في الحيض لئلا تطول عليها العدة، فلم يكن ليجوِّزه في هذا، وذلك المعنى بعينه موجود.
وفي الحديث دليل على أن الطلاق في الحيض بدعة، وأن من طلق في الحيض وكانت المرأة مدخولا بها؛ وقد بقي من طلاقها شيء؛ فإن عليه أن يراجعها.
وفي قوله: (وَإِن شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَن يَمَسَّ) دليل على أن من طلق امرأته في طهر كان أصابها فيه، فإن عليه مراجعتها، لأن كل واحد منهما مطلق لغير السنة، وإذا اجتمعا في هذه العلة؛ وجب أن يجتمعا في وجوب حكم الرجعة، وهذا على معنى وجوب استعمال حكم السنة فيه، وقال مالك ابن أنس ﵁: يلزمه مراجعتها، وجوبا، لا يسعه غير ذلك (١).
وفيه دليل على أن طلاق البدعة يقع على الحائض كوقوعه على الطاهر، إذ لو لم يكن واقعا لم يكن لمراجعته إياها معنى، وقالت الخوارج والروافض: إذا طلق في وقت الحيض لم تطلق (٢)، وقال الشافعي: السنة في الوقت دون العدد، وله أن يطلقها واحدة وثنتين وثلاثا (٣)، قال أصحاب الشافعي: إنما منعه من طلاقها في ذلك الطهر لئلا تطول عليها العدة، لأن المراجعة لم يكن تنفعها
стр. 281
حينئذ، فإذا كان كذلك كان يجب عليه أن يجامعها في الطهر؛ ليتحقق معنى المراجعة، فإذا جامعها لم يكن له أن يطلق، لأن طلاق السنة هو الذي يقع في طهر لم يجامع فيه (١).
وفي الحديث دليل أن الاعتداد بالأطهار، إذ أمره بالطلاق في الطهر، ثم قال: (فَتِلكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَن يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ)، وفي تغيظ النبي ﷺ إذ طلقها في الحيض دليل أن الطلاق في الحيض بدعة.
ومعنى قوله: (استَحمَقتُ) أي: تحامقت، وقوله: (فَمَه، أَرَأَيْتَ إِن عَجَزَ) (٢) أي: أيُّ شيء يكون إذا لم يعتد بها، إنكارا منه لقول يونس: (أَفَتَعتَدُّ بِهَا)، فكأنه قال: وهل من ذلك بد؟ أرأيت لو عجز واستحمق فلم يفعل ذلك، أكان يعذر فيه؟ وفي قوله : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أمر أن يطلق النساء في وقتٍ يبتدئن فيه بالعدة في طهر لم يمَسَّ فيه، وحديث أبي الزبير: (فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَه شَيْئًا) (٣) أي شيئا مفرقا للعصمة، إذ جعل له الرجعة، وبيانه في حديث ابن أبي ذئب عن نافع إذ قال: (فليراجعها، وهي تطليقة) (٤)، ولأنه لو لم تقع الفرقة، لم يكن للارتجاع معنى.
стр. 282
ومن باب ذكر ما روي أن الثلاث للبكر واحدة
[٢٥٦] قيل: الحديث (١) منسوخ باتفاق الصحابة ومن بعدهم من العلماء، قال علقمة: جاء رجل إلى عبد الله ﵁ فقال: طلقت امرأتي تسعة وتسعين، فقال: ثَلَاثٌ تُبينُهُنَّ وَسَائِرُهُنَّ عُدْوَان) (٢)، وقال زيد بن وهب: كان لعاب بالمدينة، فطلق امرأته ألفا، فأتى عمر ﵁ فقال: إنما كنت ألعب فرفع عليه الدرة وقال: (كَانَ يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثٌ) (٣)، وقال عطاء بن يسار: كنت عند عبد الله بن عمرو ﵁ فسئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، فقلت أنا مجيبا، فقلت: إن الثلاث للبكر واحدة، فقال لي عبد الله بن عمرو: (اسْكُتْ يا ابْنَ يَسَارٍ؛ فَإِنَّمَا أَنْتَ قَاصٌّ وَلَسْتَ بِمُفْتٍ، الوَاحِدَةُ تَبِينُهَا، والثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) (٤).
وفي رواية ابن طاووس (٥) عن أبيه: (فَقَالَ عُمَر ﵁: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أَمرٍ قَد كَانَ لَهُم فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَو أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِم، فَأَمضَاهُ عَلَيْهِم)، أي حكم بأنه إذا طلقها ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، و (الأَنَاة): الرفق، وفي رواية عن طاووس أن أبا الصهباء قال لابن عباس ﵁: (هَنَاتٌ مِنْ هَنَاتِك) (٦)، أي زلة من زلاتك، أنكر عليه الحكم بإيقاع الثلاث، وقوله: (تَتَابَعَ النَّاسُ) (٧) أي:
стр. 283
تهافتوا، يعني في الطلاق؛ وأكثروا الطلاق.
ومن باب في الحرام كفارة يمين
[٢٥٧] حديث ابن عباس ﵁ قال: (إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ، فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا) (١)، اختلف العلماء في الرجل يقول لامرأته: أنت علي حرام، فقال جماعة: إنها ثلاث، وقال جماعة: إن ذلك كذب، وقال قليلون: إنه على نية الرجل، والصحيح في تأويل الآية (٢): ما رواه ابن عباس ﵁ (٣)، وأخبر به عن فعل النبي ﷺ في بيان قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، أي: ذلك يمين إذا لم ينو الطلاق، وقيل: هو يمين إن نوى أو لم ينو، قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١].
[٢٥٨] وفي حديث عائشة ﵂: (فَتَوَاطَأتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلَتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحًا) (٤)، وفي رواية: (رِيحَ مَغَافِيرَ)، (تَوَاطَأتُ): أي اتفقت أنا وحفصة، وقوله: (مَا دَخَلَ)، ما زائدة و (المَغَافِيرَ):
стр. 284
صمغ يسيل من الشجر، قيل: من شجر العرفط، وهو حلو كالناطف، وله ريح منكرة، و (العُرفُط): من شجر العضاه، والعضاه: كل شجر له شوك، والنحل يأكل منها، ومعنى: (جَرَسَت نَحلُهُ العُرْفُطَ) أي: أكلت من هذه الشجرة، ويقال للنحل جوارس.
وكان النبي ﷺ يكره أن يوجد منه رائحة شيء من الأطعمة والأشربة، وكان يتوقاها لأجل الملَك، وفي الحديث دليل على الاحتراس من مكائد النساء، ودليل أن النبي ﷺ كان يحب الحلواء والعسل، و (العُكَّة): الزق الصغير، وفي الحديث دليل أن غيرة النساء على أزواجهن جِبلة.
ومن باب ما جاء في التخيير
[٢٥٩] حديث عائشة ﵂ (١): في الحديث دليل على الرجل إذا خير امرأته فاختارت زوجها؛ لم يكن ذلك طلاقا، وفيه دليل أن الخيار إنما يكون للمرأة ما دامت في مجلسها، إذ قال: (لَا عَلَيكِ أَن لَا تَعجَلِي حَتَّى تَستَأْمِرِي أَبَوَيكِ).
[٢٦٠] وفي حديث عائشة (٢): ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] دليل أن النبي ﷺ كان مخصوصا بأشياء لم يشاركه فيها أمَّتُه، وفي الحديث دليل على التسوية بين النساء؛ دون البخس بحق واحدة منهن.
стр. 285
ومن باب اعتزال النبي ﷺ نساءه
[٢٦١] حديث جابر ﵁ قوله: (فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا وحَولَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا) (١)، (وَاجِمًا) أي: متغيرا حزينا، وفي حديث أبي بكر ﵁ أنه قال الطلحة ﵁: (مَا لِي أَرَاكَ وَاجِمًا) (٢) أي مهتما، قال أهل اللغة: وجَم يجِم وُجوما، إذا حزن (٣).
وقوله: (يَا رَسُولَ اللهِ، لَو رَأَيتَ بِنتَ خَارِجَةَ - هي امرأة أبي بكر ﵁ سَأَلَتِنِي النَّفَقَةَ، فَقُمتُ إِلَيْهَا، فَوَجَأتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ النَّبِي ﷺ )، وجأته: أي ضربته، قال صاحب المجمل (٤): وجأت عنقه، وتوجَّأته، أي: ضربته بيدي، ويقال: وجأ يجأ وجأً.
وقوله: (إِنَّ الله لَم يَبعَثنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا)، أصل العنت: المشقة، والمُعَنِّت: هو الذي يحمل على الناس المشقة، والمتَعَنِّت: الذي يتكلف العنت، يحمل على نفسه فوق طاقته، وأكَمة عَنُوتٌ، أي: طويلة، وفي رواية: (فَقَالَ عُمَر يَا رَسُولَ الله لَو رَأَيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ - هِيَ امْرَأَةُ عُمَر ﵁ تَسْأَلُنِي النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ عُنُقَها) (٥)، وفي رواية: (لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّفًا) (٦) بالفاء، التعنيف: مأخوذ من العُنف، والعنف ضد الرفق.
стр. 286
[٢٦٢] وفي رواية: (فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ، مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ) (١)، (الْمَشْرُبَةِ): الغرفة، (مُدَلٍّ) أي: مرسل، و (النَّقِير): جذع ينقر فيجعل له مراق يُرقى عليه كالسلَّم، ونقير فعيل بمعنى مفعول، قال صاحب المجمل: المشارب: الغرف (٢).
وقوله: (وَمِثْلِهَا قَرَظًا) القرَظ: نبت يُدبغ به، وقوله: (وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ) الأفِيق: الجلد الذي في الدِّباغ، وقوله: (فَابْتَدَرَت عَيْنَايَ) أي: سال منهما الدمع، وقوله: (فَنَزَلتُ أَتَشَبَّثُ بِالجِذْعِ) أي: أتمسك، وقوله: (يُرقَى إِلَيْهَا بِعَجَلَةٍ) (٣)، العجلة: سُلَّم من خشب، قال صاحب المجمل: العجلة: خشبة معترضة على نعامة البئر، والغرب معلق بها (٤).
قيل: النعامة: شبه المظلة، والنعائم: خشبات تنصب على الرَّكية، يعلق عليهن القامة؛ إذا لم يكن للرَّكِية زرانق (٥).
وفي رواية: (وَإِنَّ عِندَ رِجْلَيهِ قَرَطًا مَضبُورًا)، المضبور: المجموع، وفي نسخة: (مَصبُورًا) (٦) بالصاد غير المعجمة، أصل الضَّبر: الجمع، يقال: ضبر
стр. 287
الفرس إذا جمع قوائمه ووثب، والإضبارة من الكتب من ذلك، وأما الصبر بالصاد غير المعجمة فهو الحبس، وبالضاد المعجمة أشبه، وقوله: (عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ) أي: بأهلك وخاصتك، أي: لا تدخل فيما بين النبي ﷺ وبين أهله، أي: غيِّر ما كرهت على أهلك الذين ينفُذ فيهم حكمك دون سائرهن.
وقوله: (أَن كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنكِ) أي: أحسن منك، والوسامة: الحسن، والجارة: الضَّرَّة، وقوله: (فَقُلتُ: أَسْتَأنِسُ) الاستئناس: طلب الأنس، والانبساط، و (غَسَّان): قبيلة بالشام، وقوله: (تُنعِلُ الْخَيلَ) يقال: أَنْعَلت الدابة، هذه اللغة الفصيحة، ونَعَلت ليست بفصيحة، وفرس مُنعَل: إذا كان بياضه في أسفل رسغه، وقوله: (عَلَى رَملِ حَصِيرٍ) يقال: رمَلت السرير، إذا شددته بشريط أو غيره، وأرملت النسيج، قال:
كَنَسِيجِ الْعَنْكَوتِ المُرْمَلِ (١)
أي: المنسوج، وروي (فَإِذَا عُمَرُ ﵁ جَالِسٌ عَلَى رُمَالِ حَصِيرٍ) (٢)، رُمال: بالضم بمعنى: رَمِيل، كعجاب بمعنى عجيب، وفي الكسر جمع رمل بمعنى مرمول، يريد نسيجًا في وجه السرير من السَّعف، أو من الشريط، يقال: رملته أرمله وأرملته أرمله، وقوله: (فَأَخَذَتِنِي أَخذًا) يعني: بلسانها، (كَسَرَتني) أي: أسكنتني.
стр. 288
وفيه دليل على إباحة الاحتجاب من الناس لسبب يحدث أو علة تَعرِض، وفيه دليل أن للإمام أن يختص البعض من أصحابه بكرامة دون البعض، إذ أذن لأبي بكر وعمر ﵄ دون الناس، وفي قول أبي بكر وعمر ﵄: (يَا رَسُولَ اللهِ، لَو رَأَيْتَ بِنتَ خَارِجَةَ) و (يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيتَ بِنتَ زَيدٍ) دليل على استحباب تطييب نفس الإمام.
وفيه دليل على تأديب النساء، وفيه دليل أن الرجل إذا كان معدَما لا يطالب بما لا يطيقه، وفيه جواز اتخاذ الآذن، وأنه لا ينبغي للآذن أن يأذن حتى يستأذن، وفيه دليل أن الإشارة تقوم مقام الكلام، وفيه اختيار الزهد إذ كان في خزانة النبي ﷺ ما ذكر من الأَفِيق، وفيه اختيار الجمال على القبح، وفيه ما يبيح الانبساط إذا عرف لنفسه تلك المنزلة.
ومن باب بطلان نفقة المبتوتة
[٢٦٣] حديث فاطمة بنت قيس ﵂: (أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَقَهَا البَتَّةَ) (١)، قوله: (أَمَّا أَبو جَهِمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَن عَاتِقِهِ)، يريد بذلك غلظته وخشونته، وقوله: (وَأَمَّا مُعَاوِيَةٌ فَصُعلُوكٌ) أي: فقير.
وفي الحديث دليل على أن المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، وقد اختلف العلماء في ذلك فقالت طائفة: لا نفقة لها ولا سكنى إلا أن تكون حاملا، روي ذلك عن ابن عباس ﵁، وإليه ذهب أحمد بن حنبل (٢).
стр. 289
وقالت طائفة: لها السكنى والنفقة؛ حاملا كانت أو غير حامل، روي ذلك عن عمر ﵁، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي (١).
وقالت طائفة ثالثة: لها السكنى ولا نفقة لها، وإليه ذهب مالك والشافعي (٢)، وحجتهم قوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، فأوجب السكنى عاما، وأما نقل النبي ﷺ إياها من بيت أحمائها إلى بيت ابن أم مكتوم؛ ففيه اختيار موضع السكني؛ لا إبطال السكنى.
وقد اختلفوا في سبب ذلك فقالت عائشة ﵂: (كَانَت فَاطِمَة فِي مَكَانٍ وَحشٍ، فَخِيفَ عَلَيْهَا فَرَخَّصَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في الانتِقَالِ) (٣)، وقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت عن بيت أحمائها لطول لسانها (٤)، ومعنى قولها: (البَتَّةَ)، أي: الثلاثة، وقد روي أنها كانت آخر تطليقة بقيت لها من الثلاث.
وفي الحديث من الفقه أن خطبة النبي ﷺ إياها لأسامة على خطبة معاوية وأبي الجهم؛ أن الركون منها إليهما لم يوجد، وفي حديث النبي ﷺ : (لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) (٥)، يعني إذا أذنت المخطوبة في إنكاح رجل بعينه؛ فلا يحل لأحد أن يخطبها في تلك الحال؛ حتى يأذن الخاطب الأول.
стр. 290
وفي الحديث دليل أن المال معتبر في بعض أنواع الكفاءة، ودليل على جواز نكاح المولى القرشية، ودليل على جواز تأديب الرجل امرأته، ودليل أن ذكر الخاطب بعيب فيه على وجه النصيحة؛ وإرشاد المرأة إلى ما فيه حظها ليس بغِيبة.
وقيل في قوله: (لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ): التأديب والضرب، وقيل: كثرة الأسفار والظَّعن عن الوطن، وفيه أن المفلس لا يكون كفؤا للمرأة الغنية.
قال بعض العلماء: كان أبو جهم كثير الصوم والصلاة، ولكنه لما عرف بضرب النساء نسب إليه، وفي الحديث جواز الجَرح والتعديل، وفيه أن المستشار مؤتمن، وفيه: أن تزار المرأة الصالحة في بيتها، وقوله: (لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِكِ) أي: لا تسبقينا، أي: لا تنكحي من غير إذننا ورأينا.
و (رُطَبِ ابن طَابٍ) نوع من الرطب منسوب (١)، و (سَوِيقَ سُلْتٍ) السُّلت: نوع من الشعير، وقوله: (فَحَصَبَهُ بِهِ) أي: رماه به، وقوله: (وأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ) أي: فقير، يقال: ترِب إذا افتقر، وأَترَب إذا استغنى، وقوله: (فَاغْتَبَطْتُ) أي: صِرتُ بحال الغبطة، و (آصع) جمع صاع [ ..... ] (٢)، (نَجرَان): بالنون والجيم، (فَتَزَوَّجتُهُ، فَشَرَّفَنِي اللهُ بِابْنِ زَيدِ) تعني: بأسامة بن زيد، وفي رواية: (بأبي زَيدٍ) (٣) وهو كنية أسامة، وفي التكنية نوع إكرام، وقوله: (طَلاقًا بَاتًّا) أي: ثلاثا.
стр. 291
ومن باب خروج المطلقة عن منزلها إذا خافت على نفسها
[٢٦٤] قولها: (وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يُقتَحَمَ عَلَيَّ) (١) الاقتحام: الدخول بكُره.
[٢٦٥] وقولها: (فَأَرَادَت أَن تَجُدَّ نَخلَهَا) (٢)، جِداد (٣) النخل وصِرامها: قطع ثمرها، يقال: جديد، والأمر منه للمؤنث: جُدِّي - بضم الجيم، وفي الحديث: (نَهَى عَن جِدَادِ اللَّيلِ) (٤) قيل: إنما نهى عن ذلك لأنهم يحضرون فيتصدق عليهم منه (٥)، وفي حديث أبي بكر ﵁: (إِنِّي كُنتُ نَحَلْتُك جَادَّ عِشْرِينَ وَسِقًا مِنَ النَّخلِ، وَبِوِدِّي أَنَّكِ كُنتِ حُزتِيهِ فَأَمَّا اليَومَ فَهُوَ مَالُ الوَارِثِ) (٦) يعني: نحلها في صحته نخلًا كان يَجُدُّ منه في كل صِرام عشرين وسقا، ولم يكن أقبضها ما نحلها، فلما مرض رأى النخل وهو غير مقبوض غير جائز، فأعلمها أن ورثته شركاؤها فيه.
وفي الحديث دليل أن للمعتدة من الطلاق أن تخرج بالنهار، ولا يُجَدُّ النخل في غالب العرف إلا نهارا، ونخل الأنصار قريب من دورهم، فهي إذا خرجت بُكرة للجِداد، أمكنها أن تمسي في بيتها لقرب المسافة، وهذا في المعتدة من التطليقات الثلاث، فأما الرجعية فإنها لا تخرج ليلا ولا نهارا، وقال أبو حنيفة: لا تخرج المبتوتة ليلا ولا نهارا كالرجعية، وقال الشافعي: تخرج نهارا
стр. 292
ولا تخرج ليلا (١).
وفي الحديث: الرخصة في عمل المعاش، وفيه: استحباب المعروف والصدقة.
ومن باب ما جاء في عدة الحامل
[٢٦٦] حديث سُبيعة بنت الحارث: قوله: (فَلَمَّا تَعَلَّت مِن نِفَاسِهَا) (٢) معناه: طهرت، وهو تفَعَّلت من العلو، وفيه لغة أخرى: تعالت، وهو تفاعلت من العلو، وقوله: (تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ) أي: تزينت لمن يخطبها، (فَلَم تَنشَب): فلم تلبث، (ابن بَعْكَكِ): بكافين.
[٢٦٧] (نُفِسَتْ) (٣) بضم النون، تنفس بضم التاء مستقبل.
وفي الحديث دليل على استحباب طلب العلم؛ لما جرى بينهم من المناظرة في هذه المسألة (٤)، وفي الحديث الرجوع إلى الخبر وترك النظر في مقابلته.
стр. 293
ومن باب الإحداد على الميت
[٢٦٨] حديث أم حبيبة ﵂ (١) اختلف العلماء فيما تجتنبه المُحِدُّ من الثياب: فقال الشافعي ﵀: كل صبغ كان زينة، أو وشي كان لزينة في ثوب، أو تلميع كان زينة من العصب، والحِبَرة، فلا تلبسه المُحِدّ غليظا كان أو رقيقا (٢).
وقال مالك: لا تلبس ثوبا مصبوغا بشيء من الصَّبغ، إلا بالسواد، وقال الثوري: تتقي الزينة والثوب المصبوغ، وقال أصحاب الرأي: لا تلبس ثوبا مصبوغا بعُصفُر أو ورس أو زعفران، وقالوا لا تلبس شيئا من الحلي، وقال مالك: لا تلبس خاتما ولا خلخالا، والخضاب مكروه في قول الأكثر (٣).
قال أهل اللغة: العَصْبُ من الثياب: ما عُصب غزله فصبغ قبل أن ينسج، وذلك كالبُرود والحِبَر ونحوها (٤)، والمُمَشَّق: ما صبغ بالمشق، وهو يشبه المَغْرَة (٥).
قال الشافعي: كل كحل كان زينة فلا خير فيه، مثل الإثمد وغيره مما يَحسُن موقعُه في عينها، فأما الكحل الفارسي وما أشبهه إذا احتاجت إليه [فلا] (٦) بأس به لأنه ليس فيه زينة، بل يزيد العين مرها وقبحا (٧).
стр. 294
وقال مالك: إذا اشتكت عينها فلا بأس أن تتداوى بالكحل الأسود (١)، قال أهل العلم: كحل الجلاء هو الإثمد، وسمي جلاء لأنه يجلو البصر.
وفي الحديث أنهم تمسكوا بظاهر ما علموا؛ حتى نقلهم النبي ﷺ إلى حكم غيره، وسنة النبي ﷺ بيان عن الله تعالى، ألا ترى أنها تطيبت عن غير حاجة منها إليه لتعلمهم السنة، وأنه لا ينبغي الإحداد على غير الزوج.
و (الإحْدَادُ): ترك الزينة وما كان مصبوغا يدعو إلى شهوة، والاكتحال والطيب وإذهاب الشعث بالدهن من ذلك.
[٢٦٩] و (الحِفْشُ) (٢): البيت الصغير، و (تَفْتَضّ): بالفاء والضاد المعجمة تفتعل من فض أي كسر، أي تكسر عدتها وتخرج منها، بأن تضرب تلك الدابة بشيء من بدنها تريد بذلك الخروج من العدة، وكانت العادة جرت بقضاء الله أن المضروب بذلك الشيء يموت، وقد روي: (فَقَلَّمَا تَقْبصُ) (٣): بالقاف والباء والصاد المهملة، والقبص: القرص بأطراف الأصابع.
[٢٧٠] و (الأَحلاس) (٤): جمع الحِلْس، والحِلْسُ: كساء خلق، وقولها: (تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لِأُمِّ حَبِيبَةَ) أي: قريب.
стр. 295
[٢٧١] و (العَصْبُ) (١): جنس من البرود يصبغ غزله ثم ينسج، و (النُّبذَةُ): الشيء اليسير، و (قسطٍ وأَظفَارٍ): شيئان معروفان من متاع الصيادلة، و (الإِحدَادُ): الامتناع من الزينة، يقال: أحدَّت المرأة وحَدَّت، وذلك في عدة الزوج.
ومن باب اللعان
[٢٧٢] حديث سهل بن سعد ﵁: قول عاصم لعويمر: (لَم تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَد كَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَسأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنهَا؟) (٢) فيه دلالة على ترك الاستقصاء في المسألة، وفي قوله: (فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا) دلالة أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا في طهرها كان مطلقا للسنة، إذ لو لم يجز لزجر عنه النبي ﷺ .
قيل: إنما أظهر رسول الله ﷺ الكراهة في ذلك إيثارا لستر العورات، وكراهة لهتك الحرمات، والمسألة إذا كانت فيما يلزم الحاجة إليه من أمر الدين فمباحة، وما كان على طريق التكلف والتعنت فمكروه، قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٣]، وعاب مسألة بني إسرائيل في قصة البقرة، وقوله: (فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَسَائِلَ وَعَابَهَا)، (فَقَالَ عُوَيمِرٌ: وَاللهِ، لَا أَنتَهِي حَتَّى أَسأَلَهُ عَنْهَا) وسكوت النبي ﷺ عن جواب السائل زجر له عن المسألة، وجوابه في الحالة الثانية عقوبة وتغليظ.
وفي الحديث دلالة أن الإمام لا يلاعن بين الزوجين؛ إلا بمحضر من جماعة الناس، قال بعض العلماء: الفرقة لا تقع بنفس اللعان؛ حتى يفرق بينهما
стр. 296
الحاكم، ولولا ذلك كذلك لم يكن للتطليقات الثلاث معنى، وقال جماعة: لو لم تكن الفرقة واقعة باللعان لكانت المرأة في حكم المطلقات ثلاثا (١).
وقد أجمعوا على أنها ليست في حكم المطلقات ثلاثا، فدل أن الفرقة واقعة قبل، قال بعض العلماء: لما قيل له: (لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا)، وجد من ذلك في نفسه فقال: (كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِن أَمْسَكْتُهَا هِيَ طَالِقٌ ثَلاثًا)، يريد بذلك تحقيق ما مضى من الفرقة، وقوله: (فَكَانَ ذلكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَينِ) يريد التفرقة بينهما.
وقد اختلفوا في الوقت الذي تقع فيه الفرقة؛ وإن لم تكن المرأة التعنت بعد، وقال أصحاب الرأي: الفرقة إنما تقع بتفريق الحاكم بينهما بعد أن يتلاعنا معا (٢).
[٢٧٣] وفي حديث سعيد بن جبير: (سُئِلْتُ عَنِ المُتَلَاعِنَينِ فِي إِمْرَةِ مُصعَبٍ، فَمَضَيتُ إِلَى مَنزِلِ ابن عُمَرَ ﵁ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لِلغُلَامِ: استَأْذِنَ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَائِل) (٣) يعني من القيلولة، و (الإِمرَة): الإمارة، و (البَرذَعَةِ): كساء محشو يلقى على ظهر الدابة، وقوله: (فَوَاللهِ، مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ) حاجة: رفع فاعل جاء، والساعة: نصب على الظرف.
واللعان المجتمع عليه: أن يدعي الزوج رؤية كالمِروَد في المِكحلة، أو ينفي حملا يدعي فيه الاستبراء بحيضة، واللعان المختلف فيه: أن يقذفها ولا يدعي رؤية، ولا ينفي حملا، يحد ولا يلاعن.
[٢٧٤] وقوله: (فَإِن جَاءَت بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ العَينَينِ فَهُوَ لِهِلَالِ بن
стр. 297
أُمَيَّةَ، وَإِن جَاءَت بِهِ أَكحَلَ جَعِدًا حَمْشَ السَّاقَينِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بن السَّحمَاءَ) (١) قال أهل اللغة: قضى الثوب قضاء فسد، وقضئت العين فسدت، وقضُؤ الخشب قضاءة دخله عيب، قال صاحب المجمل: القضُأة: العيب والفساد، يقال: في عينه قضُأة أي فساد (٢)، و (حَمشَ السَّاقَيْنِ): دقيق الساقين، و (السَّبِطُ): المسترسل الشعر، و (الجَعدُ): ضد ذلك، و (الأَكحَلُ): الشديد سواد العين.
وفي الحديث من الفقه: أن المتلاعنين يوعَظان، وفيه أنهما إذا تلاعنا افترقا، ثم لا يجتمعان أبدا، لقوله: (لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا).
[٢٧٥] وقوله: (فَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٣) إنما هو تفريق حكم، لا تفريق قول، والدليل على ذلك أنه قال: (وَأَلْحَقَ الوَلَد بِالأُمِّ) (٤)، والولد يلحق بها وإن لم يُلحقه الإمام.
[٢٧٦] وقوله: (خَدْلًا) (٥) الخدل: الممتلئ الساقين.
[٢٧٧] وقوله: (لَضَرَبتُهُ بِالسَّيفِ غَيْرُ مُصفِحٍ) (٦)، صَفْحُ كل شيء: وجهه وناحيته، أي بحدِّه لا بعرضه، هذا إذا روي بفتح الفاء، ويكون حالا للسيف، وإذا روي بكسر الفاء يكون حالا للرجل، أي: غير ضارب بوجه السيف، قال
стр. 298
أهل اللغة صَفْحَا السيف وجهاه، وغِراراه حدَّاه (١).
وقوله: (كَانَت تُظهِرُ فِي الإِسلَامِ السُّوءَ) (٢) يعني: الفاحشة.
ومن باب إذا جاء ولد الرجل أسود لا ينفى منه
[٢٧٨] حديث أبي هريرة ﵁: (هَل فِيهَا مِن أَورَقَ؟) (٣)، (قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرقًا) الأورق الذي لونه لون الرماد والجمع: وُرق.
وقوله: (عَسَى أَن يَكُونَ نَزَعَهُ عِرقٌ) فيه دلالة أن العرق ينزع، والشبه يكون للأغلب، وفي حديث اللعان: لما كان الذي ادعى عليه خَدْلًا ضخما؛ استدل به على نزوع الشبه، وحكم بالظاهر ولم يستعمل دلالة صدقه، ولو جاز الحكم في ذلك بالدلالة لكان الحد واجبًا.
[٢٧٩] وفي قول سعد: (إِن كُنتُ لأُعَاجِلهُ بِالسَّيْفِ) (٤) دليل على أنه ربما يستوجب القتل، بأن يكون محصنا فيزني، ولم يأذن له فيه؛ لأنه ربما نال منها ما لا يستحق القتل به، فلا ينبغي أن يقتله.
وفي حديث المغيرة: دليل على استحباب الغيرة في المحارم، وفيه دليل أن الاعتذار إلى الله من الذنب مما يتقرب به إلى الله، وفيه دليل أن ذكر محامد الله مما يتقرب به إلى الله، وفي غيره من الأخبار: أن التعريض لا يوجب الحد، وأن الكاذب في اللعان يستوجب النار، وأن النسب لا يثبت بالألوان.
стр. 299
ومن كتاب العتق
[٢٨٠] حديث ابن عمر ﵁: (مَن أَعتَقَ شِركًا لَهُ فِي عَبدٍ) (١)، ذهب الشافعي ﵀ ومالك وأحمد ﵀ إلى ظاهر هذه الأحاديث، وأن المُعتق إذا كان موسرا فأعتق نصيبه عَتَقَ كلُّه؛ وضمن قيمة نصيب شريكه، وإن كان معسرا عتق نصيبه، ورق نصيب شريكه (٢).
وذهب الثوري وأصحاب الرأي إلى أنه وإن كان معسرا، سعى فيما بقي منه بقيمته (٣).
[٢٨١] ومن حجتهم: حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في السعاية (٤)، وقد تفرد سعيد بهذه اللفظة (٥)، وقيل: إنه اختلط في آخر عمره (٦)، قال الدارقطني: لا يصح الاستسعاء عن النبي ﷺ وهو من رأي قتادة، ورواه همام عن قتادة
стр. 300
وفصل الاستسعاء من الحديث، فجعله من رأي قتادة وقوله، لا من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (١).
و (الاِستِسعَاء): من السعي، وهو طلب الكسب، و (مَشقُوقٌ عَلَيْهِ): من المشقة، و (الشِّقصُ) و (الشَّقِيصُ): النصيب، و (الشِّركُ) و (الحِصَصُ): جمع حصة، وهي وهي النصيب.
ومن باب الولاء لمن أعتق
[٢٨٢] حديث بريرة (٢): في الحديث دليل على إباحة قبول هدية الفقير؛ وإن كان أصلها صدقة، وفيه: أن بيع الأمَة ذات الزوج ليس بطلاق لها، وقال بعض العلماء: إن بريرة عجزت؛ فلذلك استجيز بيعها (٣).
وقيل معنى: (وَاشتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ)؛ أي: عليهم، ومثله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] أي: عليهم اللعنة، وفيه دليل أن الولاء لمن يعتق، وإذا ثبت فلا يجوز تحويله، ولا هبته، وفيه أن الشرط إذا كان مع العتق فإنه لا يفسده، وفيه: أن الأمَة إذا أعتقت تحت حر؛ لم يكن لها خيار.
وفي حديث هشام بن عروة: (وَلَو كَانَ حُرًّا لَم يُخَيِّرْهَا) بيان شاف ألا خيار لها إذا كانت تحت الحر، وفيه: أن المكاتب إذا اعترف بالعجز عن أداء الكتابة؛ جاز له فسخ الكتابة، وقيل: قوله: (اشْتَرِطِي لَهُمُ) أمر بمعنى الإيعاد (٤)، وفيه:
стр. 301
أن الشرط في العتق جائز، وذلك مخصوص، وفيه أن الصدقة لم تكن تحل للنبي ﷺ ، وفيه: أن المكاتب يوضع عنه شيء لا بد منه، وفي قولها: (كَاتَبتُ أَهْلِي عَلَى تِسع أَوَاقٍ) دلالة على إجازة الكتابة معلومة، وقوله: (كُلّ سَنَةٍ أُوقِيَّةٌ) أي: يكون الأداء مقرونا بانقضاء كلِّ سنة.
وفي الحديث دلالة على معونة المكاتب، والدليل عليه قبوله وفك الرقبة، وفي اختلاف بريرة إلى عائشة ﵂ وإلى مواليها مساوِمة بنفسها؛ دلالة على رضاها بالعيب، ودلالة على أنها إذا رضيت بأن تباع جاز، ويكون رضاها دليل (١) على العجز، وفيه: أن شرط العتق في الشراء جائز، وفيه: إجازة أخذ نجوم المكاتب (٢) من مسألة الناس؛ لترك النبي ﷺ زجر بريرة عن سؤال عائشة ﵂.
وفي قوله: (كُلُّ شَرطٍ لَيسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ) (٣) الزجر عن اشتراط ما لا يجوز شرطه، وفيه: أن كل ما حكم به نبي الله ﷺ فجائز أن يقال إنه حكم الله تعالى وقضاؤه.
وفي بيع المكاتب دليل أن المكاتب عبد، وفيه دليل أنه لا يجوز له الجمع بين أربع نسوة، ولا يجوز له أن يتسرى، كما لا يجوز للعبد، وفيه: أن المكاتب إذا قُذف لم يكن على قاذفه حد، لما روي عن النبي ﷺ قال: (مَن قَذَفَ مَملُوكَه ضُرِبَ لَهُ الحَدُّ يَومَ القِيَّامَة) (٤) فلو ضُرب في الدنيا لم يُثَنَّ عليه في الآخرة.
стр. 302
وفيه: إجازة بيع الأمَة في العتق دون ولدها، لأن في خبر ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ) (١) يريد زوج بريرة، وإذا لم يكن الشراء بشرط العتق؛ لم يجز بيعها دون ولدها.
وفي قول النبي ﷺ : (شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) دلالة ألا حق لأحد مع شرط الله تعالى بخلاف شرطه، وفيه دلالة أن كل لحم يشتريه مسلم من مسلم؛ فجائز أكله من غير أن يسأل: أذكاة مسلم أم مجوسي؟ (٢)، وفيه: قبول رواية المرأة؛ لما ذكر أن عائشة ﵂ قالت: (أُهْدِيَ لِبَرِيرَة) (٣).
وفي سؤال النبي ﷺ لبريرة أن تَقرَّ عند زوجها بعد الحرية، دلالة على إباحة تزويج العبد الحرة، وفيه دلالة أن الإمام إذا أراد عظة رعيته قدم قبلها حمد الله والثناء عليه، وفيه: أن الأمَة إذا بيِعت لم تُطلَّق من زوجها، لأن بريرة بيعت ولها زوج، فخيَّرها النبي ﷺ بعد البيع، واختلفت الرواية في خبر عائشة، ﵂ فروى أهل العراق أنه كان حرًّا (٤)، وروى أهل الحجاز أنه كان عبدًا (٥)، فإن صحت الروايتان تعارضتا وسقطتا، وانفرد الحكم لحديث ابن عباس ﵁
стр. 303
أنه كان عبدا (١).
وفيه: أن اختيارها الفراق فسخ غير طلاق، وفيه أن للحاكم: أن يشفع فيما كان قد بان له الحكم فيه بترك ما قد وَجب؛ إذا كان مما يحل تركه، إذ قال النبي ﷺ (لَوْ رَاجَعْتِيهِ) (٢)، وفيه: أن الزوج لا يملك بعد الفسخ الرجعة، وفيه: أن الكتابة عقد على غرر معفو عنه؛ إذ شرط العقود بين المتعاقدين أنه لا ينفسخ إلا باتفاقهما على الفسخ.
ومن باب النهي عن بيع الولاء وهبته
[٢٨٣] حديث ابن عمر ﵄: (نَهَى عَن بَيعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ) (٣)، فيه بيان ثبوت
الولاء، وفيه: أن الولاء لا يوهب ولا يحول، فإنه ثابت كالنسب.
ومن باب لعن من تولى غير مواليه
[٢٨٤] حديث جابر ﵁: (كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى كُلِّ بَطنٍ عُقُولَهُ) (٤)، البطن: القبيلة، والعُقُول: جمع العقل، وهو الدِّيَّة، وذلك أن الرجل إذا جنى على آدمي جناية خطأ، فإنها تكون على عاقلته، وهم العصبة لا يُنقل عنهم ما كان فيهم من يحملها.
стр. 304
[٢٨٥] وفي حديث علي ﵁: (وَذِمَّة المُسلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسعَى بِهَا أَدْنَاهُم، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انتَمَى إِلَى غَير مَوَالِيهِ، فَعَلَيهِ لَعَنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقبَلُ اللهُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرفًا، وَلَا عَدلًا) (١) في الحديث: إيعاد لمن انتقل بولاية عمن له الولاء إلى غيره، وإيعاد لمن لم ينصر أهل ولايته، وفيه أن من أمَّنَ من المسلمين؛ فأمانه جائز عبدا كان أو امرأة، وفيه: أن الإحداث في المدينة يوجب عظيم العقوبة.
و (الصَّرفُ): قيل: النافلة، و (العَدلُ): الفريضة، وقيل: الصرف: الكسب، قال الشاعر:
قَد يُرْزَقُ الجِلْفُ الهدَانُ الجَافِي … بِغَير لَا عَسْفٍ وَلَا اصْطِرَافِ (٢)
الهِدَانُ: الأحمق الخامل، والاصطراف: الاكتساب.
ومن باب فضل من أعتق رقبة مؤمنة
[٢٨٦] حديث أبي هريرة ﵁: (أَعتَقَ اللهُ بِكُلِّ إِربٍ مِنه إربًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ) (٣) الإرب: العضو، وفي الحديث: فضيلة العتق، وفيه فكاك من النار.
стр. 305
ومن باب عتق الولد الوالد
[٢٨٧] حديث أبي هريرة ﵁: (لَا يَجزِي وَلَدٌ وَالِدًا) (١)، وفي رواية ابن أبي شيبة: (وَلَدٌ وَالِدَه) (٢)، في الحديث دليل أن الرجل إذا ملك أباه أو ابنه عُتِق عليه، وقوله: (فَيَشتَرِيَهُ فَيُعتِقَهُ): أي: يُعتَق باشترائه إياه، فيكون ذلك سببا لعتقه، وإذا كان كذلك كان هو المعتق، ومِلك الولد لا يستقر على الوالد، لأن بعضهما من بعض.
стр. 306
باب النهي عن الملامسة والمنابذة
[٢٨٨] قد ذكر مسلم تفسير الحديث (١) بالإسناد: قال أهل العلم: (المُلَامَسَةُ: أَن يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوبَ صَاحِبِهِ مِن غَيرِ تَأَمُّلٍ، وَالمُنَابَذَةُ: أَن يَنبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوبَهُ إِلَى الْآخَرِ، وَلَمْ يَنظُر كُل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى ثَوبِ صَاحِبه) (٢).
ومن باب بيع الحصاة وبيع الغرر
[٢٨٩] فمن (بيع الغَرَر) (٣): أن يبيعه شيئا مجهولا لا يعرفانه، ومنه: أن يبيع الشيء ولا يمكنه تسليمه، ومثله العبد الآبق يباع، والسمك في الماء لا يوصل إليه إلا بالاصطياد، والشيء يباع بغير إذن صاحبه.
و (بَيعُ الحَصَاةِ): البيع بالحصاة، وذلك أنهم كانوا يتراضون على أن أحدهما إذا نبذ الحصاة إلى صاحبه الذي يساومه بالسلعة، فقد وجب البيع بينهما.
стр. 307
ومن باب النهي عن بيع حبل الحبلة
[٢٩٠] قيل: (بَيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ) (١): أن يباع ما ينتج جنين هذه الناقة بهذا البعير، أو بهذا الشيء فيفترقان على ذلك، أو يبيع ما يلده نتاج نتاج هذه الناقة، ولا يدري أتلد أو لا تلد، وقال ابن عمر ﵁: (كَانَ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحمَ الجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ، وَحَبَلُ الحَبَلَةِ أَن تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تَحْمِلَ الَّتِي نُتِجَتْ) (٢).
ومن باب النهي عن بيع بعضهم على بعض
[٢٩١] حديث: (لَا يَبع الرَّجُلُ عَلَى بَيع أَخِيهِ) (٣)، وفي رواية أبي هريرة: ﵁ (لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ المُسْلِم) (٤) وفي رواية: (نَهَى أَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) (٥) وفي رواية: (عَلَى سِيمَةِ أَخِيهِ) (٦).
قال أهل اللغة (٧): استام الرجل يستام استياما، إذا طلب بسلعته ثمنا، وفي الحديث: (نَهَى عَن السَّوم قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ) (٨)، قال الزجاج: السوم أن يساوم سلعته في ذلك الوقت لأنه وقت ذكر الله لا يشتغل فيه بشيء (٩) قيل: إذا ركن
стр. 308
البائع إلى السائم، وجعل يشترط وزن الذهب، ويتبرأ من العيوب وما أشبه هذا؛ مما يعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم، هذا هو السوم المنهي، وما كان قبل ذلك فلا بأس به.
ومن باب بيع النجش
[٢٩٢] حديث: (وَلَا تَنَاجَشُوا) (١)، النجش: أن يعطي الرجلُ بالسلعة ثمنا: كثيرا وهو لا يريد [شراءها] (٢) ليغر به غيره، فيعطي ذلك الثمن، وذلك خيانة، فمن باع على النجش فللمشتري رد السلعة.
وأما (التَّصْرِيَة) فمن قولك: صرَّيت الشيء، أي جمعته، قال صاحب المجمل: صرَّى الماء يُصرِّيه إذا جمعه، وماء صَرًى مجموع، وكأن الصَّرَاة منه، وسُمّيت المُصَرَّاة من الشاء لاجتماع اللبن في ضرعها (٣).
[٢٩٣] وحديث: (المُصَرَّاة) (٤) أصل في الرد بالعيوب في الحيوان.
[٢٩٤] وحديث: (دَعُوا النَّاسَ يَرزُقِ اللهُ بَعضَهُم مِن بَعض) (٥)، هذا نظر من النبي ﷺ لأهل الحاضرة على أهل البادية، يفضلهم عليهم لإقامتهم
стр. 309
الجماعات، ولعلمهم بالسنن، قال بعض العلماء: لا بأس أن يشتري حاضر لباد، وأما إذا باع حاضر لباد لم يجز (١).
قال بعض العلماء: قوله: (لا يَبع) أي: لا يشتر (٢)، وقيل: معناه: لا يساوم (٣)، وقال الشافعي: هو أن يتبايع الرجلان السلعة، ولم يتفرقا فيجيء رجل فيعرض على المشتري سلعة أجود مما اشتراه بأقل من ثمنها، فيفاسخه البيع، ويشتري هذه الرخيصة، فهو عاص؛ لنهي رسول الله ﷺ (٤).
وفي الحديث دليل على تحريم الخديعة والغرور، وأما: (تَلَقِّي الرُّكبَانِ): كانوا إذا أشرفوا على بلدة بسلعهم؛ ولا يعرفون سعرها؛ يتلقاهم متلقٍّ فيشتريها منهم بالغبن فنهى النبي ﷺ عن ذلك، لئلا يُخدعَ مسلم، ثم جعل له الخيار إذا قدم السوق.
وأما: (بَيعُ الحَاضِرِ لِلْبَادِ)، فإن العرب إذا قدموا بسلعهم الأسواق؛ ولم يكن لهم من يتوكل لهم في البيع؛ لم يتربصوا بها وباعوها بسعر يومها، فأصاب الناس ربحا، وإذا تربصوا بها بطَل هذا المعنى، وهذا النهي على معنى الاختيار: (دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) فلو لم يجز البيع؛ لم يكن في ذلك ما
стр. 310
يمنع الرزق، فاستُدِل بذلك على أن البيع جائز، والإثمَ حاصل.
قال بعض العلماء (١): (أصل الغرر هو ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه وسرُّه، وهو مأخوذ من قولهم: طويت الثوب على غِرِّه، أي: على كسره الأول، فكل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم، أو معجوزا عنه غير مقدور عليه فهو غرر، وذلك مثل: أن يبيعه سمكا في الماء، أو طيرا في الهواء، أو لؤلؤة في البحر، أو عبدا آبقا، أو جملا شاردا، أو ثوبا في جراب لم يره، ولم ينشره، أو طعاما في بيت لم يفتحه، أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمرة شجرة لم تثمر، في نحوها من الأمور التي لا تعلم، ولا تُدرى هل تكون أم لا، فإن البيع فيها مفسوخ.
وإنما نهى النبي ﷺ عن هذه البيوع، تحصينا للأموال أن تضيع، وقطعا للخصومة، وجماع الأمر: الغرر ما دخل المقصود منه الجهل، ومن ذلك: بيع الحصاة، وهو أن يعترض الرجل القطيع من الغنم فيرمي فيها بحصاة، فأية شاة منها أصابت الحصاةُ فقد استحقها البيع).
وأما (المُصَرَّاة): فقال الشافعي: التَّصرية: أن يربط أخلاف الناقة أو الشاة، وتُترك من الحلب يومين أو ثلاثة حتى يجتمع لها لبن؛ فيراه مشتريها كثيرا، فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها، فإذا حلبها بعد تلك الحَلْبة حَلْبة أو حَلْبتين، عرف أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غرور (٢).
قال أهل اللغة: أصل التَّصرية: حبس الماء وجمعه، والشاة المُصَرَّاة: التي
стр. 311
قد صُرِّي اللبن في ضرعها، يعني: حُقِن وجُمع فلم يحلب، وسميت الصَّراة صَراةً لأنها مياه اجتمعت، قال أبو عبيد: ولو كان من الربط لكانت مصرورة أو مصرَّرة (١).
وقول الشافعي صحيح، والعرب تَصُرُّ ضروع الحَلوبات إذا أرسلتها تسرح، ويسمون ذلك الرباط صِرارًا، فإذا راحت حُلَّت تلك الأَصِرَّة وحلبت، ومن هذا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر يحل صرار ناقة بغير إذن صاحبها، فإنه خاتم أهلها عليها) (٢)، ومن هذا قول عنترة:
العَبْدُ لا يحُسنُ الكَرَّ … إنما يُحسن الحَلْبَ والصَّرَّ (٣)
وقال مالك بن نويرة - وكان بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجهوا بها إلى أبي بكر ﵁، فمنعهم من ذلك، ورد على كل رجل منهم صدقته، وقال: أنا جنة لكم مما تكرهون - وقال:
وقُلْتُ خُذُوها هذِهِ صَدَقاتكُمْ … مُصَوَّرَة أَخْلَافُها لَمْ تُجَرَّدِ
стр. 312
سأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَحْذَرُونه … وأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِمَا قُلْتُهُ يَدِي (١)
قيل: يحتمل أن يكون أصل المُصَرَّاة: المُصَرَّرَة، أبدل إحدى الراءين ياء كقولهم: تقضى البازي، وأصله تقضض، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، فأبدلوا حرفا منها بحرف آخر ليس من جنسها، قال العجاج:
تَقَضِّيَ البازِي إِذا البازِي كَسَرْ (٢).
وممن قال بظاهر الحديث، وقال يردها ويرد معها صاعا من تمر: مالك والشافعي وأحمد، وأبو عبيد (٣)، وقال أبو حنيفة: إذا حلب الشاة فليس له أن يردها، ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها (٤)، لأن فيه تقويم المتلف بغير النقود، وإبطال رد المثل في ما له مثل، وتقويم القليل والكثير من اللبن بقيمة واحدة وبمقدار، واحتجوا بقوله ﷺ : (الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ) (٥)، وقال أبو يوسف: يرد قيمة اللبن (٦).
وفي الحديث بيان أن دين الإسلام تعبد، فما كشف لنا عن دليله فالدليل
стр. 313
متبوع، وما تعرى عن الدليل؛ فما عقل من ظاهره فالعمل واجب بذلك، فلما كانت ألبان الإبل والبقر والغنم تختلف لا محالة، وجعل النبي ﷺ قيمة الزيادة التي حدثت في الضروع بالتصرية صاع تمر لا سَمْراء، علم أن ذلك تعبد لا لعلة، وهو مسَلَّم لحكمه لا اعتراض عليه بالعلل.
وقول أهل العراق: إنه يرجع على بائعها بنقصان عيبها، وليس له ردها، قال بعض العلماء التصرية: جمع اللبن في الضرع بترك الحِلاب، والتحفيل - كذلك -: يقال شاة محفّلة.
ومن باب ما ورد في فساد البيع قبل القبض
[٢٩٥] حديث ابن عباس: قال طاووس فقلت له: وكيف ذاك؟ قال: (دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرجَأٌ) (١)، قال أهل العلم: لا يجوز بيع الطعام قبل القبض، واختلفوا فيما عداه من الأشياء، فقال أبو حنيفة: ما عدا الطعام بمنزلة الطعام، إلا الدور والأرضين؛ فإن بيعها قبل قبضها جائز (٢).
وقال الشافعي: الطعام وغير الطعام من السلع والدور والعقار في هذا سواء؛ لا يجوز بيع شيء منها حتى يقبض (٣)، وهو قول ابن عباس ﵁ (٤)، قيل: قاس
стр. 314
ما عدا الطعام على الطعام بعلة أنه عين مبيعة لم يقبض، أو لأنه بلغه أن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن (١)، والشيء المبيع ضمانه قبل القبض على البائع، فلم يجز للمشتري ربحه.
وقال أحمد بن حنبل: يجوز بيع كل شيء منها ما خلا المكِيل والموزون (٢).
وفي هذه الأخبار بيان أن من ابتاع شيئا لم يجز له بيعه حتى يقبضه، لأن ملك المشتري عليه لم يتكامل عليه، وجعل أحمد الحديث مخصوصا في المكيل والموزون.
والقبض يختلف: فقبض ما يحول: بالنقل من موضع البائع إلى موضع المشتري، وقبض ما لا يحول من العقار: وأن (٣) يُسلم بلا حائل دونه.
واحتج بعض من ذهب إلى جواز بيع ما عدا الطعام قبل أن يقبض، بخبر ابن عمر ﵁ أنهم كانوا في عهد رسول الله ﷺ يبيعون الإبل بالبقيع بالدنانير؛ فيأخذون الدراهم، وبالدراهم فيأخذون الدنانير، فأجازه رسول الله ﷺ إذا وقع التقابض قبل التفرق (٤)، وهذا بيع للثمن الذي وقع به العقد قبل قبضه، فدل أن النهي مقصور على الطعام وحده.
стр. 315
ومن العلماء من جعل البيع كافلا بوجوب الصفقة، وقالوا: إن الملك ينتقل بنفس العقد؛ بدليل أن المبيع لو كان عبدا فأعتقه المشتري قبل القبض عتق، وإذا ثبت الملك جاز التصرف ما لم يكن فيه إبطال حق لغيره، قيل: ومقتضي الدراهم عن الدنانير لا يقصد به الربح، فلم يدخل تحت النهي عن ربح ما لم يضمن (١).
قال أهل اللغة (٢): أرجيت الشيء ورجَّيته: أخرته، ويُتكلم به مهموزا وغير مهموز، فقوله: (مُرْجَأٌ) أي: مؤخرا عن التسليم غير حاضر، وهو من باب السلف، وذلك أن يشتري منه طعاما إلى أجل، فيبيعه قبل أن يقبضه منه بدينارين، وهو غير جائز لأن في التقدير بيع ذهب بذهب، والطعام مؤجل غائب غير حاضر، وإنما صار ذلك بيع ذهب بذهب، لأن المسْلِف إذا باعه الطعام الذي لم يقبضه، وأخذ منه ذهبا؛ فقد تقابل الذهبان في التقدير، فكأنه إنما باعه ديناره الذي كان أسلفه الطعام؛ بدينارين وهو فاسد.
ومن باب ما جاء في خيار المتبايعين
[٢٩٦] فيه حديث ابن عمر ﵄: في هذه الأحاديث بيان أن التفرق بالبدن لا بالكلام، وذلك واضح في حديث الليث بن سعد إذ قال: (فَإِن خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَقَد وَجَبَ البَيْعُ، وَإِن تَفَرَّقَا بَعدَ أَن تَبَايَعَا وَلَم يَتْرُك وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيعَ، فَقَد وَجَبَ البَيعُ) (٣)، فهذا التفرق بعد البيع ليس التفرق نفسه، وذلك أنهما يكونان متساومين، ثم يكونان متبايعين.
стр. 316
وفي حديث عبد الله بن دينار: (كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلَا بَيعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيعُ الخِيَارِ) فنفى البيع إلا بعد أن يتفرقا، فعلم أن التفرق غيره.
ومن باب ما ورد في نفي الخديعة
[٢٩٧] حديث: (فَقُل: لَا خِلَابَةَ) (١) قوله: (لَا خِلَابَةَ) أي: لا خداع، وفيه: إبطال الخداع، وأن البيع إذا وقع على ذلك بطَل، وفيه: أن الغبن الفاحش لا يجوز.
ومن باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها
[٢٩٨] فيه حديث ابن عمر ﵁ (٢): في هذه الأحاديث: بيان أن بيع الثمار لا يجوز إذا لم تكن مدركة أو مُزهِية، وفيها: أنه إذا باعها على أن يقطعها من ساعته؛ أن البيع جائز لأن النهي عما يستبقى إلى وقت الإدراك، بدليل قوله: (أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ) (٣)، فإذا قطعه من وقته أمن من الآفة.
[٢٩٩] وقوله: (حَتَّى يُحزَرَ) (٤): من الحَزْر: الذي هو الخَرْص (٥).
стр. 317
ومن باب بيع التمر بالتمر
[٣٠٠] حديث ابن عمر ﵁ (١) وفيه ذكر المزابنة والعَرِيَّة، قيل: بيع المزابنة: بيع جزاف، وقيل: بيع العرايا رخصة، والعرايا تتصرف على وجوه، منها: أن يقول الرجل للرجل: أعريتك ثمر هذه النخلة، أي: جعلت لك ثمرها هذا العام، ومنه الحديث: (إِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةِ وَالْوَصِيَّة) (٢).
والوجه (٣): أن يكون للرجل النخلة الواحدة وسط نخل كثير لرجل آخر، فيمر إلى تلك النخلة وسط نخل هذا، فيتأذى بمروره عليه، فرخص له إذا كانت ضرورة؛ أن يبيعها بخرصها تمرا.
والوجه الثالث: أن الرخصة جاءت على سبب، ثم صارت مطلقة في المقدار، وصار خبر داود بن الحصين (٤) مفسرا للأخبار المجملة، قال الخطابي: (أصل العرايا في اللغة من قول القائل: أعريت الرجل النخلة، أي: أطعمته ثمرها يعروها متى شاء، أي: يأتيها فيأكل رطبها، يقال: عروتَ الرجل إذا أتيته تطلب معروفه، كما يقال: طلب إلي فأطلبته، وسألني فأسألته.
وقيل: سميت عريَّة لأن الرجل يعريها من جملة نخله، لا يبيعها مع النخل، فربما أكلها، وربما وهبها لغيره، فهي مستثناة من جملة النهي عن المزابنة، والمزابنة: بيع الرطب بالتمر، ألا تراه يقول: (وَرَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا)، والرخصة
стр. 318
إنما تقع بعد الحظر، وورود الخصوص على العموم لا ينكر في أصل الدين.
وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما، ألا يُحملا على المنافاة، ولا يُضرب بعضها ببعض، لكن يستعمل كل واحد منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء في كثير من الحديث: ألا ترى أنه لما نهى حكيما عن بيع ما ليس عنده (١)، ثم أباح السَّلَم، كان السلم عند جماعة الفقهاء محله مباحا، في وبيع ما ليس عند المرء محظورا في محله، وذلك أن أحدهما - وهو السَّلَم - من بيوع الصفات، والآخر من بيوع الأعيان، فإنما جاء تحريم المزابنة فيما كان من التمر موضوعا على وجه الأرض، وجاءت الرخصة في بيع العرايا فيما كان منها على رؤوس الشجر؛ في مقدار معلوم منه بكمية لا يزاد عليها وذلك من أجل ضرورة أو مصلحة، فليس أحدهما مناقضًا للآخر ولا مبطلا له) (٢).
قال أهل اللغة: الزَّبْن: الدفع، وأصله أن المتبايعين إذا وقفا فيه على الغبن فأراد المغبون أن يفسخ البيع، وأراد الغابن أن يمضيه تزابنا، أي: تدافعا واختصما، ومنه قيل: زبانية أهل النار، لأنهم يدفعون أهلها فيها (٣).
قال بعض العلماء (٤): بيع المزابنة: بيع على وجه المكايسة والتجارة، وبيع العرايا: بيع على وجه المعروف لا مكايسة فيها، قال مالك: المزابنة: بيع جزاف بكيل من صنفه من التمر؛ مما لا يجوز فيه التفاضل في الكيل (٥).
стр. 319
ومن باب من باع نخلا مؤبرة
[٣٠١] فيه حديث ابن عمر ﵁ (١): في الحديث من الفقه: أن الثمار والزروع ليست بتابعة للأرضين والكروم، وأنها لا تدخل في البيع إلا بالشرط، والأشجار تابعة للأرض؛ اشترطت أو لم تشترط، وأما مال العبد فإنه ملك للسيد، وإضافته إلى العبد كإضافة السَّرج إلى الفرس، فما لم يكن مما يجزئ فيه الصرف - فاشترط في البيع وهو حاضر أو معلوم - فالبيع جائز.
قال أهل اللغة (٢): الإبَّار: تلقيح النخل، يقال: نخلة مأبورة ومؤبرة، وتأبر النخل: قبل الإبار، وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] أي: تلقح بما تمر عليه؛ كما تلقح الأنثى إذا حملت، وفي الحديث: (خَيْرُ المَالِ: مُهرَةٌ مَأْمُورَةٌ، أو سِكَّةٌ مَأبُورَةٌ) (٣)، المأبورة: الملقحة، يقال: أبَّرتُ النخل، وائتبرتُ غيري: إذا سألتَه أن يأْبُر لك نخلك، قال طرفة:
وَلِي الأَصلُ الَّذِي فِي مثلِه … يُصلحُ الآبِرُ زَرْعَ المؤتَبِرْ (٤)
فالآبر: العامل، والمؤتبر: رب الزرع، والمعنى: إني عريق في الكرم، لأن أبي كان أصلا لكل مكرمة.