى: إنه لظريف ولا تِباعَة؛ وما الفرق بين العَذْم
стр. 483
والرَّذْم، والحَدْم والحَذْم، والخَصْم والقَضْم، والنَّضح والرَّضْح، والقَصْم والفَصْم، والقَصْع والفَصْع، وما العَبَنْقَس، وما الفَلَنْقَس، وما الوَكْواك والزَّوَنَّك،
стр. 484
وما الخَيْتَعور، وما السَّيْتَعور، وما اليَسْتَعور، وما الحِرْذَون، وما الحَلَزون، وما القصدر، وما الجُمَعْلِيل. قال الشاعر:
جاءت بخف وحتين ورجل
جاءت تمشّي وهي قدّام الإِبل
مشيَ الخُمَعْليلة بالحرف النقل
قال: ورأيت بعض الجهال باللغة يصحّف هذا ويقول:
بخف وحنين ورخل
قلت للخليلي: من عنيَ بهذا؟ قال: عنيَ ابن فارس معلّم ابن العميد أبي الفتح.
قال الخليلي: أَفهذا الضرب من الكلام مما يجب أن يفتخر به،
стр. 485
ويتدفّق به، إنك يا أبا حيان لو رأيته يميس وهو يهذي بهذا وشبهه، ويتفيهق فيه، ويلوي شدقه عليه، ويقذف بالبُزاق على أهل المجلس، لحمِدت الله تعالى على العافية مما بُلي به هذا الرجل.
وبعد فما بين الشاعر وبين هذا الضرب؟ الشاعر يطلب لفظاً حُراً، ومعنىً بديعاً، ونظماً حُلواً، وكلمة رشيقة، ومثالاً سهلاً، ووزناً مقبولاً.
قلت للخليلي: فما بال الناس، مع علمهم برقاعته وجنونه، قد لزِموا فِناءه، وتزاحموا على بابه؟ فقال لي: يا هذا! خلَت الدنيا من الكرم والكرام، واصطلح الناس على قلّة المباهاة بالفضائل، وكان هذا كله منوطاً بالخلافة، فانقضت أيام الصّدر الأول بالدِّين الخالص، وأيام بني مروان بالرّياء والسُّمعة، وأيام بني العباس بالمروّات والتوسع في الشهوات، ولم يبق بعد هذا شيء.
ولا بد للناس من الانتجاع، أخصبت البلاد أم أجدبت، والحِرف لا تسع الخلق، والمرتبة الواحدة لا تحفظ النظام، ولا بدَّ للناس من التقسُّم بين الرَّفعة والضَّعة، وعلى ما بينهما من الأحوال؛ على أن الكرم والعطاء، والبذل وحبّ الثناء، والهزّة والأريحية أمور قد فُقدت منذ زمان،
стр. 486
وقامت عليها النوادب في كل مكان. هذا ثُمامة المتكلم يحكي بلسانه، وهو صاحب المأمون، قال: دخل النَوْشَجَاني على المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين! ما في بيت مال الصدقات درهم، وقد كثر الغارمون.
فقال المأمون: وكيف لا يكثرون وثلاثة أرغفة بدرهم، وها هنا أُناس لا حرفة لهم، وا إفضال من مُوسريهم على معسريهم؟ أما والله لقد شهدت أيام الرشيد والخراج أقل وأرذل، وإن فيها لأكثر من مائة يدٍ بالخير طويلة، وبالعطايا سائلة، وللمعروف باذلة، وللأرحام واصلة.
وروى عن سابق بني هاشم في هذا أعجب كلام، قال: والله لو علم الله أن غنى فقرائكم في أكثر من زكوات أغنيائكم لَفرض لهم ذلك. فتبارك الله رب العالمين.
стр. 487
أين أولئك البرامكة؟ وأين نحن منهم اليوم؟ كان معروفهم يسع الصغير والكبير، ويهمُّ الغنيّ والفقير، مرذةً يغرف ومرة ينزف، ما لهم همّ إلا تثميره.
ومن أولئك زُبيدة بنت جعفر وابنها، إني والله لأحسبهما فرّقا من المال فيمن لجأ إليهما وطلب معروفهما أكثر كم ألف ألف ألف دينار؛ ولقد كان لمن ذكرت بطانة، وللبطانة بطانة، وكان لهم من المعروف والبذل في الجار والحميم والسائل وابن السبيل ما لو أُحصي لطال ذكره وعظُم قدره؛ فما بالعراق اليوم من يجود بدرهم ولا رغيف، أو ليس من انقلاب الزمان أن صار عبد الله بن بشير أحد أجواده، وأحد أبواب المعروف؟ فما ظنكم بنا وقد حشرنا في زمرة واحدة؟ ثم مَيِّزْ أهل كل زمان! فإذا نظر إلى أهل زماننا لم يَقُم في المباهاة إلا عند الله ومالك ابن شاهي! " إنا لله وإنا إليه راجعون ".
стр. 488
اكتب لهم إلى البلدان. وانظر من كان منهم محتملاً فارم به إلى الأطراف وأجنحة الثغور، ومن قلّ ماله ورثّ حاله، وقعد به العدم عن الحركة الشاسعة فلا تُجاوز به الموصل والبصرة، وفرّق فيهم ألف درهم، وعجّل سراحهم الأول فالأول.
ثم قال لي الخليلي: حصّل الآم زمانك من زمان المأمون حين قال هذا القول، وميَّز هذا التمييز، وداواني بهذا الدّواء. والله إن هذا لعجب! حصلنا في حديث ابن العميد على أن يقال: جَمشَكٌ عَميديّ، وفي حديث ابن عباد على أن يقال: هذا ركاب صاحبيّ؛ إني لأجد في صدري غليلاً لا يبرد شيء، من ذهاب الكرم وفَقْدِ الكِرام وقلّة المبالي بذلك.
قلت للخليلي أيضاً: ومع هذا لكه أين ابن عباد من ابن العميد؟ فقد خبرت ذلك بملازمتك، وعرفت هذا بتعرّضك.
فقال: أما ذاك فكان لا يُعطيك، ولكنّه كان لا يُطعمك.
стр. 489
وأما هذا فإنه يُطعمك حتى يستفرغك، ثم يرميك بالحرمان أو بعطاءٍ شبيه بالحرمان. وتفسير هذا عندك يا أبا حيان.
كيف كان علمُ ذاك من علم هذا؟ قال: كان ذاك يدّعي الفلسفة دَعْوى شديدة، ولكن لا ينادي عليها في الأسواق.
وهذا يدّعي علم الدِّين، وهو يعرضه فيمن يريد.
قلت له: كيف كان ابن العميد في أمر الطعام؟ قال: كان مكبوت الأنفاس عند اختلاف الأضراس، كَدِر الإحساس عند دوران الكاس، وهذا مما يخالف ما عليه كِرام الناس.
قلت: فكيف كان ابن عباد لأهل العلم؟ قال: إن كذبوه وخدعوه وموَّهوا عليه ونافقوه وتملّقوه قرّبهم وأدناهم، وأكرمهم وأعطاهم، وإن صدقوه وماتَنُوه وثبتوا له أبعدهم وأقصاهم، وحَرَمهم وأخزاهم.
стр. 490
فما ذنبي - أكرمك الله - إذا سألت عنه مشايخ الوقت وأَعلام العصر فوصوه جميعاً بما جمعت لك في هذا المكان؟ على أني قد سترتُ كثيراً من مخازيه، إما هرباً من الإطالة أو صيانةً للقلم من رسم الفواحش، ونثّ العِضْلة، وذِكر ما يَسْمُج مسموعُهُ، ويُكره التّحدث به.
هذا سوى ما فاتني من حديثه، فإني فارقته سنة سبعين وثلاثمائة.
أو ما ذنبي إن ذكرت عنه ما جرَّعَنِيه من موارد الخيبة بعد الأمل، وحملني عليه من الإخفاق بعد الطّمع، مع الخدمة الطويلة، والوعد المتّصل، والظنّ الحسن؛ حتى كأني خُصِصْتُ بخَساسته وحدي، أو وجب أن أعامَل به دون غيري.
قدَّم إلىّ نجاح الخادم، وكان ينظر في خزانة كتبه ثلاثين مجلَّدةً من رسائله، وقال: يقول لك مولاي: انسخ هذه فإنه قد طُلب من خراسان.
стр. 491
فقلت بعد ارتياع: هذا طويل، ولكن لو أذِن لخرّجت منه فقراً كالغُرر، وشذوراً تدور في المجالس كالشمّامات والدَّسْتَنبُويَات لو رُقي بها مجنوقٌ لأَفاق، ولو نُفث على ذي عائِنة لَبرِئ، لا تُملّ ولا تُستَغثّ، ولا تُعاب ولا تُستَرثّ.
فرُفع ذلك إليه على وجه مكروه وأنا لا أعلم، فقال: طعن في رسائلي وعابها، ورغِب عن نسخها، وأزرَى بها، والله ليُنكرَنّ مني ما عرف، وليعرفنّ حظّه إذا انصرف. كأني طعنت في القرآن، أو رميت الكعبة بخرق الحيض، أو عقرت ناقة صالح، أو سَلَحت في زمزم، أو قلت كان النَّظّام ما نَوياً، أو كان العَلاّف
стр. 492
ديصانياً، أو كان الجبَائي بُتْرياً، أو مات أبو هاشم في بيت خَمَّار، أو كان عبّاد معلّم الصبيان.
وما ذنبي يا قوم إذا لم أستطع أن أنسخ ثلاثين مجلّدة؟ ومن هذا الذي يستحسن هذا التكليف حتى أعذره وهو يرجو بعده أن يمتّعه الله ببصره أو ينفعه بيده؟ ثم ما ذنبي إذا قال لي: من أين لك هذا الكلام المفوف المشوف الذي تكتب إليّ به في الوقت بعد الوقت.
стр. 493
فقلت: وكيف لا يكون كما يوصف وأنا أقطف من ثمار رسائله، وأستقي من قليب علمه، وأشيم بارقه أدبه، وأرد ساحل بحره، وأستوكف قطر مُزنه؟ فيقول: كذبت وفجرت لا أُمَّ لك! ومن أين كلامي الكُدية والشحذ والضَّرع والاسترحام؟ كلامي في السماء، وكلامك في السماد.
هذا - أيدك الله - وإن كان دليلاً على سوء جدّي، فإنه دليل أيضاً على انحلاله وتحزُّقه وتسرعه ولؤمه. انظر كيف يستحيل معي عن مذهبه الذي هو عرقه النّابض وسوسه الثابت وديدنه المألوف.
وهلاّ أجراني مُجرى التاجر المصري والشاذياشي وفلان وفلان؟ أو ما ذنبي إذا قال لي: هل وصلت إلى ابن العميد أبي الفتح ببغداذ؟ فأقول: نعم رأيته وحضرت مجلسه وشاهدت ما جرى له، وكان من حديثه فيما مُدح به كذا وكذا، وفيما تقدّم منه كذا وكذا،
стр. 494
وفيما كفى فيه كذا وكذا، وفيما تكلّف من تقديم أهل العلم واختصاص أرباب الأدب كذا وكذا، ووصل أبا سعيد السيرافي بكذا وكذا، ووهب لأبي سليمان المنطقي كذا وكذا؛ فيزوي وجهه ويتكره حديثه، وينجذب إلى شيءٍ آخر ليس مما شرع فيه، ولا مما حُرِّك له. ثم يقول أعلم أنك إنما انتجعته من العراق، فافرأ عليّ رسالتك التي توسَّلت إليه بها، وأسهبت مقرظاً فيها، فأتمانع فيأمر ويشدد، فأقرؤها فيتَّقد ويذهل.
وأنا أكتبها لك ها هنا لتكون زيادة في الفائدة.
بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم هيّء لي من أمري رشداً، ووفّقني لمرضاتك أبداً، ولا تجعل الحرمان عليّ رصداً.
أقول وخير القول ما انعقد بالصّواب، ما تضمن الصدق، وخير الصِّدق ما جلب النفع، وخير النفع ما تعلق بالمزيد، وخير المزيد ما بدا عن شُكْر، وخير الشكر ما بدا عن إخلاص،
стр. 495
وخير الإخلاص ما نشأ عن إيقان، وخير الإيقان ما صدر عن توفيق.
لما رأيت شبابي هرماً بالفقر، وفقري غِنىً بالقناعة، وقناعتي عجزاً عند التحصيل، عدلت إلى الزمان أطلب إليه مكاني فيه، وموضعي منه، فرأيت طرفه عني نابياً، وعنانه عن رضاي مثنياً، وجانبه في مُرادي خشناً، وإنفاقي في أسبابه سيئاً، والشامت بي على الحَدَثان متمادياً؛ طمعت في السكوت تجلداً، وانتحلت القناعة رياضة، وتألّفت شارد حرصي متوقفاً، وطويت منشور أمري متنزّهاً، وجمعت شتيت رجائي سالياً، وادّرعت الصبر مستمراً، ولبست العفاف محموداً، واتخذت الانقباض صناعة، وقمت بالعلاء مجتهداً.
هذا بعد أن تصفّحت الناسفوجدتهم أحد رجلين: رجلاً إن نطق عن غيظ ودِمنة، وإن سكت سكت على ضِغْنٍ وإحنة. ورجلاً إن بذل كدَّر بامتنانه بذله، وإن منع حصَّن باحتياله بُخله؛
следующие страницы →