الجدَّ والاجتهاد والحرص على العمل الصالح» (١).
أقوال المخالفين:
وقد خالف أهل البدع في هذه المسألة على قولين:
القول الأوَّل: (قول الجبريَّة من الجهميَّة والأشعريَّة، وطائفةٌ من الصوفيَّة والفقهاء). آمنوا بالقدر، وظنُّوا أن ذلك كافٍ في حصول المقصود، فأعرضوا عن الأسباب الشرعيَّة والأعمال الصالحة بناءً على قولهم في إنكار الأسباب بالكلِّيَّة (٢).
وهؤلاء يشهدون قدر الله وقضاءه، ولا يشهدون أمره ونهيه، ويشهدون قيام المخلوقات به وفقرها إليه، ولا يشهدون ما أمر به وأحبه وما نهى عنه وسخطه. ويحققون الاستعانة بالله والتوكل عليه، وإظهار الفقر، والخضوع لقضائه وقدره، مع التقصير في عبادته وطاعتة وامتثال دينه وشرعه (٣).
القول الثاني: (قول القدريَّة).
آمنوا بالشرع وعظموا الأمر والنهي وبالغوا في قدرة العبد متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم وزعموا: أن العبد بفعله للسبب مستقلٌّ بإيجاده وإحداثه. ولذا أنكروا خلق الله لأفعال العباد، وأنكروا هداية الله لعباده هداية التوفيق، بل زعموا أن الله ليس في مقدوره من الألطاف، والإعانة للعبد غير مافعل، من خلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق، وإرسال الرسل، وتمكينه من الفعل، فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله العبد إياها، ولهذا قصّروا في
стр. 142
التوكل على الله والاستعانة به في تحقيق مطالب الدين والدنيا وزعموا أنهم بأفعالهم يستحقون على الله الأجر والثواب كما يستحق الأجير من المستأجِر (١).
الرد علي المخالفين:
كلٌّ من الجبرية والقدرية قد ضلوا في هذه المسألة وفرَّقوا بين الشرع والقدر، وخالفوا أمر النبيِّ ﷺ في الجمع بين الإيمان بالقدر والعمل بالشرع. ظنا منهم التعارض بين الشرع والقدر، وبعد اشتراكهم في هذه الشبهة افترقوا في النتيجة:
فالجبريَّة ومَن وافقهم آمنوا بالقدر وزعموا التسليم للقدر وتفويض الأمر لله، وعطَّلوا الشرع وتركوا العمل والأخذ بالأسباب المشروعة في تحقيق المطالب الدينيَّة والدنيويَّة.
والقدريَّة آمنوا بالشرع وأخذوا بالأسباب وبالغوا فيها، وقالوا: إن العبد بفعله للسبب مستقلٌّ بإيجاده وإحداثه، وأنكروا القدر وخلق الله لأفعال العباد. وقصروا في التوكل والاستعانة.
الشبه المتعلقة بهذه المسألة:
والشبه المتعلقة بهذه المسألة وهي: أن (الإيمان بالقدر لا يسوِّغ الاتِّكال وترك العمل)؛ كثيرة وليست مقتصرة على الجبرية والقدرية، بل اشتبهت هذه المسألة على كثيرٍ من الناس، ومن أبرز الشبه فيها ما يأتي:
الشبهة الأولى: قول مَنْ يقول: إذا كانت الأمور مقدَّرةً فِي القِدَم، وأن أقوامًا خُصُّوا بالسعادة وأقوامًا بالشقاوة، والسعيد لا يشقى والشقيَّ لا يسعد، والأعمال لا تراد لذاتها بل لاجتلاب السعادة ودفع الشقاوة؛ فلا وجه لإتعاب النفس فِي عملٍ ولا نكفُّها عَنْ ملذوذٍ؛ لأن المكتوب فِي القدر واقعٌ لا محالة.
стр. 143
والجواب عَنْ هذه الشبهة أن يُقال لهم: هَذَا ردٌّ لجميع الشرائع، وإبطالٌ لجميع أحكام الكتب، ويترتَّب على هذا لوازم باطلةٌ. فإذا أمر الله في القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ فلقائلٍ أن يقول: لماذا أصلِّي وأزكِّي؟ إن كنت سعيدًا فمصيري إِلَى السعادة، وإن كنت شقيًّا فمصيري إِلَى الشقاوة، وإذا نهى الله عن الزنى والربا؛ يَقُول القائل: لماذا أمنع نفسي ملذوذها، والسعادة والشقاوة مقضيَّتان قد فُرِغ منهما؟ وكان لفرعون أن يخاطب موسى لما أمره بالإيمان بمثل ذلك. ثم يفضي الأمر إِلَى منازعة الخالق، فيقول قائلٌ: مَا فائدة إرسالك الرسل، وسيجري مَا قدَّرتَه على العباد؟
بل يلزم من ترك العمل بالشرع اعتمادًا على القدر أن يقول: أنا لا آكل ولا أشرب، فإن كان الله قضى بالشبع والريِّ حصل، ولافائدة في الأكل والشرب. وغيرها من اللوازم الباطلة.
ولهذا أجاب الرسول ﷺ أصحابه حين قالوا: ألا نتَّكل؟ فقال: «اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِق له». فبيّن أن للآدميِّ كسبًا هو اختياره، فعليه يقع الثواب والعقاب، فَإِذَا خالف تبيَّن لنا أن اللَّه قضى فِي السابق بأن يخالفه، وإنما يعاقبه عَلَى خلافه لا عَلَى قضائه (١).
الشبهة الثانية: شبهة مَنْ يرون شهود (الحقيقة الكونيَّة) دون (الدينيَّة)، وأن العارفين أهل التوحيد هم الذين فنوا في توحيد الربوبيَّة بشهود هذه الحقيقة فسقط عنهم الأمر والنهي، ويجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا الحقيقة الكونيَّة (٢).
стр. 144
ويعنون بشهود الحقيقة الكونيَّة: التسوية بين الموجودات. ويدَّعون أن وجود الخالق فاض عليهم، فأصبح وجود المخلوقات هو عين وجود الخالق، وبالتالي زالت الفوارق عند العارف، فلا يفرِّق بين خالقٍ ومخلوقٍ، وعبدٍ ومعبودٍ، وبارٍّ وفاجرٍ، وأمرٍ ونهيٍ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، وخيرٍ وشرٍّ (١).
وهذا قول أصحاب وحدة الوجود: كابن عربيٍّ، وابن سبعين، وأمثالهما من الملاحدة والزنادقة.
والجواب عن ذلك:
أن قول هؤلاء كفرٌ صريحٌ وتكذيبٌ للشريعة بأسرها، وهو أشدُّ من كفر اليهود والنصارى وعامَّة المشركين، والأدلَّة كلُّها شاهدةٌ بكفر هؤلاء وضلالهم وفساد قولهم ومصادمته للنصوص والعقل والفطرة السليمة.
قال ابن القيِّم: «هذه الحقيقة التي يشير إلى عينها طائفة الاتِّحاديَّة، ويعدُّون مَنْ لم يكن من أهلها محجوبًا، وهذه حقيقةٌ كفريَّةٌ اتِّحاديَّةٌ، وهي مع ذلك خيالٌ فاسدٌ، وعقلٌ منكوسٌ، وذوقٌ من عينٍ منتنةٍ، وكفر أهلها أعظم من كفر كلِّ أُمَّةٍ؛ فإنهم جحدوا الصانع حقًّا، وإن أثبتوه جعلوا وجوده وجود كلِّ موجودٍ، والذين أثبتوا الصانع وعدلوا به غيره وسوَّوا بينه وبين غيره في العبادة مقالتهم خيرٌ من مقالة هؤلاء الذين جعلوه وجود كلِّ موجودٍ وعين كلِّ شيءٍ، تعالى الله عما يقول الكاذبون المفترون علوًّا كبيرًا» (٢).
وأصحاب هذه الحقيقة مع ادِّعائهم المعرفة وشهود الحقيقة الكونيَّة فهم أجهل الناس وأقلُّهم معرفةً وعلمًا.
стр. 145
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ في الردِّ عليهم: «وهذا ليس بشهودٍ للحقيقة لا الكونيَّة ولا الدينيَّة، بل هو ضلالٌ وعمىً عن شهود الحقيقة الكونيَّة؛ حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلوا كلَّ وصفٍ مذمومٍ وممدوحٍ نعتًا للخالق وللمخلوق؛ إذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم» (١).
وحالهم كما ذكر شيخ الإسلام ﵀، فهم أجهل الناس بالحقيقة الكونيَّة والشرعيَّة.
أما الحقيقة الكونيَّة فهم أضلُّ الناس عنها، وعامَّة المشركين والكفرة أعلم بها منهم؛ فإن أعظم الحقائق الكونيَّة التي يعلمها العقلاء بعقولهم ويشهدها الناس بحواسِّهم وفِطَرهم التباينُ العظيم بين المخلوقات في الوجود والأسماء والصفات والأفعال، وهؤلاء ينكرون هذا التباين ويجعلون الوجود واحدًا، بل لا يفرِّقون بين ربٍّ ومربوبٍ وخالقٍ ومخلوقٍ وعابدٍ ومعبودٍ، فهذا غاية الجهل والحمق والسفه، وليس فوق هذا الجهل جهلٌ بالكون والوجود.
وكذلك هم أجهل الناس بالحقيقة الشرعيَّة؛ فلا يفرِّقون بين إيمانٍ وكفرٍ وتوحيدٍ وشركٍ وطاعةٍ وفسقٍ، بل يجعلون الانسلاخ من الدين غاية الفناء في العبادة، ويزعمون أن فرعون بادِّعائه الربوبيَّة أعظم الموحِّدين الذين شهدوا الحقيقة الكونيَّة.
وقول هؤلاء مما لا يُتَكَلَّف بالتفصيل في ردِّه؛ لمعارضته لعامَّة الأدلَّة، وهو متضمِّنٌ للتكذيب بالدين كلِّه بل بعامَّة الشرائع التي نزلت بها الكتب من الله وما كان عليه الأنبياء والرسل وسائر المؤمنين الموحِّدين السابقين واللاحقين.
الشبهة الثالثة: شبهة بعض المتصوِّفة ومَن وافقهم، ودعواهم: أن من التسليم
стр. 146
للقدر الاستسلام لكلِّ ما يُقَدَّر على الإنسان، بحيث لا يطلب خلاف ما قُدِّر عليه، ولا يدفع شيئًا من المكروه، حتى يقول قائلهم: «إن العارف لا حظَّ له! أو إنه يصير كالميِّت بين يدي الغاسل!»، حتى ما يُقَدَّر على أحدهم من المعاصي والذنوب بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جارٍ بمشيئة الله وقضائه وقدره داخلٌ في حكم ربوبيَّته ومقتضى مشيئته، فيظنُّون الاستسلام لذلك وموافقته والرضى به ونحو ذلك دينًا وطريقًا وعبادةً، فيضاهئون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] (١).
والجواب عن ذلك:
أن كلامهم هذا باطلٌ مخالفٌ للنصوص وما عليه الأنبياء والرسل وسلف الأمَّة الصالح. لكن في كلامهم إجمالٌ لا بدَّ من التفصيل فيه ليزول الاشتباه.
فيُقال: إن التسليم لأمر الله فيه تفصيلٌ: فالأمر على نوعين: أمرٌ شرعيٌّ دينيٌّ، وأمرٌ كونيٌّ قدريٌّ.
أما الأمر الشرعيُّ الدينيُّ؛ فهذا يجب التسليم له بالقلب والانقياد له بالجوارح، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فأمر الله بتحكيم الرسول ﷺ ، وهذا انقيادٌ لحكم الشرع بالجوارح، وأمر بالتسليم لحكمه، وهذا استسلام القلب للشرع، ونفى الإيمان عمن لم يحقِّق ذلك، فدلَّ على وجوب التسليم والانقياد للشرع.
стр. 147
وأما الأمر الكونيُّ؛ فعلى قسمين (١):
أ- الأمر الكونيُّ الذي قد وقع واستقرَّ ولا حيلة في دفعه بسببٍ من العبد -كموت القريب، واحتراق البيت-؛ فهذا يجب التسليم فيه لأمر الله. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧].
ب- القدر الذي وقع واستقرَّ وجعل الله للعبد سببًا لرفعه، كالمرض جعل الله سببًا لرفعه بالتداوي، والعطش جعل الله سببًا لرفعه بشرب الماء، والجوع جعل الله سببًا لرفعه بالأكل، وكذا الذنب إذا وقع جعل الله سببًا لرفع عقوبته بالتوبة وإتباع السيِّئة الحسنة والاستغفار وغيرها من أسباب تكفير الذنوب. فيؤمن العبد بأن كلَّ هذا بقدرٍ، لكن ما أُمِر بالتسليم له بأن لا يسعى في دفع المكروه في الدين والدنيا، بل أُمِر ببذل السبب في رفع القدر بالأسباب التي جعلها الله سببًا لرفعه، فإن ارتفع وإلا سلَّم ورضي، كما قال النبيُّ ﷺ : «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ؛ فلا تقل: «لو أني فعلت كان كذا وكذا»، ولكن قل: «قدر الله وما شاء فعل»، فإن «لو» تفتح عمل الشيطان» (٢).
وكذلك أُمِر العبد بتوقِّي وقوع القدر المكروه قبل وقوعه ببذل الأسباب في دفعه بالدعاء؛ فإنه ينفع فيما نزل وما لم ينزل، وكذا بتعاطي الأسباب في دفع المضارِّ، كما جاء عن عمر لما خرج بمن معه من الصحابة يريد دخول الشأم، فأُخبِر بأن الوباء قد وقع بأرض الشأم، فأمر الناس بالرجوع، قال أبو
стр. 148
عبيدة بن الجرَّاح: «أفرارًا من قدر الله؟»، فقال عمر: «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله» (١).
فتبيَّن بطلان قول هؤلاء، خاصَّةً قولهم بالتسليم لما يُقدَّر على العبد من الذنوب؛ فإن العبد ما شُرِع له التسليم لذلك، بل شُرِع له التوبة والاستغفار والندم على الذنب والفرار من الذنب إلى التوبة والإنابة إلى الله، كما قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٤]. والأدلَّة في التوجيه لهذا كثيرةٌ من نصوص الكتاب والسنَّة. وكذلك في الإخبار عن الأنبياء والرسل والصالحين الذين بادروا بالتوبة والاستغفار ولم يقولوا بالتسليم للقدر والرضى بذلك على طريقة هؤلاء المتصوِّفة.
стр. 149
المبحث الرابع بيان النهي عن الاحتجاج بالقدر على المعاصي، وتوجيه محاجَّة آدم وموسى
لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، بل الحجَّة قائمةٌ على العباد بما جعل الله لهم من الإرادة والاختيار والقدرة على أعمالهم من خيرٍ وشرٍّ. وقد دلَّت على ذلك الأدلَّة، وصرَّح به الأئمَّة في تقرير معتقد أهل السنَّة.
وبيان ذلك من وجوهٍ:
أوَّلًا: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا
وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨، ١٤٩]. فقد أنكر الله على المشركين احتجاجهم بالقدر على شركهم، وبيَّن أنه من التكذيب الذي وافقوا فيه من قبلهم، وأنهم لم يستندوا فيه لعلمٍ صحيحٍ، بل هم متَّبعون فيه للظنِّ والتخرُّص، وأنه ليس لهم في ذلك حجَّةٌ، بل لله الحجَّة البالغة والحكمة التامَّة في هداية مَنْ هدى وإضلال مَنْ أضلَّ.
وفي معنى الآية السابقة قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠].
وهذه الآيات هي حجَّةٌ على بطلان مقالة المحتجِّين بالقدر من هذه الأمَّة، وأنهم متشبِّهون في هذا بالمشركين الذين بيَّن الله بطلان مقالتهم بأبلغ حجَّةٍ.
стр. 150
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فهؤلاء المحتجُّون بالقدر على سقوط الأمر والنهي من جنس المشركين المكذِّبين للرسل، وهم أسوأ حالًا من المجوس. وهؤلاء حجَّتهم داحضةٌ عند ربِّهم، وعليهم غضبٌ، ولهم عذابٌ شديدٌ» (١).
ثانيًا: قول الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. فأخبر الله أنه ليس للناس على الله حجَّةٌ بعد إرسال الرسل، ولو كان الاحتجاج بالقدر حجَّةً صحيحةً؛ لكان للمشركين وسائر الكفرة يوم القيامة حجَّةٌ على الله، ولم يعذِّبهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «ولو كان القدر حجَّةً لأحدٍ لم يعذِّب الله المكذِّبين للرسل، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمود والمؤتفكات وقوم فرعون، ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين» (٢).
ثالثًا: أن الاحتجاج بالقدر لو كان حجَّةً صحيحةً لأصحاب الذنوب ويمنع من العقوبة واللوم عليها؛ فهو حجَّةٌ أيضًا لمن عاقبهم ولامهم وذمَّهم على ذنوبهم. ويُذكَر أن رجلًا سرق، فقال لعمر: سرقتُ بقضاء الله وقدره، فقال له عمر: «وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره» (٣).
رابعًا: أنه يلزم مَنْ احتجَّ بالقدر على الذنوب ألَّا يلوم أحدًا على خطأ، ولا ينتصر من ظالمٍ ظَلَمَه، ولا يطالب بمعاقبة معتدٍ اعتدى عليه في نفسٍ أو مالٍ أو عرضٍ؛ لأن ذلك كلَّه بقضاء الله، فلا لوم ولا عقوبة على أحدٍ في شيءٍ من ذلك.
стр. 151
قال شيخ الإسلام ابن تيمية «ولا يحتجُّ أحدٌ بالقدر إلا إذا كان متَّبعًا لهواه بغير هدىً من الله، ومَن رأى القدر حجَّةً لأهل الذنوب يرفع عنهم الذمَّ والعقاب؛ فعليه أن لا يذمَّ أحدًا ولا يعاقبه إذا اعتدى عليه، بل يستوي عنده ما يوجِب اللذة وما يوجِب الألم، فلا يفرِّق بين مَنْ يفعل معه خيرًا وبين مَنْ يفعل معه شرًّا، وهذا ممتنعٌ طبعًا وعقلًا وشرعًا» (١).
خامسًا: أن الاحتجاج بالقدر إنما يكون على المصائب لا على المعايب، كما دلَّت على ذلك النصوص الصحيحة، و قرَّره الأئمَّة المحقِّقون.
ففي صحيح مسلمٍ من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ؛ فلا تقل: «لو أني فعلت كان كذا وكذا»، ولكن قل: «قدر الله وما شاء فعل»، فإن «لو» تفتح عمل الشيطان» (٢). فأرشد النبيُّ ﷺ إلى بذل السبب والحرص على الخير والنفع، فإذا أُصيب الإنسان بمصيبةٍ آمن بالقدر وسلَّم لأمر الله، وقال: (قدر الله وما شاء فعل).
وعلى هذا تُحمَل محاجَّة آدم وموسى، كما جاء في حديث أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «احتجَّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة، قال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخطَّ لك بيده، أتلومني على أمرٍ قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنةً؟
стр. 152
فحجَّ آدم موسى، فحجَّ آدم موسى» (١).
فهذه المحاجَّة بين آدم وموسى كانت على المصيبة التي لحقت الذرِّيَّة بإخراج آدم من الجنَّة، ولم تكن على ذنب آدم وخطيئته.
ويشهد لهذا عدَّة أمورٍ:
أ- أن موسى كان يحاجُّ في المصيبة التي لحقت الذرِّيَّة بإخراج آدم من الجنَّة، ولذا قال: «خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة»، ولو أراد الذنب لقال: (لِمَ أذنبت وعصيت؟).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «الصواب في قصَّة آدم وموسى: أن موسى لم يَلُمْ آدم إلا من جهة المصيبة التي أصابته وذرِّيَّتَه بما فعل، لا لأجل أنَّ تارك الأمر مذنبٌ عاصٍ، ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنَّة؟ لم يقل: لِمَ خالفت الأمر؟ ولماذا عصيت؟» (٢).
ب- أن موسى كان أعلم من أن يلوم أباه على ذنبٍ قد تاب منه، وموسى قد أذنب وتاب من ذنبه.
قال ابن أبي العزِّ الحنفيُّ: «وموسى ﵇ كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم ﵇ على ذنبٍ قد تاب منه وتاب الله عليه واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنَّة» (٣).
ج- أن آدم أعلم من أن يحتجَّ بالقدر على الذنب، وقد اعترف بذنبه واستغفر منه في مقام العتاب عليه من ربِّه، فكيف يحتجُّ به بعد ذلك في خطابه
стр. 153
لموسى. قال تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٢ - ٢٣].
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وآدم أعلم من أن يحتجَّ بالقدر على أن المذنب لا ملام عليه، فكيف وقد علم أن إبليس لعنه الله بسبب ذنبه، وهو أيضًا كان مقدَّرًا عليه، وآدم قد تاب من الذنب واستغفر. فلو كان الاحتجاج بالقدر نافعًا له عند ربه؛ لاحتجَّ ولم يتب ويستغفر» (١).
د- أن النبيَّ ﷺ أخبر أن آدم حجَّ موسى. ولو كانت المحاجَّة على الذنب لكانت الحجَّة لموسى؛ لتحريم الاحتجاج بالقدر على المعاصي -كما تقدَّم في الأدلَّة-، فدلَّ ذلك على أن المحاجَّة على المصيبة لا على الخطيئة.
стр. 154
المبحث الخامس
بيان النهي عن الخوض في القدر،
وحقيقة الخوض وحدّه
مما يدخل في جملة الإيمان بالقدر: الحذرُ من الخوض في القدر، وتركُ التعمُّق والبحث عما حجب الله عن الخلق علمه في هذا الباب؛ كالتنقيب عن سرِّ الله في القدر، ومعرفة حكمة الله في هداية مَنْ هدى وإضلال مَنْ أضلَّ، والوقوفُ عند حدود النصوص الشرعيَّة الواردة في بيان القدر، والتفقُّهُ فيها بمعرفة المشروع فيُمتثَل، والممنوع فيُجتنَب.
وقد دلَّت على ذلك الأدلَّة.
فعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «إذا ذُكِر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذُكِرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذُكِر القدر فأمسكوا» (١).
وعن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، وهم يختصمون في القدر، فكأنما يُفقَأ في وجهه حبُّ الرمَّان من الغضب، فقال: «بهذا أُمِرتم؟ -أو لهذا خلقتم؟ - تضربون القرآن بعضه ببعضٍ، بهذا هلكت الأمم قبلكم» (٢). وقد حذَّر الأئمَّة كذلك من الخوض في القدر، ونقلوا إجماع السلف على ذلك.
стр. 155
قال الإمام أحمد في أصول السنَّة: «وأن لا يخاصم أحدًا ولا يناظره، ولا يتعلَّم الجدال؛ فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروهٌ ومنهيٌّ عنه، لا يكون صاحبه -وإن أصاب بكلامه السنَّة- من أهل السنَّة حتى يدع الجدال ويؤمن بالآثار» (١).
وقال الإمام الطحاويُّ: «وأصل القدر سرُّ الله تعالى في خلقه، لم يطَّلع على ذلك ملكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ. والتعمُّق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلَّم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كلَّ الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسةً؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. فمن سأل: لم فعل؟ فقد ردَّ حكم الكتاب، ومَن ردَّ حكم الكتاب، كان من الكافرين» (٢).
وقال ابن بطة: «وقد كان سلفنا وأئمَّتنا -رحمة الله عليهم- يكرهون الكلام في القدر، وينهون عن خصومة أهله ومواضعتهم القول أشدَّ النهي، ويتَّبعون في ذلك السنَّة وآثار المصطفى ﷺ » (٣).
وقال ابن عبد البرِّ: «والقدر سرُّ الله، لا يُدرَك بجدال، ولا يشفي منه مقالٌ، والحجِاج مرتجةٌ (٤) مغلقةٌ، لا يفتح شيءٌ منها إلا بكسر شيءٍ، وقد تواترت الآثار
стр. 156
عن السلف الصالح بالنهي عن الجدال فيه والاستسلام له والإيمان به» (١).
وكلام الأئمَّة في ذلك كثيرٌ، مما يدلُّ على اشتهار ذلك عندهم، واستفاضته فيهم. فعلى المسلم الحريص على دينه أن يسلك طريقهم، ويرضى لنفسه ما ارتضوه لأنفسهم، وأن يسعه ما وسعهم.
ولكن لما كان (الخوض في القدر) لفظًا فيه إجمالٌ، فقد يدَّعي كلُّ متكلِّمٍ في القدر بباطلٍ أن كلامه في ذلك من باب العلم وليس من الخوض المحرَّم في شيءٍ؛ فلا بدَّ من ضبط ذلك ومعرفة الحدِّ الفاصل بين الكلام في القدر بحقٍّ -الذي هو داخل في العلم المرغَّب في طلبه وتحصيله-، وبين الخوض في القدر بالباطل -الواجبِ اجتنابُه والتحذيرُ منه-.
وحدُّ ذلك يحصل بمراعاة الفوارق بين الكلام في القدر بعلمٍ وبين الخوض المحرَّم من عدَّة اعتباراتٍ:
باعتبار النيَّة والقصد من الكلام، وباعتبار المتكلِّم، وباعتبار المتكلَّم فيه، وباعتبار طريقة الكلام.
وبيانها فيما يلي:
أوَّلًا: باعتبار النيَّة الباعثة على الكلام في القدر:
الكلام في القدر: كتابةً وتأليفًا، وإرشادًا وتعليمًا، ودعوةً وتوجيهًا؛ يختلف بحسب النيَّة والمقصد الباعثين عليه. فإن أُرِيد به بيان ما شرعه الله لعباده في باب القدر تحقيقًا لصحَّة الاعتقاد وتمام الانقياد لأمر الله بنوعيه الكونيِّ والشرعيِّ؛ فإنه مشروعٌ ممدوحٌ. والكلام فيه داخلٌ في عموم الكلام في مسائل
стр. 157
الشرع سواءً بسواءٍ.
وإن أُرِيد به غير ذلك من المقاصد السيِّئة والإرادات الباطلة؛ فهو محرَّمٌ مذمومٌ. ومن ذلك:
١ - الكلام في القدر للتلبيس والتشكيك في أصل الدين لصرف المسلمين عن دينهم.
كفعل الكفرة والزنادقة والملاحدة بما يلقونه على المسلمين من شبهٍ في باب القدر وغيره قديمًا وحديثًا. قال تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران: ٦٩]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]
٢ - الانتصار للبدع والمقالات الباطلة في باب القدر.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرقٍ: مجوسيَّةٍ، ومشركيَّةٍ، وإبليسيَّةٍ» (١).
ووجه خوضهم في القدر أن جميعهم تكلَّموا في القدر انتصارًا لمذاهبهم الباطلة في القدر، لا طلبًا للحقِّ، فما وافق أهواءهم من النصوص أخذوا به، وما خالفها ردُّوه وتأوَّلوه. وهم على ثلاث مسالك:
أ- المجوسيَّة: كان خوضهم في القدر انتصارًا لبدعتهم القائمة على التكذيب بالقدر.
ب- والمشركيَّة: كان خوضهم في القدر انتصارًا لبدعتهم القائمة على التكذيب بالشرع.
стр. 158
ج- والإبليسيَّة: كان خوضهم في القدر انتصارًا لبدعتهم القائمة على المعارضة بين القدر والشرع.
٣ - الكلام في القدر للجدال والخصومة والتعالم.
فإنه محرَّمٌ، وهو من أنواع الخوض في القدر بالباطل. قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥]، ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
٤ - الكلام في القدر بقصد الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي.
كما يحصل من بعض العصاة المعاندين. وهذا مما تأثروا فيه بالمشركين الذين أخبر الله عنهم في ذلك بقوله جلَّ وعلا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠].
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فمن احتجَّ على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثُر فيمن يدَّعي الحقيقة من المتصوِّفة» (١).
ثانيًا: باعتبار المتكلِّم:
فإن كان المتكلِّم في القدر عالمًا يتكلَّم بعلمٍ ويستند في كلامه للدليل؛ فكلامه من الكلام الممدوح. وقد دلَّت على ذلك الأدلَّة:
قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
стр. 159
وقال : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
وأخذ الله الميثاق على أهل العلم بالبيان وعدم كتمان العلم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
فخاطب الله العامَّة ومَن لا يعلم بسؤال أهل العلم، وأخذ الله الميثاق على أهل العلم بالبيان وعدم الكتمان. وقد جعل الله الأخذ عن أهل العلم عامًّا في كلِّ بابٍ من أبواب العلم، ولم يخصَّ من ذلك شيئًا دون شيءٍ، فتضمَّن أخذ العلم عنهم في باب القدر وغيره.
قال السعديُّ في تفسير آية النحل: «فإن الله أمر مَنْ لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث، وفي ضمنه تعديلٌ لأهل العلم وتزكيةٌ لهم؛ حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة» (١).
وأما إن كان المتكلِّم في القدر يخوض فيه بغير علمٍ ولا هدىً من الله، وهو جاهلٌ يستند فيما يقرِّر إلى شبهاتٍ عقليَّةٍ أو أهواءٍ نفسيَّةٍ أو أقيسةٍ منطقيةٍ أو أوهامٍ كلاميَّةٍ أو مناماتٍ صوفيَّةٍ أو غيرها من مسالك أهل الزيغ والضلال؛ فهذا غاية الضلال وعين الانحراف وبريد الإلحاد.
وقد دلَّت الأدلَّة على تحريم الكلام بغير علمٍ، وذمِّ أهله، وبيان زيغهم، وتحريم سماع شبههم، ودفعها عن النفس بكلِّ ما يمكن من الوسائل.
стр. 160
فمما جاء في النهي عن الكلام بغير علمٍ:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦].
ومما جاء في ذمِّ الخائضين في مسائل الدين بغير علمٍ:
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥].
ومما جاء في النهي عن سماع كلامهم والأمر بالإعراض عنه:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
وإذا كان هذا الوعيد جاء عامًّا شاملًا لكلِّ متكلِّمٍ في مسائل الشرع بغير حجَّةٍ ولا برهانٍ، فكيف بالكلام والخوض في باب القدر الذي تقدَّم وصفه في كلام الأئمَّة أنه (سرُّ الله تعالى في خلقه، لم يطَّلع على ذلك ملكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ، وأنه لا يُدرَك بجدال، ولا يشفي منه مقالٌ، والحِجاج فيه مرتجةٌ مغلقةٌ)، ووصفوا التعمُّق فيه بأنه (ذريعة الخذلان، وسلَّم الحرمان، ودرجة الطغيان). فهو أولى أن يُنهى عن الخوض فيه؛ إذ الخطأ فيه ليس كالخطأ في غيره. ولذا جاء التشديد في التحذير من الخوض فيه مالم يأت في بابٍ آخر من أبواب العلم، كما تقدَّم في الأدلَّة وكلام سلف الأمَّة.
стр. 161
ثالثًا: باعتبار موضوع الكلام:
موضوع الكلام مؤثِّرٌ في حكم الكلام ومدحه أو ذمِّه. ولذا كان من المسائل المشهورة في باب (الكلام) تفاضل الكلام باعتبار المتكلِّم، وباعتبار المتكلَّم فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «الكلام له نسبتان: نسبةٌ إلى المتكلِّم به، ونسبةٌ إلى المتكلَّم فيه، فهو يتفاضل باعتبار النسبتين» (١).
والكلام في القدر إذا كان فيما يمكن تحصيل علمه من المسائل، وما تضمَّنه خطاب الشارع -كمعرفة منزلة الإيمان بالقدر من الدين، ووجوبه على المسلمين، وتعلُّم مراتبه، ونوعي الإرادة، وأقسام الهداية، وغيرها من المسائل التي دلَّت عليها الأدلَّة-؛ فالكلام في هذا الباب من العلم المشروع المرغَّب في طلبه وتحصيله، بل هو داخلٌ في عموم التفقُّه في الدين المخاطب به عامَّة المسلمين بحسب درجة مشروعيَّته. فما تعلَّق منه بواجبٍ وجب تعلُّمه، وما تعلَّق منه بمستحبٍّ نُدِب إلى معرفته.
وإن كان الكلام فيما حُجِب علمه عن الخلق -كتكلُّف معرفة سرِّ الله في القدر، والبحث عن حكمة الله لم هدى فلانًا وأضلَّ فلانًا؟ وأعطى هذا ومنع هذا؟ -؛ فالكلام في هذا مذمومٌ. وهذا ما حذَّر منه السلف تحذيرًا صريحًا، ونهوا عن الخوض فيه، وشدَّدوا فيه أيَّما تشديدٍ:
فعن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، أنه سأله رجلٌ، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر؟ فقال: «طريقٌ مظلمٌ لا تسلكه»، فأعاد السؤال، فقال: «بحرٌ عميقٌ فلا تلجه»، فأعاد السؤال، فقال: «سرُّ الله في الأرض قد خفي عليك
стр. 162
فلا تفتشه» (١).
وعن ابن عمر، أنه سئل عن القدر، فقال: «شيءٌ أراد الله أن لا يطلعكم عليه، فلا تريدوا من الله ما أبى عليكم» (٢).
وعن أبي الخليل الضُّبَعِيِّ، قال: «كنا نتحدَّث عن القدر، فوقف علينا ابن عبَّاسٍ، فقال: إنكم قد أفضتم في أمرٍ لن تدركوا غوره» (٣).
وقال الطحاويُّ ﵀: «وأصل القدر سرُّ الله تعالى في خلقه، لم يطَّلع على ذلك ملكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ، والتعمُّق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلَّم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كلَّ الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسةً؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. فمن سأل: لم فعل؟ فقد ردَّ حكم الكتاب، ومَن ردَّ حكم الكتاب؛ كان من الكافرين» (٤).
رابعًا: باعتبار طريقة الكلام:
وذلك أن الكلام في القدر يُمدَح إذا كان من عالمٍ يجلس للناس ليبيِّن لهم ما شُرِع لهم في هذا الباب على وجه التعليم والتدريس والشرح والبيان، على وفق هدي النبيِّ ﷺ وسلف الأمَّة في تعليم الأمَّة وإرشادها.
وإن كان الكلام في القدر على طريقة الخصومات والجدل، والمعارضة بين النصوص؛ فإنه منهيٌّ عنه ومحرَّمٌ؛ لما تقدَّم من حديث عمرو بن شُعيبٍ،
стр. 163
عن أبيه، عن جدِّه، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، وهم يختصمون في القدر، فكأنما يُفقأ في وجهه حبُّ الرمَّان من الغضب، فقال: «بهذا أمرتم؟ -أو لهذا خلقتم؟ - تضربون القرآن بعضه ببعضٍ، بهذا هلكت الأمم قبلكم» (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فُقئ في وجنتيه الرمَّان، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أُرسِلت إليكم؟ إنما هلك مَنْ كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه» (٢).
وأخرج ابن بطَّة، عن ابن أبزى قال: «بلغ عمر أن ناسًا تكلَّموا في القدر، فقام خطيبًا، وقال: يا أيُّها الناس، إنما هلك مَنْ كان قبلكم في القدر، والذي نفسي بيده لا أسمع برجلين تكلَّما فيه إلا ضربت أعناقهما. قال: فأمسك الناس، حتى نبغت نابغةٌ أو نبغة الشام» (٣).
وبهذا التوجيه من النبي ﷺ والفاروق من بعده أخذ الصحابة ﵃، فلم يُعرَف بعدها أنهم تكلَّموا في القدر على الوجه المنهيِّ عنه، فعصمهم
الله بهذا من فتنة الخوض في القدر والإحداث فيه. وإنما وقع البلاء في الأمَّة والإحداث في القدر في أواخر عصر الصحابة ﵃، زمن خلافة عبد الملك ابن مروان (٤).
стр. 164
وكان أوَّل ما ظهرت مقالة القدريَّة في البصرة على يد معبد الجهنيِّ، فأنكرها مَنْ أدركها من الصحابة ﵃. فعصم الله باتِّباع السنَّة والاقتداء بالصحابة الكرام وسلف الأمَّة الأخيار أهلَ السنَّة من الخوض والابتداع في القدر، وتهالك فيه مَنْ حاد عن السنَّة من أهل والضلال والبدع.
وبهذا يتبيَّن الضابط الصحيح لما يُشرَع من الكلام في القدر مما يُنهى عنه من الخوض المحرَّم.
فلله الحمد والمنَّة على مزيد نعمه وسوابغ فضله وكرمه.
стр. 165
الفصل الرابع
في مسائل أخرى متعلِّقةٍ بالقدر
ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأوَّل: معتقد أهل السنة في الأسباب، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم.
المبحث الثاني: معتقد أهل السنة في مسألة التحسين والتقبيح، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم.
المبحث الثالث: بيان الحقِّ في مسألة: هل الإنسان مُسَيَّرٌ أو مُخَيَّرٌ؟
المبحث الرابع: بيان المراد ببدعة القدر التي رُمي بها بعض الأئمَّة، وحقيقة ذلك.
стр. 166
المبحث الأوَّل معتقد أهل السنة في الأسباب، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم
اختلف الناس في هذه المسألة على أربعة أقوالٍ:
القول الأول: (قول أهل السنَّة).
يثبتون الأسباب، ويقولون: إن قدرة العبد مع فعله لها تأثيرٌ كتأثير سائر الأسباب في مسبَّباتها، وليس لها تأثير الخلق والإبداع، والله تعالى خلق الأسباب والمسبَّبات. والأسباب ليست مستقلَّةً بالمسبَّبات؛ بل لا بدَّ لها من أسبابٍ تصحِّحها وأخرى تمانعها، والمُسَبَّبُ لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه ويدفع عنه جميع أضداده المعارضة له، والله هو المتفرِّد بخلقها وإيجادها أو إعدامها (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمَّة أهل السنَّة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر المخالفون للمعتزلة: إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثيرٌ كتأثير سائر الأسباب في مسبَّباتها؛ والله تعالى خلق الأسباب والمسبَّبات. والأسباب ليست مستقلَّةً بالمسبَّبات؛ بل لا بدَّ لها من أسبابٍ أخر تعاونها، ولها مع ذلك أضدادٌ تمانعها، والمسبَّب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته، كما يخلق سائر المخلوقات. فقدرة العبد سببٌ من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بدَّ من
стр. 167
الإرادة الجازمة مع القدرة. وإذا أُرِيد بالقدرة القوَّة القائمة بالإنسان؛ فلا بدَّ من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك، والصادِّ عن السبيل كالعدوِّ وغيره» (١).
وقال ﵀: «يُقال: هل قدرة العبد المخلوقة مؤثِّرةٌ في وجود فعله؟ .. فنقول: التأثير اسم مشتركٌ، قد يُراد بالتأثير الانفراد بالابتداع والتوحُّد بالاختراع. فإن أُرِيد بتأثير قدرة العبد هذه القدرة؛ فحاشا لله، لم يقله سنِّيٌّ، وإنما هو المعزوُّ إلى أهل الضلال.
وإن أُرِيد بالتأثير نوع معاونةٍ -إما في صفةٍ من صفات الفعل، أو في وجهٍ من وجوهه، كما قاله كثيرٌ من متكلِّمي أهل الإثبات-؛ فهو أيضًا باطلٌ بما به بطل التأثير في ذات الفعل؛ إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير الله سبحانه في ذرَّةٍ أو فيلٍ، وهل هو إلا شركٌ دون شركٍ؟ وإن كان قائل هذه المقالة ما نحا إلا نحو الحقِّ. وإن أُرِيد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسُّط القدرة المحدَثة، بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سببٌ وواسطةٌ في خلق الله الفعلَ بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء، وكما خلق الغيث بالسحاب، وكما خلق جميع المسبَّبات والمخلوقات بوسائط وأسبابٍ؛ فهذا حقٌّ» (٢).
وقال ﵀: «فينبغي أن يُعرَف في الأسباب ثلاثة أمورٍ:
أحدها: أن السبب المعيَّن لا يستقلُّ بالمطلوب، بل لا بدَّ معه من أسبابٍ أخر، ومع هذا فلها موانع.
стр. 168
الثاني: لا يجوز أن يُعتقَد أن الشيء سببٌ إلا بعلمٍ. فمن أثبت سببًا بلا علمٍ أو بخلاف الشرع كان مبطلًا، كمن يظنُّ أن النذر سببٌ في رفع البلاء.
الثالث: أن الأعمال الدينيَّة لا يجوز أن يُتَّخذ شيءٌ منها سببًا للدنيا إلا أن تكون مشروعةً؛ فإن العبادة مبناها على الإذن من الشارع، فلا يجوز أن يُشرِك بالله فيدعو غيره، وإن ظنَّ أن ذلك سببٌ في حصول بعض أغراضه، وكذلك لا يعبد الله بالبدع، وإن ظنَّ في ذلك ثوابًا» (١).
القول الثاني: (قول الجهميَّة والأشاعرة وطائفةٍ من الفقهاء والصوفيَّة).
أنكروا الأسباب، وزعموا أنه ليس للأسباب تأثيرٌ على المسبَّبات، وبالغوا في ذلك حتى أنكروا الأسباب المحسوسة، فقالوا: ليس للنار أثرٌ في الإحراق، ولا للخبز أثرٌ في الإشباع، ولا للماء أثرٌ في الرِّيِّ. وقالوا: إن الله يفعل عندها لا بها؛ فيقولون: إن الله لا يُحرِق بالنار، وإنما يخلق الإحراق عند اشتعال النار، ولا يُشبِع بالخبز، وإنما يخلق الإشباع عند أكل الخبز، ولا يُروِي بالماء، وإنما يخلق الرِّيَّ عند شرب الماء (٢).
وهؤلاء كما أنكروا الأسباب الكونيَّة؛ فقد أنكروا أيضًا الأسباب الشرعيَّة التي جعلها الله سببًا للثواب والعقاب.
وهذا بناءً على أصلهم في إنكار (الحكمة والتعليل في أفعاله سبحانه)، وأن الله تعالى (لا يفعل لحكمةٍ)، فلا يخلق شيئًا لشيءٍ، و (لا يخلق بسببٍ)، فلا يُوجِد شيئًا بشيءٍ (٣).
стр. 169
وأوَّل مَنْ أظهر ذلك في الإسلام الجهم بن صفوان الذي أجمعت الأمَّة على ضلالته فإنه أوَّل مَنْ أنكر الأسباب والطبائع، كما أنه أوَّل مَنْ ظهر عنه القول بنفي الصفات، وأوَّل مَنْ قال بخلق كلام الله وإنكار رؤيته في الآخرة (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في بيان معتقدهم في إنكار الأسباب بالكلِّيَّة: «ومن الناس مَنْ ينكر القوى والطبائع -كما هو قول أبي الحسن، ومَن اتَّبعه من أصحاب مالكٍ والشافعيِّ وأحمد وغيرهم-. وهؤلاء المنكرون للقوى والطبائع ينكرون الأسباب أيضًا، ويقولون: إن الله يفعل عندها لا بها؛ فيقولون: إن الله لا يُشبِع بالخبز، ولا يُروِي بالماء، ولا يُنبِت الزرع بالماء، بل يفعل عنده لا به. وهؤلاء خالفوا الكتاب والسنَّة وإجماع السلف، مع مخالفة صريح العقل والحسِّ» (٢).
وقال الإمام ابن القيِّم في هذا المعنى: «وهؤلاء الجهميَّة ومَن قال بقولهم يقولون ما يخالف صريح المعقول من وجود مفعولٍ بلا فعلٍ، ومخلوقٍ بلا خلقٍ … وهؤلاء منكرو الأسباب يزعمون أنه لا حرارة في النار تحرق بها، ولا رطوبة في الماء يروي بها، وليس في الأجسام أصلًا لا قوىً ولا طبائع، ولا في العالم شيءٌ يكون سببًا لشيءٍ آخر البتَّة. وإن لم تكن هذه الأمور جحدًا للضروريَّات؛ فليس في العالم مَنْ جحد الضروريَّات» (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في بيان قولهم في إنكار الأسباب الشرعيَّة: «قد ظنَّ طائفةٌ ممن تكلَّم في أعمال القلوب أن التوكُّل لا يحصل به جلب
стр. 170
منفعةٍ ولا دفع مضرَّةٍ، بل ما كان مقدَّرًا بدون التوكُّل فهو مقدَّرٌ مع التوكُّل، ولكن التوكُّل عبادةٌ يُثاب عليها من جنس الرضى بالقضاء … ويقولون ذلك في جميع العبادات. وهذا قول مَنْ ينفي الأسباب في الخلق والأمر، ويقول: إن الله يفعل عندها لا بها. وهو قول طائفةٍ من متكلِّمي أهل الإثبات للقدر
- كالأشعريِّ وغيره-، وهو قول طائفةٍ من الفقهاء الصوفيَّة» (١).
وقال ابن القيِّم: «وصرَّح هؤلاء أن التوكُّل والدعاء عبوديَّةٌ محضةٌ، لا فائدة لهما إلا ذلك، ولو ترك العبد التوكُّل والدعاء ما فاته شيءٌ مما قُدِّر له. ومن غلاتهم مَنْ يجعل الدعاء بعدم المؤاخذة على الخطإ والنسيان عديم الفائدة؛ إذ هو مضمون الحصول» (٢).
الرد عليهم:
كلامهم هذا باطل مردود بالأدلة من الكتاب والسنَّة وإجماع علماء الأمَّة، بل بطلانه معلومٌ بالعقل والفطر السليمة والواقع.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «ومَن قال: إن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله تعالى بها المخلوقات ليست أسبابًا، أو أن وجودها كعدمها، وليس هناك إلا مجرَّد اقترانٍ عاديٍّ كاقتران الدليل بالمدلول؛ فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل، ولم يجعل في العين قوَّةً تمتاز بها عن الخدِّ تبصر بها، ولا في القلب قوَّةً يمتاز بها عن الرِّجل يعقل بها، ولا في النار قوَّةً تمتاز بها عن التراب تحرق بها. وهؤلاء ينكرون ما في الأجسام المطبوعة من الطبائع والغرائز. قال بعض الفضلاء: تكلَّم قومٌ من الناس في
стр. 171
إبطال الأسباب والقوى والطبائع؛ فأضحكوا العقلاء على عقولهم. ثم إن هؤلاء يقولون: لا ينبغي للإنسان أن يقول إنه شبع بالخبز، ورَوِي بالماء، بل يقول: شبعت عنده، ورَوِيت عنده؛ فإن الله يخلق الشِّبَع والرِّيَّ ونحو ذلك من الحوادث عند هذه المقترنات بها عادةً لا بها. وهذا خلاف الكتاب والسنَّة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية [الأعراف: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، وقال: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢]، وقال ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] … ».
إلى أن قال ﵀ بعده ذكره جملةً من نصوص الكتاب والسنَّة: «ومثل هذا كثير، ونظير هؤلاء الذين أبطلوا الأسباب المقدَّرة في خلق الله: مَنْ أبطل الأسباب المشروعة في أمر الله؛ كالذين يظنُّون أن ما يحصل بالدعاء والأعمال الصالحة وغير ذلك من الخيرات إن كان مقدَّرًا حصل بدون ذلك، وإن لم يكن مقدَّرًا لم يحصل بذلك» (١).
وقال في موطنٍ آخر: «والناس يعلمون بحسِّهم وعقلهم أن بعض الأشياء سببٌ لبعضٍ، كما يعلمون أن الشِّبَع يحصل بالأكل لا بالعدِّ، ويحصل بأكل الطعام لا بأكل الحصى، وأن الماء سببٌ لحياة النبات والحيوان، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وأن الحيوان يروى بشرب الماء
стр. 172
لا بالمشي، ومثل ذلك كثيرٌ» (١).
القول الثالث: (قول الفلاسفة).
غلوا في عامة الأسباب والقوى والطبائع وجعلوها مؤثرة بنفسها وهؤلاء يزعمون: أن أصول العالم أربعة: الحرارة، والبرودة، والرطوبة واليبوسة، وسائر الحوادث كلها تتولد من هذه الأصول، وقالوا بقدم هذه الأربعة، وقدم الأفلاك والكواكب، ويجعلونها هي المبدعة لما سواها، وقد اتخذوها أربابًا وآلهة يتوجهون إليها بالدعاء والطلب وقضاء الحاجات، وهؤلاء أعظم الناس كفرًا وشركًا وإلحادًا (٢).
قال العمراني ﵀: «أصحاب الطبائع يقولون: أصول العالم أربعة: الحرارة، والبرودة، والرطوبة واليبوسة، وسائر الحوادث كلها تتولد من هذه الأصول» (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولهذا كانت الفلاسفة الذين يقولون بصدور العقول والنفوس عنه على وجه التولد والتعليل؛ يجعلونها له أندادًا ويتخذونها آلهة وأربابًا، بل قد لا يعبدون إلا إياها ولا يدعون سواها، ويجعلونها هي المبدعة لما سواها مما تحتها» (٤).
الرد عليهم:
بطلان قول الفلاسفة وضلالهم مما لا يتكلف في رده، وهو الغاية في الشرك
стр. 173
في الربوبية، وفي تعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله، ونسبة ذلك لغيره من الطبائع والأفلاك والتوجه إليها بالعبادة والطلب.
وكل الأدلة الشرعية في تقرير أنواع التوحيد متضمنة الرد عليهم وإبطال معتقدهم، بل الفطرة والعقل والآيات الكونية شاهدة بتفرد الله بالخلق وتدبير شؤون المخلوقات، ولولا ذلك لفسد نظام العالم كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢].
القول الرابع: (قول المعتزلة).
غلوا في الأسباب من أفعال الحيوان وقالوا: إن كل ما تولد عن فعل العبد فهو فعله لا يضاف إلى غيره كالشبع والري وزهوق الروح ونحو ذلك، وقالوا: إن العبد بفعله للسبب مستقلٌّ بإيجاده وإحداثه، ولذا أنكروا خلق الله لأفعال العباد ولم يقولوا بذلك في سائر القوى والطبائع، بل يقرون بخلق الله لها وإيجادها خلافًا للفلاسفة (١).
قال أبو الحسن الأشعريُّ: «اختلفوا في السبب؛ هل هو موجِبٌ للمسبَّب أم لا؟ على مقالتين:
فقال أكثر المعتزلة المثبتين للتولُّد: الأسباب موجِبة لمسبَّباتها.
وقال الجُبَّائيُّ: السبب لا يجوز أن يكون موجِبًا للمسبَّب، وليس الموجِب للشيء إلا مَنْ فعله وأوجده» (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ثم القدريَّة من هؤلاء يثبتون التأثير لأفعال
стр. 174
الحيوان، ولا يثبتون تأثيرًا لغير ذلك» (١).
وقال ﵀: «ولهذا أضاف مَنْ أضاف من القدريَّة المعتزلة وغيرهم الغلاء والرخص إلى بعض الناس، وبنوا على ذلك أصولًا فاسدةً: أحدها: أن أفعال العباد ليست مخلوقةً لله تعالى.
والثاني: أن ما يكون فعلُ العبد سببًا له يكون العبد هو الذي أحدثه.
والثالث: أن الغلاء والرخص إنما يكون بهذا السبب.
وهذه الأصول باطلةٌ؛ فإنه قد ثبت أن الله خالق كلِّ شيءٍ من أفعال العباد وغيرها؛ ودلَّت على ذلك الدلائل الكثيرة السمعيَّة والعقليَّة، وهذا متَّفقٌ عليه بين سلف الأمَّة وأئمَّتها» (٢).
الرد عليهم:
قول المعتزلة في المبالغة في الأسباب من أفعال الحيوان وتأثيرها باطل، وقد ضلُّوا في زعمهم أن العبد مستقلٌّ بفعله، وأن الله لم يخلق أفعال العباد، وإن كان قولهم دون قول الفلاسفة في الضلال.
ومقالة هؤلاء المغالين في الأسباب من الفلاسفة والمعتزلة هي مقابل مقالة الجهميَّة الجبريَّة، فكما عطَّل أولئك الأسباب وأبطلوا تأثيرها بالكلِّيَّة؛ غلا هؤلاء في إثبات الأسباب، وبالغوا في إثبات تأثيرها حتى زعموا أنها مستقلَّةٌ بالإيجاد على تفاوت بينهم في ذلك كما تقدم.
والصحيح أن هذه الأسباب ليست مؤثِّرةً بنفسها، بل بقدرة الله وتقديره ومشيئته. وقد ثبت أن النبيَّ ﷺ كان يقول في دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: «لا إله إلا
стр. 175
الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، اللهمَّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ» (١).
فدلَّ الحديث على تفرُّد الخالق بالعطاء والمنع، مع أن الناس موصوفون بالمنع والعطاء، كما جاء في الحديث عن النبيِّ ﷺ : «مَنْ أعطى لله تعالى، ومنع لله تعالى، وأحبَّ لله تعالى، وأبغض لله تعالى، وأنكح لله تعالى؛ فقد استكمل إيمانه» (٢).
فالناس يُضاف إليهم المنع والعطاء باعتبار الفعل وبذل السبب، ولا يكون هذا العطاء والمنع ماضيين إلا بإذن الله ومشيئته، وهذا في معنى قول النبيِّ ﷺ في وصيَّته لابن عبَّاسٍ: «واعلم أن الأمَّة لو اجتمعوا على أن ينفعوك؛ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك؛ لم يضرُّوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك» (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في الردِّ عليهم: «فليس في الدنيا والآخرة شيءٌ إلا بسببٍ، والله خالق الأسباب والمسبَّبات، ولهذا قال بعضهم: (الالتفات إلى الأسباب؛ شركٌ في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا؛ نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلِّيَّة؛ قدحٌ في الشرع).
ومجرَّد الأسباب لا يوجِب حصول المسبَّب؛ فإن المطر إذا نزل، وبُذِر الحبُّ؛ لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بدَّ من ريحٍ مربِّيةٍ بإذن الله،
стр. 176
ولا بدَّ من صرف الانتفاء عنه؛ فلا بدَّ من تمام الشروط وزوال الموانع، وكلُّ ذلك بقضاء الله وقدره … وكذلك أمر الآخرة؛ ليس بمجرَّد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هي سببٌ، ولهذا قال النبيُّ ﷺ : «إنه لن يدخل أحدكم الجنَّة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ» (١)، وقد قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فهذه باء السبب، أي: بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبيُّ ﷺ باء المقابلة، كما يُقال: اشتريت هذا بهذا، أي: ليس العمل عوضًا وثمنًا كافيًا في دخول الجنَّة، بل لا بدَّ من عفو الله» (٢).
стр. 177
المبحث الثاني معتقد أهل السنة في مسألة التحسين والتقبيح، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم
الحُسْنُ والقُبْحُ يُطلقان على معنيين:
الأوَّل: الحسن والقبح باعتبار الملاءمة والمنافرة، فما هو ملائم للإنسان نافع تحصل له به اللذة فهو حسن، وما هو مضاد له ضار له يحصل به الألم فهو قبيح (١).
وهذا النوع متَّفقٌ عليه بين العقلاء وعموم المسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا الفرق معلوم بالحس، والعقل والشرع مجمع عليه بين الأولين والآخرين؛ بل هو معلوم عند البهائم … والعقلاء متفقون على أن كون بعض الأفعال ملائما للإنسان وبعضها منافيا له إذا قيل: هذا حسن وهذا قبيح. فهذا الحسن والقبح مما يعلم بالعقل باتفاق العقلاء» (٢).
الثاني: الحسن والقبح باعتبار المدح والذم والثواب والعقاب، فما حصل به المدح والثواب فهو حسن، وما حصل به الذم والعقاب فهو سيئ (٣). وهذا النوع محلُّ نزاعٍ كبيرٍ بين طوائف الأمَّة، واختلافهم فيه يرجع إلى ثلاثة أقوالٍ مشهورةٍ (٤):
стр. 178
القول الأول: (قول أهل السنة).
قالوا بالتفصيل، فقالوا: إن العقل يُدرِك الحسن والقبح في بعض الأمور دون بعضٍ، وأن التحسين والتقبيح في الأفعال عقليَّان وشرعيَّان؛ فمن الأفعال ما هي متَّصفةٌ بصفات الحسن والقبح وتقتضي الحمد والذمَّ قبل ورود الشرع (١)، كإدراك العقول لحسن العدل ومدح فاعله، وإدراكها لقبح الظلم وذمِّ فاعله. ومنها ما لا يُدرَك حسنه وقبحه إلا بورود الشرع، كحسن قسمة الميراث بحسب ورود الشرع، وقبح الجمع بين خمس زوجاتٍ دون أربعٍ؛ فإن هذا لا يُعرَف إلا بالشرع. وسيأتي لهذا مزيد تقريرٍ لاحقًا.
وأما الثواب والعقاب؛ فهما شرعيَّان يتوقَّفان على أمر الشارع ونهيه، ولا يجبان بالعقل. والله ﵎ لا يعاقب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة، كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله : ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] (٢).
وقد وضَّح شيخ الإسلام ابن تيميَّة وتلميذه ابن القيِّم هذه المسألة، وبيَّنا ما يُعرَف حسنه وقبحه من الأفعال بالعقل والشرع، أو بالشرع وحده، وأن الأفعال بهذا الاعتبار على ثلاثة أنواعٍ (٣):
النوع الأوَّل: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحةٍ أو مفسدةٍ تُعرَف بالعقل قبل ورود الشرع بها، كما يُعلَم أن العدل مشتملٌ على مصلحة العالم، والظلم مشتملٌ على فسادهم. فهذا النوع يُعلَم حسنه وقبحه بالعقل والشرع، وأما ترتُّب
стр. 179
الثواب والعقاب؛ فهذا مما لا يُعلَم إلا بالشرع فحسب.
النوع الثاني: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحةٍ لا تُعرَف إلا بالشرع، فإذا أمر به الشارع صار حسنًا، وأن يكون الفعل مشتملًا على مفسدةٍ لا تُعرَف إلا بالشرع، فإذا نهى عنه الشارع صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.
كحسن قسمة الميراث بحسب ورود الشرع، فلا يُعرَف إلا بالشرع. قال تعالى في آخر آية الميراث من سورة النساء: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١].
قال السمعانيُّ: «أي: لا تعلمون أيُّهم أنفع لكم في الدين والدنيا. فمنهم مَنْ يظنُّ أن الآباء تنفع؛ فتكون الأبناء أنفع، ومنهم مَنْ يظنُّ أن الأبناء أنفع؛ فتكون الأباء أنفع، وأنتم لا تعلمون، وأنا أعلم بمن هو أنفع لكم، وقد دبَّرت أمركم على ما فيه الحكمة والمصلحة، فخذوه واتَّبعوه» (١).
وقال ابن عادل النعماني: «لما ذكر أنصباء الأولاد، وأنصباء الأبوين، وكانت العقول لا تدرك معاني تلك التقديرات، فربَّما خطر ببال الإنسان أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع له وأصلح، لا سيَّما وقد كانت قسمة المواريث عند العرب على غير هذا الوجه، فأزال الله تعالى هذه الشبهة بأن قال: إن عقولكم لا تحيط بمصالحكم، فربَّما اعتقدتم في شيءٍ أنه صالحٌ لكم، وهو عين المضرَّة، وربَّما اعتقدتم في شيءٍ أنه مضرَّةٌ، ويكون عين المصلحة، وأما الإله الرحيم فهو يعلم مغيَّبات الأمور وعواقبها، وكأنه قال: اتركوا تقديرات المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم وانقادوا للمقادير التي قدَّرها
стр. 180
الله تعالى عليكم» (١).
وكقبح الجمع بين خمس زوجاتٍ دون أربع؛ فإن هذا لو عُرِض على العقول لاختلفت فيه اختلافًا عظيمًا؛ فمن العقول ما لا تستقبح الجمع بين عددٍ كبيرٍ من النساء كعشرةٍ أو أكثر، ومن العقول ما قد تستقبح الجمع بين زوجتين فأكثر، ومنها ما قد تستقبح ثلاثًا دون اثنتين، أو أربعًا دون ثلاثٍ، أو خمسًا دون أربعٍ، وهذا هو الصواب الذي دلَّ عليه الشرع، ولولا الشرع ما عُرِف أنه الصواب والحكمة، وما عداه باطلٌ مخالفٌ للحكمة، لكن ليس كلُّ العقول تدركه؛ فإن الجمع بين أكثر من أربعٍ مظنَّة التقصير في الحقوق إما لعجزٍ أو حيفٍ، فمنع الشارع من الزيادة على الأربع سدًّا للذريعة المفضية لذلك، ولهذا لما أُمِن ذلك في حقِّ النبيِّ ﷺ أباح الله له الجمع بين أكثر من أربعٍ، ولما كان بعض الرجال يضعف عن التعدُّد ولو كانتا اثنتين مُنِع من ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣].
النوع الثالث: أن يكون الفعل مشتملًا على مفسدةٍ تُعرَف بالعقل، فيأمر به الشارع، ولا يكون المراد الفعل، وإنما يُراد منه الامتحان؛ هل يطيع العبد أم يعصي؟! ثم يُنسَخ الفعل لقبحه.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وإذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة؛ فقد يأمر بما ليس بحسن في نفسه وينسخ» (٢).
ومثال ذلك: أمر إبراهيم بذبح ابنه كان للامتحان؛ فإن ذبح الابن قبيحٌ، وقد دلَّ على قبحه تحريم الله له، ووصفه لفاعله بالخسران والسفه، كما في