← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1259

تجريد الاتباع في بيان أسباب تفاضل الأعمال

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (211 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عرفة، وعاشوراء، والأيام البيض من كل شهر، والاثنين والخميس من كل أسبوع، وصيام ستة أيام من شوال، كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ (١) وكذلك صيام محرم وقد ثبت أن صيامه أفضل الصيام بعد رمضان، لما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم … ». (٢) قال ابن رجب ﵀: «وهذا الحديث صريح، في أن أفضل ما تُطُوِعَ به من الصيام بعد رمضان، صوم شهر الله المحرم، وقد يحتمل أن يراد أنه أفضل شهر تطوع بصيامه كاملا، بعد رمضان، فأما بعض التطوع ببعض الشهر، فقد يكون أفضل من بعض أيامه، كصيام يوم عرفة، أو عشر ذي الحجة، أو ستة أيام من شوال ونحو ذلك». (٣) ومما رغب فيه من الأعمال أيضاً في بعض الأوقات العمرة في رمضان لما أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لأم سنان الأنصاري: «عمرة في رمضان تقضي حجة معي». (٤) وفي رواية: «تعدل حجة». (٥) فالتقرب إلى الله بهذه الأعمال في أوقاتها الفاضلة أفضل من التقرب بها في غيرها من الأوقات، وإن كان المتقرب بها في غير أوقاتها الفاضلة مأجور على عمله، لم يخرج عن السنة، لأن هذه العبادات مطلقة، بخلاف القسم الأول فإن العبادات فيه مقيدة بأوقات مخصوصة لا تخرج عن وقتها إلا لعذر، فتؤدى على سبيل القضاء، كقضاء صلاة الليل والوتر في النهار، لمن عرض له عارض في الليل من نوم أو مرض، فينبغي التنبه لهذا الفرق بين القسمين.

стр. 72

ثم هاهنا مسألة متعلقة بهذا القسم، وهي: هل الأفضل في هذه الأوقات، الاشتغال بهذه الأعمال واستغراق الوقت فيها، وتقديمها على غيرها من الأعمال الأخرى التي قد تكون أفضل منها باعتبار الجنس؟ أما أن الأفضل هو الاشتغال بما هو أفضل منها باعتبار الجنس؟. الذي يظهر أن الأعمال المذكورة وأوقاتها المرغب فيها ليست على باب واحد بل تتنزل على عدة صور: الصورة الأولى: أن لا يتعارض العمل المرغب فيه، ولا يضيق وقته الفاضل عن عمل آخر: مثل الصيام فإنه لا يتعارض مع عمل آخر من صلاة، وقراءة، وذكر، وغيرها من أعمال البر، ولا يضيق وقته وهو مدة النهار، عن الجمع بين تلك الأعمال. ومثل العمرة في رمضان، فإنه يمكن الجمع بين تأديتها وبين أعمال البر الأخرى من قراءة وذكر وأمر بمعروف ونهي عن منكر، كما أن وقتها الفاضل وهو طوال شهر رمضان لا يضيق عن التقرب إلى الله بغيرها من أعمال البر. وفي مثل هذه الصورة لا شك أن الجمع بين هذه الأعمال أفضل من الاقتصار على العمل الفاضل في هذا الوقت، بل جاء الترغيب في ذلك من النبي ﷺ : ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة». (١) وهذا في حق من استطاع الجمع بين هذه الأعمال، أما من عجز عن ذلك ولم

стр. 73

يقدر إلا على بعضها أو أحدها، فحكمه حكم من تعارض عنده العملان، على ما سيأتي بيانه في الصورة الثانية: الصورة الثانية: أن يتعارض العمل المرغب فيه، ويضيق وقته عن عمل آخر، مثل الذكر طرفي النهار، وعلى وجه الخصوص ما رُغب فيه قبل الشروق والغروب، فإن الذكر يتعارض مع أعمال اللسان الأخرى كقراءة، ودعاء، وتعليم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر باللسان، كما أن الانشغال بغيره من أعمال الجوارح، من اتباع جنازة، وعيادة مريض، وقضاء حوائج المسلمين مظنة النقص من كماله لانشغال القلب بغيره، وإن كان اللسان ذاكراً. وكذا الدعاء في ساعة الجمعة، خصوصاً عند من يرى أنها ما بين جلوس الإمام على المنبر حتى ينصرف، فالقول فيها وفي وقتها، كالقول في الذكر ووقته بل إن وقتها أضيق كما لا يخفى. ففي مثل هذه الصورة لابد من الترجيح بين الأعمال، والاشتغال بما هو أفضل. ثم ينظر هل يقدم العمل المرغب فيه في هذا الوقت، كالذكر، والدعاء، أم يقدم الأفضل باعتبار الجنس كالقراءة مثلاً؟. قال الحافظ ابن رجب: «من أصحابنا من رجح التلاوة على التسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر، وسئل الأوزاعي عن ذلك فقال كان هديهم ذكر الله فإن قرأ فحسن، وظاهر هذا أن الذكر في هذا الوقت أفضل من التلاوة، وكذا قال إسحاق في التسبيح عقيب المكتوبات مائة مرة إنه أفضل من التلاوة حينئذ». (١) قلت: وهذا هو الظاهر من السنة، فإن المنقول عن النبي ﷺ من الأذكار في طرفي النهار، مما كان يقوله ويرغب فيه شيء كثير، وهذا بلا شك يستغرق وقتاً من أول النهار وآخره، والانشغال بالقراءة أو غيرها يقطع عنه.

стр. 74

وبهذا يظهر أن الاشتغال بوظائف الأوقات مقدم على غيره، وإن كان الغير أفضل باعتبار الجنس. الصورة الثالثة: أن يتعارض العمل المرغب فيه مع عمل آخر، ولا يضيق وقته الفاضل عن غيره، مثل الصلاة فإنها تتعارض مع غيرها من الأعمال، فلا يمكن الجمع بينها وبين عمل آخر في وقت واحد، وإن كان الوقت الفاضل لأدائها، وهو الليل لا يضيق عن غيرها، بل يبقى متسع من الوقت في التقرب إلى الله بغيرها من قراءة، وذكر، واستغفار، وتعلم، وتعليم، وقضاء حوائج المسلمين. وهذه الصورة تأخذ حكم الصورة الأولى، في أن الأفضل هو الاشتغال بما أمكن من أعمال الطاعات مع تأدية العمل المفضل في هذا الوقت، ما دام الجمع ممكناً. وهذا هو الموافق لهدي النبي ﷺ إن شاء الله فقد كان يقوم من الليل ما شاء. ولربما عاد أهل البقيع، واستغفر لهم في بعض الليالي، كما في حديث عائشة وقصة خروجه من بيتها ليلاً، وفي رواية: أنه يفعل ذلك في كل ليلة يبيت عندها (١)، كما أنه كان أحياناً يسمر مع أبي بكر وعمر في بعض أمور المسلمين. (٢) وبهذا العرض المفصل يظهر فضل إيقاع العبادات في أوقاتها الفاضلة، على ما تم أداؤه في غيرها من الأوقات الأخرى، وبمراعاة هذا الجانب مع الجانبين السابقين وهما: المحافظة على السنن والمستحبات المشروعة في العمل، وتنزيه العمل في العبادات من الذنوب والمعاصي تتحقق المتابعة في كمال العمل. ومن خلال هذا كله تتبين حقيقة المتابعة الخاصة بدرجتيها: - درجة المتابعة الواجبة المؤثر في قبول العمل.

стр. 75

- ودرجة المتابعة الكاملة المستحبة المؤثرة في كمال العمل وفضله. على ما تم عرضه وبيانه من خلال النصوص وكلام أهل العلم في ذلك. وأما المتابعة العامة: فهي المتابعة الكاملة لهدي النبي ﷺ العام في كل أحواله، وبابها واسع جداً يصعب في هذا المقام حصره، وحقيقتها امتثال الشرع كله، ولا سبيل لتحقيقها إلا بكمال الفقه في الدين، وقوة العزيمة على العمل، مع توفيق الله للعبد وإعانته، وليس لمثلي من أهل التفريط والنقص، الحديث عن هذه الدرجة العالية الرفيعة، لولا أن البحث قادني إليها، ولذا فإني أذكر الأصول العامة التي عليها مدار هذه الدرجة بحسب ما وقفت عليه من النصوص، وكلام أهل العلم فيها، وأما تفاصيل جزئياتها: فالمرجع فيه العلماء العاملون، والفقهاء الراسخون، والعباد المثابرون الذين ذاقوا حلاوتها، ونقلهم الله إلى أعتاب مرتبتها. فأقول مستعيناً بالله إن مدار هذه الدرجة على عدة أصول: الأصل الأول: المتابعة للنبي ﷺ في الشمول في العبادة، بحيث لا يشتغل بنوع دون آخر، بل يجمع بين كل أنواع العبادات، ويضرب بسهم مع كل طائفة من أصحاب الطاعات. وجماع ذلك التقرب إلى الله تعالى بكل شعب الإيمان القلبية، والعملية، والقولية، وهي بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. (١) قال ابن القيم ﵀ في وصف حال المتعبدين التعبد المطلق: «وصاحب

стр. 76

التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت، فمدار تعبده عليها، فهو لا يزال متنقلاً في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة، عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبه في السير، حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين رأيته معهم، وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله رأيته معهم، فهذا هو العبد المطلق … ». (١) وقد ثبت في فضل التقرب إلى الله بجمع من أنواع البر، أنهم يدعون من أبواب الجنة كلها، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أنفق زوجين من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان. فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟ وقال: هل يدعى منها كلها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر». (٢) والأصل الثاني: المتابعة للنبي ﷺ في المداومة على العمل قدر الطاقة. فعن عائشة ﵂ أنها سئلت: كيف كان عمل النبي ﷺ ، وهل كان يخص شيئاً من الأيام؟ قالت: «كان عمله ديمة. وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع». (٣)

стр. 77

وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» (١) وسيأتي بسط الحديث في هذا الباب وبيان حدوده وأثره في التفاضل في العمل، في الفصل القادم إن شاء الله، (٢) وإنما القصد هنا التنبيه على أن المداومة على العمل من هدي النبي ﷺ الذي تتحقق به كمال المتابعة له في العمل. الأصل الثالث: المتابعة للنبي ﷺ في العمل على وجه السداد والاقتصاد والتيسير واجتناب ما كان منه على وجه التكلف، والاجتهاد والتعسير. (٣) جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». (٤) فحذر النبي ﷺ من الرغبة عن سنته، في الاقتصاد في العبادة، وبيَّن أن هديه في التعبد أكمل وأفضل من سلوك طريق الرهبنة والتشدد. قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس وتكثير النسل». (٥)

стр. 78

وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الدين يسر ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة». (١) والنصوص في هذا الأصل، وأقوال العلماء في تقريره كثيرة، وسيأتي عرضها مفصلة في فصل مستقل إن شاء الله. (٢) الأصل الرابع: المتابعة للنبي ﷺ في الموازنة بين الحقوق بحيث لا يشتغل بحق على حساب آخر، بل يقوم بتأدية الحقوق كلها، وإعطاء كل ذي حق حقه. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إن لجسدك عليك حقاً وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزورك (٣) عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً». (٤) وقال سلمان لأبي الدرداء ﵄ «إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه». قال النبي ﷺ «صدق سلمان». (٥) وقد كان النبي ﷺ مع عظم قيامه بحق ربه، وانشغاله بأعباء الرسالة لم يشغله ذلك عن تأديته لحقوق الخلق ومجاملتهم وحسن صحبتهم. قال جرير بن عبد الله: «ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم». (٦)

стр. 79

وعن عائشة ﵂: «ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ﷺ ما دعاه أحد من أصحابه، ولا أهل بيته إلا قال: لبيك». (١) وجاء في وصفه: «وكان يمازح أصحابه، ويخالطهم، ويحادثهم، ويداعب صبيانهم، ويُجْلِسُهم في حجره، ويجيب دعوة الحر والعبد، والأمة، والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر». (٢) فالتأسي به ﷺ في تأدية الحقوق سواء ما يتعلق منها بحق الله، أو بحقوق الخلق، مما تكمل به المتابعة له في هديه وعبادته، ويشرف به العبد عند ربه. فهذه بعض الأوجه التي تحصل بها المتابعة العامة لهدي النبي ﷺ ولست أزعم حصرها في هذه الأوجه وإنما هذه إشارة لأبرز ملامحها. والمرجع في تفاصيل جزئيات هذه الدرجة العالية، للأئمة الراسخين والعلماء المحققين الذي سبروا سنة النبي ﷺ في كل الأبواب وضبطوا هديه في كل الأحوال، وامتثلوا ذلك في الأقوال والأعمال، فاجتمع لهم في الحديث عنها رسوخ القدم في العلم بها، وطول التجربة في ممارستها. وبهذا العرض المفصل تتبين حقيقة المتابعة للنبي ﷺ وبيان درجاتها، وأثرها في تفاضل الأعمال وبه يتحقق المقصود من عقد هذا الفصل، فلله الحمد والفضل.

стр. 80

الفصل الخامس تفاضل الأعمال باعتبار المداومة عليها من أسباب التفاضل بين الأعمال المداومة على العمل ولزومه، فإن العمل الدائم، وإن كان قليلا، يفضل العمل المنقطع، وإن كان كثيرا. وبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة. أخرج الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل». (١) وعنها ﵂ أن رسول الله سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «أدومه وإن قل». (٢) وسئلت عائشة ﵂ كيف كان عمل رسول الله ﷺ ؟ هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: «كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع». (٣) قال القاضي عياض: «قولها: «كان عمله ديمة» أي دائم غير منقطع ومنه سمي المطر المتوالي ديمة؛ يعني أن ما عمل من خير لم يكن يقطعه، ويتركه بل يداوم عليه». (٤) فدلت الأحاديث على تقرير هذا الأصل العظيم في السير إلى الله تعالى والتقرب إليه وهو أن أحب العمل إلى الله ما كان على وجه المداومة وإن كان قليلا، وأن هذا هو كان هدي النبي ﷺ في عبادته، كما أخبرت بذلك أعرف

стр. 81

الناس به، وبعبادته، الصديقة بنت الصديق، ﵄. ولذا كان النبي ﷺ يرشد أمته لهذا الأمر، ويحذرها من التكلف، والتعمق في العبادة مما لا تطيقه النفس؛ لأنه مظنة الانقطاع، وفوات لزوم المداومة، على ما أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: كان لرسول الله ﷺ حصير وكان يُحَجِّره (١) من الليل فيصلي فيه، فجعل الناس يصلون بصلاته، ويبسطه بالنهار، فثابوا ذات ليلة فقال: «أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دُووِمَ عليه وإن قل». (٢) وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة فقال: «من هذه»؟ فقلت: أمرأة لا تنام تصلي، قال: «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فوالله لا يملُّ الله حتى تملوا» وكان أحب الدين إلى الله ما دام عليه صاحبه). (٣) فنهى النبي ﷺ عن التشدد في العبادة لما يفضي من السأم والملالة ومن ثم الانقطاع عن العمل، وأرشد إلى الإقتصاد في العمل مع المداومة، ولذا جعل أهل العلم ضابط التعبد الحقيقي، ومقياس السير الصحيح إلى الله، ما كان على وجه المداومة في العمل. قال القاضي عياض في معنى «عليكم من العمل ما تطيقون» أي ما لكم بالمداومة عليه طاقة». (٤) وقال ابن رجب: «المراد بهذا الحديث: الإقتصاد في العمل والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه». (٥)

стр. 82

وقال ابن حجر: «قوله: عليكم بما تطيقون. أي: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه». (١) وقد دلت أقوال السلف على تقرير هذا المعنى، كما كان عليه هديهم في عبادتهم لربهم لما علموا في ذلك من الفضل وحصول رضا الرب . جاء في رواية مسلم من حديث عائشة السابق في خبر مجيء الصحابة للإقتداء بالرسول ﷺ في صلاتهم، قول الراوي بعد ذكر الحديث: «وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملا أثبتوه». (٢) وفي صحيح مسلم قال القاسم بن محمد: «وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته». (٣) وعن الحسن البصري ﵁ أنه كان يقول: «يا قوم المداومة، المداومة فإن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت». (٤) وكان ﵀ يقول: «إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداوما على طاعة الله فبغاك، وبغاك، فإذا رآك مداوما ملَّك ورفضك، وإذا رآك مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك». (٥) كما دلت على تقرير هذه المسألة وتأصيلها أقوال أهل العلم والتحقيق من شراح الحديث وغيرهم. قال ابن حبان في معنى قول النبي ﷺ : «ياعبد الله لاتكن مثال فلان كان

стр. 83

يقوم الليل فترك … ». (١) قال: «فيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويستنبط منه كراهة قطع العبادة وإن لم تكن واجبة». (٢) وقال ابن عبد البر في شرح حديث عائشة: (أحب العمل إلى رسول الله ﷺ الذي يداوم عليه صاحبه): «وفي هذا الحديث عندي دليل على أن قليل العمل إذا دام عليه صاحبه أزكى له». (٣) وقال النووي في شرح حديث «عليكم من العمل ما تطيقون … »: وفيه الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم، خير من كثير ينقطع». (٤) وقال ابن رجب في رسالة المحجة: «وقد أشار النبي ﷺ في هذه الأحاديث المشار إليها، في أول الجزء من رواية عائشة، وأبي هريرة ﵄ إلى أن أحب الأعمال إلى الله شيئان: أحدهما: ما داوم عليه صاحبه وإن كان قليلا، وهكذا كان عمل النبي ﷺ وعمل آله وأزواجه من بعده … والثاني: أن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير». (٥) وقال ابن حجر في الحكمة من نهي النبي ﷺ عبد الله بن عمرو عن مواصلة الصيام والقيام: «وفيه الحض على ملازمة العبادة؛ لأنه ﷺ مع كراهته له التشديد على نفسه حضه على الإقتصاد». (٦)

стр. 84

فثبت بهذا العرض للنصوص، وأقوال السلف، وأهل العلم من بعدهم تفضيل العمل الدائم المستمر وإن قل، على العمل الكثير المنقطع. وهذا مما يتقرر به أن المداومة على العمل من أسباب التفاضل بين الأعمال فيفضل بها العمل على غيره وإن كان ذلك الغير أفضل من حيث الجنس أو أكثر من حيث الحجم وامتداد والوقت. وقد اجتهد العلماء في استنباط الحكمة والعلة التي شرف بها العمل مع المداومة على غيره فذكروا في ذلك أقوالا كثيرة: قال ابن الجوزي: «إنما أُحِبَّ الدائم لمعنيين: أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم. الثاني: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتا ما كمن لازم يوما كاملا ثم انقطع». (١) وقال القرطبي: «وسبب ذلك أن التخفيف يكون معه الدوام والنشاط، فيكثر الثواب لتكرار العمل، وفراغ القلب، بخلاف الشاق منها؛ فإنه يكون معه التشويش والإنقطاع غالبا». (٢) وقال النووي: «وإنما كان القليل الدائم خيرا من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة، والذكر، والمراقبة، والنية، والإخلاص، والإقبال، على الخالق ، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة». (٣) وقال ابن رجب: «إن دوام العمل وإيصاله، ربما حصل للعبد به في عمله

стр. 85

الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه، فإن الله يحب مواصلة العمل ومداومته، ويجزي على دوامه ما لا يجزي المنقطع منه». (١) وقال أيضا: «فمن عمل عملا يقوى عليه بدنه في طول عمره في قوته وضعفه استقام سيره، ومن عمل ما لا يطيق فإنه قد يحدث له مرض يمنعه من العمل بالكلية، وقد يسأم ويضجر فيقطع العمل، فيصير كالمُنْبَتِّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى (٢)». (٣) وقال ابن حجر في الحكمة من نهي النبي ﷺ عن التشدد في العبادة: «إشارة إلى كراهة ذلك، خشية الفتور والملال على فاعله، لئلا ينقطع عن عبادة التزمها فيكون رجوعا عما بذل لربه من نفسه». (٤) وبعض هذه المعاني التي ذكرها العلماء متقاربة، وما اختلف فيه منها فلا يبعد أنه مقصود كله لله في تشريعه، فلله تعالى الحكمة البالغة، التي لا يحيط بها خلقه، وإنما يذكر كل واحد منهم ما عرف، وكل في علم الله وحكمته. وإذا تقرر أن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله أدومها، فهل المداومة مشروعة في كل الأعمال أم في بعضها دون بعض؟ الصحيح من هذا أن الأعمال من حيث المداومة عليها أو عدمها ليست على باب واحد وتفصيل ذلك مرجعه إلى سنة النبي ﷺ وهديه في تعبده. والظاهر من السنة أن الأعمال في هذا على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: ما كان النبي ﷺ يلتزمه، ويداوم عليه في السفر، والحضر،

стр. 86

كصيام الأيام البيض، وركعتي الفجر، والوتر، وقيام الليل. قال ابن عباس ﵄: «كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيام البيض في سفر ولا حضر». (١) وقال ابن القيم ﵀: «وكان تعاهده ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل، ولذلك لم يكن يدعها هي والوتر سفرا وحضرا، وكان في السفر يواضب على سنة الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل عنه في السفر أنه ﷺ صلى سنة راتبة غيرهما، ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين ويقول: سافرت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر ﵄ فكانوا لا يزيدون على ركعتين». (٢) وقال ابن القيم أيضا: «لم يكن يدع قيام الليل حضرا ولا سفرا، وكان إذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة». (٣) فالسنة هي التزام هذه الأعمال في السفر والحضر، كما كان النبي ﷺ يفعل، وعدم التزام ما لم يلتزمه النبي ﷺ في السفر من الأعمال، وبهذا تتحقق السنة الكاملة، في الفعل والترك، وهذا أكمل الهدى وأفضله. المرتبة الثانية: ما كان النبي ﷺ يلتزمه من الأعمال ويداوم عليه في الحضر دون السفر، ومن ذلك محافظته على السنن الرواتب في الحضر دائما. قال ابن القيم: «كان ﷺ يحافظ على عشر (٤) ركعات في الحضر دائما وهي التي قال فيها ابن عمر: «حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته،

стр. 87

وركعتين قبل صلاة الصبح». (١) فهذه لم يكن يدعها في الحضر أبدا، ولما فاتته الركعتان بعد الظهر قضاهما بعد العصر، وداوم عليهما لأنه ﷺ كان إذا عمل عملا أثبته، وقضاء السنن الرواتب في أوقات النهي عام له ولأمته، وأما المداومة على تلك الركعتين في وقت النهي فمختص به». (٢) وكان النبي ﷺ يتحرى صيام الاثنين والخميس ويوم عاشوراء. أخرج الإمام الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يتحرى صيام الإثنين والخميس». (٣) وأخرج الشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: «ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان». (٤) وكان من هدي النبي ﷺ المحافظة على الأذكار، كأذكار الصباح والمساء، والأذكار الخاصة عند دخول المسجد، والخروج منه، ودخول الخلاء، وغيرها مما هو مفصل في بابه. (٥) وما كان النبي ﷺ يلتزمه ويتحراه من الأعمال كثير يصعب حصره، وإنما ذكرت هنا بعض ما يستشهد به لهذا النوع من الأعمال. والسنة في ذلك التزام ما كان النبي ﷺ يلتزمه على قدر الإستطاعة، وتحري ما كان يتحراه من الأعمال. والتحري هو: القصد، والإجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل هكذا فسره ابن الأثير ﵀. (٦)

стр. 88

هذا مع مراعاة الرفق بالنفس في هذا الباب، وألا يتكلف العبد ما لا يطيق من العمل، فإن النبي ﷺ كان يطيق من العمل ما لا تطيق أمته لِمَا خصه الله به من الكمالات الدينية، والبدنية، مما لم يحصل لغيره من الأمة. المرتبة الثالثة: ما كان النبي ﷺ يفعله من الأعمال في وقت دون وقت، وفي حال دون حال، ومن أمثلة هذا صيامه بعض الأيام غير الإثنين والخميس، وفطرها أحيانا كما قالت عائشة ﵂: «كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم». (١) ومن ذلك تنوع هديه ﷺ في الوضوء قال ابن القيم: «كان يتوضأ لكل صلاة في غالب أحيانه، وربما صلى الصلوات بوضوء واحد. وكان يتوضأ بالمد تارة، وبثلثيه تارة، وبأزيد منه تارة … وصح عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وفي بعض الأعضاء مرتين وفي بعضها ثلاثا». (٢) ومن ذلك هديه في صلاة الضحى، أنه كان يفعلها في بعض الأوقات على قول طائفة من أهل العلم: قال ابن القيم: في سياق نقله الأقوال في حكم صلاة الضحى «وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب فعلها غبا فتصلى في بعض الأيام دون بعض، وهذا أحد الروايتين عن أحمد وحكاه الطبري عن جماعة، واحتجوا بما روى الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «لا إلا أن يجيء من مغيبة. (٣) ثم ذكر حديث أبي سعيد: «كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا

стр. 89

يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها». (١) والسنة في هذا النوع من الأعمال فعلها تارة، وتركها تارة وعدم المداومة عليها كما كان النبي ﷺ يفعل، فمن داوم على مثل هذه الأعمال فقد خالف السنة. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المداومة على مثل هذه الأعمال فأجاب ﵀: «الصواب أن يقال: التنوع في ذلك متابعة للنبي ﷺ فإن في هذا اتباعا للسنة والجماعة، وإحياء لسنته، وجمعا بين قلوب الأمة، وأخذا بما في كل واحد من الخاصة أفضل من المداومة على نوع معين لم يداوم عليه النبي ﷺ لوجوه». (٢) ثم ذكر في ذلك وجوها سبعة ملخصها: ١ - أن هذا هو اتباع السنة والشريعة؛ فإن النبي ﷺ إذا كان قد فعل هذا تارة وهذا تارة، لم يداوم على أحدهما كان موافقته في ذلك هو التأسي والاتباع المشروع. ٢ - أن ذلك يوجب اجتماع قلوب الأمة وائتلافها، وزوال كثرة التفرق والاختلاف. ٣ - أن ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يُشَبَّه بالواجب؛ فإن المداومة على المستحب أو الجائز مشبهة بالواجب. ٤ - أن في ذلك تحصيل مصلحة كل واحد من تلك الأنواع فإن كل نوع لا بد له من خاصة، وإن كان مرجوحا، فكيف إذا كان مساويا.

стр. 90

٥ - أن في ذلك وضعا لكثير من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان على الأمة بلا كتاب من الله، ولا أثارة من علم؛ فإن مداومة الإنسان على أمر جائز مرجحا له على غيره يحب الموافقة عليه، ويكره المخالفة فيه، يكون ذلك سببا لترك حقوق له وعليه. ٦ - أن في المداومة على نوع دون غيره هجران لبعض المشروع، وذلك سبب لنسيانه والإعراض عنه حتى يعتقد أنه ليس من الدين. ٧ - أن الله يأمر بالعدل والإحسان، والعدل التسوية بين المتماثلين، وحرم الظلم ومن أعظم العدل العدل في الأمور الدينية، وإذا كان الشارع قد سوى بين عملين، أو عاملين كان تفضيل أحدهما من الظلم العظيم، وإذا فضل بينهما كانت التسوية كذلك. (١) وبهذا يظهر أن السنة في هذا الباب هو التزام ما التزمه النبي ﷺ وداوم عليه من الأعمال، فما كان يلتزمه في السفر والحضر التُزم كذلك، وما كان يلتزمه في الحضر التُزم في الحضر، وعلى هذا تتنزل النصوص في فضل المداومة على الأعمال فإن النصوص يفسر بعضها بعضا، وهدي النبي ﷺ هو امتثال كامل لسنته القولية. وأما ما لم يكن يلتزمه النبي ﷺ بل يفعله في وقت، دون وقت فالسنة فيه عدم الالتزام، والتزامه في هذه الحال مع ما فيه من المخالفة للسنة، فلا بد وأن يفضي إلى تضييع شيء من الواجبات ووجود بعض المفاسد الأخرى التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.

стр. 91

الفصل السادس تفاضل الأعمال باعتبار تحققها على وجه الاقتصاد والسداد والتيسير من الأصول العامة التي عليها مدار التشريع في هذا الدين، التخفيف والتيسير، وعدم التكليف بما لا يطاق، وبما فيه حرج ومشقة على الأمة في عبادتها لربها (١). قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣) وقال : ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٥). قال الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسير الآية الأخيرة: «أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيئ فشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً». (٦) وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «وقد بين الله أن هذه الحنيفية السمحة، التي جاء بها سيدنا محمد ﷺ أنها مبنية على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج، وقد رفع الله فيها الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا». (٧) وبناء على هذا الأصل في التشريع، أرشد النبي ﷺ أمته، إلى سلوك مسلك الاقتصاد والتيسير في العمل وترك التكلف والتشديد فيه.

стр. 92

ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: «دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة فقال: من هذه؟ فقلت امرأة لا تنام تُصَلَّيِ قال: «عليكم من العمل ما تطيقون فو الله لا يملُّ الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه». (١) وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة». (٢) وعن أبي بريدة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي في المسجد، يكثر الركوع والسجود، فقال النبي ﷺ : «أتراه يرائي» فقلت: الله ورسوله أعلم فجمع بين يديه فجعل يصوبهما ويرفعها ويقول: «عليكم هدياً قاصداً، عليكم هدياً قاصداً، عليكم هديا قاصداً، فإنه من يشادّ هذا الدين يغلبه». (٣) وعن أنس بن مالك ﵁ قال دخل النبي ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: «ما هذا؟» قالوا: لزينب تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به فقال: «حلُّوه. ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد». (٤) فتضمنت هذه الأحاديث، الأمر بلزوم الاقتصاد في العمل، والنهي عن التشديد، والتعنت في العبادة. وفي هذا دلالة ظاهرة على أن العمل على وجه السداد والتيسير، أفضل من العمل على وجه التكلف والتعسير، فإنه لا يمكن للنبي ﷺ مع كمال

стр. 93

حرصه على أمته، أن يوجهها ويرشدها، إلَّا لمَا يعلم أنه خير لها وأزكى في عبادتها لربها، هذا مع امتثاله هذا الهدي في نفسه، وتشديده على المخالف فيه. كما جاء في قصة الرهط، الذين أرادوا الانقطاع إلى العبادة، وترك بعض المباحات، فقال صلى على الله عليه وسلم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». (١) فأخبر أنه أخشى الأمة وأتقاها لله وهو مع هذا لا ينقطع للعبادة، بل يسلك مسلك الاقتصاد والتوسط، ويجمع بين العبادة، وإعطاء النفس حظها من المباحات، في غير إفراط ولا تفريط. ومما جاء صريحاً من السنة، في تفضيل الأعمال المؤداة على وجه التيسير والرفق، على غيرها من الأعمال: قوله ﷺ «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». (٢) قال ابن حجر في شرحه: «قوله أحب الدين: أي خصال الدين؛ لأن خصال الدين كلها محبوبة، لكن ما كان منها سمحاً أي سهلاً فهو أحب إلى الله، ويدل عليه ما أخرجه أحمد بسند صحيح، من حديث أعرابي لم يسمه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه يقول: «خير دينكم أيسره (٣)». (٤) كما جاءت بالحث على الاقتصاد في العمل، والإرشاد إلى مسلك الرفق في

стр. 94

العبادة، الآثارُ عن السلف ﵏. فعن كعب الأحبار قال: «إن هذا الدين متين، فلا تبغض إليك دين الله، وأوغل برفق، فإن المنبت لم يقطع بُعْداً، ولم يستبق ظهراً، واعمل عمل المرء الذي يرى أنه لا يموت اليوم، واحذر حذر المرء الذي يرى أنه يموت غداً». (١) وعن عمر بن إسحاق (٢) قال: «أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قوماً أيسر سيرة منهم، ولا أقل تشديداً منهم». (٣) وعن الحسن البصري ﵀ قال: «دين الله وُضع، فوق التقصير، ودون الغلو». (٤) وعن يحيى بن جعده (٥) قال: «كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه، عمل دائم وإن قل، خير من عمل كثير منقطع». (٦) وعن مطرف بن الشخير أنه قال لابن له قد اجتهد في العبادة: «خذ الأمور أوسطها، الحسنة بين السيئتين وشر السير الحقحقة». (٧) قال أبو عبيد في شرح قول مطرف: «يعني أن الغلو في العبادة سيئة، والتقصير سيئة، والاقتصاد بينهما حسنة» قال: «والحقحقة: أن يلح في شدة السير، حتى تقوم عليه راحلته أو تعطب، فيبقى منقطعاً به» (٨)

стр. 95

وفي تراجم الإمام البخاري لبعض الأحاديث المتقدمة: «باب ما يكره من التشديد في العبادة» (١) ترجم به في كتاب التهجد لحديث أنس بن مالك في اجتهاد زينب، وحديث عائشة في خبر المرأة المكثرة من الصلاة. (٢) وفي كتاب الإيمان ترجم لحديث أبي هريرة المتقدم (إن الدين يسر) (٣) بقوله «باب الدين يسر، وقول النبي ﷺ : أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». (٤) وفي كتاب الرقاق، ترجم لجملة من الأحاديث في هذا المعنى بقوله «باب القصد والمداومة على العمل» (٥) وفي هذا دلالة على تقرير الإمام البخاري ﵀ لهذا الأصل، وتفضيله العمل على وجه السداد والمقاربة على غيره، كما هو ظاهر في التراجم. كما نص على هذه المسألة وقررها العلماء المحققون في السنة والاتباع. قال البغوي ﵀ معلقاً على حديث أبي هريرة (إن الدين يسر … ) «ففي الحديث الأمر بالاقتصاد في العبادة، وترك الحمل على النفس بما يؤودها، فإن الله لم يتعبد خلقه بأن ينصبوا آناء الليل والنهار، فلا يستريحوا». (٦) وقال القاضي عياض ﵀ في قول النبي ﷺ (عليكم من الأعمال ما تطيقون): «يحتمل الندب لنا إلى تكلف ما لنا به طاقة من العمل، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا نطيق، والأمر بالاقتصار على ما نطيق، وهو اللائق بنسق الحديث». (٧)

стр. 96

وقال أيضاً في بيان فضل المداومة على العمل: «وقلنا: إن فضل ذلك يرجع إلى التخفيف في العبادة». (١) وقال أبو العباس القرطبي ﵀ في شرح حديث (عليكم من الأعمال ما تطيقون): «هذا حض على التخفيف في أعمال النوافل، ويتضمن الزجر عن التشديد والغلو فيها، وسبب ذلك أن التخفيف يكون معه الدوام والنشاط، فيكثر الثواب لتكرار العمل وفراغ القلب، بخلاف الشاق منها، فإنه يكون معه التشويش والانقطاع غالباً» (٢) وقال النووي ﵀ في شرح الحديث السابق: «في هذا الحديث كمال شفقته ﷺ ، ورأفته بأمته، لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس: نشطة والقلب منشرحاً فتتم العبادة، بخلاف تعاطي من الأعمال ما يشق، فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه، أو يفعله بكلفه، وبغير انشراح القلب، فيفوته خير عظيم». (٣) وقال الشاطبي ﵀ «والدليل على صحة الأخذ بالرفق وأنه الأولى والأحرى وإن كان الدوام على العمل أيضاً مطلوباً عتيداً في الكتاب والسنة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (٤)» .. (٥) وقال ابن رجب ﵀: «إن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير، دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد والتعسير، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. (٦) … » (٧) ثم ساق جملة من الأدلة لذلك.

стр. 97

وقال ﵀: «فأفضل الناس من سلك طريق النبي ﷺ ، وخواص أصحابه، في الاقتصاد في العبادة البدنية، والاجتهاد في الأحوال القلبية، فإن سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان». (١) إلى غير ذلك من أقوال أهل العلم في هذا المعنى، وهي كثيرة جداً مشهورة عند أهل العلم، وموطن بسطها في كتب الاعتقاد والسنة، والفقه وأصوله وشروحها. وبهذا العرض للأدلة وكلام أهل العلم، يتبين فضل الاقتصاد في العمل، على المبالغة فيه. وسلوك مسلك الرفق والتيسير في العبادة، على التعنت والتشديد فيها. وإذا تقرر هذا، فحقيقة الاقتصاد في العمل مما قد تختلف الناس في حدّه تبعاً لتفاوت الآراء، فما يراه بعضهم مُقْتَصَداً، قد يراه غيره شديداً، والعكس بالعكس، ولذا فينبغي أن يكون المرجع في ذلك إلى النصوص الشرعية، التي هي الحكم الفصل عند الاختلاف. ويمكن من خلال الأحاديث تحديد الضوابط العامة لحقيقة، الاقتصاد في العمل فيما يأتي: أولا- أن يكون العمل على وجه السداد والمقاربة، لقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة (فَسَدِدُوا وقَارِبُوا). (٢) والتسديد: «العمل بالسداد، وهو القصد والتوسط في العبادة، فلا يقصر فيما أمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه» قاله ابن رجب. (٣) والمقاربة: هي التوسط بين الإفراط والتفريط، فهي على هذا بمعنى السداد

стр. 98

أو قريباً منه. (١) وقيل: هي أن يعمل بما يقرب من الكمال، إن لم يستطع الأخذ به. (٢) والمقصود هو أن يسلك العبد مسلك التوسط في العبادة، بين الإفراط وهو التشدد في العبادة، وبين التفريط وهو النقص عن المشروع، وأن يجتهد في إيقاع العمل على وجه المقاربة، عند العجز عن الكمال. ثانيا- ألا يتكلف العامل ما لا يطيق من العمل وعليه دل قول النبي صلى الله عليه في حديث عائشة (عليكم من العمل ما تطيقون). (٣) قال ابن حجر: «منطوقه الأمر بالاقتصاد على ما يطاق، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يطاق». (٤) وبه صرح أبو العباس القرطبي كما تقدم (٥) والمقصود هو النهي عن تكلف ما لا يطاق في النوافل، وأما الواجبات فإن الله لا يكلف العباد إلا ما يطيقون قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. (٦) قال الشاطبي: «ثبت في الأصول أن شرط التكليف، أو سببه القدرة على المكلف به، فما لا قدرة للمكلف عليه، لا يصح التكليف به شرعاً وإن جاز عقلاً». (٧) وفي تقرير هذا الأصل استدلال من وجه لطيف، للنهي عن تكلف ما لا يطاق في النوافل، فإن الله إذا لم يكلف عباده ما لا يطيقون في الواجبات فدل من باب

стр. 99

أولى أنه لم يرد منهم تحمل ما لا طاقة لهم به في باب النوافل. فتقرر أن تكلف ذلك ليس من الدين لا على سبيل الوجوب أو النفل. ومعنى تحمل ما لا يطاق: هو تحمل ما يثقل أداؤه ويشق، وإن كان مطاقاً مع التكلف، وهذا على الصحيح من أقوال أهل العلم في معناه. قال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. (١) يعني «ربنا لا تكلفنا من الأعمال، ما لا نطيق القيام به، لثقل حمله علينا». (٢) وقال ابن كثير في معنى الآية: «أي لا تكلفنا من الأعمال الشاقة، وإن أطقناها». (٣) وقال ابن الأنباري (٤): «أي لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه، وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه .. فخاطب العرب على حسب ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك وهو مطيق لذلك، لكنه يثقل عليه». (٥) وعلى هذا يدخل كل ما يشق من الأعمال، في حكم ما لا طاقة به، وفي هذا رد على بعض المتنطعة، الذين قد يتكلفون من الأعمال ما يثقل عليهم، بدعوى أنهم مطيقون لفعله. إذا تقرر هذا فتكلف ما لا يطاق من الأعمال يكون عن طريق: الأول: أن يكون العمل في نفسه مما لا يطاق، أو مما فيه حرج ومشقة فادحة، أو

стр. 100

يؤدي إلى تضييع ما هو أولى منه، وهذه هي الرهبانية التي قال فيها النبي ﷺ (من رغب عن سنتي فليس مني). (١) الثاني: أن لا يكون في الدخول في العمل مشقة ولا حرج، ولكنه عند الدوام عليه تلحق بسببه المشقة والحرج، أو تضييع ما هو أوكد. (٢) ثالثاً- أن يتمكن من المداومة على العمل من غير مشقة، وإليه الإشارة من النبي ﷺ في قوله: (وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه) (٣) وذلك بعد قوله ﷺ (عليكم من العمل ما تطيقون) وفيه دلالة على اعتبار المداومة على العمل في الإطاقة المعتبرة شرعاً، وأن من لم يتمكن من المداومة لم يكن مطيقاً، كما تقدم التنبيه عليه في الضابط السابق، وعليه دلت أقوال أهل العلم في سياق شرحهم لقوله ﷺ : (عليكم من العمل ما تطيقون). قال القاضي عياض في معناه «أي ما لكم بالمداومة عليه طاقة». (٤) وقال النووي: «أي تطيقون الدوام عليه بلا ضرر». (٥) وقال ابن حجر: «أي اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه» (٦) وبناءً على هذا فكل عمل لم يتمكن العامل من المداومة عليه أو تمكن من المداومة عليه مع مشقة وكلفة، خرج عن كونه مطاقاً، ميسراً في حقه، وبالتالي قل انتفاعه به. وذلك لأن المداومة مع التيسير مقصودان للشارع في العبادة، فإذا أُخِلَّ بهما أو بأحدهما، تخلف من الأجر والثواب المترتب على تحقيقهما، بقدر ما تخلف من امتثالهما. وهذا بالنسبة لما تشرع المداومة عليه من الأعمال، دون ما

стр. 101

ثبت في السنة فعله في وقت دون وقت، فالسنة فيه عدم الالتزام والمداومة، على ما تقدم تقريره في فصل التفاضل بين الأعمال باعتبار المداومة (١) والله تعالى أعلم. رابعاً- أن لا يورث ذلك العملُ العاملَ مللاً واستثقالاً للعبادة، وعلى هذا دل قول النبي ﷺ (فو الله لا يمل الله حتى تملوا) (٢) والملل هو استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته (٣). ومعناه في حق الله: منع ثواب من مل العمل، وقطع أجره. (٤) قال ابن رجب: «سمى هذا المعنى من الله مللاً وسآمة، مقابلة للعبد على ملله وسآمته، كما قال الله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾. (٥) فسمى إهمالهم وتركهم نسياناً، مقابلة لنسيانهم له. هذا أظهر ما قيل في هذا». (٦) والمقصود هو المنع من كل عمل يفضي بالعبد إلى السأم من العبادة واستثقالها، وإنما كُرِه ذلك، لما يترتب عليه من محاذير شرعية. قال الشاطبي: «الدخول في عمل على نية الالتزام له، إن كان في المعتاد بحيث إذا داوم عليه أورثه مللاً، ينبغي أن يعتقد أن هذا الالتزام مكروه ابتداءً، إذ هو مؤدٍ إلى أمور جميعها نهي عنها» (٧) ثم ذكر. ١ - أن الله ورسوله أهدى في هذا الدين التسهيل والتيسير وهذا الالتزام يشبه من لم يقبل هديته، وهذا غير لائق بالمملوك مع سيده فكيف به مع ربه.

стр. 102

٢ - خوف التقصير، أو العجز عن القيام بما هو أولى، وآكد في الشرع. ٣ - خوف كراهية النفس لذلك العمل المُلْتَزَم، لأنه قد فرض من جنس ما يشق الدوام عليه، بحيث لا يقرب من وقت العمل إلا والنفس تشمئز منه، وتَودُّ لو لم تعمل وإلى هذا المعنى يشير حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا لأنفسكم عبادة الله .. ». (١) ٤ - خوف الانقطاع عن العمل؛ لأن بغض العمل وكراهيته مظنة الانقطاع وهو مكروه لمن ألزم نفسه لأجل نقض العهد، وعليه دل قوله تعالى ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. (٢) ٥ - الخوف من الدخول في الغلو في الدين، فإن الغلو هو المبالغة في الأمر، ومجاوزة الحد فيه إلى حيز الإسراف. (٣) فبهذه الضوابط الشرعية يمكن تحديد مفهوم الاقتصاد في العمل من عدمه. فمتى ما تحققت هذه الضوابط في العمل، فهو من الأعمال الميسرة المقتصدة ومتى ما تخلفت أو بعضها، خرج عن مسلك الاقتصاد والرفق، إلى مسلك التكلف والتعنت. وإذا ثبت فضل الاقتصاد في العمل، وتأصيله في باب التعبد والسير إلى الله تعالى، بما تقدم ذكره من الأدلة وأقوال أهل العلم في تقريره، فقد ينقدح في بعض الأذهان مظنة التعارض بين هذا الأصل، وبين ما جاء في بعض النصوص من ترتب الثواب على قدر المشقة، كقول النبي ﷺ لعائشة ﵂، لما استأذنته في أن تعتمر من مكة، فأذن لها أن تهل بعمرة من التنعيم وقال لها: «ولكنها على قدر نفقتك أو

стр. 103

نصبك» (١) وفي رواية: «إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك». (٢) وقوله ﷺ «أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى». (٣) وقد نقل ابن حجر عن ابن المنير وغيره في شرحه «إن السبب في زيادة الأجر وجود المشقة بالمشي إلى الصلاة». (٤) والجواب على هذا أن المشقة المذكورة في هذه النصوص والتي يعظم الأجر بقدرها، هي المشقة التي يستلزمها العمل دون أن تكون مقصودة للشارع ولا للعامل، فالحج والاعتمار من الأماكن البعيدة، مثلا، أعظم أجراً من الحج والاعتمار من الأماكن القريبة، وذلك لزيادة النفقة والنصب في حق القادم البعيد، وإن كانت الكلفة الحاصلة بذلك ليست مقصودة للشارع ولا للعامل، لكن لا سبيل لتحقق المشروع إلا بها ولا سبيل لدفعها، فيؤجر العامل عليها، وهذا بخلاف ما لو أمكن دفعها فتعمدها العامل، فلا يؤجر عليها، كأن يكون للحاج أو المعتمر طريقان أحدهما قريب سهل، والآخر بعيد شاق، فسلك البعيد طلباً للأجر بزيادة المشقة، فلا يؤجر على ذلك بل يلحقه الذم، حيث لم يسلك مسلك الرفق في تحقيق المشروع، وهذا التقرير هو الذي دلت عليه النصوص وأقوال أهل العلم. أما النصوص فكثيرة جداً، وقد تقدم في بداية هذا الفصل ذكر طرف منها، وهي متضمنة أن الله لم يرد بنا في الدين العسر، ولم يشرع لنا ما فيه كلفة وحرج ومشقة علينا، فضلاً أن تكون الكلفة والمشقة مقصودة بالتشريع.

стр. 104

بل قد جاء في النصوص أن المانع من تشريع بعض الأمور، التي هي محبوبة للشارع، وتتحقق بها بعض المقاصد الشرعية، إنما هو دفع المشقة عن الأمة. كقوله ﵊: «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة». (١) وأخر صلاة العِشَاء يوما وقال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا». (٢) فبين النبي ﷺ أن المانع له من الأمر بالسواك عند كل صلاة، وتأخير العشاء إلى ذلك الوقت، هو خشية المشقة على الأمة، ومعلوم أن النبي ﷺ إذا كان قد ترك بعض ما هو محبوب في الشرع لرفع المشقة عن أمته، لا يمكن مع هذا أن يأمرها بسلوك مسلك الشدة في العبادة من غير مصلحة ويرتب الثواب على ذلك. فهذا من أبعد ما يكون، وهو من أظهر الأدلة لهذه المسألة والله أعلم. وأما ما جاء عن العلماء في تقرير هذه المسألة: فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «قول بعض الناس الثواب على قدر المشقة، ليس بمستقيم على الإطلاق، كما قد يستدل به طوائف على أنواع من الرهبانيات والعبادات المبتدعة … ولو قيل الأجر على قدر منفعة العمل وفائدته، لكان صحيحاً اتصاف (الأول) باعتبار تعلقه بالأمر (والثاني): باعتبار صفته في نفسه. فأما كونه مُشِقاً (٣) فليس سبباً لفضل العمل ورجحانه، ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقاً، ففضله لمعنى غير مشقته، والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه

стр. 105

وأجره، فيزداد الثواب بالمشقة، كما أن من كان بعده عن البيت في الحج والعمرة أكثر: يكون أجره أعظم من القريب، كما قال النبي ﷺ لعائشة في العمرة: «أجرك على قدر نصبك». لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة، وبالبعيد يكثر النصب فيكثر الأجر .. فكثيراً ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب، وهذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال، ولم يجعل علينا فيه حرج، ولا أريد بنا فيه العسر، وأما في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة منهم». (١) ويقول الإمام الشاطبي «إن المشقة ليس للمكلف أن يقصدها في التكليف نظراً إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل، أما هذا الثاني فلأنه شأن التكليف في العمل كله، لأنه إنما يقصد نفس العمل المترتب عليه الأجر، وذلك هو قصد الشارع بوضع التكليف به، وما جاء على موافقة قصد الشارع هو المطلوب. وأما الأول فإن الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات كما يذكر في موضعه إن شاء الله فلا يصلح فيها إلا ما وافق قصد الشارع، فإذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة خالف قصد الشارع، من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل، فالقصد للمشقة باطل، فهو إذا من قبيل ما ينهى عنه، وما ينهى عنه لا ثواب فيه، بل فيه الإثم إن ارتفع النهي عنه إلى درجة التحريم، فطلب الأجر بقصد الدخول في المشقة قصد مناقض». (٢) وذكر في الاعتصام في معرض الحديث عن البدع: «فمن ذلك أن يكون للمكلف طريقان في سلوكه للآخرة، أحدهما سهل والآخر صعب،

стр. 106

وكلاهما في التوصل إلى المطلوب على حد واحد، فيأخذ بعض المتشددين بالطريق الأصعب، الذي يشق على المكلف مثله، ويترك الطريق الأسهل بناء على التشديد على النفس، كالذي يجد للطهارة مائين: سخنا وبارداً فيتحرى البارد الشاق (١) استعماله، ويترك الآخر، فهذا لم يعط النفس حقها الذي طلبه الشارع منه، وخالف دليل رفع الحرج من غير معنى زائد، فالشارع لم يرض بشرعية مثله» (٢). وبهذا يندفع توهم معارضة النصوص الواردة في ترتب الأجر على المشقة، للأصل العظيم السابق تقريره وهو أن أفضل الأعمال ما كان على وجه الاقتصاد والتيسير، وأنها أحب إلى الله مما كان منها على وجه التشدد والتعسير. وبه يتحقق المقصود من تقرير هذا الأصل في باب المفاضلة بين الأعمال، وكونه من المبادئ العظيمة لهذا الدين بحسب ما تقدم ذكره من الضوابط الواجب مراعاتها في هذا الباب والله تعالى أعلم.

стр. 107

الفصل السابع: تفاضل الأعمال باعتبار فضل العامل ومنزلته عند الله. من أسباب التفاضل بين الأعمال التي دلت عليها النصوص، وقررها أهل العلم، تفاضل الأعمال بحسب شرف العامل ومكانته عند الله. قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً، وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾. (١) قال الطبري في معنى قوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ «قول يعطها الله ثواب عملها مثلي ثواب عمل غيرهن من سائر نساء الناس». (٢) وفي هذه الآية دلالة ظاهرة على شرف العمل وفضله بشرف العامل وعلو قدره فلما كن أزواج النبي ﷺ بهذا الشرف والمكانة عند الله وقربهن من رسوله ﷺ ضاعف الله لهن أعمالهن على غيرها من أعمال سائر النساء. قال ابن رجب «وكان علي بن الحسين يتأول في آل النبي ﷺ من بني هاشم مثل ذلك لقربهم من النبي ﷺ ». (٣) ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (٤)

стр. 108

قال ابن عباس: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أجرين، وفي رواية ضعفين، وبه قال مجاهد. (١) وفي هذا دلالة على تفضيل العمل، ومضاعفة أجره، لفضل العامل فهذه الأمة خير الأمم كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. (٢) ولهذا أعطاهم الله الأجر على العمل القليل ما لم يعط غيرهم على العمل الكثير. فعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين فأنتم هم فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملاً وأقل عطاء، قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء». (٣) قال ابن حجر: «وفي الحديث تفضيل هذه الأمة وتوفير أجرها مع قلة عملها». (٤) ومن الأدلة لهذه المسألة من السنة ما أخرج الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال النبي ﷺ : «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ حد أحدهم ولا نصيفه». (٥)

стр. 109

قال البيضاوي في شرحه: «معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية». (١) وقد دلت على هذه المسألة أقوال السلف: روى ابن أبي شيبة عن سعيد بن زيد قال: «والله لمشهد يشهده الرجل منهم، يوما واحدا في سبيل الله، مع رسول الله ﷺ اغْبرَّ فيه وجهه، أفضل من عمل أحدكم لو عمرّ عمر نوح». (٢) وقال ابن مسعود: «أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمد ﷺ ، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: ولم؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة». (٣) فظهر بهذا فضل عمل الصحابة على عمل غيرهم، وهذا مما يدل على التفاضل في العمل باعتبار منزلة العامل. وإذا تقرر هذا فإن أهل العلم، قد نبهوا على بعض أسباب هذا التفضيل، وهو وإن كان الذي يظهر من النصوص وأقوال أهل العلم، أن التفضيل يرجع لفضل العامل ومكانته عند الله، إلا أن وراء ذلك أيضا أسبابا أشار إليها أهل العلم. فمنها: أن الفضل في العمل، يرجع إلى ما عليه العامل الفاضل من عمل باطن يغلب به غيره. وهذا ما أشار إليه ابن مسعود في قوله: «كانوا أزهد منكم في الدنيا». ومنها: ما يكون عليه العامل من فقه في الدين وتأثير ذلك في عبادته، من حيث الإتقان، والإخلاص، والاشتغال بما هو أفضل، وأنفع، بما يناسب كل وقت.

стр. 110

وإلى هذا أشار أبو الدرداء ﵁ في قوله: «يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم كيف يعيبون سهر الحمقى وصيامهم ومثقال ذرة من بر صاحب تقوى ويقين، أعظم، وأفضل، وأرجح، من أمثال الجبال من عبادة المغترين». (١) وقال يحيى بن معاذ: «كم من مستغفر ممقوت، وساكت مرحوم، هذا أستغفر وقلبه فاجر، وهذا سكت وقلبه ذاكر». (٢) وقال غيره: «ليس الشأن فيمن يقوم الليل، إنما الشأن فيمن ينام على فراشه، ثم يصبح وقد سبق الركب». (٣) وقال بعضهم منشداً: مَنْ لي بمثلِ سيرِك المُدَلَّلِ تمشي رُوَيْداً وتَجِي في الأولِ (٤) وبهذا يتم تقرير هذه المسألة والله تعالى أعلم.
следующие страницы →