← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1260

التحرير في شرح صحيح مسلم - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (542 стр.). Показаны 315–354 · переход к 320.

стр. 315

ومن العلماء من جعل البيع كافلا بوجوب الصفقة، وقالوا: إن الملك ينتقل بنفس العقد؛ بدليل أن المبيع لو كان عبدا فأعتقه المشتري قبل القبض عتق، وإذا ثبت الملك جاز التصرف ما لم يكن فيه إبطال حق لغيره، قيل: ومقتضي الدراهم عن الدنانير لا يقصد به الربح، فلم يدخل تحت النهي عن ربح ما لم يضمن (١). قال أهل اللغة (٢): أرجيت الشيء ورجَّيته: أخرته، ويُتكلم به مهموزا وغير مهموز، فقوله: (مُرْجَأٌ) أي: مؤخرا عن التسليم غير حاضر، وهو من باب السلف، وذلك أن يشتري منه طعاما إلى أجل، فيبيعه قبل أن يقبضه منه بدينارين، وهو غير جائز لأن في التقدير بيع ذهب بذهب، والطعام مؤجل غائب غير حاضر، وإنما صار ذلك بيع ذهب بذهب، لأن المسْلِف إذا باعه الطعام الذي لم يقبضه، وأخذ منه ذهبا؛ فقد تقابل الذهبان في التقدير، فكأنه إنما باعه ديناره الذي كان أسلفه الطعام؛ بدينارين وهو فاسد. ومن باب ما جاء في خيار المتبايعين [٢٩٦] فيه حديث ابن عمر ﵄: في هذه الأحاديث بيان أن التفرق بالبدن لا بالكلام، وذلك واضح في حديث الليث بن سعد إذ قال: (فَإِن خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَقَد وَجَبَ البَيْعُ، وَإِن تَفَرَّقَا بَعدَ أَن تَبَايَعَا وَلَم يَتْرُك وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيعَ، فَقَد وَجَبَ البَيعُ) (٣)، فهذا التفرق بعد البيع ليس التفرق نفسه، وذلك أنهما يكونان متساومين، ثم يكونان متبايعين.

стр. 316

وفي حديث عبد الله بن دينار: (كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلَا بَيعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيعُ الخِيَارِ) فنفى البيع إلا بعد أن يتفرقا، فعلم أن التفرق غيره. ومن باب ما ورد في نفي الخديعة [٢٩٧] حديث: (فَقُل: لَا خِلَابَةَ) (١) قوله: (لَا خِلَابَةَ) أي: لا خداع، وفيه: إبطال الخداع، وأن البيع إذا وقع على ذلك بطَل، وفيه: أن الغبن الفاحش لا يجوز. ومن باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها [٢٩٨] فيه حديث ابن عمر ﵁ (٢): في هذه الأحاديث: بيان أن بيع الثمار لا يجوز إذا لم تكن مدركة أو مُزهِية، وفيها: أنه إذا باعها على أن يقطعها من ساعته؛ أن البيع جائز لأن النهي عما يستبقى إلى وقت الإدراك، بدليل قوله: (أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ) (٣)، فإذا قطعه من وقته أمن من الآفة. [٢٩٩] وقوله: (حَتَّى يُحزَرَ) (٤): من الحَزْر: الذي هو الخَرْص (٥).

стр. 317

ومن باب بيع التمر بالتمر [٣٠٠] حديث ابن عمر ﵁ (١) وفيه ذكر المزابنة والعَرِيَّة، قيل: بيع المزابنة: بيع جزاف، وقيل: بيع العرايا رخصة، والعرايا تتصرف على وجوه، منها: أن يقول الرجل للرجل: أعريتك ثمر هذه النخلة، أي: جعلت لك ثمرها هذا العام، ومنه الحديث: (إِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةِ وَالْوَصِيَّة) (٢). والوجه (٣): أن يكون للرجل النخلة الواحدة وسط نخل كثير لرجل آخر، فيمر إلى تلك النخلة وسط نخل هذا، فيتأذى بمروره عليه، فرخص له إذا كانت ضرورة؛ أن يبيعها بخرصها تمرا. والوجه الثالث: أن الرخصة جاءت على سبب، ثم صارت مطلقة في المقدار، وصار خبر داود بن الحصين (٤) مفسرا للأخبار المجملة، قال الخطابي: (أصل العرايا في اللغة من قول القائل: أعريت الرجل النخلة، أي: أطعمته ثمرها يعروها متى شاء، أي: يأتيها فيأكل رطبها، يقال: عروتَ الرجل إذا أتيته تطلب معروفه، كما يقال: طلب إلي فأطلبته، وسألني فأسألته. وقيل: سميت عريَّة لأن الرجل يعريها من جملة نخله، لا يبيعها مع النخل، فربما أكلها، وربما وهبها لغيره، فهي مستثناة من جملة النهي عن المزابنة، والمزابنة: بيع الرطب بالتمر، ألا تراه يقول: (وَرَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا)، والرخصة

стр. 318

إنما تقع بعد الحظر، وورود الخصوص على العموم لا ينكر في أصل الدين. وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما، ألا يُحملا على المنافاة، ولا يُضرب بعضها ببعض، لكن يستعمل كل واحد منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء في كثير من الحديث: ألا ترى أنه لما نهى حكيما عن بيع ما ليس عنده (١)، ثم أباح السَّلَم، كان السلم عند جماعة الفقهاء محله مباحا، في وبيع ما ليس عند المرء محظورا في محله، وذلك أن أحدهما - وهو السَّلَم - من بيوع الصفات، والآخر من بيوع الأعيان، فإنما جاء تحريم المزابنة فيما كان من التمر موضوعا على وجه الأرض، وجاءت الرخصة في بيع العرايا فيما كان منها على رؤوس الشجر؛ في مقدار معلوم منه بكمية لا يزاد عليها وذلك من أجل ضرورة أو مصلحة، فليس أحدهما مناقضًا للآخر ولا مبطلا له) (٢). قال أهل اللغة: الزَّبْن: الدفع، وأصله أن المتبايعين إذا وقفا فيه على الغبن فأراد المغبون أن يفسخ البيع، وأراد الغابن أن يمضيه تزابنا، أي: تدافعا واختصما، ومنه قيل: زبانية أهل النار، لأنهم يدفعون أهلها فيها (٣). قال بعض العلماء (٤): بيع المزابنة: بيع على وجه المكايسة والتجارة، وبيع العرايا: بيع على وجه المعروف لا مكايسة فيها، قال مالك: المزابنة: بيع جزاف بكيل من صنفه من التمر؛ مما لا يجوز فيه التفاضل في الكيل (٥).

стр. 319

ومن باب من باع نخلا مؤبرة [٣٠١] فيه حديث ابن عمر ﵁ (١): في الحديث من الفقه: أن الثمار والزروع ليست بتابعة للأرضين والكروم، وأنها لا تدخل في البيع إلا بالشرط، والأشجار تابعة للأرض؛ اشترطت أو لم تشترط، وأما مال العبد فإنه ملك للسيد، وإضافته إلى العبد كإضافة السَّرج إلى الفرس، فما لم يكن مما يجزئ فيه الصرف - فاشترط في البيع وهو حاضر أو معلوم - فالبيع جائز. قال أهل اللغة (٢): الإبَّار: تلقيح النخل، يقال: نخلة مأبورة ومؤبرة، وتأبر النخل: قبل الإبار، وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] أي: تلقح بما تمر عليه؛ كما تلقح الأنثى إذا حملت، وفي الحديث: (خَيْرُ المَالِ: مُهرَةٌ مَأْمُورَةٌ، أو سِكَّةٌ مَأبُورَةٌ) (٣)، المأبورة: الملقحة، يقال: أبَّرتُ النخل، وائتبرتُ غيري: إذا سألتَه أن يأْبُر لك نخلك، قال طرفة: وَلِي الأَصلُ الَّذِي فِي مثلِه … يُصلحُ الآبِرُ زَرْعَ المؤتَبِرْ (٤) فالآبر: العامل، والمؤتبر: رب الزرع، والمعنى: إني عريق في الكرم، لأن أبي كان أصلا لكل مكرمة.

стр. 320

ومن باب النهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة [٣٠٢] (المُحَاقَلَةُ) (١): بيع الزرع بالحنطة، وقيل: المحاقلة: المزارعة بالثلث والربع، مأخوذ من الحقل وهو القراح. وأما (المُخَابَرَةُ): فالمزارعة على الثلث والربع، قيل: هي مأخوذة من الخُبرة، والخُبرة: النصيب، قال الشاعر: إذا ما جَعَلْتَ الشَّاة لِلنَّاسِ خُبْرَةً … فَشأنَكَ إِنِّي ذَاهِبٌ لِشُؤُونِي (٢) وقيل: هي من الخَبَار، والخَبار: أرض لينة، وكان ابن الأعرابي يقول: أصل المخابرة من خيبر، لأن رسول الله ﷺ كان أقرها في أيدي أهلها على النصف، فقيل: خابرهم أي: عاملهم في خيبر، ثم تنازعوا فنهي عن ذلك، ثم جازت بعد (٣)، وقيل: هو مأخوذ من الخبير، يقال للزارع الخبير. وأما (المُعَاوَمَةُ): فهي: بيع السنين، وهو بيع ما تحمل النخل أو الشجر سنين، وذلك غرر أو مجهول، لأنه ربما حملت وربما لم تحمل، ولا يُدرى كم الذي تخرجه من الثمر. قال بعض العلماء: المحاقلة: بيع الحنطة في السنبل بحنطة حاضرة، والمزابنة: بيع الرطب المعلق في رؤوس النخلة بتمر يابس، وذلك إما يقع متفاضلا، أو مجهولا.

стр. 321

والجائحة: أن تصيب الثمرةَ آفة تجتاحها، من العلماء (١) من قال في قال في ذلك: يوضع الثلث فما فوقه، ولا يوضع ما دونه، والجائحة المستأصلة. و (الإِشقَاحُ): أن يحمرَّ البسر أو يصفرَّ، وفي رواية أبي الوليد المكي: (وَالإِشقَاهُ: أَن تحمَرَّ، أَو تصفَرَّ)، وكأنه لغة في الإشقاح. وقوله: (وَعَنِ الثُّنيَا): الثُّنْيَا: أن يبيع الشيء ويستثني منه شيئا مجهولا. [٣٠٣] وقوله: (كَانُوا يُؤَاجِرُونَ عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الجَدَاوِلِ) (٢)، قيل: المَاذِيَانَات: ما نبت في رؤوس الخطوط من الزرع، والجَدَاوِلُ: جمع الجدول، وهو النهر الصغير، وأَقْبَالهُا: ما تقدم منها، والحقل: القراح والزرع أيضا. [٣٠٤] وقوله: (نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرَّبيع) (٣) والربيع: النهر، قال الشاعر: فُوهُ رَبيعٌ وكَفُّه قَدَحٌ … وبَطْنُه، حِينَ يَتَّكِي، شَرَبَهْ يَسَّاقَطُ الناسُ حَوْلَهُ مَرَضًا … وهو صَحِيحٌ، مَا إِنْ بِهِ قَلَبَهْ (٤) القَلَبة: الداء، والشَّرَبة: الحوض، أراد بقوله: (فوه ربيع) أي: نهر لكثرة شربه، وجمعه أربعاء، ومنه الحديث: (كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضِ بِمَا يَنبُت

стр. 322

عَلَى الأَرْبِعَاءِ) (١). [٣٠٥] وقوله: (وَمِنهُنَّ مَن اختَارَ الأَوسَاقَ) (٢) الأَوْسَاقُ: جمع وسق، وهو الحمل، وقوله: (حِينَ ظُهِرَ عَلَيْهَا) أي: غلب عليها، وقوله: (عَلَى أَن يَكفُوا عَمَلَهَا) أي: يقوموا بسقيها وزراعتها، وعمارتها، و (السُّهمانِ): جمع سهم. [٣٠٦] وقوله: (يَمنَحَهَا أَخَاهُ) (٣) يعني: يعيرها، وقوله: (خَرْجًا مَعْلُومًا) أي: أجرة معلومة. وقوله: (فَرُبَّمَا أَخرَجَت هَذِهِ، وَلَمْ تُخرِج هَذِهِ) (٤) أي: أنبتت هذه الأرض؛ ولم تُنبت هذه الأرض، وقوله: (أو أَزرِعُوهَا) بقطع الألف، أي: أعطوها من يزرعها، أي: أعيروها من يزرعها، و (البَلاط): موضع بالمدينة. ومن باب فضل من غرس غرسا أو زرع زرعا [٣٠٧] قوله: (وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ) (٥) أي: لا يصيبه.

стр. 323

ومن باب جائحة الثمر [٣٠٨] حديث: (فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) (١) يقال: جاح الشيء يجوحه: أي: استأصله. [٣٠٩] وفي حديث كعب: (ضَع الشَّطْرَ) (٢)، هذا على وجه الندب؛ لا على وجه الوجوب، وكذلك وضع الجوائح. [٣١٠] وقوله: (فَبِمَ) (٣) حذفت منه الألف تخفيفا، والأصل: (فبما)، وهو استفهام على وجه الإنكار. [٣١١] وقوله: (فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ) (٤) أي: إن شاء وضعت عن أصل الدين، وإن شاء أنظرته إلى مدة، و (المُتَألِّي): الحالف. و (سجْفُ الحُجْرَةِ) (٥): ستر الحجرة.

стр. 324

ومن باب من أدرك سلعته عند مفلس [٣١٢] حديث أبي هريرة ﵁ (١): فقه الحديث أن الرجل إذا باع شيئا فأفلس المشتري؛ فوجد البائع متاعه بعينه، فهو أحق به من غيره. ومن باب فضل إنظار المعسر والتجاوز عن المعسر [٣١٣] حديث حذيفة ﵁ قال: قَالَ الله : تَجَوَّزُوا عَنْهُ) (٢)، أي: تجاوزوا عنه، وفي الحديث الآخر: (فَكُنتُ أَقْبَلُ المَيسُورَ) أي: ما تيسر، (وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المَعسُورِ) أي: عما تعسَّر وشق عليه أداؤه، (وَأَتَجَاوِزُ فِي السِّكَّةِ) أي: أسامح في النقد، وقوله: (فَآمُرُ فِتْيَانِي) أي: غلماني. [٣١٤] وكذلك قوله: (فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ) (٣) أي: لغلامه. [٣١٥] وقوله: (قَالَ: آللهِ؟) (٤) بالكسر، حذف منه حرف القسم، واعتمد على حرف الاستفهام، وقوله: (فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ) أي: فليخفف ولْيُرفِّه. وفي هذه الأحاديث دلالة على أن السماحة سبب للمغفرة، وفيه حث على اصطناع المعروف.

стр. 325

ومن باب النهي عن بيع فضل الماء [٣١٦] (١) قيل: هذا في الرجل له بئر، وقربها مرعى، فإذا عطشت الماشية فجاءت لترد الماء منعها، كان كأنه منعها الكلأ (٢)، لأنها لا تجتزئ بالكلإ عن الماء، فتكون ممنوعة عن الكلإ بمنعها عن الماء، وقيل: بيع فضل الماء إذا كان مجهولا غير محرر غير جائز. [٣١٧] (٣) وأما كسب الحجام فمكروه، أعطى النبي ﷺ أبا طيبة صاعا من تمر (٤)، ولو كان حراما لم يعطه، وروي: اعْلِفهُ نَاضِحَكَ، أَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ) (٥). ومهر البغي حرام، وثمن الكلب حرام، وأما ثمن السنَّور وزجر النبي ﷺ عن ذلك: قيل: ذلك مقيد بشرط عدم الملك.

стр. 326

ومن باب الأمر بقتل الكلاب [٣١٨] في هذه الأحاديث (١) بيان لإباحة اقتناء الكلب للاقتناص، وحراسة الغنم، واقتناء المزارع. [٣١٩] وفي الحديث (٢) دليل أن العمل قد يَحبَط عن العبد بعد القبول؛ إذا ركب ما يُحبطه من الذنوب. ومن باب الرخصة في أجرة الحجام [٣٢٠] حديث: (حَجَمَهُ أَبو طَيْبَةَ) (٣)، وقوله: (استَعَطَ)، يقال: أسعطَته الدواء فاستعطَ - بتخفيف الطاء، والمُسْعَط: الذي يجعل فيه الدواء، والسَّعوط: الدواء الذي يجعل في المُسْعَط (٤)، و (القُسْطُ البَحرِيُّ): شيء يؤتى به من البحر يُتَداوى به، ويقال: (الكُسْت) بالكاف والتاء أيضا، وقوله: (ولَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُم بِالغَمز) هو: أن يدفع حَنك الصبي لوجع الحلق، و (الضَّرِيبَةُ): الأجرة.

стр. 327

ومن باب تحريم بيع الخمر [٣٢١] حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (١). [٣٢٢] قوله: (يَستَصبِحُ بِهَا النَّاسُ) (٢) أي: يستضيء بها الناس في مصابيحهم، وقوله: (جَمَلُوهُ) أي: أذابوه، و (أَجْمَلُوهُ) (٣) لغة قليلة، في الحديث دلالة على تحريم الحيل الفاسدة، ولعنوا في استباحة منافع الشحم بالإذابة. [٣٢٣] وكذلك حديث سَمُرة (٤): لما كان مُحرَّما كان بيعه والانتفاع به مُحرَّما.

стр. 328

باب ما جاء في تحريم الصرف [٣٢٤] قوله: (وَلَا تُشِفُّوا بَعضَهَا عَلَى بَعضٍ) (١) أي: لا تفضلوا، والشِّفُّ: النقصان، والشِّفُّ: الزيادة، وفي الحديث: (نَهَى عَن شِفِّ مَا لَم يُضْمَن) (٢) أي: ربح ما لم يضمن، وفي حديث الصرف: (فَشَفَّ الْخَلْخَالَانِ نَحْوًا مِن دَانِقٍ فَقَرَضَه) (٣) فَشَفَّ أَي: فزاد. وفي هذه الأحاديث: منع التفاضل في الجنسين المتماثلين، وفيها: أن الصرف لا يجوز إلا بالتقابض قبل الافتراق من المجلس، وقوله: (وَلَا تَبِيعُوا غَائِبًا بِنَاجِزٍ) أي: بحاضر، وذلك أن يكون الذهب حاضرا؛ والفضة غائبة، أو الفضة حاضرة؛ والذهب غائب. [٣٢٥] وقوله: (هَاءَ وَهَاءَ) (٤) ممدود، وروي بغير المد (٥)، قال أهل اللغة (٦): يقال: هاء أي خذ بالمد، وفي الحديث: (لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا

стр. 329

هَاءً وَهَاءً) (١) ومعناه: أن يقول كل واحد من البيِّعين: (هاء)، فيعطيه ما في يده، وهو مثل الحديث الآخر: (إِلَّا يَدًا بِيَدٍ). قيل: (هَاءَ وَهَاءَ) إنما هو قول الرجل لصاحبه إذا ناوله الشيء: هاك، أي: خذ، فأسقطوا الكاف عنه، وعوضوا المَدَّة بدلا من الكاف، وللاثنين: هاؤما، وللجمع هاؤم، وفي القرآن: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، ومعنى الكلمة إشارة إلى التقابض قبل الافتراق، وفي الحديث بيان أن الربا فيما يؤكل ويشرب في الجنس، وليس العلة في التحريم: الكيل والوزن. [٣٢٦] وقوله: (بتمرٍ بَرنيٍّ) (٢) هو جنس من التمر منسوب إلى بَرْن، وهو موضع بالبحرين. [٣٢٧] وفي حديث فضالة (٣) حجة لقول الشافعي ﵀: أنه لا يجوز بيع شيء محلى بفضة بدراهم (٤)، وقوله: (حَتَّى تُفَصَّلَ) يعني بين الجنس وغيره. [٣٢٨] وقوله: (فإنِّي أَخَافُ أَن يُضَارعَ) (٥)، أي: يشبه بعضه بعضا، ويقارب بعضه بعضا.

стр. 330

[٣٢٩] وقوله: (بِتَمرٍ جَنِيبٍ) (١) أي نوع من التمر جيد، وكأن معنى الجَنِيب: الغريب الذي لا يعرفونه في تمورهم، ويمكن أن يكون الجنيب بمعنى المنقَّى، أي: نُحِّي، وجُنِّب ألوان التمور لجودته، و (الجَمْعُ): نوع يجمع الرديء والجيد. ومن باب إثبات الربا في بيع النقود ونسخ قوله: (إنما الربا في النسيئة) [٣٣٠] حديث: (كُنَّا نُرزَقُ تَمَرَ الجَمْعِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ الخِلطُ مِنَ التَّمْرِ) (٢) يعني: التمر الذي خلط بعضه ببعض؛ خَلْط الجيد بالرديء. [٣٣١] وقوله: (وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا اللُّونَ) (٣)، اللون: النخل، كأنه ما خلا البَرْني والعَجوة، ويسمى الألوان وفي القرآن: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥]، وأصلها: (لِوْنَة) قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وفي حديث عمر بن عبد العزيز: (أنَّه كَتَب فِي صَدَقَةِ التَّمْرِ أَن يُؤخَذ في البَرني من البَرني، وَفي اللَّوْنِ مِن اللَّوْنِ) (٤)، قيل: اللون: الدَّقَل، والجمع: الألوان (٥). وقوله: (لَا صَاعَي تمرٍ) حذفت النون منه للإضافة وانتصب بلا، وقوله: (نُرزَقُ) أي: نطعم، وقوله: (أَضعَفتَ، أَرْبَيتَ) أي: أخذت الزيادة فأضعفت؛

стр. 331

من الضِّعف، وأربيت من الربا، وقوله: (رَابَكَ مِن تَمرِكَ شَيءٌ) أصل الريب الشك، والمعنى: إن لم يوافقك ولم تُرِده. [٣٣٢] وخبر أسامة يحتمل أن يكون النبي ﷺ سئل عن صنفين مختلفين مثل ذهب بفضة متفاضلا، فقال: لا بأس (إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ) (١)، فحفظ أسامة الجواب ولم يحفظ السؤال. ومن باب ما ورد من التغليظ في أكل الربا [٣٣٣] حديث عبد الله ﵁: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا ومُؤْكِلَهُ) (٢)، آكل الربا الذي يأخذ الزيادة على رأس المال، ومؤكل الربا: الذي يعطي الزيادة. وفي الحديث بيان أن المذنب والمعين في الذنب يشتركان في الإثم، قيل: آكله أعظم إثما، إلا أنهما يستويان في أن كل واحد منهما آثم. ومن باب ما ورد في ذكر الحلال والحرام [٣٣٤] حديث النعمان بن بشير ﵁: (فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرضِهِ) (٣)، استبرأ: أي طلب البراءة، وفي الحديث دليل أن الله تعالى بين الحدود والفرائض؛ نصا ودليلا وبيانا على لسان رسول الله ﷺ ، وأحل البيع وحرم الربا،، فصارت الشبهة متخللة بين المحظور والمباح، فهي مضارعة لهما، فمن تركها سلِم من الحرام، ومن ركبها دخل في باب الاحتمال، وفيه مخاطرة

стр. 332

بالدين، وهذا الحديث أصل في الورع، وفيما يلزم الإنسان اجتنابه من الشبه. وقوله (وَبَيْنَهُمَا مُشبَّهَاتٌ) (١) وفي رواية: (مُشْتَبِهَاتٌ) (٢)، فالمشبَّهات: جمع مشبَّهة، والمشتبهات جمع مشتبهة، وفي القرآن: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] أي اشتبه فلا نقف على المراد، وفيه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: يشبه بعضه بعضا في المنظر، ويختلف في الطعم، وفيه: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، أي: يشبه بعضه بعضا؛ لا تناقض فيه ولا اختلاف، وفي حديث حذيفة ﵁ وذكر فتنة فقال: (تُشَبِّه، مُقْبِلة، وتُبَيِّن مُدْبِرة) (٣) أي: إن الفتنة إذا أقبلت شبَّهت على القوم وأرتهم أنهم على الحق حتى يدخلوا فيها ويركبوا منها ما لا يحل، فإذا أدبرت وانقضت بان أمرها، فعلم من دخل فيها أنه كان على الحق (٤). والمعنى: أنها تشتبه على كثير من الناس، وقد جعل الله للأمور الشرع بيانا، ونصب عليها دليلا، غير أن من البيان ما هو خفي لا يعرفه إلا الراسخ في العلم، يدل على هذا قوله: (لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)، فالواجب على من اشتبه عليه أن يتوقف ويستبرئ الشك، فإنه إذا أقدم على الشيء قبل التبين، لم يأمن أن يقع في المحرم عليه، وذلك معنى الحمى؛ وضربه المثل به. ففي قوله: (الْحَلَالُ بَيِّنُ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ) دليل على أن الأحكام إذا وقعت

стр. 333

فيها الشبهة ينظر في ذلك، فإن كان لذاك الشيء أصل في التحليل أو التحريم، فإنه يتمسك به حتى يزيل الشبهة يقينُ العلم، والمثال في الحلال: الزوجة تكون للرجل، والجارية تكون عنده يتسراها ويطؤها فيشك هل طلق تلك أو أعتق هذه، فهما عنده على أصل التحليل حتى يتيقن وقوع الطلاق، أو وقوعَ عتق، وكذلك الماء يكون عنده؛ وأصله الطهارة، فيشك هل وقعت فيه نجاسة أم لا، فهو على أصل الطهارة حتى يتيقن أنه قد حلته نجاسة، ومثل هذا كثير. وأما الشيء إذا كان أصله الحظر، وإنما يستباح بشرائط: كالفروج لا تحل إلا بعد نكاح أو ملك يمين، وكالشاة لا يحل لحمها إلا بذكاة، فإنه مهما شك في وجود تلك الشرائط؛ كان باقيا على أصل الحظر، ولو اختلطت امرأته بنساء أجنبيات، أو اختلطت مذكاة بميتات، ولم يميزها بعينها وجب عليه أن يجتنبها كلها ولا يقربها، وهذان القسمان حكمهما الوقوف واللزوم. وهاهنا قسم ثالث: وهو أن يوجد الشيء ليس يعرف له أصل متقدم في التحليل ولا في التحريم، وقد استوى وجها الإمكان فيه حِلّا أو حرمة، فإن الورع فيما هذا سبيله: الترك والاجتناب، وهذا كما روي أن النبي ﷺ مر بتمرة ملقاة في الطريق فقال: (لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلْتُهَا) (١)، وقدم إليه الضب فلم يأكله وقال: (إِنَّ أُمَّةً مُسِخَت فَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنْهَا) (٢)، ثم إن خالد بن الوليد أكله بحضرته فلم ينكره (٣)، ويدخل في هذا الباب معاملة من كان في ماله شبهة، فإن الاختيار تركها، فإذا تيقن أن عينه حرام؛ فحينئذ يجب عليه اجتنابها.

стр. 334

وفي الحديث دلالة على أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه؛ فقد عرض دينه وعرضه للطعن، وهو أصل في باب الجرح والتعديل، وقوله: (مَن وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ): أي: من اعتادها واستمر عليها أدته إلى الوقوع في الحرام؛ بأن يتجاسر عليه فيواقعه، يقول: فليتق الشبه ليسلم من الوقوع في الحرام (١). ومن باب الشرط في البيع [٣٣٥] حديث جابر ﵁: (فَأَرَادَ أَن يُسَيِّبَهُ) (٢) يعني: أن يخلِّيه، و (الوُقِيَّةُ): لغة في الأوقية، و (الحُملَانُ) الحَمل، قال صاحب المجمل (٣): حملت الشيء أحمله حَمْلًا، وحملان الإبل: الركوب عليها، و (مَاكَسْتُكَ): من المِكاس، والمِكاس: انتقاص الثمن، والمماكسة: الاستنقاص، و (النَّاضِحُ): البعير يستقى عليه، و (العَرُوسُ): الحديث العهد بالبناء بالمرأة، وقوله: (عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ) أي: ركوبه، وقوله: (فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ)، صرار بالصاد غير المعجمة والكسر - (٤): موضع قريب من المدينة، وإليه ينسب محمد بن عبد الله الصراري (٥)؛ الذي يروي عن ابن أبي حسين، وقال بعض الأنصار:

стр. 335

لَعَلَّ صِرَارًا أَن تَعِيشَ بِيَارُها … وَتَسْمَعَ بِالرَّيَّانِ تَعْوِي ثَعَالِبُهْ (١) وفي الحديث: جواز استحثاث الدابة في المسير، وفيه سؤال من يصحبك عن حاله، وفيه: إباحة ضرب الدابة عند الحاجة إليه، وفيه دلالة النبوة، وفيه: فضيلة البِكر على الثيب في النكاح، وفيه إباحة التجارة بالبيع والشراء لتارك الدنيا، وفيه: فضيلة الجود والسخاء، وفيه: أن الشرط إذا تقدم عقد البيع أو تأخر لم يفسد البيع؛ وإن كان الشرط فاسدا، وفيه التبرك بالصلاة عند القدوم من السفر. وقوله: (فَنَخَسَهُ) يقال: نخست الدابة بعود أو غيره نخسًا، واختلاف ألفاظ الثمن (٢) يدل على أن معنى اشتري: استام، قيل: وقع العقد على عشرين دينارا،

стр. 336

والدليل على أن البيع يكون بمعنى السوم قول الشاعر: فَوَافَى بِهَا أَهْلَ المَوَاسِمِ فَانْبَرَى … لَهَا بَيِّعٌ يُغْلِي لَهَا السَّوْمَ رَائِزُ (١) ومن باب ما جاء في حسن التقاضي [٣٣٦] حديث أبي رافع (٢): في الحديث دلالة على جواز تقديم الزكاة، وجواز استقراض الحيوان، وإباحة الزيادة في القرض إذا رد على غير شرط، وفيه وجوب الحمد عند الإحسان، وفيه وجوب قضاء الدين على من عنده وفاء به، وفيه جواز بيع الحيوان واحد باثنين. وقوله: (خِيَارًا رَبَاعِيًا): قال أهل اللغة: إذا طعَن البعير في السنة الخامسة فهو جَذَع، فإذا طعن في السادسة فهو ثَنِيٌّ، فإذا طعن في السابعة فهو رَباع، والأنثى رباعية، فإذا طعن في الثامنة فهو سَدَس وسَدِيس، فإذا طعن في التاسعة فهو بازِل (٣). وقال أبو عبيد: لا يزال الثَّنِيّ من الإبل ثَنِيًّا حتى تمضي السادسة، فإذا مضت ودخل في السابعة فهو حينئذ رَباع، والأنثى رَباعية، ولا يزال كذلك حتى تمضي السابعة، فإذا مضت ودخل في الثامنة؛ وألقى السن التي بعد الرَّباعية؛ فهو حينئذ سَديس وسدَس (٤).

стр. 337

ومن باب بيع العبد بالعبدين [٣٣٧] حديث جابر ﵁: (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بِعِنِيهِ؛ فَاشتَرَاهُ بِعَبْدَينِ أَسْوَدَينِ) (١)، في هذا الحديث: جواز بيع عبد بعبدين. ومن باب ما جاء في الرهون [٣٣٨] حديث عائشة ﵂: (اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ) (٢)، هذا الحديث يدل على جواز الرهن، قال الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، واختلفوا في الانتفاع بالرهن (٣)، فقال الشافعي ﵀: يجوز للراهن أن ينتفع بالرهن (٤)، وحجته ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: (الظَّهرُ يُرْكَبُ إِذَا كَانَ مَرهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشرَبُ إِذَا كَانَ مَرَهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَركَبُ وَيَشْرَبُ نَفَقَتُهُ) (٥). وقال أهل الكوفة (٦): لا ينتفع من الرهن بشيء، وإنه إذا تلف أو ضاع من غير تضييع، فإن كان مثل الحق أو أكثر منه فهو بما فيه، وإن كان أنقص؛ رد الراهن تمام الحق على المرتهن، وقال الشافعي: المرتهن مؤتمن؛ ولا ضمان عليه إلا أن يتعدى (٧).

стр. 338

ومن باب ما ورد في السلم [٣٣٩] حديث ابن عباس ﵁: (قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُم يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَينِ) (١)، أجاز الشافعي السَّلَم حالًّا، وقال: السَّلَم بيع من البيوع، والبيوع جائزة حالَّة ومؤجلة، فكذلك السَّلَم (٢)، ومعنى ذكر الأجل في الحديث: إذا جعلاه واتفقا عليه كالبيع. وحديث حكيم بن حزام (٣) تأويله: إذا باع الرجل من الرجل ملك غيره، ثم اشتراه له، يدل على هذا ما روى يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام: قلت يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه، ثم أبتاعه له من السوق، فقال: (لَا تَبع مَا لَيسَ عِندَكَ) (٤)، ولأن الأجل لو كان شرطا لجواز السَّلَم؛ لما جاز حتى يجتمع فيه الكيل والوزن والأجل، فلما أجيز السَّلَم في الكيل وحده؛ والوزن وحده؛ علم أن الأجل فيه ليس بشرط. ومن باب الاحتكار [٣٤٠] حديث معمر بن عبد الله (٥): وهو ابن نَضلة، وفي رواية: معمر بن أبي معمر، قال أهل العلم: الحُكْرَة إذا أضرَّت بالناس فإن للإمام أن يحتاط في ذلك على ما هو أصلح، وإذا لم تضر بالناس لم يمنع منها في الحكم، وإذا كان

стр. 339

المحتكر ناويا بذلك ما يضر بالناس فهو آثم، وإذا أضر فإن للحاكم منعه من ذلك (١). والاحتكار المذموم: إذا كان فيما فيه قوت الناس، فأما الإدام وغير ذلك فإن الأمر فيه أهون، روي عن سعيد بن المسيب أنه كان يحتكر الزيت، وروي عن معمر راوي هذا الخبر كذلك (٢)، قال بعض العلماء: إذا امتنع من بيع الطعام من أهل الحاجة إليه؛ إذا قل الطعام بسعر مثله أو بسعر قريب مما أبتاعه به فذلك مذموم، فأما إذا كثر الطعام في الأسواق فالأمر حينئذ أسهل. ومن باب النهي عن الحلف في البيوع [٣٤١] حديث: (إِيَّاكُم وَكَثرَةَ الحلِفِ فِي البُيوعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمحَقُ) (٣)، وروي: (مَنفَقَة)؛ (مَمحَقَة لِلرِّبح) مَنْفَقَة: أي: سبب لنَفَاق السلعة، مَمْحَقَةٌ للرِّبحِ: أي سبب لهلاك الربح، ورواه بعضهم: (مُنَفِّقة) (٤)، (مُمحِقة) بضم الميم والتشديد، ومعناه: أن المشتري يغتر بحلِف الكاذب فيشتريه، ولا يبارَك له في ثمن السلعة. قال أهل اللغة (٥): نَفَقَ البيع ينفُق نَفَاقا، إذا كثرت الرغبة فيه، وكثر المشترون،

стр. 340

وفي حديث ابن عباس ﵁: (لَا يُنَفِّقُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ) (١) أي: لا يقصد أن ينفِّق سلعته على جهة النجش، وقوله : ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، أي: خشية الفناء والنفاد، يقال: نفَق الزاد ينفُق: إذا نفد، وأنفقه صاحبه: إذا أنفده، وأنفق القوم فنى زادهم.

стр. 341

كتاب الشفعة باب الشفعة فيما لم يقسم [٣٤٢] فيه حديث جابر ﵁: (مَن كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعِهِ) (١) وفي نسخة: (فِي رَبعَة) (٢)، وفي رواية: (مَنْ كَانَ لَهُ شِرْكٌ فِي أَرضٍ أَوْ رَبْعَة) (٣) قيل: الرَّبْعُ والرَّبْعَةُ: المنزل الذي يَرْبَع به الإنسان، أي: يقيم به ويتوطَّنه، يقال: هذا رَبع، وهذه رَبعة، كما قالوا: دار ودارة. وفي الحديث إثبات الشفعة في الشركة، وليس فيه نفيها عن المقسوم من جهة اللفظ، ولكن دلالته من طريق المفهوم ألا شفعة في المقسوم، كقوله: (الوَلَاء لِمَن أَعْتَق) (٤) دلالته ألا ولاء إلا للمعتق، وفيه دليل على أن الشفعة لا تجب إلا في أرض أو عقار، دون غيرهما من العروض والأمتعة والحيوان. وفي حديث أبي سلمة عن جابر ولم يخرجه مسلم: (إِنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشُّفعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَم) (٥)، وفي رواية: (فِي كُلِّ مَا لَم يُقسَمْ، فَإِذَا

стр. 342

وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفَعَةَ) (١)، سئل أحمد بن حنبل ﵀: ما تقول في حديث أبي سلمة عن جابر، قال: ثبت، فَرَفَع منه واعتد برواية معمر، واحتج برواية مالك، قيل له: من أين يثبت؟ قال: رواه صالح بن أبي الأخضر، قيل: وصالح نحتج به؟، قال: يدل ويعتبر به، وأنكر يحيى بن معين رفعه (٢). وحديث أبي سلمة عن جابر أبين في الدلالة على نفي الشفعة لغير الشريك، واحتج من لم ير الشفعة في المقسوم بقوله: (فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ)، واحتج من أثبت الشفعة بالطريق بقوله: (وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ) قيل: وإنما هو الطريق إلى المشاع دون المقسوم، فأما إذا قسم العقار بينهم، منع كل واحد منهم أن يدخل إلى ملكه إلا من حيث جعل له، فهذا معنى صَرْف الطرق، ولأنه علق الحكم فيه بمعنيين: بوقوع الحدود، وصَرْف الطرق؛ فلا يجوز إثباته بأحدهما. وفي حديث أبي هريرة ﵁: (إِذَا قُسِّمَتِ الْأَرْضِ وَحُدَّتْ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا)، ولم يخرجه مسلم (٣)، فيه بيان أن الشفعة تبطل بنفس القسمة، والتمييز بين الحصص بوقوع الحدود، قال بعض العلماء: المعنى الموجب للشفعة: دفع الضرر بسوء المشاركة، والدخول في ملك الشريك، وهذا المعنى يرتفع بالقسمة. وأما حديث أبي رافع: (الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) (٤)، فليس من شرط مسلم، غير أن العلماء اتفقوا على أن الشفعة واجبة للشريك، والسَّقَب: القرب، يقال بالسين

стр. 343

والصاد جميعا، قال الشاعر: لا أممٌ دَارُهَا وَلَا صَقبُ (١). وقيل: المعنى أنه أحق بالبر والمَعونة، وقيل: المعنى إذا كان شريكا؛ ليتفق الحديثان، واسم الجار قد يقع على الشَّريك، لأنه قد يُجاور شريكه ويُساكنه في الدار المشتركة بينهما، كالمرأة تسمى جارةً لهذا المعنى، قال الأعشى لزوجته: أَيا جَارَتَا بِيِني فإِنَّكِ طَالِقَهْ … كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ تَغْدُو وَطَارِقَهْ (٢) وقد تكلم أهل الحديث في إسناد حديث أبي رافعٍ، واضطرب الرواة فيه، والأحاديث التي جاءت في ألَّا شُفعة إلا للشريك، أسانيدُها جِيَاد ليس في شيء منها اضطرابٌ، وأما ما رَوى هُشَيْمٌ عن عبدِ الملك عطاء عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفَعَةِ جَارِهِ يُنتَظَرُ بِهَا، وَإِن كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا) (٣)، قد تكلم الناس في هذا الحديث، قال الشافعي ﵀: نخاف ألا يكون محفوظا، وأبو سلمة حافظ، وكذلك أبو الزبير، ولا يُعارض حديثهما بحديث عبد الملك بن أبي سليمان (٤). وحكي عن شعبة أنه أنكر هذا الحديث، وقال: إن روى عبد الملك حديثا

стр. 344

آخر مثل هذا تركت حديثه (١)، وجعله بعضهم رأيًا لعطاء أدرجه عبد الملك في الحديث (٢). وقال أبو عيسى الترمذي: قلت لمحمد بن إسماعيل في هذا فقال: تفرد به عبد الملك، ويروى عن جابر خلاف هذا (٣). وحُكي عن أميةَ بن خالدٍ عن شعبةَ قال: قلت له: مالكَ لا تحدث عن عبد الملك؛ وأنت تحدث عن محمد بن عبيد الله العَرْزمي، وعبد الملك كان حسَن الحديث، فقال: من حسنه فررت، وقيل: من حسنه فَرِقت (٤). ومن باب من ظلم شبرا من الأرض [٣٤٣] حديث سعيد بن زيد: قوله: (طُوِّقَهُ مِن سَبع أَرَضِينَ) (٥)، قيل: يكلف نقل ما ظَلَم منها في القيامة إلى المَحْشر؛ فيكون ذلك كالطَّوق في عنقه، وقد رُوِي معنى ذلك في الحديث (٦)، وقيل: يُعاقَب بالخَسْفِ، رُوي عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ : قال: (خُسِفَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ إِلَى سَبعِ أَرَضِينَ) (٧)، وفيه دليل

стр. 345

على أن من ملك أرضًا ملك أسفلها، وأن له أن يمنع من يحفر تحتها سرَبًا (١)؛ أو بئرًا؛ أو نحو ذلك. [٣٤٤] وحديث أبي هريرة ﵁ في غرز الخشب في جدار الجار (٢): في هذا الحديث دلالة على التعاون على الخير، والتَّبَاذُل واستعمال المروءة، وأن الرجل إذا وثق بأخيه ارتفق بجداره بإذنه وغير إذنه، وهذا على وجه الندب، فإن امتنع صاحب الجدار لم يجبر على ذلك، لقوله: (إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَمْوَالَكُم حَرَامٌ عَلَيكُم) (٣). وقال قوم من العلماء: يلزمه ذلك شاء أو أبى (٤)، ومعنى قول الشافعي (٥): إنما أمر به لمعنى ضرورة الجار، كما روي: (لَا يُمْنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ) (٦): وذلك أن يكون للرجل بقعةٌ ضيِّقةٌ بين بناء رجلٍ؛ ليس لمالك البقعة إلا جدارٌ واحدٌ، ويكون جدار الجار محتملًا لخشب الجار، ولا يكون له أن يمنعه ما لا ضرر له فيه، وإن كان جداره ضعيفا يُضرُّ به خشبه ضررا بيِّنا؛ فلا يجوز له أن يغرزها في جداره، وإن كانت عرصَته التي بين ظهراني بناءٍ غير واسعة لم يكن له ذلك، ويبني لنفسه إن شاء أو يدع.

стр. 346

[٣٤٥] وحديث: (إِذَا اختُلِفَ فِي الطَّرِيقِ، جُعِلَ عَرضُهُ سَبعَ أَذْرُعٍ) (١)، اختلف العلماء في الطريق إذا اختُلف فيه، فقال قوم (٢): إنه على قدر عرض الباب؛ الذي يتطرق فيه إلى الموضع الذي جعل الطريق له، ومعنى ذلك: أنه مُرتفِق لصاحب الطريق، ويصل بذلك إلى مبتغاه من المنافع، ومعنى الحديث: أن هذه الذُّرْعان إذا وقع الاتفاق عليها، ففيه حصول كمال البُغية من التطرق؛ لأنها تسع الأحمال.

стр. 347

ومن كتاب الفرائض [٣٤٦] وقوله: (مَن تَرَكَ كَلًّا فَإِلَينَا) (١)، وقوله: (مَن تَرَكَ دَينًا، أَو ضَيَاعًا فَأَنَا مَولَاهُ)، الضياع: أصله المصدر من قولك: ضاع الشيء ضياعا، وفي رواية (فَأَيُّكُم مَا تَرَكَ دَينًا، أو ضَيعَةً)، وهو مصدر أيضا من قولك: ضاع الشيء يضيع ضَيْعَةً، ثم جعل ذلك اسما لكل ما هو بصدد أن يضيع؛ من ولد وعيال لا كافلَ لهم، ولا قيِّم بأمرهم، و (الكَلُّ): العيال، ومن لا يكفي نفسه من ضعفة الأهل. وقوله: (فَأَنَا مَولَاهُ)، يريد فأنا وليُّه والكافل له، والمولى يقع على وجوه، منها: الناصر، ومنها: الحليف، ومنها ابن العمِّ، ومنها: المولى المُعتق، والمولى المُعتق، ومنها: الولي القيم بالأمر، وروي: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَزَوَّجَت مِن غَيرِ إِذنِ مَوْلَاهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ) (٢)، يريد: وليَّها الذي يلي العقد عليها من عصبتها (٣). وقوله: (وَمَن تَرَكَ كَلًّا وَلِيتُهُ) أي: تولَّيت القيام بأمره، وقوله: (فَادعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ) أي: استعينوا بي، والتجئوا إلي في ذلك، فأنا أقوم بذلك، وقوله: (إن عَلَى الأَرضِ) أي: ما على الأرض، وقوله: (أَنَا أَولَى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم)، أولى أي: أحقُّ.

стр. 348

[٣٤٧] وقوله: (فَلِأُولَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) (١) الأولى هاهنا بمعنى: الأدنى والأقرب في النسب، قال أهل اللغة في معنى قوله ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤]، معناه: قاربك ما تكره فاحذَره، مأخوذ من الوَلْي، وهو القُرْبُ (٢)، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، أي: يقربون منكم، وفلان وليُّ فلان، أي: يلاصقه بالنُّصرة، وقوله: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، أي: لا وليَّ لهم، وقول النبي ﷺ : (مَن كُنتُ مَولَاهُ فَعَلِيٌّ مَولَاهُ) (٣) أي: وليَّه، وقوله: (مُزَيْنَة وجُهَيْنَة وَأَسْلَمَ وغِفَار مَوَالِي الله وَرَسُولِه) (٤)، قال يونس: أي: أولياء الله (٥)، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]، أي: وليُّهم والقائم بأمورهم، وكل من ولي عليك أمرك فهو مولاك. [٣٤٨] وقوله: (أَلَا يَكفِيكَ آيَةُ الصَّيفِ) (٦) يعني الآية التي نزلت في الصيف، يشير بذلك إلى قرب نزولها، ويعرفه الحال فيه.

стр. 349

ومن كتاب الوصايا والصدقة والنهي عن الرجوع في الصدقة [٣٤٩] في هذه الأحاديث (١): دليل أن الهبة إذا قُبِضَت لم يسع الواهب الرجوع فيها، وأن الرجل إذا تصدق بشيء وأخرجه من ماله الله؛ كان الاختيار له إلا يرجع فيه، وفيها دلالة أن الهبة إذا قُبِضت تمَّ الملك للموهوب له، ولا يحل الرجوع فيها؛ كما لا يحل الرجوع في الفيء، قال الشافعي (٢): إلا ما خُصَّ به الأب من الرجوع فيما يهبه لولده؛ إن صح الحديث، يعني: حديث عمرو بن شعيب عن: طاوس: (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُعطِي عَطِيَّةً ثم يَرجِع فِيهَا إِلَّا الوَالِدَ فِيمَا يُعطِي وَلَدَهُ) (٣). [٣٥٠] وفي حديث النعمان بن بشير (٤) فوائد منها: الحثُّ على التسوية بين الأولاد، ومنها: سنة الإشهاد على العقود، وإزالة الأملاك وغيرها، ومنها: أن الأب إذا فضل بعض ولده على بعض في العطية جاز في الحكم. قال بعض العلماء يدل قوله: (أُردُدهُ) على جواز ذلك (٥)، لأنه لا يُرَدُّ إلا

стр. 350

ما قد جاز، لأنه لو لم يجز لكان الجواب أن يقول: لا يجوز هذا، ويدل عليه أن أبا بكر ﵁ خص بعض ولده دون بعض، فنَحَل عائشة ﵂ جاد عشرين وسقا (١)، والمستحب أن يُسَوِّي بينهم، ومن فوائد الحديث: أن للوالد أن يرجع في النُّحْل الذي نحله ولده. ومنها: أن الجور على وجهين: أحدهما: العدول عن الواجب، وذاك مردود، والآخر: ترك المختار، وذلك نافذ في الحكم، غير محمود في الورع، فقوله: (لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ)، يحتمل أنه على معنى ترك المستحب، وقيل: جور على ترك الاختيار، يدل على ذلك (أَتُحِبُّ أَنْ يَكُونُوا فِي البِرِّ سَوَاء) (٢)، وفي حديث أبي الضحى (٣) دلالة أن الإشارة بالشيء إذا صارت عادة معروفة؛ قامت مقام الإقرار. ومن باب ما جاء في العمرى والرقبى [٣٥١] (٤) اتفق أكثر العلماء على أن العُمْرَى (٥) عطاء باتٌّ، وإن لم يشترطها المُعْمِرُ بعقب المُعْمَر، وقال مالك (٦): إذا جعل له حياته كان له ما دام حيا، فإذا مات رجع إلى المعمر، قال القاسم بن محمد: (مَا أَدرَكتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُم عَلَى شُرُوطِهِم فِي أَمْوَالِهِم، وَفِيمَا أُعطُوا) (٧)، والصحيح ما ذهب إليه ....

стр. 351

الشافعي (١): إذا قال رجل لرجل: جعلت داري الفلانية لك عمرَك أو حياتَك، أو عمري، وسلَّمها إليه، ملكها في حياته، وملكها ورثتُه بعد وفاته، وبطَل الشّرط. والرُّقبَى: أن يقول: جعلت هذه الدار لك رُقبَى، فإن مِتَّ قبلي رجعت إلي، وإن مِتُّ قبلك فهي لك، أو يقول: هي لآخرنا موتًا، وكان أبو حنيفة يجيز العمرى؛ ويقول: الرقبي ترجع إلى صاحبه (٢)، وسنة النبي ﷺ أولى من قوله، قال بعض العلماء: الرُّقْبى موروثة كالعمرى، وهو حكم ظاهر الحديث، وهو قول الشافعي ﵁. والرُّقْبَى: أن يرقُب كل واحد منهما موت صاحبه، فتكونُ الدار التي جعلها رُقْبى لآخرِ من بقي منهما، ولا عذر لمالكٍ بعد ما رواه الزُّهري عن أبي سلمةَ عن جابرٍ (٣)، روي عن مالك قال: العمرى تمليك المنفعة دون الرقبة، فإن جعلها له ولعقبه بعده؛ كانت منفعتها ميراثا لأهله، وقال أبو حنيفة: الرقبى عارية (٤).

стр. 352

ومن باب الحث على الوصية [٣٥٢] حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مَا حَقُّ امرِئٍ مُسلِمٍ، لَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَن يُوصِيَ فِيهِ، يَبِيتُ لَيلَتَينِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِندَهُ) (١)، وليس في حديث ابن نمير: (يُرِيدُ أَن يُوصِيَ فِيهِ) (٢)، قال ابن عمر ﵁: (مَا مَرَّت عَلِيَّ لَيلَةٌ مُنذُ سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ، إِلا وَوَصِيَّتِي عِندِي) (٣)، وفي رواية: (مَا مَرَّت عَلَيَّ ثَلَاثٌ قَطُّ إِلَّا وَوَصِيَّتِي عِندِي) (٤)، وفي رواية: (يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ). في هذه الأحاديث: حث على الأخذ بالحزم والاحتياط، لأن قوله: (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسلمٍ) معناه: الحزم لامرئ، هذا وقيل: معناه: ما الواجب عليه إلا أن يوصي؛ إذا علم أن عليه دينًا، أو عنده مظلمة ليخرج من المظالم. ومن باب الوصية بالثلث [٣٥٣] حديث سعد ﵁: قوله: (أَشفَيتُ مِنْهُ عَلَى المَوتِ) (٥)، أي: أَشْرَفتُ، يقال: أَشْفَى فلان على الهلاك، وأشفى على الموت، أي: قاربه، وفي حديث: (إِذَا اؤْتُمِنَ أَدَّى، وَإِذَا أَشْفَى وَرعَ) (٦)، يقول: إذا أشرف على مال يأخذه

стр. 353

كَفَّ، أو على معصية ورع، ومنه الحديث: (لَا تَنْظُرُوا إِلَى الرَّجُلِ وَصَلَاتِهِ وَلَكِن انْظُرُوا إِلَى وَرَعِهِ إِذَا أَشْفَى) (١)، يريد: إذا أشرف على الدنيا، قال القتيبي: لا يكاد يقال: أشفى إلا في الشر (٢). وقوله: (إِنَّكَ أَن تَذَرَ)، يعني: لأن تذر؛ أي: تترك، و (عَالَة): جمع عائل وهو الفقير، وقوله: (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)؛ أي: يأخذونه بأكفهم، وفي الحديث: (أن رجلًا رأَى فِي المَنَامِ كَأَنَّ ظُلَّة تَنْطِف منَ السَّمَاءِ سَمْنًا وعَسَلًا وكَأَن النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَه) (٣)، أي: يأخذونه بأكفهم. وقوله: (حَتَّى اللقمَةُ) يعني: حتى إلى اللقمة، وقوله: (فِي فِي امْرَأَتِكَ) يقال: هذا فُو زيدٍ، ورأيت فما زيدٍ، ونظرت إلى في زيدٍ، أي: إلى فم زيدٍ، وقوله: (يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) (٤) وفي رواية: (رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) (٥) يقال: رَثَى له أي: رحمه، قال صاحب المجمل (٦): رثيت لفلان إذا رققت عليه، وفي الحديث أن فلانة بعثت إليه عند فطره بقدح لبن وقالت: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهِ إِليكَ مُرْثِيَّةً لَكَ مِن طُولِ النَّهَارِ وَشِدَّةِ الحَرِّ) (٧) أي تَوَجُّعًا، قال بعض أهل

стр. 354

العربية (١): رئيت للحي: مَرثَاة، وللميت: مَرْثِيَة، وترثَّى تفعَّل منه. وقوله: (لَكِنِ البَائِسُ) البائس: الذي أصابه مكروه، والمُبتئس: الكاره الحزِن، قال حسان: مَا يَقسِمُ اللهُ أَقْبَلْ غيرَ مُبْتَئسٍ … مِنْهُ وأَقْعُدْ كَريمًا ناعم البال (٢) يقال للرجل إذا لقيته بحال يكرهه: البائس، ويقال للفقير: البائس، قال الله ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ [الحج: ٢٨]، يقال: بَؤُس يَبْؤُس فهو بئيس: إذا اشتد، وبئِس يَبأس فهو بائسٌ: إذا افتقر. وفي الحديث دليل أنه لا يجوز للمريض أن يوصي بماله فوق الثلث، وفيه دليل أن التقرب إلى الله بالصدقة؛ من وجوه البر، وفيه فضلُ الغِنى، وفيه ذمُّ السؤال والتعرض للناس، وفيه دليل أن طول العمر للمحسن حسنٌ محبوبٌ. [٣٥٤] وقوله: (غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ) (٣) أي: نقصوا، قال أهل التفسير في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، أي: ينقصوا من نظرهم عما حرم عليهم، وقال بعض أهل العربية: (من) زائدة، والمعنى: يغضوا أبصارهم (٤). والمشهور أن يقال: غَضَّ منه، أي: نقصه وقصَّر به، وفي الحديث: (كَانَ
следующие страницы →