← Акыда

Акыда · id 1257

المعتبر في عقيدة أهل السنة ومخالفيهم في القدر

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (245 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الحق في ذلك والرد على المخالفين ووجه ضلالهم: الحق في ذلك هو قول أهل السنة على ما تقدم تفصيله وبيانه مُوثَّقًا بالأدلة، وقد ضلَّ في هذه المسألة كلٌّ من القدريَّة والجبريَّة. ومنشأ ضلال الطائفتين: هو عدم التفريق بين الفعل والمفعول؛ فإنهم قد اتَّفقوا على أن الفعل هو المفعول، ثم افترقوا فيما فرَّعوا على هذه القاعدة المشتركة بينهم: فقالت القدريَّة: نعلم أن الشرَّ ليس بفعلٍ لله، فلا يكون مفعولًا له؛ فنفوا أن يقع شرٌّ من العباد بمشيئته وخلقه؛ فنسبوا الله إلى العجز، وزعموا أنه يقع في خلقه ما لا يريد ولا يقدر عليه. وقالت الجبريَّة: الشرُّ موجودٌ في مخلوقاته ومفعولاته، فلا بدَّ له من خالقٍ وفاعلٍ، فهو فعله وخلقه، ليس بفعل العبد. وقالوا: إنما يُقال: إن الله لا يفعل الشرَّ؛ أدبًا، كما لا يُقال: ربُّ الكلاب والخنازير. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وهذا الموضع ضلَّ فيه فريقان من الناس الخائضين في القدر بالباطل: فرقةٌ كذَّبت بهذا، وقالت: إنه لا يخلق أفعال العباد، ولا يشاء كلَّ ما يكون؛ لأن الذنوب قبيحةٌ، وهو لا يفعل القبيح. وإرادتها قبيحةٌ، وهو لا يريد القبيح. وفرقةٌ لما رأت أنه خالق هذا كلِّه ولم تؤمن أنه خلق هذا لحكمةٍ، بل قالت: إذا كان يخلق هذا؛ فيجوز أن يخلق كلَّ شرٍّ، ولا يخلق شيئًا لحكمةٍ. وما ثَمَّ فعلٌ تنزَّه عنه، بل كلُّ ما كان ممكنًا جاز أن يفعله … وهذا منكرٌ من القول وزورٌ، كالأوَّل» (١).

стр. 107

وهدى الله أهل السنَّة للحقِّ الذي افترق فيه الفريقان، ففرَّقوا بين الفعل والمفعول، فقالوا: إن الشرَّ ليس فعلًا له يقوم به، وإنما يدخل في مفعولاته، فنزَّهوا الله عن فعل الشرِّ وعما يتنافى مع حكمته، وعظَّموه أن يقع في خلقه ما لا يريد ويتنافى مع قدرته. وهذا هو حقيقة التنزيه الذي دلَّت عليه النصوص، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ فقد أثبت تعالى لنفسه مشيئةً نافذةً في أعمال العباد مع العلم والحكمة، فإثباته للمشيئة النافذة ردٌّ على القدريَّة نفاة القدرة، وإثباته للعلم والحكمة ردٌّ على الجبريَّة نفاة الحكمة. وكقول النَّبِيِّ ﷺ في دعاء الكرب: «اللهمَّ إنِّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصِيَتِي بيدك، ماضٍ فِيَّ حكمك، عدلٌ فِيَّ قضاؤك … » (١)، ففيه ردٌّ على الطائفتين. ففي قوله: «ماضٍ فِيَّ حكمُك»؛ ردٌّ على القدريَّة الذين ينكرون قدرته ومشيئته لأفعال العباد من الشرِّ والظلم وغيرهما. وفي قوله: «عدلٌ فِيَّ قضاؤك»؛ ردٌّ على الجبريَّة الذين ينكرون حكمته وعدله في تدبير شؤون خلقه، وينسبون له الشرَّ والظلم. قال الإمام ابن القيِّم: «ومَن تأمَّل كلام سلف الأمَّة وأئمَّة أهل السنَّة رآه ينكر قول الطائفتين المنحرفتين عن الوسط، فينكر قول المعتزلة المكذِّبين بالقدر، وقول الجهميَّة المنكرين للحِكَم والأسباب والرحمة، فلا يرضون لأنفسهم بقول القدريَّة المجوسيَّة، ولا بقول القدريَّة الجبريَّة نفاة الحكمة والرحمة والتعليل» (٢).

стр. 108

المبحث الخامس معتقد أهل السنة في تنزُّه الله عن الظلم، وأقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم دلَّت الأدلَّة على تنزُّه الله عن الظلم، وأنه لا يقع منه؛ فقد نفاه الله عن نفسه، وحرَّمه على نفسه؛ فلا يظلم العباد مثقال ذرَّةٍ. يقول سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، ويقول تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]. والآيات في هذا كثيرةٌ، وهي ظاهرة الدلالة على أن الله لا يظلم أحدًا من الخلق شيئًا، ولا يقع منه الظلم ولو كان مثقال ذرَّةٍ، ولا يريد ذلك، بل يضاعف الحسنات فضلًا، ويجازي على السيِّئات بمثلها عدلًا. وفي الحديث القدسيِّ يقول تعالى: «يا عبادي، إني حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا» (١). فأخبر ﵎ أنه حرَّم الظلم على نفسه وعلى عباده ونهاهم عنه، فالظلم لا يقع منه سبحانه لا في أمره الكونيِّ ولا الشرعيِّ، وأما العباد فهو لم يرده منهم شرعًا، بل حرَّمه عليهم، ولكن يقدِّره كونًا مع بغضه له كسائر الذنوب. وتنزُّه الله عن الظلم مجمَعٌ عليه بين المسلمين؛ لما تقدَّم من الأدلَّة، ولم ينازع في هذا أحدٌ من أهل القبلة.

стр. 109

ولكن اختلفوا في حقيقة الظلم المنفيِّ عن الله على ثلاثة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنَّة): قالوا: حقيقة الظلم المنفيِّ عن الله تعالى: وضع الأشياء في غير مواضعها. فهو متنزِّهٌ عنه، مع اتِّصافه بكمال ضدِّه، وهو العدل الذي هو وضع الأشياء في مواضعها التي تليق بها. وهو سبحانه يفعل باختياره ومشيئته، فيعدل تفضُّلًا، ولا يظلم تنزُّهًا، وهو مستحقٌّ للحمد والثناء على تفضُّله وتنزُّهه (١). ويدخل في عموم الظلم الذي يتنزَّه الله عنه ما ذكره سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. قال ابن عبَّاس: «لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يُظلَم فيُزاد عليه في سيِّئاته، ولا يُظلَم فيُهضَم في حسناته» (٢). وبهذا قال جمعٌ من المفسِّرين (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -في سياق حكايته للأقوال في مسألة الظلم المنفيِّ عن الله بعد ذكره لقولي المعتزلة والجهميَّة-: «والصواب القول الثالث، وهو: أن الظلم وضع الأشياء في غير مواضعها، وكذلك ذكره أبو بكر بن الأنباريِّ وغيره من أهل اللغة، وذكروا على ذلك عدَّة شواهد، كما قد بُسِط في غير هذا الموضع، وحينئذٍ فليس في الوجود ظلمٌ من الله سبحانه، بل قد وضع كلَّ شيءٍ موضعه مع قدرته على أن يفعل خلاف ذلك، فهو سبحانه يفعل باختياره ومشيئته، ويستحقُّ الحمد والثناء على أن يعدل ولا يظلم» (٤).

стр. 110

وقال في موطنٍ آخر: «والقول الثالث: إن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والعدل وضع كلِّ شيءٍ في موضعه. وهو سبحانه حَكَمٌ عدلٌ يضع الأشياء مواضعها، ولا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يناسبه وتقتضيه الحكمة والعدل، ولا يفرِّق بين متماثلين، ولا يسوِّي بين مختلفين، ولا يعاقب إلا مَنْ يستحقُّ العقوبة، فيضعها موضعها؛ لما في ذلك من الحكمة والعدل. وأما أهل البرِّ والتقوى فلا يعاقبهم البتَّة، قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] الآية» (١). القول الثاني: (قول الجبريَّة من الجهميَّة والأشاعرة ومَن وافقهم من الظاهريَّة). قالوا: الظلم هو التصرُّف في ملك الغير بغير إذنه، أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته. وكلاهما منتفٍ في حقِّ الله تعالى (٢). وقالوا: إن الظلم ممتنعٌ عليه، وهو مستحيلٌ في حقِّه سبحانه، كالجمع بين النقيضين، وليس هو داخلًا في اختياره ومشيئته. ويقولون: كلُّ ما يمكن فهو عدلٌ غير ظلمٍ، ولو عذَّب المطيعين ونعَّم العصاة لم يكن ظالمًا؛ لأن الظلم التصرُّف فيما ليس له، والله تعالى له كلُّ شيءٍ، أو هو مخالفة الأمر، والله لا آمر له (٣). قال الإسفرايينيُّ: «ولهذا قلنا: إن شيئًا من أفعاله لا يكون ظلمًا، وأنه

стр. 111

سبحانه يستحيل الظلم في وصفه؛ لأنه لا يتصرَّف في غير ملكه، ومن تصرَّف في ملكه لم يتقرَّر عليه الاعتراض في فعله، ومَن تصرَّف في ملكه فليس بظالمٍ في أفعاله» (١). وقال ابن حزمٍ: «وأنه لا يلزم لأحدٍ على الله تعالى حقٌّ ولا حجَّةٌ، ولله تعالى على كلِّ مَنْ دونه وما دونه الحقُّ الواجب والحجَّة البالغة، لو عذَّب المطيعين والملائكة والأنبياء في النار مخلَّدين؛ لكان ذلك له، ولكان عدلًا وحقًّا منه، ولو نعَّم إبليس والكفَّار في الجنَّة مخلَّدين؛ كان ذلك له، وكان حقًّا وعدلًا منه، وإن كلَّ ذلك إذ أباه الله تعالى وأخبر أنه لا يفعله صار باطلًا وجورًا وظلمًا» (٢). وقال الشهرستانيُّ -في حكاية قول الأشعريَّة في المسألة-: «وهو المالك في خلقه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنَّة؛ لم يكن حيفًا، ولو أدخلهم النار؛ لم يكن جورًا، إذ الظلم هو التصرُّف فيما لا يملكه المتصرِّف، أو وضع الشيء في غير موضعه. وهو المالك المطلق؛ فلا يُتصوَّر منه ظلمٌ، ولا يُنسَب إليه جورٌ» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في حكاية قولهم -بعد ذكره لقول المعتزلة في حقيقة الظلم المنفيِّ عن الله-: «فعارض هؤلاء آخرون من أهل الكلام المثبتين للقدر، فقالوا: ليس للظلم منه حقيقةٌ يمكن وجودها، بل هو من الأمور الممتنعة لذاتها، فلا يجوز أن يكون مقدورًا، ولا أن يُقال: إنه هو تاركٌ له باختياره ومشيئته، وإنما هو من باب الجمع بين الضدَّين، وجعل الجسم الواحد في مكانين، وقلب

стр. 112

القديم محدَثًا والمحدَث قديمًا، وإلا فمهما قُدِّر في الذهن وكان وجوده ممكنًا -والله قادرٌ عليه- فليس بظلمٍ منه؛ سواءٌ فعله أو لم يفعله. وتلقَّى هذا القول عن هؤلاء طوائف من أهل الإثبات من الفقهاء وأهل الحديث من أصحاب مالكٍ والشافعيِّ وأحمد وغيرهم ومن شرّاح الحديث ونحوهم، وفسَّروا هذا الحديث (١) بما ينبني على هذا القول. وربَّما تعلَّقوا بظاهرٍ من أقوالٍ مأثورةٍ، كما رُوِّينا عن إياس بن معاوية أنه قال: «ما ناظرت بعقلي كلِّه أحدًا إلا القدريَّة، قلت لهم: ما الظلم؟ قالوا: أن تأخذ ما ليس لك، أو أن تتصرَّف فيما ليس لك. قلت: فلله كلُّ شيءٍ». وليس هذا من إياسٍ إلا ليبيِّن أن التصرُّفات الواقعة هي في ملكه، فلا يكون ظلمًا بموجَب حدِّهم» (٢). القول الثالث: (قول المعتزلة). عرَّفوا الظلم بأنه: إضرار غيرِ مستحقٍّ (٣). وقال القاضي عبد الجبَّار: «الظلم: كلُّ ضررٍ لا نفع فيه، ولا دفع ضررٍ» (٤). وقالوا: الظلم الذي يتنزِّه الله عنه هو الظلم الذي يكون من الآدميِّين بعضهم لبعضٍ، فشبَّهوا أفعاله بأفعال العباد، ثم زعموا أن خلقه لأفعال العباد وإرادته لأعمالهم وتعذيبه للعاصي ظلمٌ منه يتنزَّه عنه، ونفوا كلَّ ذلك عنه بدعوى العدل، وسمَّوا أنفسهم العدليَّة (٥).

стр. 113

وأكثرهم يقولون بقدرة الله على الظلم والجور ولكنه لا يظلم ولا يجور، كما حكاه عنهم الأشعريُّ (١). قال القاضي عبد الجبَّار: «وأحد ما يدلُّ على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقًا لأفعال العباد: هو أن في أفعال العباد ما هو ظلمٌ وجورٌ، فلو كان الله تعالى خالقًا لها لوجب أن يكون ظالمًا جائرًا تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا» (٢). وقال ابن حزمٍ في نقد معتقدهم: «الكلام في التعديل والتجوير: وهذا الباب هو أصل ضلالة المعتزلة نعوذ بالله من ذلك، على أننا رأينا منهم مَنْ لا يرضى عن قولهم فيه، وذلك أن جمهورهم قالوا: وجدنا مَنْ فَعَل الجور في الشاهد كان جائرًا، ومَن فَعَل الظلم كان ظالمًا، ومَن أعان فاعلًا على فعله ثم عاقبه عليه كان جائرًا عابثًا. قالوا: والعدل من صفات الله تعالى، والظلم والجور منفيَّان عنه. قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال تعالى ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقال تعالى ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٠]، وقال تعالى ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧]. وقد علم المسلمون أن الله تعالى عدلٌ لا يجور ولا يظلم، ومَن وَصَفَه بالظلم والجور فهو كافرٌ. ولكن ليس هذا على ما ظنَّه الجهَّال من أن عقولهم حاكمةٌ على الله تعالى في أن لا يحسن منه إلا ما حسَّنت عقولهم وأنه يقبح منه تعالى ما قبَّحت عقولهم، وهذا هو تشبيهٌ مجرَّدٌ لله تعالى بخلقه؛ إذ حكموا عليه بأنه تعالى يحسن منه ما حسن منا ويقبح منه ما قبح منا ويحكم عليه في العقل

стр. 114

بما يحكم علينا» (١). وقال الشهرستانيُّ في سياق نقله معتقد المعتزلة: «واتَّفقوا على أن العبد قادرٌ خالقٌ لأفعاله خيرها وشرِّها، مستحقٌّ على ما يفعله ثوابًا وعقابًا في الدار الآخرة، والربُّ تعالى منزَّهٌ أن يُضاف إليه شرٌّ وظلمٌ وفعلٌ هو كفرٌ ومعصيةٌ؛ لأنه لو خلق الظلم كان ظالمًا، كما لو خلق العدل كان عادلًا» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -في حكاية معتقدهم وقولهم-: «إن الظلم منه هو نظير الظلم من الآدميِّين بعضهم لبعضٍ، وشبَّهوه ومثَّلوه في الأفعال بأفعال العباد، حتى كانوا هم ممثِّلة الأفعال، وضربوا لله الأمثال، ولم يجعلوا له المثل الأعلى، بل أوجبوا عليه وحرَّموا ما رأوا أنه يجب على العباد ويحرم بقياسه على العباد، وإثبات الحكم في الأصل بالرأي، وقالوا عن هذا: إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة كان ظالمًا له، والتزموا أنه لا يقدر أن يَهدِي ضالًّا، كما قالوا: إنه لا يقدر أن يُضِلَّ مهتديًا، وقالوا من هذا: إذا أمر اثنين بأمرٍ واحدٍ وخصَّ أحدهما بإعانته على فعل المأمور كان ظالمًا. إلى أمثال ذلك من الأمور التي هي من باب الفضل والإحسان، جعلوا تركه لها ظلمًا. وكذلك ظنُّوا أن التعذيب لمن كان فعله مقدَّرًا ظلمٌ له، ولم يفرِّقوا بين التعذيب لمن قام به سبب استحقاق ذلك ومَن لم يقم، وإن كان ذلك الاستحقاق خلقه لحكمةٍ أخرى عامَّةٍ أو خاصَّةٍ» (٣).

стр. 115

بيان الحق في ذلك ووجه ضلال المخالفين والرد عليهم: الحق في هذه المسألة هو ما عليه أهل السنة والجماعة وهو أن حقيقة الظلم المنفيِّ عن الله تعالى: وضع الأشياء في غير مواضعها، مع اتِّصافه بكمال ضدِّه، وهو العدل. والإيمان بأنه سبحانه يفعل باختياره ومشيئته، فيعدل تفضُّلًا، ولا يظلم تنزُّهًا. وليس معنى الظلم الذي يتنَّزه الله عنه هو معنى الظلم الذي يكون من الآدميِّين بعضهم لبعضٍ، كما تقوله القدريَّة المعتزلة؛ فإن هذا تشبيهٌ لأفعال الله بأفعال العباد. وكذلك ليس الظلم الذي نفاه عن نفسه هو الممتنع عليه الذي لا يدخل تحت قدرته، كما يقوله الجهميَّة المجبرة. ومعلوم أن الممتنع الذي لا يدخل في المقدور لا يُمدَح به أحدٌ، والله تعالى أخبر أنه حرَّم الظلم على نفسه، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة، والممتنع لا يوصف بذلك. وإنما كتب على نفسه وحرَّم على نفسه ما هو قادرٌ عليه، لا ما هو ممتنعٌ عليه (١). وقول أهل السنَّة وسطٌ بين مقالتي القدريَّة والجبريَّة. وقد هداهم الله للحقِّ الذي تفرَّقوا فيه. فهؤلاء المبتدعة أرادوا تنزيه الله عن الظلم الذي نفاه عن نفسه، فضلُّوا عن ذلك، فهم على طرفي نقيضٍ في الضلال ومجانبة الحقِّ الذي دلَّت عليه الأدلَّة، ووقعوا في ضلالاتٍ كثيرةٍ، ونسبوا لله مقالاتٍ باطلةً، بسبب جهلهم بالشرع، وتحكيم عقولهم فيما يجوز على الله ويمتنع، وقد تفرَّدت كلُّ طائفةٍ

стр. 116

منهما بضلالاتٍ وأخطاء: فالجهميَّة والأشعريَّة أخطؤوا من وجوهٍ: الأوَّل: أن الظلم عندهم هو الممتنع لذاته، فلا يدخل تحت قدرة الربِّ، وحينئذٍ فلا يترتَّب على تركه مدحٌ، لعدم تعلُّقه بالاختيار والمشيئة. قال النجاشي الحارثي في هجاء بني العجلان (١): قُبَيِّلةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ … وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ فالمراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم. ولذا قال: (قُبَيِّلةٌ) بالتصغير على سبيل التحقير (٢). قال ابن القيِّم: «وعلى قولهم فلا يكون ممدوحًا بترك الظلم؛ إذ لا يُمدَح بترك المستحيل لذاته، ولا فائدة في قوله: (إني حرَّمت الظلم على نفسي) (٣)» (٤). الثاني: أن الظلم الذي ينفيه هؤلاء الجبريَّة عن الله ليس هو الذي نفاه عن نفسه؛ فإنهم يعتقدون أنه عدمٌ محضٌ يستحيل عليه، لا يتضمَّن عدلًا ولا اختيارًا ولا مشيئةً، وهذا يصحُّ أن يوصف به العاجز الذي لا قدرة له على الفعل، كأن يُقال في الأقطع (لا يسرق)، والأجبِّ (لا يزني)، بل يوصف بذلك الجماد؛ كأن يُقال: (الجدار لا يظلم)، و (الجبل لا يجور). فأيُّ مدحٍ وثناءٍ أثبتوه لله؟!! قال ابن القيِّم: «فعندهم الظلم لا حقيقة له، بل هو الممتنع لذاته الذي لا يدخل تحت القدرة، فلا يقدر الربُّ -تعالى- عندهم على ما يُسمَّى ظلمًا

стр. 117

حتى يُقال: ترك الظلم وفعل العدل. فعلى قولهم لا فائدة في قوله: «عدلٌ فيَّ قضاؤك»، بل هو بمنزلة أن يُقال: نافذٌ فيَّ قضاؤك ولا بدَّ، وهو معنى قوله: «ماضٍ فيَّ حكمك»، فيكون تكريرًا لا فائدة فيه. وعلى قولهم فلا يكون ممدوحًا بترك الظلم» (١). ومن الأصول المقرَّرة عند الأئمَّة المحقِّقين من أهل السنَّة: أن كلَّ ما نفى الله عن نفسه فهو يتضمَّن معنى ثبوتيًّا، وهو إثبات (كمال ضدِّ المنفيِّ). وهذا أصلٌ مطَّردٌ في كلِّ الصفات المنفيَّة. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وهذا أصلٌ مستمرٌّ، وهو أن العدم المحض الذي لا يتضمَّن ثبوتًا لا مدح فيه ولا كمال، فلا يَمدَح الربُّ نفسه به، بل ولا يصف نفسه به، وإنما يصفها بالنفي المتضمِّن معنى ثبوتٍ» (٢). ونفي الله الظلم عن نفسه جارٍ على هذا الأصل. قال ابن القيِّم: «وحَمِد نفسه بأنه لا يظلم أحدًا، لكمال عدله وإحسانه» (٣). وقال ابن أبي العزِّ الحنفيُّ: «وكذلك كلُّ نفيٍ يأتي في صفات الله -تعالى- في الكتاب والسنَّة إنما هو لثبوت كمال ضدِّه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]؛ لكمال عدله» (٤). وبهذا يتبيَّن ضلال هؤلاء الجبريَّة وقصورهم عن المعنى الصحيح المراد لله بنفيه الظلم عن نفسه عندما زعموا أن الظلم ممتنعٌ عليه.

стр. 118

الثالث: أن قولهم بأن الظلم ممتنعٌ على الله يتضمَّن تعطيل عامَّة النصوص التي نفى الله فيها عن نفسه الظلم. فلا يكون لقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] معنىً صحيحٌ؛ لأن الظلم المستحيل عليه لا يدخل تحت إرادته. ولا يكون لقوله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» (١) مدلولٌ صحيحٌ؛ لأن ما امتنع عليه إنما لم يقع منه لامتناعه عليه لا لكونه حرَّمه على نفسه، فيكون بمنزلة قول الأعمى: (حرَّمت على نفسي أن أنظر إلى الجبل). ولا يكون لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] معنىً يُعقَل، فالمستحيل لا يُخاف منه أن يقع؛ لامتناع وقوعه، ويكون هذا نحو قول الأعمى: (أخاف أن أنظر إلى امرأةٍ أجنبيَّةٍ عليَّ) (٢). الرابع: أن هؤلاء قد نسبوا إليه الظلم الذي نفاه عن نفسه في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، ونفوا عنه الحكمة التي أثبتها لنفسه في قوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]، وقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]؛ وذلك بتجويزهم عليه التسوية بين المطيعين والعصاة، بل بتفضيل العصاة على المطيعين، وأنه يجوز أن يعذِّب المطيعين والمتَّقين، وينعِّم العصاة والمجرمين. وأنه يجوز عليه وضع الشيء

стр. 119

في غير موضعه، وأن كلَّ ذلك عدلٌ منه و ليس بظلمٍ في حقِّه، بدعوى أنه متصرِّفٌ في ملكه. فقد كذبوا على الله بنسبتهم له ما نفى عن نفسه من الظلم، ونفيهم عنه ما أثبت لنفسه من الحكمة. وأما المعتزلة ومَن وافقهم فأخطؤوا من وجوهٍ أيضًا: الأوَّل: أنهم جعلوا الظلم الذي يتنزَّه الله عنه هو الظلم الذي يكون من الآدميِّين بعضهم لبعضٍ، فشبَّهوا أفعاله بأفعال العباد، فجعلوا يوجبون على الله سبحانه ما يوجبون على العبد، ويحرِّمون عليه من جنس ما يحرِّمون على العبد، ويُسمُّون ذلك (العدل والحكمة)، مع قصور عقولهم عن معرفة حكمته وعدله (١). والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]، وقال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. الثاني: أنهم زعموا أن خلق الله لأفعال العباد، وإرادته لأعمالهم، وتعذيبه للعاصي؛ ظلمٌ منه يتنزَّه عنه. والله تعالى أثبت ذلك لنفسه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]. فأثبت الله لنفسه خلق أعمال العباد، وأثبت أن مشيئتهم لا تنفذ إلا بمشيئته. وأخبر عن ثوابه لهم على الطاعات وعقابه لهم على السيِّئات، ثم نفى عن نفسه الظلم في ثوابهم وعقابهم. وهؤلاء المعتزلة نفوا عن الله ما أثبت لنفسه وسمَّوه ظلمًا، وأثبتوا لله ما نفاه عن نفسه وسمَّوه عدلًا.

стр. 120

الثالث: أنهم ينسبون إلى الله الظلم فيما ادَّعوه من تخليد العصاة الموحِّدين في نار جهنَّم، ويُسمُّونه عدلًا. وينفون عنه رحمته بعباده وعفوَه عنهم، ويسمُّونه ظلمًا. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وجمهور هؤلاء الذين يُسمُّون أنفسهم (عدليَّة) يقولون: مَنْ فعل كبيرةً واحدةً أُحبِطت جميع حسناته وخُلِّد في نار جهنَّم. فهذا الذي سمَّاه الله ورسوله ظلمًا يصفون الله به، مع دعواهم تنزيهه عن الظلم، ويُسمُّون تخصيصه مَنْ يشاء برحمته وفضله وخَلقِهِ ما خلقه لما له فيه من الحكمة البالغة ظلمًا» (١).

стр. 121

الفصل الثالث المسائل المتعلِّقة بأعمال العباد في باب القدر ويشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأوَّل: معتقد أهل السنة في الرضى بالقدر، و أقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم. المبحث الثاني: معتقد أهل السنة في استطاعة العبد، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم. المبحث الثالث: بيان أن الإيمان بالقدر لا يسوِّغ الاتِّكال وترك العمل، وأقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم المبحث الرابع: بيان النهي عن الاحتجاج بالقدر على المعاصي، وتوجيه محاجَّة آدم لموسى. المبحث الخامس: بيان النهي عن الخوض في القدر، وحقيقة الخوض وحدّه.

стр. 122

المبحث الأوَّل معتقد أهل السنة في الرضى بالقدر، وبيان أقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم اختلف الناس في هذا المسألة على ثلاثة أقوالٍ: القول الأوَّل: (قول أهل السنَّة). قالوا: الرضى بالقضاء فيه تفصيلٌ باعتبار متعلَّقه؛ فإن القضاء إما أن يتعلَّق (بالطاعات والمعاصي)، أو (بالمسرَّات والمصائب). وحكم الرضى به على وجهين: الوجه الأوَّل: ما يُرضى به من القضاء، وهو ما دلَّت النصوص على الرضى به. وهو على قسمين: القسم الأوَّل: ما يُقدَّر للعبد من الطاعات، فهذا يجب الرضى به؛ لأن الله رضي لنا الدين، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. والواجب على العبد أن يرضى بما رضي له ربُّه من الدين. كما أن العبد أيضًا مأمورٌ في نفسه بالرضى بالدين، ورضاه بدينه منزلةٌ عظيمةٌ توجِب له لذَّة الإيمان، كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلمٌ من حديث العبَّاس بن عبد المطَّلب ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «ذاق طعم الإيمان مَنْ رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا» (١). فالرضى بما يقدِّره الله على العبد من فعل الطاعات مشروعٌ بل واجبٌ.

стр. 123

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «والرضى بالقضاء ثلاثة أنواعٍ: (أحدها): الرضى بالطاعات؛ فهذا طاعةٌ مأمورٌ بها. و (الثاني): الرضى بالمصائب؛ فهذا مأمورٌ به: إما مستحبٌّ، وإما واجبٌ. و (الثالث): الكفر والفسوق والعصيان؛ فهذا لا يُؤمر بالرضى به، بل يُؤمر ببغضه وسخطه؛ فإن الله لا يحبُّه ولا يرضاه» (١). وقال ﵀: «ولم يأمر بالرضى بالمقدور، ولكن أمر بالرضى بالمشروع. فالمأمور به يجب الرضى به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]» (٢). وقال ابن القيِّم ﵀: «الحكم والقضاء نوعان: دينيٌّ وكونيٌّ؛ فالدينيُّ يجب الرضى به، وهو من لوازم الإسلام» (٣). القسم الثاني: ما يُقدَّر على العبد من النعم والمسرَّات، أو النقم والمصائب مما لا يدخل في اختياره، فهذا يُشرَع الرضى به. وقد احتُجَّ للرضى بهذا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. قال علقمة بن قيسٍ: «هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيسلِّم ذلك ويرضى» (٤). ومن السنَّة: قول النبي ﷺ : «عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحبَّ

стр. 124

قومًا ابتلاهم، فمَن رضي فله الرضى، ومَن سخط فله السخط» (١). وقال أبو الدرداء: «إنَّ الله إذا قضى قضاءً أحبَّ أن يُرضى به» (٢). وقال عمر بن عبد العزيز: «أصبحت ومالي سرورٌ إلا في مواضع القضاء والقدر» (٣). وقد تقدَّم في كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة قوله: «الثاني: الرضى بالمصائب، فهذا مأمورٌ به: إما مستحبٌّ وإما واجبٌ» (٤). وقال في موطنٍ آخر: «وقد تنازع الناس في الرضى بالفقر والمرض والذلِّ ونحوها، هل هو مستحبٌّ أو واجبٌ؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. وأكثر العلماء على أن الرضى بذلك مستحبٌّ وليس بواجبٍ … والقول الثاني: إنه واجبٌ؛ لأن ذلك من تمام رضاه بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ ﷺ نبيًّا» (٥). والخلاف في وجوب الرضى أو استحبابه إنما هو فيما يُقدَّر من المصائب والبلاء، وأما ما يُقدَّر من النعم والمسرَّات؛ فالرضى به واجبٌ. قال ابن القيِّم: «فنقول: الحكم والقضاء نوعان: دينيٌّ، وكونيٌّ …

стр. 125

والكونيُّ منه ما يجب الرضى به، كالنعم التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها الرضى بها. ومنه ما لا يجوز الرضى به، كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله، وإن كانت بقضائه وقدره. ومنه ما يُستحَبُّ الرضى به، كالمصائب، وفي وجوبه قولان» (١). الوجه الثاني: ما يُقدَّر على العبد من الكفر والبدع والمعاصي؛ فهذا النوع فيه تفصيلٌ؛ فإن ما يقدِّره الله منها له وجهان: الأوَّل: من جهة كونها فعلًا للعبد وكسبًا له؛ فهي مكروهةٌ مسخوطةٌ، فلا يُشرَع الرضى بها، بل يُشرَع بغضها وسخطها؛ فإن الله يبغضها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، والكفر قد وقع من الناس فهو مقدَّرٌ، وقد قال تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، وهذا أمرٌ موجودٌ مقدَّرٌ من أقوال العباد، وقد أخبر الله أنه لا يرضاه، فإذا لم يرضه كيف يأمر العبد بأن يرضاه؟ بل الواجب على العبد أن يبغض ما يبغضه الله، ويرضى بما يرضاه الله (٢). الثاني: من جهة كونها مخلوقةً للربِّ؛ فهي محبوبةٌ مرضيَّةٌ؛ لأن الله خلقها وقدَّرها لحكمةٍ، فيُشرَع الرضى بقضائه وقدره، ومتى لحظنا أن الله قضاها وقدَّرها رضينا عن الله وسلَّمنا لحكمه، وهذا من تمام الرضى بالله ربًّا ومالكًا ومدبِّرًا. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأما الرضى بالمنهيَّات من الكفر والفسوق والعصيان؛ فأكثر العلماء يقولون: لا يُشرَع الرضى بها، كما لا تُشرَع محبَّتها؛ فإن الله سبحانه لا يرضاها ولا يحبُّها وإن كان قد قدَّرها وقضاها، كما قال

стр. 126

سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، بل يسخطها كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]. وقالت طائفةٌ: تُرضى من جهة كونها مضافةً إلى الله خلقًا، وتُسخَط من جهة كونها مضافةً إلى العبد فعلًا وكسبًا. وهذا القول لا ينافي الذي قبله، بل هما يعودان إلى أصلٍ واحدٍ، وهو سبحانه إنما قدَّر الأشياء لحكمةٍ، فهي باعتبار تلك الحكمة محبوبةٌ مرضيَّةٌ، وقد تكون في نفسها مكروهةً ومسخوطةً؛ إذ الشيء الواحد يجتمع فيه وصفان يُحَبُّ من أحدهما ويُكرَه من الآخر، كما في الحديث الصحيح: (ما تردَّدت عن شيءٍ أنا فاعله تردُّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدَّ له منه) (١)» (٢). وقال ﵀: «فالعبد يوافق ربَّه، فيكره الذنوب ويمقتها ويبغضها؛ لأن الله يبغضها ويمقتها، ويرضى بالحكمة التي خلقها الله لأجلها، فهي من جهة فعل العبد لها مكروهةٌ مسخوطةٌ، ومن جهة خلق الربِّ لها محبوبةٌ مرضيَّةٌ؛ لأن الله خلقها لما له في ذلك من الحكمة، والعبد فعلها وهي ضارَّةٌ له موجِبةٌ له العذاب، فنحن ننكرها ونكرهها وننهى عنها كما أمرنا الله بذلك؛ إذ كان هو أيضًا سبحانه يسخطها ويبغضها، ونعلم أن الله أحدثها لما له في ذلك من الحكمة، فنرضى بقضائه وقدره. فمتى لحظنا أن الله قضاها وقدَّرها رضينا عن الله وسلَّمنا لحكمه. وأما من جهة كون العبد يفعلها؛ فلا بدَّ أن نكره ذلك وننهى

стр. 127

عنه ونجتهد في دفعه بحسب إمكاننا، فإن هذا هو الذي يحبُّه الله منا» (١). القول الثاني: (قول الجهميَّة والأشاعرة). قالوا: الرضى بالقضاء قربةٌ وطاعةٌ، ونحن مأمورون به، فنحن نرضى به ولا نسخطه. فنرضى بكلِّ ما قدَّره الله من المسرَّات والخيرات والنعم، والضرَّاء والبلاء والنقم، وكلِّ ما جرت به المقادير من إيمانٍ وكفرٍ وطاعةٍ ومعصيةٍ وخيرٍ وشرٍّ. وهذا بناءً على أصلهم أن الإرادة والمشيئة مستلزمتان للمحبَّة والرضى. قالوا: كلُّ ما قدَّره الله وقضاه فهو محبوبٌ ومرضيٌّ له، ونحن مأمورون بالرضى بالقضاء، والرضى بما رضي الله به. قال أبو بكرٍ الباقلانيُّ: «ونعتقد أن مشيئة الله تعالى ومحبَّته ورضاه ورحمته وكراهيته وغضبه وسخطه وولايته وعداوته كلَّها راجعٌ إلى إرادته، وأن الإرادة صفةٌ لذاته غير مخلوقةٍ» (٢). وقال الإمام ابن القيِّم ﵀ في وصف عقيدتهم: «فقالت الجبريَّة: الكون كلُّه -قضاؤه وقدره، طاعته ومعاصيه، خيره وشرُّه-؛ فهو محبوبه … ثم بنوا على ذلك أنهم مأمورون بالرضاء بالقضاء، وهذه قضاءٌ من قضائه، فنحن نرضى بها، فما لنا ولإنكارها ومعاداة فاعلها، ونحن مأمورون بالرضى بالقضاء؟ فتركَّب من اعتقادهم كونها محبوبةً للربِّ، وكونهم مأمورين بالرضى بها، والتسوية بين الأفعال، وعدم استقباح شيءٍ منها أو إنكاره. وانضاف إلى ذلك

стр. 128

اعتقادهم جبر العبد عليها، وأنها ليست فعله» (١). وقال ﵀: «وقالت غلاة الجبريَّة الذين طووا بساط الأمر والنهي: المعاصي بقضاء الله وقدره، والرضاء بالقضاء قربةٌ وطاعةٌ، فنحن نرضى بها ولا نسخطها» (٢). القول الثالث: (قول المعتزلة القدريَّة). قالوا: الرضى بالقضاء مأمورٌ به، فنحن نرضى به. ولكن الكفر والذنوب ليست مقضيَّةً ولا مقدَّرةً من الله، وليست محبوبةً ولا مرضيَّةً له، فلا نرضى بها ولا نحبُّها، بل نسخطها ونبغضها. وهذا بناءً على أصلهم أن الإرادة والمشيئة مستلزمةٌ للمحبَّة والرضى. قالوا: ونحن نعلم أن الله تعالى لا يحبُّ الكفر والفسوق والعصيان، فلا يشاؤها ولا يقدِّرها، فنحن لا نرضاها ولا نحبُّها. فذهب القدريَّة إلى إنكار المشيئة والإرادة فيما يقع من الكفر والمعاصي؛ لأن الله لا يحبُّها ولا يرضاها. قال القاضي عبد الجبَّار: «وأحد ما يدلُّ على أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي: هو أنه تعالى لو كان مريدًا لها لوجب أن يكون محبًّا لها وراضيًا بها، لأن المحبَّة والرضى والإرادة من بابٍ واحدٍ، بدلالة أنه لا فرق بين أن يقول القائل: أحببت أو رضيت، وبين أن يقول: أردت؛ حتى لو أثبت أحدهما ونفى الآخر لعُدَّ متناقضًا. فهذا جملة الكلام في ذلك» (٣).

стр. 129

وقال الإمام ابن القيِّم: «وقالت القدريَّة النفاة: ليست المعاصي محبوبةً لله ولا مرضيَّةً له، فليست مقدَّرةً له ولا مقضيَّةً، فهي خارجةٌ عن مشيئته وخلقه. قالوا: ونحن مأمورون بالرضى بالقضاء، ومأمورون بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها، فليست إذًا بقضاء الله؛ إذ الرضى والقضاء متلازمان، كما أن محبَّته ومشيئته متلازمان أو متَّحدان» (١). وقال ﵀: «فقالت القدريَّة النفاة: الرضى بالقضاء طاعةٌ وقربةٌ، والرضى بالمعاصي لا يجوز، فليست بقضائه وقدره» (٢). بيان الحق في ذلك ومنشأ خطأ المخالفين والرد عليهم: الحق في هذه المسألة هو ما عليه أهل السنة. على ما تقدَّم تفصيله. ومدار قولهم فيها قائم على التفريق بين الإرادتين، فيفرِّقون بين الإرادة الشرعيَّة التي تستلزم محبَّة الله ورضاه، وبين الإرادة الكونيَّة التي قد يخلق الله بها مايحبه ويرضاه و ما لا يحبُّه ولا يرضاه. وكذا التفريق بين مايقدره الله على العبد مما هو داخل في اختيار العبد كأفعال العبد الاختيارية، وما يقدره على العبد مما لا يدخل في اختياره كالنعم والمصائب. وكذلك التفريق بين الأمور المقدرة من جهة كونها فعلًا للعبد وكسبًا له؛ ومن جهة كونها مخلوقةً للربِّ. ومنشأ خطأ المخالفين من الجبريَّة والقدريَّة عدم التفريق بين الإرادتين، فيجعلون الإرادة نوعًا واحدًا، ويرون أنها بمعنى المحبَّة والرضى، ثم افترقوا فيها: فغلَّب الجبريَّة جانب القدر، وقالوا: علمنا أن كلَّ شيءٍ بقدرٍ، وكلَّ ما قدَّره الله فهو يحبُّه ويرضاه، ونحن مأمورون بالحبِّ والرضى لكلِّ ما قدَّره ولو كان

стр. 130

من الكفر والمعاصي، فعطَّلوا بذلك الشرع. وغلَّب القدريَّة جانب الشرع، وقالوا: علمنا أن الله لا يرضى الكفر والمعاصي ولا يحبُّها، فنحن لا نرضاها ولا نحبُّها، وكلُّ ما لا يرضاه ولا يحبُّه فهو لا يقدِّره ولا يخلقه، وعطَّلوا بذلك القدر. فالجبريَّة مصيبون في قولهم: إن الله قدَّر المعاصي، ضالُّون في زعمهم أن الله يرضاها ويحبُّها. والقدريَّة مصيبون في قولهم: إن الله لا يرضى المعاصي ولا يحبُّها، ضالُّون في زعمهم أن الله لم يخلقها ويقدِّرها. وأهل السنَّة جمعوا بين إصابتي الفريقين، وتجنَّبوا ضلالتيهما، وأثبتوا الإرادتين، واعتدلوا في لوازمهما من الرضى والبغض، وجمعوا بين القدر والشرع، ولم يعارضوا بينهما، فلله الحمد والمنَّة على هدايته وتوفيقه. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وجهمٌ ومَن وافقه من المعتزلة اشتركوا في أن مشيئة الله ومحبَّته ورضاه بمعنىً واحدٍ. ثم قالت المعتزلة: وهو لا يحبُّ الكفر والفسوق والعصيان، فلا يشاؤه. فقالوا: إنه يكون بلا مشيئةٍ. وقالت الجهميَّة: بل هو يشاء ذلك؛ فهو يحبُّه ويرضاه. وأبو الحسن وأكثر أصحابه وافقوا هؤلاء؛ فذكر أبو المعالي الجوينيُّ: أن أبا الحسن أوَّل مَنْ خالف السلف في هذه المسألة، ولم يفرِّق به بين المشيئة والمحبَّة والرضى. وأما سلف الأمَّة وأئمَّتها وأكابر أهل الفقه والحديث والتصوُّف وكثيرٌ من طوائف النظَّار -كالكُلَّابيَّة والكرَّاميَّة وغيرهم-؛ فيفرِّقون بين هذا وهذا؛ ويقولون: إن الله يحبُّ الإيمان والعمل الصالح ويرضى به؛ كما لا يأمر (١)، ولا يرضى

стр. 131

بالكفر والفسوق والعصيان ولا يحبُّه؛ كما لا يأمر به، وإن كان قد شاءه» (١). قال ابن القيِّم: «أصل ذلك كلِّه هو الفرق بين محبَّة الله ورضاه، ومشيئته وإرادته الكونيَّة. ومنشأ الضلال في هذا الباب من التسوية بينهما، أو اعتقاد تلازمهما، فسوَّى بينهما الجبريَّة والقدريَّة، وقالوا: المشيئة والمحبَّة سواءٌ، أو متلازمان، ثم اختلفوا. فقالت الجبريَّة: الكون كلُّه -قضاؤه وقدره، طاعته ومعاصيه، خيره وشرُّه-؛ فهو محبوبه. ثم بنوا على ذلك أنهم مأمورون بالرضاء بالقضاء، وهذه قضاءٌ من قضائه، فنحن نرضى بها، فما لنا ولإنكارها ومعاداة فاعلها. وقالت القدريَّة النفاة: ليست المعاصي محبوبةً لله ولا مرضيَّةً له، فليست مقدَّرةً له ولا مقضيَّةً، فهي خارجةٌ عن مشيئته وخلقه. قالوا: ونحن مأمورون بالرضى بالقضاء، ومأمورون بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها، فليست إذًا بقضاء الله، إذ الرضى والقضاء متلازمان، كما أن محبَّته ومشيئته متلازمان، أو متَّحدان. ومذهب سلف الأمَّة وأئمَّتها أنه مسخوطٌ للربِّ، مكروهٌ له قدرًا وشرعًا، مع أنه وُجِد بمشيئته وقضائه، فإنه يخلق ما يحبُّ وما يكره، فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره، وأحدهما محبوبٌ له مرضي، والآخر مبغوضٌ له مسخوطٌ» (٢).

стр. 132

المبحث الثاني معتقد أهل السنة في استطاعة العبد و أقوال المخالفين فيها، والرد عليهم تنازع الناس في استطاعة العبد على أربعة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنَّة). قالوا: إن الاستطاعة نوعان: الأولى: (استطاعةٌ متقدِّمة على الفعل)، ومرجعها: إلى الصحَّة، وسلامة الجوارح، وارتفاع الموانع. وهي المصحِّحة للفعل، المجوِّزة له. وهي صالحةٌ للضدَّين الفعل والترك. ودليلها: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولو كانت هذه الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل لما وجب الحجُّ إلا على مَنْ حجَّ، ولما وجب على أحدٍ من التقوى إلا ما فعل فقط. وهذه الاستطاعة متعلقةٌ بالأوامر الشرعيَّة الدينيَّة، وهي مناط الأمر والنهي، وبها يحصل الثواب والعقاب، وعليها يتكلَّم الفقهاء، وهي الغالبة في عرف الناس (١). الثانية: (استطاعةٌ مقارنةٌ للفعل)، ومرجعها إلى التوفيق، وإعانة الله للعبد على الفعل. وهي الموجبة للفعل، المحقِّقة له. وهي لا تصلح لغيره.

стр. 133

ودليلها: قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]. وهذه الاستطاعة متعلِّقةٌ بالأوامر الكونيَّة الخلقيَّة التي هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقَّق وجود الفعل الكونيِّ (١). وقد قرر الأئمة المحققون من أهل السنة نوعي الاستطاعة وذكروا الفرق بينهما: قال الإمام الطحاويُّ: «والاستطاعة التي يجب بها الفعل -من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به-؛ تكون مع الفعل. وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع، والتمكين وسلامة الآلات؛ فهي قبل الفعل، وبها يتعلَّق الخطاب» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة بعد نقله الأقوال في الاستطاعة: «والصواب الذي دلَّ عليه الكتاب والسنَّة: أن الاستطاعة متقدِّمةٌ على الفعل ومقارنةٌ له أيضًا، وتقارنه أيضًا استطاعةٌ أخرى لا تصلح لغيره. فالاستطاعة «نوعان»: متقدِّمةٌ صالحةٌ للضدَّين، ومقارنةٌ لا تكون إلا مع الفعل. فتلك هي المصحِّحة للفعل المجوِّزة له، وهذه هي الموجِبة للفعل المحقِّقة له» (٣). وذكر ﵀ في موطن آخر- أن هذا هو قول المحقِّقين من أهل السنَّة وغيرهم، قال: «وأما الذي عليه المحقِّقون من أئمَّة الفقه والحديث والكلام

стр. 134

وغيرهم؛ فإثبات النوعين جميعًا» (١). القول الثاني: (قول الجهميَّة وطائفةٍ من الأزارقة). قالوا: إنه ليس للعبد استطاعةٌ، لا قبل الفعل ولا معه. وهذا بناءً على أصلهم أنه ليس للعبد فعلٌ ولا قدرةٌ، وإنما الفاعل على الحقيقة هو الله، والعبد مجبورٌ على فعله، ونسبة الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، كما يُقال: أمطرت السماء، وسال الوادي (٢). القول الثالث: (قول المعتزلة والشيعة، وهو الغالب على نفاة القدر). قالوا: للعبد استطاعةٌ تكون قبل الفعل، ولا تكون معه البتَّة. وهي صالحةٌ للضدَّين، ويستطيع بها العبد أن يفعل الخير والشرَّ، والطاعة والمعصية (٣). القول الرابع: (قول الأشاعرة، وهو الغالب على مثبتة القدر). قالوا: للعبد استطاعةٌ مع الفعل لا تكون قبله. وهي لا تصلح للضدَّين، وإنما تصلح لفعلٍ واحدٍ؛ إذ هي مقارنةٌ له لا تنفكَّ عنه (٤). بيان الحق في ذلك والرد على المخالفين: كلُّ هذه الأقوال المخالفة لقول أهل السنة باطلةٌ ومردودة بالنصوص المتقدم نقلها في معتقد أهل السنة. وأبعد هذه الأقوال عن الحقِّ وأغرقها في الضلال؛ قول الجهميَّة، ثم يليه في الفساد قول الأشاعرة، ثم قول المعتزلة (٥).

стр. 135

وليس للجهميَّة مستندٌ صحيحٌ أو أثارةٌ من علمٍ فيما ادَّعوه. وغاية ما عند المعتزلة والأشاعرة من الحجج النقليَّة لقوليهما هو إثبات ما أثبتته تلك الطائفة من أحد نوعي الاستطاعة، لكن ليس فيه دلالةٌ على إبطال النوع الآخر منهما. وبمجموع النصوص تُخصَم كلُّ طائفةٍ، ويظهر الحقُّ الذي عليه أهل السنَّة، فلله الحمد والمنَّة.

стр. 136

المبحث الثالث بيان أن الإيمان بالقدر لا يسوِّغ الاتِّكال وترك العمل، وأقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم مدار هذا الدين على الإيمان بالقدر، والعمل بالشرع. لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر، ولا يستقيم الإيمان إلا بتحقيقهما جميعًا؛ ولذا قال ابن عبَّاسٍ ﵄: «القدر نظام التوحيد؛ فَمَنْ وحَّد الله وآمن بالقدر تَمَّ توحيده، ومَن وحَّد الله وكذَّب بالقدر نقض توحيده» (١). وقد دلَّت الأدلَّة على ذلك؛ فقد سُئل النبيُّ ﷺ في أكثر من مناسبةٍ عن الاتِّكال على القدر وترك العمل، فأمر بالعمل مع الإيمان بالقدر. روى الشيخان من حديث عليٍّ ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ ذات يومٍ جالسًا وفي يده عودٌ ينكت به، فرفع رأسه، فقال: «ما منكم من نفسٍ إلا وقد عُلِمَ مَنْزلها من الجنَّة والنار»، قالوا: يا رسول الله! أفلا نتَّكل؟ قال: «لا، اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِق له»، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (٢). وفي الصحيحين أيضًا عن عمران بن حُصينٍ ﵁، قال: قال رجلٌ: يا رسول الله! أيُعرَف أهل الجنَّة من أهل النار؟ قال: «نعم»، قال: فَلِمَ يعمل العاملون؟ قال: «كلٌّ يعمل لِمَا خُلِقَ له، أو: لِمَا ييسَّر له» (٣).

стр. 137

وأخرج مسلمٌ من حديث سراقة بن مالكٍ، أنه قال: يا رسول الله! بَيِّن لنا ديننا كأنا خُلِقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أَفِيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: «بل فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير»، قال: ففيم العمل؟ قال: «اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ» (١). والأدلَّة في هذا المعنى كثيرةٌ، وهي ظاهرة الدلالة على وجوب العمل، وعدم الاتِّكال على القدر، فالنبيُّ ﷺ سُئل عن القدر، وأخبر أن الناس يعملون فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير، أي: أن أعمال الناس كلَّها مقدَّرةٌ جرت بها أقلام المقادير السابقة، وكذلك أخبر أنه جرت المقادير بكتابة أهل الجنَّة وأهل النار ومنازلهم في الدارين بما علمه الله بعلمه السابق لوجودهم. ولما سُئل ﵊ عن العمل أمر به، وقال: «اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِق له». أي: أن أهل السعادة ميسَّرون لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة ميسَّرون لعمل أهل الشقاوة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا من أحسن ما يكون من البيان؛ وذلك أن الله يعلم الأمور على ما هي عليه، وهو قد جعل للأشياء أسبابًا تكون بها، فيعلم أنها تكون بتلك الأسباب» (٢). والمقصود أن الأحاديث صريحةٌ في وجوب الإيمان بالقدر والاجتهاد في العمل بالشرع. قال ابن القيِّم: «فاتَّفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا يوجِب الاتِّكال عليه، بل يوجِب الجدَّ والاجتهاد؛ ولهذا لما

стр. 138

سمع بعض الصحابة ذلك قال: «ما كنت أشدَّ اجتهادا مني الآن». وهذا مما يدلُّ على جلالة فقه الصحابة ودقَّة أفهامهم وصحَّة علومهم؛ فإن النبيَّ ﷺ أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب؛ وإن العبد ينال ما قُدِّر له بالسبب الذي أُقدِر عليه ومُكِّن منه وهُيِّئ له، فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أمِّ الكتاب، وكلما زاد اجتهادًا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه، وهذا كما إذا قُدِّر له أن يكون من أعلم أهل زمانه، فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلُّم وأسبابه» (١). وقد قرَّر العلماء هذه المسألة ونصُّوا عليها في كتبهم المصنَّفة في الاعتقاد، وشروح السنَّة، والسلوك والآداب، وحكوا إجماع السلف وأئمَّة أهل السنة على ذلك، وأنه لم يخالف فيها إلا أهل البدع. قال الخطَّابيُّ تعليقًا على حديث عليٍّ: «فهذا الحديث إذا تأمَّلته أصبت منه الشفاء فيما يتخالجك من أمر القدر، وذلك أن السائلَ رسولَ الله ﷺ والقائلَ له: أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ لم يترك شيئًا مما يدخل في أبواب المطالبات والأسئلة الواقعة في باب التجوير والتعديل إلا وقد طالب به وسأل عنه، فأعلمه ﷺ أن القياس في هذا الباب متروكٌ، والمطالبةَ عليه ساقطةٌ، وأنه أمرٌ لا يشبه الأمور المعلومة التي قد عُقِلت معانيها، وجرت معاملات البشر فيما بينهم عليها، وأخبر أنه إنما أمرهم بالعمل؛ ليكون أمارةً في الحال العاجلة لما يصيرون إليه في الحال الآجلة، فمَن تيسَّر له العمل الصالح كان مأمولًا له الفوز، ومَن تيسَّر له العمل الخبيث كان مخوفًا عليه الهلاك، وهذه أماراتٌ من جهة العلم الظاهر وليست بموجِبات؛ فإن الله سبحانه طوى علم

стр. 139

الغيب عن خلقه وحجبهم عن دَرَكه، كما أخفى أمر الساعة فلا يعلم أحدٌ متى إبَّان قيامها؛ ثم أخبر على لسان رسول الله ﷺ بعض أماراتها وأشراطها» (١). وقال الإمام الآجُرِّيُّ: «فاعلم -رحمك الله- أن الإيمان بهذا واجبٌ، قد أمر العباد أن يعملوا بما أُمِروا من طاعة الله، وينتهوا عما نُهوا عنه من المعصية، والله بعد ذلك موفِّقٌ مَنْ أحبَّ لطاعته، ومقدِّرٌ معصيته على من أراد غيرَ ظالمٍ لهم، ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، أحبَّ من عباده الطاعة وأمر بها، فكانت بتوفيقه، وزجر عن المعصية وأراد كونه غير محبٍّ لها ولا آمرًا بها، تعالى عن أن يأمر بالفحشاء، وجلَّ أن يكون في ملكه ما لا يريد. هذا -رحمك الله- طريق أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومَن تبعهم بإحسانٍ، وأئمَّة المسلمين» (٢). وقال النوويُّ في شرح بعض الأحاديث المتقدِّمة: «وفي هذه الأحاديث النهي عن ترك العمل والاتِّكال على ما سبق به القدر، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها، وكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له، لا يقدر على غيره، ومَن كان من أهل السعادة يسَّره الله لعمل السعادة، ومَن كان من أهل الشقاوة يسَّره الله لعملهم، كما قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧]، و ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠]، وكما صرَّحت به هذه الأحاديث» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وقد بيَّن النبيُّ ﷺ أن ذلك لا ينافي وجود الأعمال التي بها تكون السعادة والشقاوة، وأن مَنْ كان من أهل السعادة فإنه

стр. 140

ييسَّر لعمل أهل السعادة، ومَن كان من أهل الشقاوة فإنه ييسَّر لعمل أهل الشقاوة، وقد نُهِي أن يتَّكل الإنسان على القدر السابق، ويدع العمل. ولهذا كان مَنْ اتَّكل على القدر السابق، وترك ما أُمِر به من الأعمال هو من الأخسرين أعمالًا الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وكان تركهم لما يجب عليهم من العمل من جملة المقدور الذي يُسِّروا به لعمل أهل الشقاوة؛ فإن أهل السعادة هم الذين يفعلون المأمور ويتركون المحظور، فمن ترك العمل الواجب الذي أُمِر به وفعل المحظور متَّكلًا على القدر؛ كان من جملة أهل الشقاوة الميسَّرين لعمل أهل الشقاوة» (١). وقال ابن القيِّم ﵀: «وبالجملة؛ فالقرآن من أوَّله إلى آخره صريحٌ في ترتُّب الجزاء بالخير والشرِّ والأحكام الكونيَّة والأمريَّة على الأسباب، بل ترتُّب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال. ومَن تفقَّه في هذه المسألة وتأمَّلها حقَّ التأمُّل انتفع بها غاية النفع، ولم يتَّكل على القدر جهلًا منه وعجزًا وتفريطًا وإضاعةً، فيكون توكُّله عجزًا، وعجزه توكُّلًا، بل الفقيه كلَّ الفقه الذي يردُّ القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر، بل لا يمكن الإنسان أن يعيش إلا بذلك؛ فإن الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر. فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها، ورعاها حقَّ رعايتها، والله المستعان» (٢). وقال الشيخ حافظ حكمي ﵀: «اتَّفقت جميع الكتب السماويَّة والسنن النبويَّة على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتِّكال عليه، بل يوجِب

стр. 141

الجدَّ والاجتهاد والحرص على العمل الصالح» (١). أقوال المخالفين: وقد خالف أهل البدع في هذه المسألة على قولين: القول الأوَّل: (قول الجبريَّة من الجهميَّة والأشعريَّة، وطائفةٌ من الصوفيَّة والفقهاء). آمنوا بالقدر، وظنُّوا أن ذلك كافٍ في حصول المقصود، فأعرضوا عن الأسباب الشرعيَّة والأعمال الصالحة بناءً على قولهم في إنكار الأسباب بالكلِّيَّة (٢). وهؤلاء يشهدون قدر الله وقضاءه، ولا يشهدون أمره ونهيه، ويشهدون قيام المخلوقات به وفقرها إليه، ولا يشهدون ما أمر به وأحبه وما نهى عنه وسخطه. ويحققون الاستعانة بالله والتوكل عليه، وإظهار الفقر، والخضوع لقضائه وقدره، مع التقصير في عبادته وطاعتة وامتثال دينه وشرعه (٣). القول الثاني: (قول القدريَّة). آمنوا بالشرع وعظموا الأمر والنهي وبالغوا في قدرة العبد متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم وزعموا: أن العبد بفعله للسبب مستقلٌّ بإيجاده وإحداثه. ولذا أنكروا خلق الله لأفعال العباد، وأنكروا هداية الله لعباده هداية التوفيق، بل زعموا أن الله ليس في مقدوره من الألطاف، والإعانة للعبد غير مافعل، من خلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق، وإرسال الرسل، وتمكينه من الفعل، فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله العبد إياها، ولهذا قصّروا في

стр. 142

التوكل على الله والاستعانة به في تحقيق مطالب الدين والدنيا وزعموا أنهم بأفعالهم يستحقون على الله الأجر والثواب كما يستحق الأجير من المستأجِر (١). الرد علي المخالفين: كلٌّ من الجبرية والقدرية قد ضلوا في هذه المسألة وفرَّقوا بين الشرع والقدر، وخالفوا أمر النبيِّ ﷺ في الجمع بين الإيمان بالقدر والعمل بالشرع. ظنا منهم التعارض بين الشرع والقدر، وبعد اشتراكهم في هذه الشبهة افترقوا في النتيجة: فالجبريَّة ومَن وافقهم آمنوا بالقدر وزعموا التسليم للقدر وتفويض الأمر لله، وعطَّلوا الشرع وتركوا العمل والأخذ بالأسباب المشروعة في تحقيق المطالب الدينيَّة والدنيويَّة. والقدريَّة آمنوا بالشرع وأخذوا بالأسباب وبالغوا فيها، وقالوا: إن العبد بفعله للسبب مستقلٌّ بإيجاده وإحداثه، وأنكروا القدر وخلق الله لأفعال العباد. وقصروا في التوكل والاستعانة. الشبه المتعلقة بهذه المسألة: والشبه المتعلقة بهذه المسألة وهي: أن (الإيمان بالقدر لا يسوِّغ الاتِّكال وترك العمل)؛ كثيرة وليست مقتصرة على الجبرية والقدرية، بل اشتبهت هذه المسألة على كثيرٍ من الناس، ومن أبرز الشبه فيها ما يأتي: الشبهة الأولى: قول مَنْ يقول: إذا كانت الأمور مقدَّرةً فِي القِدَم، وأن أقوامًا خُصُّوا بالسعادة وأقوامًا بالشقاوة، والسعيد لا يشقى والشقيَّ لا يسعد، والأعمال لا تراد لذاتها بل لاجتلاب السعادة ودفع الشقاوة؛ فلا وجه لإتعاب النفس فِي عملٍ ولا نكفُّها عَنْ ملذوذٍ؛ لأن المكتوب فِي القدر واقعٌ لا محالة.

стр. 143

والجواب عَنْ هذه الشبهة أن يُقال لهم: هَذَا ردٌّ لجميع الشرائع، وإبطالٌ لجميع أحكام الكتب، ويترتَّب على هذا لوازم باطلةٌ. فإذا أمر الله في القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ فلقائلٍ أن يقول: لماذا أصلِّي وأزكِّي؟ إن كنت سعيدًا فمصيري إِلَى السعادة، وإن كنت شقيًّا فمصيري إِلَى الشقاوة، وإذا نهى الله عن الزنى والربا؛ يَقُول القائل: لماذا أمنع نفسي ملذوذها، والسعادة والشقاوة مقضيَّتان قد فُرِغ منهما؟ وكان لفرعون أن يخاطب موسى لما أمره بالإيمان بمثل ذلك. ثم يفضي الأمر إِلَى منازعة الخالق، فيقول قائلٌ: مَا فائدة إرسالك الرسل، وسيجري مَا قدَّرتَه على العباد؟ بل يلزم من ترك العمل بالشرع اعتمادًا على القدر أن يقول: أنا لا آكل ولا أشرب، فإن كان الله قضى بالشبع والريِّ حصل، ولافائدة في الأكل والشرب. وغيرها من اللوازم الباطلة. ولهذا أجاب الرسول ﷺ أصحابه حين قالوا: ألا نتَّكل؟ فقال: «اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِق له». فبيّن أن للآدميِّ كسبًا هو اختياره، فعليه يقع الثواب والعقاب، فَإِذَا خالف تبيَّن لنا أن اللَّه قضى فِي السابق بأن يخالفه، وإنما يعاقبه عَلَى خلافه لا عَلَى قضائه (١). الشبهة الثانية: شبهة مَنْ يرون شهود (الحقيقة الكونيَّة) دون (الدينيَّة)، وأن العارفين أهل التوحيد هم الذين فنوا في توحيد الربوبيَّة بشهود هذه الحقيقة فسقط عنهم الأمر والنهي، ويجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا الحقيقة الكونيَّة (٢).

стр. 144

ويعنون بشهود الحقيقة الكونيَّة: التسوية بين الموجودات. ويدَّعون أن وجود الخالق فاض عليهم، فأصبح وجود المخلوقات هو عين وجود الخالق، وبالتالي زالت الفوارق عند العارف، فلا يفرِّق بين خالقٍ ومخلوقٍ، وعبدٍ ومعبودٍ، وبارٍّ وفاجرٍ، وأمرٍ ونهيٍ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، وخيرٍ وشرٍّ (١). وهذا قول أصحاب وحدة الوجود: كابن عربيٍّ، وابن سبعين، وأمثالهما من الملاحدة والزنادقة. والجواب عن ذلك: أن قول هؤلاء كفرٌ صريحٌ وتكذيبٌ للشريعة بأسرها، وهو أشدُّ من كفر اليهود والنصارى وعامَّة المشركين، والأدلَّة كلُّها شاهدةٌ بكفر هؤلاء وضلالهم وفساد قولهم ومصادمته للنصوص والعقل والفطرة السليمة. قال ابن القيِّم: «هذه الحقيقة التي يشير إلى عينها طائفة الاتِّحاديَّة، ويعدُّون مَنْ لم يكن من أهلها محجوبًا، وهذه حقيقةٌ كفريَّةٌ اتِّحاديَّةٌ، وهي مع ذلك خيالٌ فاسدٌ، وعقلٌ منكوسٌ، وذوقٌ من عينٍ منتنةٍ، وكفر أهلها أعظم من كفر كلِّ أُمَّةٍ؛ فإنهم جحدوا الصانع حقًّا، وإن أثبتوه جعلوا وجوده وجود كلِّ موجودٍ، والذين أثبتوا الصانع وعدلوا به غيره وسوَّوا بينه وبين غيره في العبادة مقالتهم خيرٌ من مقالة هؤلاء الذين جعلوه وجود كلِّ موجودٍ وعين كلِّ شيءٍ، تعالى الله عما يقول الكاذبون المفترون علوًّا كبيرًا» (٢). وأصحاب هذه الحقيقة مع ادِّعائهم المعرفة وشهود الحقيقة الكونيَّة فهم أجهل الناس وأقلُّهم معرفةً وعلمًا.

стр. 145

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ في الردِّ عليهم: «وهذا ليس بشهودٍ للحقيقة لا الكونيَّة ولا الدينيَّة، بل هو ضلالٌ وعمىً عن شهود الحقيقة الكونيَّة؛ حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلوا كلَّ وصفٍ مذمومٍ وممدوحٍ نعتًا للخالق وللمخلوق؛ إذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم» (١). وحالهم كما ذكر شيخ الإسلام ﵀، فهم أجهل الناس بالحقيقة الكونيَّة والشرعيَّة. أما الحقيقة الكونيَّة فهم أضلُّ الناس عنها، وعامَّة المشركين والكفرة أعلم بها منهم؛ فإن أعظم الحقائق الكونيَّة التي يعلمها العقلاء بعقولهم ويشهدها الناس بحواسِّهم وفِطَرهم التباينُ العظيم بين المخلوقات في الوجود والأسماء والصفات والأفعال، وهؤلاء ينكرون هذا التباين ويجعلون الوجود واحدًا، بل لا يفرِّقون بين ربٍّ ومربوبٍ وخالقٍ ومخلوقٍ وعابدٍ ومعبودٍ، فهذا غاية الجهل والحمق والسفه، وليس فوق هذا الجهل جهلٌ بالكون والوجود. وكذلك هم أجهل الناس بالحقيقة الشرعيَّة؛ فلا يفرِّقون بين إيمانٍ وكفرٍ وتوحيدٍ وشركٍ وطاعةٍ وفسقٍ، بل يجعلون الانسلاخ من الدين غاية الفناء في العبادة، ويزعمون أن فرعون بادِّعائه الربوبيَّة أعظم الموحِّدين الذين شهدوا الحقيقة الكونيَّة. وقول هؤلاء مما لا يُتَكَلَّف بالتفصيل في ردِّه؛ لمعارضته لعامَّة الأدلَّة، وهو متضمِّنٌ للتكذيب بالدين كلِّه بل بعامَّة الشرائع التي نزلت بها الكتب من الله وما كان عليه الأنبياء والرسل وسائر المؤمنين الموحِّدين السابقين واللاحقين. الشبهة الثالثة: شبهة بعض المتصوِّفة ومَن وافقهم، ودعواهم: أن من التسليم
следующие страницы →