← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1260

التحرير في شرح صحيح مسلم - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (542 стр.). Показаны 210–249 · переход к 215.

стр. 210

وقوله ﷺ : (عَقْرَى حَلْقَى) العَقر: الجرح، يقال: عقرت الفرس بالسيف: إذا ضربت قوائمه، وقيل: العقر: أن يقطع رأس النخلة؛ فلا يخرج من ساقها شيء أبدا، ويقال: جدَعا لفلان وعقرًا وللمرأة: عقرى حلقى أي: عقر الله جسدها عقرا فأصابها بداء في حلقها، وكلبٌ عَقور. ثم وصفت حال من جمع بالعمرة والحج أنهم لم يحلوا، وأنهم طافوا طوافا واحدا لحجهم وعمرتهم، وهو خلاف ما ذهب إليه أهل الرأي (١): أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين. وفي قول النبي ﷺ : (لولا أَنِّي أَهدَيتُ لأَهلَلتُ بِعُمرَةٍ)، اختيار التمتع، وكذلك قوله: (لَوِ اسْتَقبَلتُ مِن أَمرِي مَا اسْتَدبَرتُ مَا سُقت الهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمَرَةً) (٢)، وقولها: (فَلَمَّا قَضَيتُ حَجَّتِي أَمَرَ عَبدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ) (٣) وكانت تلك عمرة مستحبة، ولم تكن عمرة قضاء، وقولها: (مَكَانَ عُمَرَتِي الَّتِي سَكَتُّ عَنهَا) (٤) أي: التي تركت عملها للحيض. وفيه من الفقه أن أحدا لا يهل بعمرة من جوف مكة، فإنما يُهل لها من الحل، وأن المرأة لا تخرج إلى سفر - وإن قلَّت مسافته - إلا مع ذي محرم، و (التَّنعِيم): أدنى الحل.

стр. 211

و (لَيلَةُ الحَصبَةِ): ليلة ينفر الناس من منى، وقولها: إن النبي ﷺ : (أَفَرَدَ الحَجَّ) أي: أفرده عن العمرة بذكر التلبية. * * * [١٢٠] وقول جابر ﵁: (أَمَرَ النَّبِي ﷺ أَن يُحِلَّ [من] لَم يَكُن مَعَهُ هَديٌ) (١) هذه سنة رآها النبي يا بغير علة. * * * [١٢١] وقول جابر: (أَهلَلنَا بِالحَجِّ خَالِصًا) (٢) أي: أفردنا ذكر الحج في التلبية من العمرة، وقول النبي ﷺ : (المُتْعَةُ لِلْأَبَدِ) (٣) أي: جائزة على الأبد، وقول علي ﵁: (أَهْلَلتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) (٤) فيه دليل أن الحج والعمرة مخصوصان بعللهما، إذ سائر الفرائض لا يجوز أداؤها إلا إذا نُويت بأعيانها، وجاز تعليق الإحرام بما لم يدر كيفيته، ولم يكن واقعا على صورته، ثم تم على إحرامه مؤديا لتوابعه على بيان النبي ﷺ . والذين كانوا أفردوا الحج ففسخوه بالعمرة قضوا العمرة، ثم ابتدأوا الحج محرمين به يوم التروية. وقوله: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا سَهْلًا، إِذَا هَوِيَتِ الشَّيءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ) أي: إذا أحبت عائشة ﵂ الشيء وأرادته وافقها عليه، وقوله: (أَمَرَنَا أَن نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا) أي: أن نصيب من نسائنا، وقوله: (فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟) أي: نحل من

стр. 212

ماذا؟، (قَالَ الحِلُّ كُلُّهُ): أي: تحلون من كل شيء حرم عليكم. وقوله: (أَحسُرُ عَن عُنُقِي) (١) أي: أكشف عن عنقي، وقوله: (فَيَضرِبُ رِجلِي بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ) تعني عبد الرحمن بن أبي بكر؛ يشير إليها ألا تكشف عن عنقها، فيضرب رجلها بعلة ضرب الراحلة. ومن باب حجة النبي ﷺ [١٢٢] (فَقَامَ فِي سَاجَةٍ) (٢) الساجَة: الطَّيلَسان، وقوله: (مُلتَحِفًا بِهَا) أي: متغطيا بها. وفي هذا الحديث دليل الرغبة في طلب العلم، وجواز رواية الأعمى، ودلالة أن وقت الحج متراخ، ومنها: إفراد الحج لمن أراده. (والمِشجَبُ): عيدان تجمع ثم تشد فتُنصب، أي: يغرز بعضها في بعض؛ فتوضع عليه الثياب، وقوله: (اعْتَسِلِي، وَاسْتَذفِرِي بِثَوبٍ) (٣) وفي رواية: (واستَغفِرِي) (٤) قيل: الاستثفار: يحتمل أن يكون مأخوذا من ثفْر الدابة، تشده كما يشد الثَّفْر تحت الذَّنَب، ويحتمل أن يكون مأخوذا من الثفر؛ أريد به الفرج، وإن كان أصله للسباع ثم استعير، يقال: استثفر الكلب؛ إذا أدخل ذنَبه بين رجليه،

стр. 213

ثم يقال: استثفر الرجل إذا أدخل ذيله بين رجليه، ومنه حديث ابن مسعود ﵁: (فَإِذَا نَحنُ رِجَالٌ طِوالٌ مُستَثفِرين) (١). وفي الحديث أنه أمر المستحاضة أن تستثفِر وتتلجَّم، هو أن تشدَّ فرجها بخِرقة عريضة توثق طرفيها في خيط تشده على وسطها؛ بعد أن تحتشي كُرسفا، فتمنع بذلك الدم، وقيل: الاستذفار بالذال بمعنى الاستثفار. وقوله: (ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ) والقصواء: اسم ناقة النبي ﷺ ، وهي التي قُطع طرف أذنها، وفي الحديث دلالة على إفراد الحج لمن أراده. [وقوله: (تَمَتَّعَ رَسُولُ ﷺ ) أي: أمر به أمرا، (وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ) أي: فعلا، وتأويل نهي عمر ﵁ عن المتعة (٢) أن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأن الذي أمر به النبي ﷺ من المتعة كان مخصوصا؛ وقد ارتفع حكمه، وقيل: لم ينه عنها نهي تحريم، ولكنه كرهه لما خاف من مواقعة النساء في الإحرام] (٣). وقوله: (فَرَقَى عَلَيْهِ) لغة قليلة، واللغة الفصحية: (فَرَقِيَ عَلَيهِ) بكسر

стр. 214

القاف، وقوله: (حَتَّى انصبَّت قَدَمَاهُ) الانصباب: الانحدار. [١٢٣] وفي الحديث دليل أن القوم كانوا حِراصا على أن يأخذوا عن النبي ﷺ هديه وسنته، وفيها سنة الرمَل وهو: الخَبب في الطواف، ومنها تثبيت أمر المتعة، وفيها دليل أن العمرة فرض لقوله: (دَخَلَت العُمرَةُ فِي الحَجِّ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ) (١)، ومنها: إبطال أفعال الجاهلية، ومنها تحريم الربا ووضعه، ومنها: إثبات حق الزوجة على زوجها، وقوله: (فَإِنَّكُم أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاستَحلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ)، يعني: بأمر الله، وقوله: (غَيرَ مُبَرِّحٍ) أي: غير شديد. ومنها مباشرة ذبح الضحايا، وجواز الأكل منها إذا كان تطوعا، و (حبل الْمُشَاةِ): طريق في الرمل، وقوله: (حَتَّى غَابَ القُرص) أي: قرص الشمس، وقوله: (شَنَقَ لِلقَصَوَاءِ الزَّمَامَ) يقال: شنق الرجل بزمام ناقته؛ إذا فعل بها ما يفعل الفارس بفرسه. وقوله: (لَيُصِيبُ مَورِكَ رَحلِهِ) الوَرِك ما فوق الفخذ، وجلس متورِّكا أي: ألصق ورِكه بالأرض، وفي الحديث (٢) أن يسجد الرجل متوركا؛ هو: أن يرفع ورِكه حتى يفحش في ذلك، وقيل: هو أن يلصق وركه بعقبيه في السجود، وقيل: المورك: ثوب أو شيء يكون بين يدي الرحل؛ يضع الرجل رجليه عليها، وهي المَورِكة أيضا، يقال: ورك عليها وورَّك بالتشديد والتخفيف. وقوله: (أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ) السكينة: السكون، وهو نصب على

стр. 215

الإغراء، أي: الزموا السكينة، وقوله: (أَرضَى لَهَا قَلِيلًا) يعني أرخى للناقة زمامها إرخاء قليلا، وقوله: (حَتَّى أَتَى المُزدَلِفَةَ) ازدلف الرجل: أي: تقدم، ومزدلفة معناه: مزدلف فيها، كما يقال: ليل نائم أي: ينام فيه، قيل سميت بذلك لاقتراب الناس إلى منى بعد الإفاضة، والزُّلفى القربى، وعقبة زَلوف طويلة. وقوله: (مَرَّت ظَعُنٌ يَجرِينَ) أي: نساء يسرن، الظَّعينة: المرأة، والظُّعُن جمع، وقوله: (وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعرِ أَبيض وَسِيمًا) الوسيم الجميل، والوسامة الحُسن، وقوله: (عَلَى حِمَارٍ عُريٍ) أي: لا إكاف عليه ولا شيء، وقوله: (يَدفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ) أي: يتقدمُهم ويدلُّهم على السير والدفع. ومن باب الإفاضة [١٢٤] (وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ) (١) الحُمس: جمع أحمس، وهو الشديد في دينه. * * * [١٢٥] وقوله: (رُوَيدَكَ بَعض فُتِيَاكَ) (٢) الكاف للخطاب، و (بعضَ) نصب مفعول (رويد)، وهو هاهنا اسم الفعل، والمعنى: أروِد بعض فتياك، أي: كُفَّ بعض فتياك، وأمسك عن بعض فتياك، وقوله: (مَن كُنَّا أَفَتَيَنَاهُ فُتِيَا) فتيا: لا ينصرف لأنه فُعلى، وفيه لغة أخرى: (فتوى) بفتح الفاء والواو، وقوله: (فَليَتَّئِد) اتأد: افتعل من التُّؤَدة، وهو السُّكون، وقوله: (فَبِهِ فَائتَمُّوا) أي: فيه فاقتَدُوا، وقوله: (أَنْ تظَلُّوا مُعرِسِينَ بِهِنَّ)؛ يقال: عرس فلان بأهله: إذا بنى بها وغشيها.

стр. 216

[١٢٦] وقوله: (فَعَلْنَاهَا وَهَذَا يَومَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُش) (١) قيل: يعني: بيوت مكة، أي: كافرا ذلك الوقت، ومقيما بالعُرُش يعني: بمكة، وسماها عُرُشا لأن أكثر بيوتها مُعرَشة بالخشب. ومن باب الجمع بين الحج والعمرة [١٢٧] قوله: (ارتَأَى كُلُّ امرِئٍ، بَعْدُ مَا شَاءَ أَنْ يَرتَئِيَ) (٢) ارتأى: افتعل من الرأي، وفي رواية: (قَالَ فِيهَا رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ)، وقول عمران بن حصين ﵁: (إِنَّهُ قَد سُلِّمَ عَلَيَّ) أي: سَلَّم علي الملائكة، وهذا من كراماته. ومن باب ما يفعل من صد عن البيت [١٢٨] فيه دليل أن من صد عن البيت وهو محرم، إما بحجة وإما بعمرة؛ فإنه يحل من إحرامه ويرجع إلى بلده، وقوله: (أَشْهِدُكُمْ أَنِّي قَد أَوجَبتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ) (٣) هذا الإشهاد ليس بواجب؛ فإن النية تكفيه. ومن باب الطواف بالبيت والسعي قبل الوقوف بعرفة [١٢٩] قوله: (قَد أَفتَنَتهُ الدُّنيا) (٤) أفتن لغة قليلة، واللغة الفصيحة: فتن (٥). * * *

стр. 217

ومن باب من أهل بالحج ولا يحل حتى يتم حجه ولا ينقض حجه بعمرة [١٣٠] حديث عروة بن الزبير: قال: (فَإِنَّهُ قَد كَذَبَ) (١)، أي: قد أخطأ. ومن باب فسخ الحج في العمرة [١٣١] حديث أسماء ﵂: (كُلَّمَا مَرَّت بِالْحَجُونِ) (٢) الحجون: موضع: بمكة، وقولها: (خِفَافُ الْحَقَائِبِ): هي جمع الحقيبة، وهي مثل العيبة (٣)؛ يضع فيها الرجل ثيابه، ويجعلها خلف ظهره إذا ركب، وقوله: (قَلِيلٌ ظَهْرُنَا) يعني: الدواب. ومن باب الإشعار والتقليد والتقصير [١٣٢] (الإشعار) (٤): أن تطعن في سَنام البَدَنة بمبضع أو غيره من الحديد؛ حتى يسيل الدم، وقوله: (وَسَلَتَ الدَّمَ) أي: مسحه، وقوله: (وَقَلَّدَهَا) وهو أن يقلدها خُربة القربة، وهي عروتها، أو نعلين أو غير ذلك من الجلود. * * * [١٣٣] و (التقصير) (٥): أن يأخذ من أطراف الشعر بدل الحلاق، و (المشقص): نصل عريض، وقد يكون محددا يجزُّ الشعر به، قيل: قصر في عمرته يوم فتح مكة،

стр. 218

ثم حلق في حجة الوداع، وقوله: (تَشَعَّفَت بِالنَّاسِ أو تَشَعَّبَت بِالنَّاسِ) أي: استحقتهم وذهبت بهم، من قوله: (قَدْ شَعَفَهَا حُبًّا) (١) أي: ذهب بقلبها، ويجوز بالغين المعجمة (٢)، وتشعَّبت بهم أي تفرقت بهم، وتفشَّعت فيهم أي: انتشرت فيهم، قال ساعدة الهذلي: هَجَرَت غَضُوبُ وَحُبَّ مَن يَتَجَنَّب … وَعَدَت عَوَادٍ دُونَ وَلْيكَ تَشْغَبُ (٣) وروي (يشْعَبُ) بالعين المهملة، وروي (وحب) بفتح الحاء، والمعنى تركت هذه المرأةُ مكالمتنا ومحادثتنا وتجنَّبَتنا، ولقد حُبِبَ من يَتجنَّب، و (عَدت عَوادٍ) أي: صرفت صوارفُ (دون وَلْيِك) أي: دون قربِكِ أي: إن تلك العوادي قصرت عن الوَلْيِ؛ فلم تمتلكه ولم تبلغ مرادها منه. قيل: حبَّ؛ أصله حَبُبَ، ولم يأت عن العرب (فَعُل) مضعَّفًا إلا في أربعة أحرف (٤): حَبُبتَ ولَبُبتَ وشَرُرتَ (٥) ودَمُمتَ، وقوله: (من يتجنب) في موضع الفاعل لحَبَّ، وقيل حُبَّ مما نُقِلَ فيه الحركة من العين إلى الفاء، قال: وحُبَّ بِهَا مَقْتُولَة حين تُقْتَلُ (٦)

стр. 219

وقيل: حببته فهو محبوب، وقوله: (حُبَّ) فعل: وهو فعل ما لم يسمَّ فاعله وأما (الشَّعْب) قيل: هو الإصلاح، وقيل: هو التفريق، قال: وإذا رأيت المرءَ يَشْعَبُ أَمْرَه … شَعْبَ العَصا ويلح في العِصْيانِ (١) أي: إذا رأيته يفارق الجماعة، لأن (العصا) يراد به الجماعة، فمعنى البيت: تَشَعَّب أي: تفرق. ومن رواه (٢) بالغين المعجمة فالمعنى: أن تلك العوادي تدفع عن ورودها، فهي تكر بشغب، قال أهل اللغة: الشَّغْب: تهييج الشر، قال أبو عبيد: شغَبت على القوم وشغَبتهم وشعبت بهم (٣). وشعفَه الحب كأنه غشي قلبه من فوق، وقوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠] أي: بلغ الحب شغاف قلبها، وأما (الفشْغ) يقال: انفشخ الشيء وتفشَّغ أي: انتشر، وتفشَّغ فيه الشيب ظهر، وأفشَغْتُ الرجل بالسوط إذا ضربته به. * * *

стр. 220

ومن باب من طاف بالبيت فقد حل [١٣٤] كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ يَقُولُ: (لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ إِلَّا حَلَّ)، قَالَ ابن جُرَيج: قُلْتُ لِعَطَاءٍ مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، قُلْتُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ يَقُولُ: (هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ وَقَبْلَهُ)، وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (١). قوله: (بَعْدَ الْمُعَرَّفِ) أي: بعد الوقوف بعرفة. ومن باب الإهلال بالعمرة والحج [١٣٥] حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا) (٢) الإهلال: رفع الصوت بالتلبية، وقوله: (أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا) أي: أو ليَجمَعنَّ بين الحج والعمرة، قيل: هذا عند نزوله ﷺ من السماء. ومن باب ذكر عدد عُمَر النبي ﷺ [١٣٦] في أحاديث الباب (٣): دليل أن العمرة لا وقت لها؛ فمتى شاء الإنسان أن يعتمر في أي وقت من السنة جاز. والعمرة في اللغة: القصد، يقال: اعتمر أي: قصد، قال:

стр. 221

لقد سَمَا ابْنُ مَعمَرَ حِينَ اعْتَمَر … مَغزى بعيدا من بعيدٍ وَضَبَر (١) ابن معمر: هو عمر بن عبيد الله بن معمر كان أحد الأمراء من التابعين، غزا ففُتح عليه، فقال فيه هذا الشاعر يمدحه يقول: ارتفع شأنه وسما ذكره؛ حين قصد هذا المكان، وغزا هؤلاء القوم من مكان بعيد في مدة يسيرة، و (ضبر): أي: وثب وثْبا سريعا. قال صاحب المجمل (٢): الاعتمار في الحج: أصله الزيارة، قال الشاعر وذكر فلاة: يُهلُّ بالفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا … كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ المُعْتَمِرْ (٣) يعني الزائر للبيت، وأما قول الآخر: وَرَاكبٌ جاءَ مِنْ تَثْلِيثَ مُعْتَمِرًا (٤) قيل: المعتمر: المعتم، ويقال: إن العمار: الريحان، قال الأعشى: فلمَّا أتانا بُعَيْدَ الْكَرَى … سَجَدْنا له ورفعنا العَمَارا (٥) وقيل: وراكب معتمر جاء من هذا المكان.

стр. 222

ومن باب ذكر الدليل على أن النبي ﷺ لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة [١٣٧] حديث زيد بن أرقم: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَحَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةً لَمْ يَحُجَّ غَيْرَهَا) (١)، وفي رواية قال أبو إسحاق: (وَبِمَكَّةَ أُخْرَى)، يعني حجة أخرى بمكة. [١٣٨] وقوله: (لَنَسْمَعُ ضَرْبَهَا بِالسِّوَاكِ تَسْتَنُّ) (٢) أي: تستاك، وقوله: (أَيْ أُمَتَاهُ) يعني: أي أمي، كما تقول: يا أبتاه أي: يا أبي. * * * [١٣٩] وقوله: (وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنضِحُ عَلَيْهِ) (٣) أي: نستقي عليه، والناضح: البعير الذي يُستقى عليه. وفي اقتصار النبي ﷺ على حجة واحدة دليل على أنه أراد بذلك الترفيه على أمته، إذ لو حج كل عام لتأولوا أن الواجب عليهم أكثر من حجة واحدة، وفي سؤالهم عائشة ﵂ عن العمرة بيان أن الجِدِّ في العلم وطلبه؛ والبحث عنه لازم، وفي قوله: (مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟) دليل على أن الحثَّ على فعل الخير واجب، وفي قوله: (عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةٌ) دليل أن للعمل في رمضان فضلًا على العمل في غيره، وفي قولها: (وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضِحُ عَلَيْهِ) دليل على معاونة المرأة الزوجَ في أمر المعيشة.

стр. 223

ومن باب ذكر دخول النبي ﷺ مكة [١٤٠] قوله: (دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ) قال هشام: (وَكَانَ أَبِي يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلتَيهِمَا) (١). * * * [١٤١] وفي رواية ابن عمر ﵁: (كَانَ يَخرُجُ مِن طَرِيقِ الشَّجَرَةِ) (٢) يعني يخرج من المدينة، وقوله: (ويَدخُلُ مِن طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ) وفي رواية زهير: (دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا الَّتِي بِالبَطْحَاءِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى)، قال هشام: (وَكَانَ أَبِي أَكْثَرَ مَا يَدخُلُ مِنْ كَدَاءٍ). * * * [١٤٢] وفي رواية ابن عمر ﵁: (بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّة) (٣) وفي رواية: (كَانَ يَنزِلُ بِذِي طَوًى وَيَبِيتُ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبحَ) قيل: إنما فعل ذلك ليكون أروح نفسا؛ وأفرغ للطواف، وفي دخوله مكة من الثَّنية العليا التي بالبطحاء ويخرج من الثنية السفلى: دليل على أنه كان يرجو بذلك بركة مكة وخيَرها، وقيل: أراد أن يُعلم أن الدخول إليها من أي الطرق كان جائزا. * * * [١٤٣] وفي قوله: (اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ ((٤)، الفُرْضَة: الطريق والمَشْرَعة، وقوله: (عَلَى الْأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ) الأَكَمة:

стр. 224

الرَّابية، وهي المكان المرتفع، وفي الحديث دليل أنه إذا صلى في أي ناحية كان أجزأته؛ إذا كان متحرِّيا للقبلة. ومن باب المشي في الطواف والسعي في بطن المسيل [١٤٤] حديث: (أَنَّ الْحُمَّى وَهَنَتْهُم) (١) أي: أضعفتهم في الحديث دليل على أن النبي ﷺ كان يجتهد بكل ما يمكن ما يغيظ الكفار، وكان دخل مكة على موادعة بينه وبين أهلها (٢)، وكان السبب في الرمل ما أبان عنه ﷺ ثم بقي سُنَّة، وقوله: (لَيسَت بِسُنَّة) (٣) أي: ليست بواجبة وجوبَ السُّنة في باب الفدية، ولو وجب كوجوبها كان في تركه الفدية. وفي الحديث دلالة على إظهار الجَلَد والقوة عند ملاقاة العدو في حرب وغيره، و (الأَشْوَاط): الطوفات، يقال: عدا شوطا أو شوطين. * * * [١٤٥] وقوله: (خَبَّ) (٤) أي: أسرع، وقوله: (كَذَبُوا) أي: غلطوا. * * * [١٤٦] وقوله: (كَانُوا لَا يُدَعُّونَ عَنْهُ) (٥) أي: لا يدفعون ومنه قوله : ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] أي: يدفعه، وقوله: (يُكْهَرُونَ)، يقال: كَهَره إذا زجره.

стр. 225

[١٤٧] و (العَوَاتِقُ) (١): جمع العاتق وهي الجارية التي لم تخرج من بيت أبيها إلى بيت زوجها. ومن باب استلام الحجر والركن اليماني [١٤٨] حديث عبد الله بن عمر ﵁: (لَم أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمسَحُ مِنَ الْبَيتِ، إِلَّا الرُّكنَيْنِ الْيَمَانِيَين) (٢)، اليمانيين: بالتخفيف تثنية يمان، والنسبة إلى اليمن يمني، إلا أنه حذفت إحدى ياءي النسب وأتي بالألف عوضا منه ونحوه شآم وتهام، وإنما قيل: الركن اليماني لأنه من جانب اليمن (٣). * * * [١٤٩] وفي حديث عمر ﵁: (لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قبَّلتُكَ) (٤) فيه من الفقه أن سنن النبي ﷺ يؤتى بها كما سنَّها وفعلها؛ ما لم ينسخها بغيرها؛ أو يتركها الخلفاء ﵃ بعده لشيء علموه في ذلك. * * * [١٥٠] وقوله: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا) (٥) الحَفِيُّ: المستقصي أي: كان يبالغ ويستقصي في استلامك وتقبيلك، قال أهل اللغة (٦): أحفى بصاحبه

стр. 226

وتحفى به وحفي به إذا بالغ في بره، وفي حديث عمر ﵁: (فَأَنْزَلَ أُوَيْسَ القَرَنِي فَاحْتَفَاهُ وَأَكْرَمَهُ) (١)، احتفاه أي بالغ في إلطافه ومسألته، وفي حديث علي: (أَنَّ الأَشْعَثَ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ بِغَيْرٍ تَحَفٍّ) (٢)، وقيل في التفسير: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، أي: كأنك فرح بسؤالهم عنها، وقال مجاهد (٣): كأنك استحفَيت عنها السؤال حتى علمتها: أي: أكثرت المسألة عنها، و (الأُصَيلِع): تصغير الأصلع. وفي الحديث دليل أن الأخبار بعضها تعبُّد وبعضها يعلم علته، ولا يطلب لها علل إلا إذا كشفت عن عللها و (الاستِلَام): افتعال من السِّلام وهي الحجارة، وقيل: افتعال من السَّلام وهي التحية، قال أهل اللغة: استلمت الحجر إذا لمَسْته (٤). * * * [١٥١] وفي حديث جابر: (يَستَلِمُ الحَجَرَ بِمِحْجَنهِ) (٥)، المحجن: خشبة في طرفها انعقاف: أي اعوجاج، وقوله: (عَلَى رَاحِلَتِهِ) لأنْ يراه الناس، (ويستشرف) (٦) يستشرف أي: يُشرف على الناس، وقد يكون الاستشراف بمعنى

стр. 227

رفع البصر، يقال: استشرفتَ الشيء إذا رفعت بصرك تنظر إليه، والشَّرف: العُلو، والشَّريف: العالي، والمُشرف: الطويل العظيم من الخيل. وقوله: (غَشُوهُ): بضم الشين والتخفيف، وأصله: (غَشِبُوه) على فَعِلُوه بكسر العين، فنقلت ضمَّةُ الياء إلى الشين، وحُذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ ومعناه: أتوه، يقال: غَشِيَه الناس أي أتوه، والغشيان من ذلك وهو إتيان الرجل المرأة. ومن باب إشعار الهدي [١٥٢] قوله: (فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا) (١)، يقال: سكتت المرأة خضابها عن يدها إذا مسحته عنها، ويقال: سلَت القصعة أي: مسحها من الطعام، وفي الحديث: (كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ ويَسْلُتُ خَشَمَه) (٢) والخشم:: ما سال من الخياشيم، وفي حديث عائشة ﵂: (وسُئِلَت عَن الخِضَاب فَقَالَت اِسْلِتِيهِ وَأَرغِمِيهِ) (٣) أي: اطرحيه وألقيه في التراب. و (الإِشْعَارُ): إشعار الهدي وهو إعلامه، ويقال: أشعره أي طعنه أي يطعن في سنامها ليُعلم أنها بَدَنة إذا سيقت إلى المنحر. * * *

стр. 228

ومن باب وجوب السعي بين الصفا والمروة [١٥٣] حديث عائشة: (مَا أَتَمَ اللهُ حَجَّ امرِئٍ وَلَا عُمرَتَهُ) (١) في هذه الأحاديث دلالة على أن السعي بين الصفا والمروة فريضة، إذ قالت عائشة ﵂: (مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمَرَتَهُ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) (٢)، وقولها: (طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَت سُنَّةً) أي: بيانا أنه عن الله تعالى، و (المشَلَّل) بفتح الشين وتشديد اللام: موضع. ومن باب الصلاة بمزدلفة والتلبية حين يرمي جمرة العقبة [١٥٤] قوله: (غَدَاةَ جَمع) (٣) يريد بالجمع المزدلفة، وقوله: (الشِّعبَ الأَيسر) يعني: الوادي الذي عن اليسار، وقوله: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) يعني: سنةَ الصلاة في هذا الموضع بالمزدلفة. وفي هذه الأخبار: دلالة أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة؛ بعد الوقوف بعرفة بعد الزوال؛ فقد قضى أكثر أعمال الحج، ولذلك ترك التلبية؛ وهي شعار الإحرام بالحج، ولذلك قال العلماء: إن المحرم إذا جامع أهله بعد الوقوف بعرفة؛ وبعد رمي جمرة العقبة أن عليه بَدَنة، ويتم باقي حجه ولا يفسد عليه، وفيها بيان كيفية الدفع من عرفات ومن المزدلفة. * * *

стр. 229

[١٥٥] وقوله: (عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) (١) فيه التعليم لحسن الأدب، وقوله: (وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ) يقال: كفَّه: أي: أمسكه، وقوله: (عَلَيكُم بِمِثْلِ حَصَى الخَذْفِ) (٢) يعني الذي يُرمى بالإصبع. ومن باب التلبية والتكبير في الغد [١٥٦] قوله: (مِنَّا الْمُلَبِّي وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ) (٣) فيه دليل على لزوم الذكر على كل حال. * * * [١٥٧] وقوله: (فَمَا زَالَ يَسِيرُ عَلَى هِينَتِهِ) (٤) أي: على سَجيَّة مشيه، والهيئة: الفِعلَة من الهوْن، قال صاحب المجمل: الهوْن: السكينة والوقار (٥)، وقوله: (كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجَوَةٌ نَصَّ) (٦). معنى الأحاديث: أنه كان يسير على حاله وعادته في إفاضته من عرفات، حتى إذا أتى جمعًا، كما في حديث ابن عباس ﵁: (وَإِذَا وَجَدَ فَجَوَةً) أي: متسعا

стр. 230

لا زحام فيه، (نَصَّ) أي: حمل ناقته على أقصى ما تقدر عليه، يقال: نصَصْت الناقة: إذا فعلتَ بها ذلك، وأصل الكلمة من الدفع، ومنه المِنَصَّة وهي: ما تُرفع عليه العروس، ونصُّ الخبر من ذلك. قيل: حديث أسامة مستقصى، لأنه وصف الحالين، وأنه ﷺ كان يسير على ما اعتادته ناقته من السير إذا كان زحام، فإذا لم يكن زحام؛ حملها على الإسراع. ومن باب الإفاضة من جمع بليل [١٥٨] حديث عائشة ﵂: (اسْتَأْذَنَت سَودَةُ لَيلَةَ المُزدَلِفَةِ، فَدَفَعَت قَبلَهُ، وَقَبلَ حَطَمَةِ النَّاسِ) (١) الحطمة: الزِّحام، وقولها: (وَكَانَت ثَبِطَةً) تفسيرها في الحديث: قال القاسم: (الثَّبِطَةُ الثَّقِيلَةُ)، وفي رواية: (كَانَت سَودَةُ امْرَأَةً ضَحْمَةً ثَبِطَةً). ومن الباب الذي قبله: (فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا) (٢)، فيه دليل أن الرجل إذا عجل به أمر؛ فتجوز في العبادة جاز، وفيه دلالة أن الخدمة لأهل العلم محمودة؛ إذا أريد بها وجه الله، وفي قوله: (رَدِفَهُ أُسَامَة) (٣) استحباب التواضع، وقوله: (أَي هَنتَاه) كناية عن المرأة إذا أُريد ألا تُسمَّى.

стр. 231

وقوله: (قَد غَلَّسْنَا) التغليس: السير بالظلام، وقوله: (أَذِنَ لِظُعُنِهِ) والظُّعُن: جمع الظعينة، وسميت المرأة ظعينة؛ لأنها تكون في الهودج، والهودج يسمى الظعينة، وقوله: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠]، أي: يوم ارتحالكم. ومن باب تقديم الضعفة [١٥٩] الضَّعَفة: جمع ضعيف، وقوله: (بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَقَل بِلَيلٍ) (١) الثقل: آلات المسافر، وقوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]، يعني: ما في بطنها من الموتى؛ لأنها تثْقل بهم، وقيل: ما في بطنها من الكنوز، فالثَّقَل: ما يقدَّم من الأمتعة على الدابة. ومن باب رمي جمرة العقبة [١٦٠] قول عبد الله: (مِن هَا هُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، رَمَاهَا الَّذِي أُنزِلَت عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ) (٢) يعني النبي ﷺ ، وإنما خص البقرة لأنها أول القرآن وأطول سورة منه، فكأن القسم أتى على جميع القرآن، وقوله: (فَاستَبطَنَ الوَادِي) أي: أتى بطن الوادي، وقوله: (فَاسْتَعرَضَها) أي: سيَّر ناقته عرضا. وقوله: (الاِستِجمَارُ تَوٌّ) يعني: الاستنجاء، والتَّوُّ: الوتر، (وَرَمي الحِمَارِ تَوُّ) أي: وِتر، يقال: جاء فلان توًّا أي قاصرا على العرج على شيء، وفي حديث النخعي: (فَمَا مَضَت إِلَّا تَوَّة حَتَّى قَامَ الأَحْنَفَ مِنْ مَجلِسه) (٣) أي: إلا ساعة

стр. 232

واحدة، وقيل التَّوُّ: الحبل يفتل طاقا واحدا، والجمع أتواء، يقال: جاء فلان توَّا أي: وحده، وإذا عقد بإدارة واحدة، يعني: بإدارة الحول، قيل: عقده بتوٍّ واحد. ومن باب الحلاق والتقصير [١٦١] (التقصير) (١): الأخذ من أطراف الشعر. وباب الرمي ثم النحر ثم الحلق والبداية في الحلق بالشق الأيمن [١٦٢] قوله للحلاق: (هَاء - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ هَكَذَا -) (٢) قوله: (هاء) (٣) أي: خذ - بالمد، وفي رواية: (قَالَ لِلحَلاقِ خُذ)، وقوله: (فَوَزَّعَه) أي: قسَّمه، وفي وفي دعاء النبي ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة، لما في الحلق من عظيم الثواب؛ ليستوفي الحاج تمام أجره، والحلق من جلائل أمور النسك، والتقصير جائز ويخرج به من الإحرام، غير أن تضعيف الأجر في الحلق. وقسم شعره بين الناس دليل على طهارة الشعور، لأن الخصوص لا يخلو من دليل، وإذا تعرى الخبر من دليل الخصوص فهو على العموم. * * *

стр. 233

ومن باب الحلق قبل النحر والنحر قبل الرمي [١٦٣] قوله: (وَلَا حَرَجَ) (١) أي: لا ضيق ولا إثم على فاعله؛ إذ حصل امتثال الفعل؛ وإن وقع التقديم والتأخير. ومن باب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة به [١٦٤] (التَّحصيبُ) (٢): النزول بالمُحَصَّب وهو الأبطح، ويقال له: الحصبة أيضا. * * * [١٦٥] وقوله: (لَيسَ بِسُنَّةٍ) (٣) أي: من أراد أن ينزله متبركا بنزوله لنزول رسول الله ﷺ به فله الفضل، ومن ترك النزول به؛ ولم يرد مخالفة فعله فليس بتارك للسنة. * * * [١٦٦] وقوله: (وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ ) (٤) يقال: ارتحل القوم بثقلهم أي: بأمتعتهم كلِّها، وقوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]، قالـ[ـت] الشاعر [ة]: أَبَعْدَ ابْنِ عَمْرٍو مِن آلِ الرَّشِي … دِ حَلَّت بِهِ الْأَرْضِ أَثْقَالَهَا (٥)

стр. 234

ومن باب نزول الخيف [١٦٧] حديث أبي هريرة ﵁: (نَحنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ) (١) خَيْف بني كنانة عند مسجد منى عند الصخرة، وأراد ﷺ بنزوله ذلك الموضع؛ [أن] (٢) يمحو أثر الكفر، وأن تثبت له بنزوله به فضيلة، والخَيْف ما ارتفع عن مسيل الوادي؛ ولم يبلغ أن يكون جبلًا. ومن باب المبيت بمكة ليالي منى [١٦٨] في هذا الحديث (٣) من الخصوص للعباس: ترك البيتوتة بمنى، وفضل السقاية، وفضل العباس، ودليل أن قيامه على سقايته أفضل من البيتوتة، والبيتوتة في تلك الليالي من النسك، وكان ذلك النبيذ ماء ألقي فيه تمر؛ فصار حلوا غير مسكر، وإلا لم يشربه النبي ﷺ . ومن باب الصدقة بلحوم البدن وجلودها [١٦٩] حديث علي ﵁: (أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن أَقُومَ عَلَى بُدنِهِ، وَأَن أَتَصَدَّقَ بِلُحُومِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا) (٤)، الأجِلَّة: جمع الجُلّ، وهو كساء يطرح على ظهر البعير، وقوله: (وَلَا يُعطِيَ مِنْهَا (٥) فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا)، الجزارة: فعل الجازر، والجزْر: القطع، وسميت الجزور جزورا لذلك، والجُزارة - بالضم -: أجرة الجازر، ويقال: أخذ الجازر جُزارته، أي أطراف البعير، فراسنه ورأسه،

стр. 235

كما يقال: أخذ العامل عُمالته، وإذا قلت: فرس عبلُ الجزارة فإنما تريد غِلَظ اليدين والرجلين وكثرة عَصَبها، ولا يدخل الرأس في هذا، لأن عِظم الرأس في الخيل هجنة. وفي الحديث دليل أن المضحي والحاج إذا زاد على ما يلزمه؛ فالاختيار أن يفرقه في المساكين، فأما إذا كان لقران ومتعة؛ فقال الشافعي: لا يأكل القارن والمتمتع من لحم هديه شيئا قياسا على ما يلزمه من جزاء الصيد (١). ومن باب اشتراك السبعة في البدنة والبقرة [١٧٠] في هذه الأحاديث: دليل أن الضحايا من الإبل يجوز الاشتراك فيها، وقوله: (وَيَجتَمَعَ النَّفَرُ مِنَّا فِي الهَدِيَّةِ) (٢) الهَدِيَّة: الهدي، ويريد بها الإبل والبقر، وإذا ضحَّى رجل ببدنة؛ يكون ما زاد على السبع فضلا، وفيها أن سنة الإبل أن تنحر قياما معقولة. ومن باب الدليل على أن الرجل لا يصير محرما ببعث الهدي ولا بالتقليد [١٧١] حديث عائشة ﵂ (٣): في الحديث دليل أن الرجل لا يصير محرما بالتقليد؛ كما قال أصحاب الرأي خلافا للحديث (٤)، وفيه أن التقليد للمحرم من شعار الحج، و (العِهن): الصّوف، قال الله تعالى: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]،

стр. 236

و (التَّصفِيق): ضرب الكف على الكف. ومن باب ركوب البدن عند الحاجة إليها [١٧٢] (١) المراد من البدنة التقرب إلى الله بنحرها أو ذبحها، وإذا اضطر إلى ركوبها فهو أملك بمنافعها من غيره، والاختيار ألا يركبها؛ إذا وجد غيرها؛ أو يركبها غير مضر بها. ومن باب ما يصنع بما عطب من البدن قبل أن يبلغ محلها [١٧٣] حديث موسى بن سلمة الهذلي قال: (انطَلَقْتُ أَنَا وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ، مُعتَمِرَينِ، وَانطَلَقَ سِنَانٌ مَعَهُ بِبَدَنَةٍ، فَأَرْحَفَت عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ، فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا إِن هِيَ أُبدِعَت كَيْفَ يَأْتِي بِهَا فَقَالَ: لَئِن قَدِمتُ البَلَدَ لأَسْتَحفِيَنَّ عَن ذَلِكَ) (٢)، قوله: (فَأَزحَفَتْ عَلَيْهِ) (٣) أي: قامت من الإعياء، يقال: أزحف البعير؛ وأزحفه السير، ورُوي في حديث: (وإن راحلته أُزحفت) (٤) - بضم الهمزة -، قال أهل اللغة: زحف القوم إلى القوم أي: مشوا إليهم وقاربوا الخطى.

стр. 237

وقوله: (فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا) أي: تحيَّر، وقوله: (إِن هِيَ أُبدِعَت)، قال أبو عبيد (١): يقال للرجل إذا كلَّت ركابه أو عطَبَت وبقي منقطعا به: قد أُبدِع به، وقيل: الإبداع لا يكون إلا بظلَع، والظَّلَع: الغَمْز، ودابة طالع، يقال: عَرج يعرُج عرَجا، إذا غمَز من شيء أصابه، وعرِج بكسر الراء يعرَج عرْجا، إذا صار أعرج. والعَطَب: الهلاك، يقال عطب يعطَب عطَبا، وفي الحديث: (إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي (٢) أي: وقفت دابتي فاحملني على بعير (٣). وقوله: (لأَسْتَحفِيَنَّ عَن ذَلِكَ) أي: لأستقصين في السؤال عنه، وقوله: (عَلَى الخَبِيرِ سَقَطتَ) أي: أنا عالم بما تسأل عنه، قال صاحب المجمل: أبدعت الراحلة كلَّت وظلَعت (٤). وفي الحديث: دلالة على وجوب السؤال عند الإشكال، ودلالة أن الرجل إذا جعل الشيء الله لم يجز أن يعود فيه. وفي قوله: (وَلَا يَأْكُلُ هُوَ، وَلَا أَهلُ رُفقَتِهِ) (٥)، يعني لئلا يصير ذريعة إلى استباحته؛ فينحر من غير علة، ومنها: أن العِتق والحج؛ إذا قصد به المعتق

стр. 238

والحاج أن يكون عن غيره جاز ذلك؛ ويؤجر المعتق عنه والمحجوج عنه. [١٧٤] ومعنى قوله: (إِن عَطِبَ مِنهَا شَيءٌ) (١) أي: أشرف على العطَب فإن الهلاك إذا وقع بطَل الانتفاع، وقيل: في قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]، حتى يضمنوا أن يعطوا. ومن باب طواف الوداع للحاج [١٧٥] حديث: (أَحَابِسَتْنَا هِيَ؟ فَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَت قَد أَفَاضَت وَطَافَت بِالبَيتِ، ثُمَّ حَاضَت بَعدَ الإِفَاضَةِ، قَالَ: فَلتَنفِر) (٢) فيه دليل أن المرأة إذا حاضت بعد أن تطوف طواف الإفاضة تنفر ولا تنتظر طواف الوداع. وقوله: (عَقرَى حَلَقَى) تقول العرب للرجل منهم إذا دهمه أمر: عقرى حلقى، كما يقولون: (تربت يداك) (٣)، ولا يريدون الدعاء عليه بالفقر، وكذا هذا في معنى: عقرك الله أو حلقك كما يحلق الشعر، وقد روي: (عقرًا حلقًا) (٤) بالتنوين يجعلونهما مصدرين، أي: عقرك الله عقرا وحلقك حلقا. وفي الحديث دليل أن طواف الوداع سنة، إذ لو كان فرضا ما أباح لها

стр. 239

الخروج دونه، ألا ترى أنه حسب أنها لم تطف طواف الزيارة، فلما قيل: إنها أفاضت، قال لها: انفِري، رخص لها في ترك طواف الصدر (١). وفي الحديث دلالة ألَّا وقت لطواف الزيارة؛ لا يجوز إلا فيه، وسنته يوم النحر، فإذا فات؛ فمتى جاء به أجزأه، [وقيل عقرى فعلى في معنى: مفعولة، كالحسرى بمعنى المحسورة] (٢). ومن باب دخول الكعبة والصلاة فيها [١٧٦] قوله: (فَأَجَافُوا عَلَيْهِم البَابَ طَوِيلًا) (٣) أجاف الباب أي: ردَّه، وقوله: (وَاللهِ، لَتُعطِينِهِ أَو لَيَخرُجَنَّ هَذَا السَّيفُ مِن صُلبي) يعني: إن لم أُعطهم المفتاح أخذوا هذا السيف مني، ومنعوني أن أكون بهذه المنزلة، في الحديث فضيلة الكعبة، وفيه: أن دخول البيت سنة، وفيه أن الصلاة في الكعبة جائزة. * * * [١٧٧] وفيه أن حديث بلال أولى من حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ : (دَعَا وَلَم يُصَلِّ) (٤)، لأن حديث بلال مثبت، وحديث ابن عباس ناف، والمثبت أولى من النافي. * * *

стр. 240

ومن باب بنيان الكعبة واقتصار قريش عن أساس إبراهيم ﵇ [١٧٨] قوله: (لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ) (١) حداثة العهد قرب العهد، وقوله: (وَلَجَعَلتُ لَهَا خَلْفًا) أي: بابا آخر من خلفها، وقوله: (يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ) من الجرأة، أو (يُحَزِّبَهُم) (٢) من التحزيب، وهو أن يجعلهم أحزابا، يريد: التفريق، وفي رواية: خارج الصحيح: (أَنْ يُحَرِّضَهُم) (٣). وفي الحديث دليل على وجوب الرفق بالناس، وأنه لا ينبغي أن يعمل الإمام عملا ينفُر منه الناس، إذا كان لتركه مساغ، وفي الحديث دليل أن ما قال ابن عباس ﵁ يترك كما تركه النبي ﷺ ، له وجه، وكذلك قوله: (لَنَقَضتُ الكَعْبَةَ) من نقضه، كان لنقضه وجه. وقيل (الخَلْف): الباب الذي يخلُف الباب الذي كان، (فَتَحَامَاهُ النَّاسُ) أي: حذره الناس، قال بعض أهل العلم (٤): في الحديث من الفقه: مداراة من يُتّقى عليه تغيُّر حاله في دينه، والرفقُ بالجاهل ما لم يكن ذلك في معصية الله، وإنما منع الخلفاء بعد رسول الله ﷺ أن يبنوه اشتغالهم بالجهاد، وقوله: (لولا حِدْثَانُ قَوْمِكِ) حدثان مصدر حدث، كقولك: حرمته حرمانا. * * *

стр. 241

ومن باب الحج عمن لا يستطيع [١٧٩ - ١٨٠] حديث: (أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَم، وَلَكِ أَجْرٌ) (١) وحديث: (إِنَّ أَبِي شَيخٌ كَبِيرٌ) (٢) في الحديث دلالة على جواز الحج عن الحي؛ إذا كان زمِنا أو معضوبا لا يرجى برؤه (٣)، وفيه أن الحج عن الميت جائز؛ أوصى به أو لم يوص. ومن باب فرض الحج على كل مسلم مرة واحدة [١٨١] حديث: (فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟) (٤) في الحديث دلالة أن الأمر بالشيء يقتضي مرة واحدة، إلا أن يقترن به دليل الترادف، والنهيَ يقتضي التأبيد؛ إلا أن يقترن به دليل المرة الواحدة، وفيه كراهة كثرة السؤال. ومن باب لا تسافر المرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم [١٨٢] في الحديث (٥): دليل أن المرأة عورة، ولا يحل لها أن تسافر إلا مع ذي محرم، واحتج جماعة بحديث ابن عمر وأبي سعيد وحديث أبي هريرة من رواية سهيل؛ بأن السفر الذي تقصر فيه الصلاة مبلغه ثلاثة أيام، سير الثقل ومشي الأقدام، ولم يوقتوا في ذلك بالفراسخ حدا، ولو جاز أن يكون ذلك وقتا؛ كان

стр. 242

حديث أبي هريرة ﵁ في البريد واليوم والليلة وقتا (١). [١٨٣] وإنما معنى الخبر منع المرأة عن كل سفر يطول أو يقصر، إلا مع ذي محرم، وفيها أن على الولي أن يحج بوليته إذا كان قادرا عليه، ألا ترى أنه قال: (إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَت حَاجَةً، وَإِنِّي اكتُتِبتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَانطَلِق فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ) (٢) رأى ذلك ألزم له من الخروج في الغزو. ومن باب ما جاء في الدعاء عند الخروج إلى السفر والقفول [١٨٤] قوله: (وَالحوْرِ بَعْدَ الكَوْن) (٣) كان عاصم الأحول يرويه بالنون، وقيل إنما هو بالراء (٤)، والحوْر: النقصان، والكوْر: الزيادة، وعلى رواية عاصم أي: النقصان بعد الكمال، و (وَعثَاءِ السَّفَرَ): مشقته وما يقاسى فيه، و (كَآبَةِ المُنقَلَبِ): أن ينقلب من سفره وقد حدث أمر يكتئب له، أي: يحزن، و (الفَدْفَد): المرتفع من الأرض، (وقَفَل) أي رجع، و (السَّرَايَا): جمع السَّرية.

стр. 243

ومن باب مكة حرام [١٨٥] حديث: (إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِبًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ) (١)، الخَرْبة: الفساد، وفي حديث عبد الله: (وَلَا سَتَرْتَ الخَرَبَة) (٢) يعني العورة، يقال: ما فيه خرَبة: أي: عيب، والخارب: اللصّ. وفي الحديث حجة للشافعي ﵀ أن ولي المقتول عمدا مخير بين القوَد والديّة (٣). [١٨٦] وقوله: (بِخَيرِ النَّظَرَينِ) (٤) أي: الاختيار له فإن رأى الفداء خيرا له أخذ، وإن رأى القود خيرا له اقتص (٥)، وقوله: (حَبَسَ عَن مَكَّةَ الفِيلَ) يعني: الفيل الذي أتى به أبرهة ليخرِّب الكعبة. وفي الحديث دليل أن لُقطة مكة مخصوصة لا يحل لملتقطها منها شيء؛ إلا إنشادها وهو تعريفها؛ حتى يردها إلى صاحبها، وقوله: (لَا يُختَلَى) أي: لا يقطع، والخلى - مقصور -: الحشيش، قال صاحب المجمل (٦): خلَيت دابتي أخلِيها خلْيا: إذا جززت لها الخلى، والخلاء - ممدود -: المكان الذي لا شيء

стр. 244

به، والسيف يختلي أي: يقطع، و (الإِذْخِرُ): نبت. ومن باب دخول مكة والنهي عن حمل السلاح فيها [١٨٧] حديث: (دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأسِهِ مِعْفَرٌ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابن خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَستَارِ الكَعَبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ) (١) قيل إنما أمر بقتله لأنه كان يسبه، قال بعض العلماء: لا يستتاب من سب النبي النبي ﷺ ، ويقتل كما قتل ابن خطَل (٢). وفي الحديث دليل أن الحدود تقام في الحرم. ومن باب تحريم النبي ﷺ المدينة [١٨٨] قوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَحَرَّمتُ المَدِينَةَ) (٣) في الحديث دليل أن العمل بذلك المُد الذي دعا فيه النبي ﷺ ؛ أولى من مد أحدث بعده، وفيه دليل أن للمدينة حرمة أوكد من حرمة غيرها من البلاد، ولولا دلالة قامت على أنها حرم في معنى دون معنى، لكانت حرمتها مثل حرمة مكة، ولكن لما قال النبي ﷺ : (يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ) (٤) دل ذلك على إباحة صيدها. وقوله: (لَا يُعضَدُ عِضَاهُهَا) (٥) يعني: الأشجار النابتة بذاتها دون تنبيت

стр. 245

أحد إياها، قيل: إنما نهى عن قطعها لئلا تذهب أصلا فتنقطع منفعتها، ومن ذلك تأكيد الشفاعة لمن مات بالمدينة. [١٨٩] و (اللَّأْوَاء) (١): الشدة. [١٩٠] و (المَأزَمَان) (٢): الطريقان، و (اللَّابَتَان): الحرتان، وقوله: (وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ) أي: لا رجال معهم. [١٩١] وقوله: (أُحُدٌ، جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) (٣) قيل: يجوز أن يخلق الله المحبة في الجبل؛ كما يكون منه التسبيح، فكما يسبح الجبل فكذلك يحب، قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، قيل: دعا إبراهيم ﵇ أن يجعل الله في مكة البركة، وأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم يجلبون الأقوات، ودعا النبي ﷺ أن يبارك لأهل المدينة في الطعام المكيل بالصاع، والمد الذي به قوام الأبدان؛ بمثلي ما دعا به إبراهيم ﵇ لأهل مكة. وأما ما روي أن سعدا كان يسلُب من يجده يقطع شجرا، قيل يمكن أن يكون سمع سعد من رسول الله من رسول الله ﷺ حديثا أن من قطع شيئا من شجر المدينة على غير ما يجوز سلب، ففعل به ذلك لهذا المعنى (٤).

стр. 246

[١٩٢] وفي الحديث دليل أن من غير سنة المدينة في الشريعة فهو ملعون، فيكون قوله ﷺ : (مَن أَحْدَثَ فِيهَا) (١) أي: في سنتها، وقيل: من أحدث فيها أي: من ابتدع فيها، و (الصَّرفُ) النافلة، و (العَدلُ) الفريضة، وقوله: (ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَة) أي من أجار من المسلمين عبدا كان أو امرأة فإن جواره جائز، و (أَخْفَر) أي: نقض العهد، وخفر أي: حِفظ العهد. [١٩٣] وقوله: (مَا ذَعَرْتُهَا) (٢) أي: ما أفزعتها. [١٩٤] و (دُبُرَ أُحُدٍ) (٣) أي: خلف أحد، وفيه دليل أن المدينة محفوظة من دخول الدجال، يطأ الدجال جميع الأرض، فإذا وصل إلى المدينة منعه الملائكة من دخولها. [١٩٥] وقوله: (أُمِرْتُ بِقَريَةٍ تَأكُلُ القُرَى) (٤) قال مالك: افتتحت القُرى بالسَّيف حتى مكة، وافتُتحت المدينة بالقرآن (٥)، وفي هذا بيان أن المدينة أفضل من سائر البلدان، وقول النبي ﷺ : (يَقُولُونَ: يَثْرِبَ) أي: أن الناس يسمُّونها يثرب، إنما اسمها المدينة، وسمِّيت في القرآن يثرب على وجه الحكاية.

стр. 247

[١٩٦] و (الأَنقَاب) (١): الطرق. * * * [١٩٧] و (يَنصَعُ) (٢) أي: يخلُص، ويقال: لون ناصع أي خالص، وقوله: (أَقِلْنِي بَيْعَتِي) أي: أقلني ما بايعتك به من البقاء معك في المدينة، فأْذَن لي في الرجوع إلى وطني، فأبى عليه، فلما خرج وترك هجرته قال ﷺ : (إِنَّمَا المَدِينَةُ كَالكِيرِ، تَنفِي خَبَثَهَا أي: تنفي عنها من لا خير فيه. [١٩٨] وقوله: (بِدَهمٍ أو بِسُوءٍ) (٣) الدَّهم: العدد الكثير، يعني: بجيش كثير يقصدونه، وقوله: (تَأكُلُ القُرَى) أي: تغلبها وتفتحها، يعني أهل هذه القرية، وهم الأنصار. ومن باب إخبار النبي ﷺ بفتح الشام وفتح اليمن [١٩٩] قوله: (يَبُسُّونَ) (٤) هو أن يقال في زجر الدابة: بِسْ بِسْ، وهو صوت الزجر إذا سقت حمارا أو غيره، وهو من كلام أهل اليمن. [٢٠٠] وقوله: (مُذَلَّلَةً لِلعَوَافِ) (٥) سقطت الياء من آخره، وكسرة الفاء تدل عليه، وهي جمع عافية، وهي السباع والذئاب والطير، قال:

стр. 248

لعزَّ علينا ونعِمَ الفتَى … مَصِيرُك يا عَمْرو للعافيه (١) و (يَنعِقَانِ)؛ أي: يصوتان (وَحشًا): أي خالية، أو قد استبدلت بالناس الوحش. [٢٠١] وقوله: (رَوضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ) (٢) قيل: يُقتلع فيُدخل الجنة فيكون روضة، وقيل فضيلتها كفضيلة روضة من رياض الجنة، وقيل: من أقام بذلك المكان رغبة في جوار النبي ﷺ استوجب روضة من رياض الجنة. ومن باب كان النبي ﷺ يأتي قباء راكبا وماشيا وباب المسجد الذي أسس على التقوى [٢٠٢ - ٢٠٣] في هذه الأحاديث (٣): فضيلة مسجد النبي ﷺ ، وفيه دلالة أن الرجل إذا نذر أن يصلي في مسجد فصلى في غيره؛ إذا كان مثله في الفضل أو أفضل منه، فإن ذلك جائز، وفيها إباحة لتفسير القرآن إذا كان على وجهه.

стр. 249

كتاب النكاح وقال بعض العلماء: الحاجة إلى النكاح ضرورية من جهة أن بقاء العالم إنما هو بالتناسل والتوالد، إذ لا يتوهم للدنيا التي جعلها الله دار محنة بقاء ولا ثبات، وهو ينقسم إلى محلل ومحرم، فلا خفاء في العقول بحسن النكاح، لأن في الزنا بطلان التعارف بالأنساب، واختلاط القرابات، مع ما في النكاح: من ثبوت الحرمات؛ والحقوق؛ والتآلف الذي يقع به الاجتماع على نصرة الحق؛ وإحياء الدين. قالت عائشة ﵂: (كَانَ النِّكَاحُ فِي الجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَربَعَةِ أَنحَاءٍ: فَنِكَاحٌ مِنْهَا: نِكَاحُ النَّاسِ اليَومَ، يَخطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُل ابنَتَهُ فَيُصدِقُهَا، وَيَنكِحُهَا. وَنِكَاحٌ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَت مِن طَمْثِهَا: أَرسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوجُهَا، لَا يَمَسُّهَا حَتَّى يَبِينَ حَمِلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُل، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِنْ أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَصْنَعُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، وَكَانَ هَذَا النَّكَاحُ يُسَمَّى نِكَاحَ الاسْتِبْضَاعِ. وَنِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ دُونَ الْعَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ لَهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، فَتَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ، وَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، فَتُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ مِنهُم،
следующие страницы →