← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1260

التحرير في شرح صحيح مسلم - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (542 стр.). Показаны 350–389 · переход к 355.

стр. 350

ما قد جاز، لأنه لو لم يجز لكان الجواب أن يقول: لا يجوز هذا، ويدل عليه أن أبا بكر ﵁ خص بعض ولده دون بعض، فنَحَل عائشة ﵂ جاد عشرين وسقا (١)، والمستحب أن يُسَوِّي بينهم، ومن فوائد الحديث: أن للوالد أن يرجع في النُّحْل الذي نحله ولده. ومنها: أن الجور على وجهين: أحدهما: العدول عن الواجب، وذاك مردود، والآخر: ترك المختار، وذلك نافذ في الحكم، غير محمود في الورع، فقوله: (لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ)، يحتمل أنه على معنى ترك المستحب، وقيل: جور على ترك الاختيار، يدل على ذلك (أَتُحِبُّ أَنْ يَكُونُوا فِي البِرِّ سَوَاء) (٢)، وفي حديث أبي الضحى (٣) دلالة أن الإشارة بالشيء إذا صارت عادة معروفة؛ قامت مقام الإقرار. ومن باب ما جاء في العمرى والرقبى [٣٥١] (٤) اتفق أكثر العلماء على أن العُمْرَى (٥) عطاء باتٌّ، وإن لم يشترطها المُعْمِرُ بعقب المُعْمَر، وقال مالك (٦): إذا جعل له حياته كان له ما دام حيا، فإذا مات رجع إلى المعمر، قال القاسم بن محمد: (مَا أَدرَكتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُم عَلَى شُرُوطِهِم فِي أَمْوَالِهِم، وَفِيمَا أُعطُوا) (٧)، والصحيح ما ذهب إليه ....

стр. 351

الشافعي (١): إذا قال رجل لرجل: جعلت داري الفلانية لك عمرَك أو حياتَك، أو عمري، وسلَّمها إليه، ملكها في حياته، وملكها ورثتُه بعد وفاته، وبطَل الشّرط. والرُّقبَى: أن يقول: جعلت هذه الدار لك رُقبَى، فإن مِتَّ قبلي رجعت إلي، وإن مِتُّ قبلك فهي لك، أو يقول: هي لآخرنا موتًا، وكان أبو حنيفة يجيز العمرى؛ ويقول: الرقبي ترجع إلى صاحبه (٢)، وسنة النبي ﷺ أولى من قوله، قال بعض العلماء: الرُّقْبى موروثة كالعمرى، وهو حكم ظاهر الحديث، وهو قول الشافعي ﵁. والرُّقْبَى: أن يرقُب كل واحد منهما موت صاحبه، فتكونُ الدار التي جعلها رُقْبى لآخرِ من بقي منهما، ولا عذر لمالكٍ بعد ما رواه الزُّهري عن أبي سلمةَ عن جابرٍ (٣)، روي عن مالك قال: العمرى تمليك المنفعة دون الرقبة، فإن جعلها له ولعقبه بعده؛ كانت منفعتها ميراثا لأهله، وقال أبو حنيفة: الرقبى عارية (٤).

стр. 352

ومن باب الحث على الوصية [٣٥٢] حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مَا حَقُّ امرِئٍ مُسلِمٍ، لَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَن يُوصِيَ فِيهِ، يَبِيتُ لَيلَتَينِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِندَهُ) (١)، وليس في حديث ابن نمير: (يُرِيدُ أَن يُوصِيَ فِيهِ) (٢)، قال ابن عمر ﵁: (مَا مَرَّت عَلِيَّ لَيلَةٌ مُنذُ سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ، إِلا وَوَصِيَّتِي عِندِي) (٣)، وفي رواية: (مَا مَرَّت عَلَيَّ ثَلَاثٌ قَطُّ إِلَّا وَوَصِيَّتِي عِندِي) (٤)، وفي رواية: (يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ). في هذه الأحاديث: حث على الأخذ بالحزم والاحتياط، لأن قوله: (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسلمٍ) معناه: الحزم لامرئ، هذا وقيل: معناه: ما الواجب عليه إلا أن يوصي؛ إذا علم أن عليه دينًا، أو عنده مظلمة ليخرج من المظالم. ومن باب الوصية بالثلث [٣٥٣] حديث سعد ﵁: قوله: (أَشفَيتُ مِنْهُ عَلَى المَوتِ) (٥)، أي: أَشْرَفتُ، يقال: أَشْفَى فلان على الهلاك، وأشفى على الموت، أي: قاربه، وفي حديث: (إِذَا اؤْتُمِنَ أَدَّى، وَإِذَا أَشْفَى وَرعَ) (٦)، يقول: إذا أشرف على مال يأخذه

стр. 353

كَفَّ، أو على معصية ورع، ومنه الحديث: (لَا تَنْظُرُوا إِلَى الرَّجُلِ وَصَلَاتِهِ وَلَكِن انْظُرُوا إِلَى وَرَعِهِ إِذَا أَشْفَى) (١)، يريد: إذا أشرف على الدنيا، قال القتيبي: لا يكاد يقال: أشفى إلا في الشر (٢). وقوله: (إِنَّكَ أَن تَذَرَ)، يعني: لأن تذر؛ أي: تترك، و (عَالَة): جمع عائل وهو الفقير، وقوله: (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)؛ أي: يأخذونه بأكفهم، وفي الحديث: (أن رجلًا رأَى فِي المَنَامِ كَأَنَّ ظُلَّة تَنْطِف منَ السَّمَاءِ سَمْنًا وعَسَلًا وكَأَن النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَه) (٣)، أي: يأخذونه بأكفهم. وقوله: (حَتَّى اللقمَةُ) يعني: حتى إلى اللقمة، وقوله: (فِي فِي امْرَأَتِكَ) يقال: هذا فُو زيدٍ، ورأيت فما زيدٍ، ونظرت إلى في زيدٍ، أي: إلى فم زيدٍ، وقوله: (يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) (٤) وفي رواية: (رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) (٥) يقال: رَثَى له أي: رحمه، قال صاحب المجمل (٦): رثيت لفلان إذا رققت عليه، وفي الحديث أن فلانة بعثت إليه عند فطره بقدح لبن وقالت: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهِ إِليكَ مُرْثِيَّةً لَكَ مِن طُولِ النَّهَارِ وَشِدَّةِ الحَرِّ) (٧) أي تَوَجُّعًا، قال بعض أهل

стр. 354

العربية (١): رئيت للحي: مَرثَاة، وللميت: مَرْثِيَة، وترثَّى تفعَّل منه. وقوله: (لَكِنِ البَائِسُ) البائس: الذي أصابه مكروه، والمُبتئس: الكاره الحزِن، قال حسان: مَا يَقسِمُ اللهُ أَقْبَلْ غيرَ مُبْتَئسٍ … مِنْهُ وأَقْعُدْ كَريمًا ناعم البال (٢) يقال للرجل إذا لقيته بحال يكرهه: البائس، ويقال للفقير: البائس، قال الله ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ [الحج: ٢٨]، يقال: بَؤُس يَبْؤُس فهو بئيس: إذا اشتد، وبئِس يَبأس فهو بائسٌ: إذا افتقر. وفي الحديث دليل أنه لا يجوز للمريض أن يوصي بماله فوق الثلث، وفيه دليل أن التقرب إلى الله بالصدقة؛ من وجوه البر، وفيه فضلُ الغِنى، وفيه ذمُّ السؤال والتعرض للناس، وفيه دليل أن طول العمر للمحسن حسنٌ محبوبٌ. [٣٥٤] وقوله: (غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ) (٣) أي: نقصوا، قال أهل التفسير في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، أي: ينقصوا من نظرهم عما حرم عليهم، وقال بعض أهل العربية: (من) زائدة، والمعنى: يغضوا أبصارهم (٤). والمشهور أن يقال: غَضَّ منه، أي: نقصه وقصَّر به، وفي الحديث: (كَانَ

стр. 355

رَسُولُ الله ﷺ إِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَه) (١)، وإنما يفعل ذلك ليكونَ أبعدَ من الأشَرِ (٢)، والناسُ إذا فرحوا نظروا بملء أعينهم، فكان رسول الله ﷺ يفعل خلافَه. وفي الحديث: استحباب الدعاء في المغيب، ومنها: كراهة المقام بمكة لمن كان هاجر منها، ومنها: أن كل نفقة ينفقها المسلم يبتغي بها وجه الله فإنه عليها مأجور، ومنها: الدعاء للمريض لما يرجى له من البُرء. ومن باب الصدقة عن الميت [٣٥٥] حديث عائشة ﵂: (إِنَّ أمِّي افتُلِتَت نَفْسَهَا) (٣) هو مأخوذ من الفَلْتَةِ، وهو موت الفجأة، وفي الحديث أن بيعة أبي بكر كانت فَلْتةً (٤)، الفَلْتَةُ: كل شيء فُعل على غير روِيَّة، وإنما عُوجل مبادرة انتشار الأمر، وفي الحديث دلالة أن التصدُّق عن الميت جائز، وأن الواجب إذا قُضي عنه بعد وفاته جاز.

стр. 356

ومن كتاب الأوقاف [٣٥٦] حديث عمر ﵁: (إِنِّي أَصَبتُ أَرضًا بِخَيْبَرَ، لَم أُصِب مَالًا قَطُّ: هُوَ أَنفَسُ عِندِي مِنه) (١) فيه تجويز الصدقات الموقوفة على من أراد الواقف؛ من غني أو فقير، لأن قوله: (وَفِي القُربَى) دليل أن فيهم الغني والفقير. وفي الحديث: اختيار نَصْبِ القُوَّام في الوقوف وإخراجها إليهم (٢)، وفيه: أن الواقف إذا اشترط فيها شرطا غير مبطل لأصل الوقف أنه جائز، وإذا أجرى للقَيِّم رزقا على ما يستحقه؛ ويحتمله غلَّة الوقف جاز. وحكم الوقف إنما ثبت بالسنة واتفاق أكثر الصحابة على ذلك، من حيث لا مخالف لمن قال، وله نظائر من الأحكام، من ذلك أن يعتق الرجل عبده، فقد أخرج ملكه إلى غير مالك، وجاز ذلك باتفاق. وقوله: (أَنفَسُ عِندِي)، أي: أعز عندي، يقال: شيء نفيس أي: خطير يتنافس فيه، وهذا مال منفس ونفيس؛ أي: مرغوب فيه، وقوله: (غَيرَ مُتَأَثِّلٍ) أي: غير متخذ أصل مال، وقيل: غير جامع، وكلُّ شيء له أصل قديم، أو جُمِع حتى صار له أصل فهو مؤثَّل.

стр. 357

وقوله: (غَيرَ مُتَمَوِّلٍ)، يقال: موَّلتُ فلانًا فتموَّلَ؛ أي: جعلتُه صاحبَ مالٍ؛ فصار صاحب مالٍ، قال صاحب المجمل (١): تموَّل الرجل اتخذ مالًا، ومالَ يَمالُ: إذا كثر ماله، يعني: يتخذ لنفسه أصل مال من ذلك؛ من حيث لا يستوجبه. [٣٥٧] وقوله: (فَلَقَدِ انخَنَثَ فِي حَجرِي) (٢) أي: استرخي حين توفي ﷺ ، وفي الحديث: (نَهَى عَنِ اختِنَاثِ الأَسقِيَّة) (٣)، وهو أن تثنِيَ أفواهها؛ ثم تشرب ماءها، فمعنى انخنث أي: انثنى. ومن باب وصية النبي ﷺ - [٣٥٨] (مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ؟ استفهمُوهُ) (٤)، قال أهل اللغة (٥): هَجَر: إذا تكلم بما لا فائدة فيه، الألف حرف الاستفهام، لأن الإهجار: الإفحاش، (أَهَجَرَ؟) يعني: أتكلم كلام المريض الذي يُغشى عليه ويُفيق، يقال: هَجَر المريض على وزن فعل؛ يهجر بفتح الياء. وفي الحديث: أن الإمام إذا أمر بأمر، أو فُعِل عن أمره فعل، كان ذلك منسوبا إليه، وفيه: أن الواجب على الرعية اتباع إمامهم؛ ليس لهم أن يختلفوا عليه، وفيه: أن النبي ﷺ لم يُخلِّف مالًا فيورث، وأن الذي كان بيده كان مُرصدًا لمصالح المسلمين.

стр. 358

[٣٥٩] وفي قوله: (أَوصَى بِكِتَابِ اللهِ) (١)، كل ما أوجبه ظاهر الكتاب فهو واجب. وفي الحديث: سنة إثبات الوصية واكتتابها لقوله: (ائْتُونِي بِالكَتِفِ وَالدَّوَاةِ)، و (الرَّزِيَّة): المصيبة، و (اللَّغَط): كثرة الكلام، و (اللغو): ما لا يُحتاج إليه، و (أَجِيزُوا الوَفد) من الجائزة، يقال: أجازه السلطان بجائزة سنِيَّة، يعني: العطية، و (الوَفدُ): القوم الذين يخرجون من بين الجماعة لقضاء حوائجهم؛ يفدون على ملك، أو ذي أمر فيعرضون الحال عليه. وقوله: (مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ) قال مالك بن أنس ﵀: جزيرة العرب: المدينة (٢)، وقال أبو عبيد (٣): جزيرة العرب: ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة في العرض، السماوة: بادية في طريق الشام، وفي الحديث: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَئِسَ أَن يُعبَدَ فِي جَزِيرَةِ العرب) (٤).

стр. 359

ومن كتاب النذور والأيمان [٣٦٠ - ٣٦١] حديث سعد بن عبادة (١)، وحديث عبد الله بن عمر ﵄ (٢) - في هذه الأحاديث بيان أن النذر إذا ثبت وجب القيام به، قال الله : ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وإنما يجب فيما يكون تبرُّرًا يُراد به وجه الله، وإذا وجب على رجل نذرٌ فمات؛ نُظِر فإن كان ذلك مالًا؛ وترك وفاء؛ لزِم الوارثَ أو الوصيَّ قضاءُ النَّذر عنه، فإن كان فعل البدن لم يلزمه، وقوله: (يُستَخرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيل) أراد: إذا كان ذلك تبرُّعا، فأما إذا نذر إخراج شيء من ماله؛ لزمه ذلك لزوم الزكاة. ومن باب أن نذر المعصية لا يلزم [٣٦٢] حديث عمران بن حصين ﵁ (٣): في هذا الحديث، وفي الذي بعده من الفقه: أن الكافر الحربيَّ إذا أُخِذ قهرا مُلك، وكذلك كل ما تحويه يده؛ يكون مِلكا لمن يغلُب عليه من المسلمين، وقوله: (نَأْخُذُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ) (٤)، الجريرة: الذنْب، وذنبه أنه في الكفر، مثل ذنب حلفائه، فأضاف الجريرة إليهم؛ وهو في مثل حالهم، وكان مأخوذا بجريرة نفسه. وقوله: (أَنَا مُسلِم) أي: مستسلم، وقول النبي ﷺ : (لَو قُلْتَهَا وَأَنتَ تَمْلِكُ

стр. 360

أَمرَكَ)، أي: لو قلتها طوْعا، لا على الوجه الذي اضطَرت إليه من خوف القتل، (أَفَلَحتَ كُلَّ الفَلاح)، أي: أصبتَ مرادك من الدنيا والآخرة، ولو كان مؤمنا ما فودي بالرجلين، وقوله: (لَا وَفَاءَ لِنَذرٍ فِي مَعصِيَةِ الله)، معناه: أن النذر إنما يوفى به ليطاع الله به، فإذا كان معصيةً، كان الوفاء به معصية فلا يجب، ولا يجب النذر على أحد فيما لا يملكه، لأنه ممنوع منه، فإذا كان كذلك، لم يتهيأ للناذر التبسط في الممنوع، فبطَل من أجل ذلك. وقوله: (نَاقَةٍ مُجَرَّسَةٍ) أي: مُجرَّبة في الركوب والسير، وفي رواية: (مُدَرَّبَةٌ) والدُّربة: العادة، ومعناه: معتادة للسير، قال صاحب المجمل (١): الدُّربة، التجربة، يقال: درب يدرب، وفي رواية: (عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ) (٢) أي: مُذلَّلة بالعمل، معتادة للركوب، وقوله: (فَلَم تَرغُ) أي: لم تُصَوِّت، والرُّغاء: صوت الناقة، يقال: ما له ثاغية ولا راغية (٣) أي: شاة ولا ناقة، وأتيته فما أثغى ولا أرغى، أي: لم يعط شاةً ولا ناقةً، وأَرْغَيتُ الجمل: حملته على الرُّغاء، قال: أيَبْغِي آلُ شَدَّادٍ عَلَيْنَا … وَمَا يُرْغى لِشَدَّادٍ فَصِيلُ (٤) يقول: هم أشِحَّاء ما فرقوا قطّ بين فصيلٍ وأمِّه؛ بنحرٍ ولا هبة، وقوله: (يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ)، يقال: أرَحنا إبلَنا: أي رددناها إلى مواضعها بالعشيّ، و (سَابِقَةَ الحَاجِّ) أي: مُقدِّمة الحاج؛ كانت تسبق النوق، و (العَضبَاء): اسم ناقة

стр. 361

النبي ﷺ ، وقوله: (وَنَذِرُوا بِهَا) بكسر الذال أي: عملوا بها، وقوله: (فَأَعجَزَتهُم) أي: سبقتهم. ومن باب من نذر أن يمشي فلم يقدر فليركب [٣٦٣] حديث أنس ﵁: (فرَأَى شَيخًا يُهَادَى بَينَ اثْنَين) (١)، يقال: جاء فلان يهادى بين اثنين، إذا مشى بينهما معتمدا عليهما، وفي الحديث: خرج في مرضه يهادى بين اثنين (٢)، قال أبو عبيد (٣): معناه أنه كان يعتمد عليهما من ضَعفه وتمايُله، وكلُّ من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه، وتهادت المرأة في مشيتها: إذا تمايلت. [٣٦٤] في الحديث (٤): دليل أن من نذر نذرا مثل المشي إلى بيت الله الحرام، فإن كان قادرا وجب عليه الوفاءُ به، وإن لم يكن قادرًا ونوى به يمينا؛ كفر كفارة يمين، وإن لم يكن عنده ما يكفر؛ أجزأه صوم ثلاثة أيام متتابعة، وهو تأويل قوله: (وَلتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) (٥)، (والمُخْتَمِرَة): لابسة الخمار، و (الحَافِيَة): ضد الناعلة.

стр. 362

ومن باب النهي عن الحلف بغير الله [٣٦٥] حديث: (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) (١)، كره النبي ﷺ أن يحلف الرجلُ بأبيه، من أجل أنّ من حلف بشيءٍ فقد قصد تعظيمَه، ولا ينبغي أن يعظَّم غيرُ الله ولا يُبتغى النفعُ إلا منه، ولا يُتوقّى الضُّر إلا به، وفيه: أن النهي إذا ورد عن النبي ﷺ فإنه يُتلقى بواجبه، ولا يُتعدى نهيه، كما فعل عمر ﵁ وقوله: (وَلَا آثِرًا) يقول: لا أحلف بأبي ولا آثرُه، أي: لا أَروي ذلك عن حالفٍ حلف بأبيه. ومن باب كفارة من حلف باللات والعزى [٣٦٦] فيه (٢) دليل أن من زل لسانه فنطق بما لا يجوز؛ كان عليه أن يتلافاه بذكر الله والتوحيد، حتى يكفِّر ما بدر منه، قال مسلم بن الحجاج: (قولهُ: تَعَالَ أُقَامِركَ فَلْيَتَصَدَّق، لَا يَروِيهِ أَحَدٌ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ، وَلِلزُّهرِيِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَروِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ) (٣). ومن باب ما ورد في جواز الحنث قبل الكفارة [٣٦٧] حديث أبي موسى ﵁ (٤): في الحديث: جواز سؤال الإمام فيما يقع من حاجةٍ للعام والخاص، وفيه أن للإمام أن يحمل على دواب الفيء، أو على إبل الصدقة؛ إذا كان السائل محتاجا، وفيه إجلال حق الإمام والعالم.

стр. 363

وقوله: (بَلِ الله حَمَلَكُم) (١) أي: بأمره أعطيتكم، وفيه دلالة أن الدجاجة وإن أكلت العذِرة؛ فإنها لا تحرم، وفيه: أن الحالف إذا حلف على شيء؛ فرأى الحِنْث خيرا من الثبات على اليمين؛ حنث وكفَّر عن يمينه، وقوله: (تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ) (٢) أي: سألناه في وقت شُغله، يقال: تغفَّلتُه: إذا [طلب] (٣) غفلته. وقوله: (وَتَحَلَّلْتُهَا)، قال أهل اللغة (٤): حلَّلَ يمينَه وتحلَّلَها: إذا حلف ثم استثنى، وقيل: تحللتها: أي: كفَّرت عنها حتى تنحل، وقوله: (غُرِّ الذُّرَى) أي: بيض الأسنمة، والغُرُّ: جمع الأغر، والأَغَرّ: الأبيض، وقيل: (غُرِّ الذُّرَى): غر الرؤوس، والذُّرَى: جمع ذِروة، وذِروة الشيء: أعلاه، وفي رواية: (بُقع الذُّرَى)، والبُقْعُ: جمع الأبقع، وهو الذي له لونان، وتلكأ الرجل يتلكأ. [ … ] (٥).

стр. 364

من كتاب الأقضية من باب القضاء باليمين والشاهد (١) [٣٦٨] [ … ] (٢) الشهود إلا رجل واحد حلف مع شاهده واستحق الدعوى، وقال أهل الرأي (٣): إن الحاكم لا يحكم بالشاهد الواحد حتى يكونا اثنين، قالوا: والحكم بالشاهد الواحد خلاف القرآن، وليس كما ذكروا، بل فيه زيادة بيان؛ ولو كان كل ما ليس بمنصوص في كتاب الله مخالفا للقرآن، لما جاز أن يُحكم بشهادة النساء في الاستهلال والعذرة وعيوب النساء. ومن باب ما جاء أن حكم الحاكم لا يحيل الأمر عما هو عليه [٣٦٩] حديث أم سلمة ﵂: (إِنَّكُم تَختَصِمُونَ إِلَيَّ) (٤)، فيه دلالة أن الأحكام على ظاهرها، وأن الحاكم إذا حكم بحكم على ما صح عنده في الظاهر؛ وكان باطنه على خلاف ذلك، كان الباطن أولى به.

стр. 365

ومن باب ذكر وجوب الحكم على الغائب [٣٧٠] حديث: (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ) (١) بكسر الميم وتشديد السين، ورواه بعضهم: (مَسِيكٌ) (٢) بفتح الميم وتخفيف السين، ففِعِّيل: يجيء للمبالغة ولكثرة الفعل، وفَعيل: قد يجيء بمعنى مُفْعِل كبَدِيع بمعنى مُبدع، وأليم بمعنى مؤلم. ومن الحجة على جواز الحكم على الغائب: أن النبي ﷺ لو لم ير الحكم إلا على الحاضر دون الغائب لبَيَّنَهُ، فلما لم يفرق بينهما عُلم أنه على الإطلاق. [٣٧١] و (الجَلَبَة) (٣): الصياح، وفي رواية: (لَجَبَة خَصْمٍ)، يقال: جيش لَجِبٌ وجيش ذو لَجَبٍ، وبحر ذو لَجَبٍ: إذا سُمِع اضطرابُ أمواجه. ومن باب ما جاء في العذر للحاكم عند الاجتهاد [٣٧٢] حديث عمرو بن العاص ﵁: (إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ) (٤)، إنما يجوز الاجتهاد إذا كان عالما بالكتاب والسنة، أو أكثرهما مما لابد منه، الصحابة وبأقاويل الصحابة وبلسان العرب، وكان له معرفةٌ؛ يفصل بين الصحيح والسقيم، وبين القوي من الأقاويل والضعيف، فإذا كان كذلك ثم حكم بحكم؛ فإن كان مصيبا

стр. 366

كان له أجران، وإن كان مخطئا فله أجر على اجتهاده. ومن باب الأمر بالاعتصام بحبل الله [٣٧٣] حديث أبي هريرة: (إضَاعَة المَالِ) (١)، فيه وجهان: أحدهما: أن يُنْفَق في معاصي الله، وهو السرف الذي عابه الله ونهى عنه، والوجه الآخر: دفع المال إلى ربه وليس بموضع، ألا تراه قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، قال مجاهد: الرشد: العقل (٢). وأما: (كَثرَةَ السُّؤَالِ) فيحتمل أنه سؤال الناس أموالَهم، ويحتمل أن يكون من السؤال عن الأمور وكثرة البحث عنها؛ كما قال: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. والاعتصام بحبل الله يجمع جميع الخيرات، ومناصحةُ الولاة تجمع القيام بالواجب والمندوب إليه. [٣٧٤] و (عُقُوقُ الأُمَّهَاتِ) (٣): الامتناع من طاعتهن فيما يحسُن، و (وَأْدُ البَنَاتِ): دفنهن في صغرهن وهن أحياء، و (مَنْعًا وَهَاتٍ): هو أن يمنع الواجبَ، ويطلب ما لا حق له فيه.

стр. 367

ومن باب ترك الغضب للحاكم [٣٧٥ - ٣٧٦] حديث أبي بكرة ﵁ (١)، وحديث: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) (٢)، فيه أن الحاكم إذا خالف الأئمة في حكمه رُدّ حكمه عليه. [٣٧٧] وفي حديث المرأتين اللتين أتتا داود ﵇ (٣): فيه بيان أن الباطن إذا صح كان أولى من الظاهر؛ إذ حكم سليمان ﵇ بما صح عنده من باطن أمر المرأتين، وفيه: أن للحاكم أن يتهدد الظالم بما لا يريد أن يفعله؛ ليرجع إلى الحق. ومن باب الحاكم يصلح بين الخصمين [٣٧٨] حديث: (اشتَرَى رَجُلٌ مِن رَجُلٍ عَقَارًا) (٤) احتمل أن يكون اشتراها بذهب مع الذهب الذي فيها؛ فلم يجز البيع، واحتمل أن يكون اشتراها بفضة وتقابضا قبل التفرق، فلما وقع الإشكال؛ كان الوجه أن يتفقا على شيء؛ كما فعلا لترتفع الشبهة.

стр. 368

ومن باب اللقطة [٣٧٩] حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ (١): (العِفَاصُ): الوعاء الذي يكون فيه النفقة من جلد أو خِرقةٍ، و (الوِكَاء): الخيط الذي يشد به. أمر الواجدَ لها أن يحفظ عِفاصَها ووِكاءَها؛ ليكون ذلك علامة للُّقطَة، فإن جاء من يعرفها بتلك الصفة دُفعت إليه، وهذه سنة في اللُّقطة خاصّة، لا يشبهها شيء من الأحكام، يستحقها صاحبها بغير بينة ولا يمين، إلا بمعرفة صفتها، وأما ضالَّة الإبل، وكلُّ ما شاكلها مثل البقر والبغال والحمير وما يستقل منها بنفسه ويقطعُ البلاد؛ فحكمه في الحديث، وأما الغنم فلا تقوى ذلك، فإذا كان بعيدا من القرى حلت لمن وجدها. وفي الحديث الآخر: (ضَالَّةُ المُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ) (٢) يعني: ضالَّةَ الإبل، و (حِذَاؤُهَا) أخفافها، يقول: إنها تقوى على السير، وقوله: (مَعَهَا سِقَاؤُهَا) أي: تقوى على ورود الماء فتشرب، وقيل: إنما أمر بحفظ الوعاء والوكاء ليؤدي ذلك مع اللقطة إذا جاء صاحبها. وفقه الحديث: أن ما خيف تلفه من الحيوان وغيره جاز الانتفاع به معجَّلا، وما لا يُخاف هلاك عينِه انتُظِر به سنة، وأما لُقطة الحاج ففيه خصوصية على غيرها؛ لا يحل منها إلا إنشادها، قال بعض العلماء: إذا كان الحاج بمكة فضاع له شيء فحكمه ما في الحديث، فأما إذا كان بغيرها فحكمها وحكم غيرها من اللقطة واحدٌ، وأما إيواء الضالة من الإبل والبقر فلا يحل.

стр. 369

ومن باب النهي عن حلب مواشي الناس إلا بإذنهم [٣٨٠] حديث ابن عمر ﵁ (١) (المَشرَبَة): الغُرفة، وفي الحديث دلالة أن اللبن في الضرع محظور، له حرمة كحرمة الأموال غيره، وشبه الضرع بالمَشْرَبة؛ وهي الغرفة، وأخبر ﷺ أن اللبن طعام يغتذى به، وقوله: (يُنتَثَل) أي: يُستخرج، والنَّثِيلَة: التراب الذي يُستخرج من البئر، وأما (يُنتَقَل) بالقاف فهو من النقل افتعال منه.

стр. 370

كتاب الجهاد ومن باب معرفة حق الضيف [٣٨١] حديث أبي شريح ﵁: (قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَومَهُ وَلَيلَتَهُ) (١)، ويجوز أن يروى بالرفع والنصب، بالنصب على الظَّرف، وبالرفع على حذف المضاف، أي: جائزة يومه وليلته، أي: ما يجوز به مسافة يومٍ وليلة، أي: من مَنهل إلى مَنهل، و (الجَائِزَة) العطية، يقال: أجازه السلطان بجائزة سَنِيَّة، قيل: وهذا أقل الواجب في المعروف. [٣٨٢] و (الظَّهِرُ) (٢): الرِّكاب، و (فَضلُ ظَهرٍ) أي: ما يَفضُل عن حاجته إليه، وقوله: (فَليَعُد بِهِ عَلَى مَن لَا ظَهرَ لَهُ)، العائدة: الهبة، فقوله: (فَليَعُد بِهِ) أي: فليُؤثِر به من هو محتاج إليه، وقوله: (فَإِن لَم يُعطُوا الحَقَّ المُوَظَّف عَلَيهِم) (٣)، يعني الذي وظفه النبي ﷺ لابن السبيل أو الغازي، فخذوا منهم حقَّ الضيف الذي وظفَّه عليهم. [٣٨٣] وقوله: (فَتَطَاوَلتُ) (٤) أي: رفعت عنقي، (لأَحزرَهُ) أي: لأَقَدِّره

стр. 371

وأعلم كِمِّيته، (فَحَزَرتُهُ كَرَبضَةِ العَنزِ) أي: قدْر مكانِ العنز الذي يربض فيه، وقوله: (فَنُدَغفِقُهُ دَغفَقَةً) الدَّغْفَقَة: الصبُّ الكثير، وقوله: (تَزْوَادَنَا) (١) أي: ما تزودناه، يعني: ما في المزاود. ومن باب ذكر إغارة رسول الله ﷺ على بني المصطلق [٣٨٤] (وَهُمْ غَارُّونَ) (٢) أي: غافلون. ومن باب وصية النبي ﷺ الأمير [٣٨٥] قوله: (وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا) (٣)، الغُلول: الخيانة، والغدر: نقض العهد، والمُثْلَة: جَدع الأذن والأنف؛ وقطع الأعضاء، وقوله: (إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ)، هذا في أهل الكتاب؛ الذين يحل أخذ الجزية منهم عند الاستسلام، وقوله: (أَنْ تُخْفِرُوا)، الإخفار: نقض العهد، والخفارة: مصدر خفرتُه أخفِره أي: أجرته. [٣٨٦] وقوله: (تَطَاوَعَا) (٤) قال أهل اللغة (٥): طاع يطوع: إذا انقاد، وقد طاوع فلان فلانا: إذا وافقه.

стр. 372

[٣٨٧] وقوله: (يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ) (١)، الغدر: نقض العهد، قال الحويدرة: أَسْمَيُّ وَيْحَكِ هل سمعتِ بِغَدْرَةٍ … رُفع اللِّوَاءُ لَنَا بِها في مجمع (٢) وَيْحَ: كلمة ترحُّم، وانتصابه على المصدر، أخبر أنه يعِف عن جيرانه ويفي بذمته، يقول: هل كان منا فيه فضيحة؟ وقال زهير: … ... .... وَيُنْصِبْ … لَكُمْ فِي كُلِّ مَجْمَعَةٍ لِوَاءُ (٣) قيل كان الرجل في الجاهلية إذا غدر رفع له لواء أيام الموسم؛ فيتجنبه الناس، المعنى: أنه يفضح يوم القيامة. [٣٨٨] وقوله: (بِقَدْرِ غَدْرِهِ) (٤) أي: كلما عظُم الغدر؛ عظم الفضيحة، وقوله: (مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ) يعني: الإمام والسلطان، يجوز أن يكون المعنى: مِن غَدْر أمير عامَّة، ويكون الأمير غادرا فاعلا، ويجوز أن يكون مفعولًا، ويكون الغدر من الرعية.

стр. 373

[٣٨٩] وحديث ابن أبي أوفى (حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ) (١)، فيه دلالة أن وقت زوال الشمس يرجى إجابة الدعوة، وفيه: أنه لا ينبغي للرجل أن يستقبل البلاء، ولكن عليه أن يحذر، وفيه: أن على المسلم أن يصابر الكافر في الحرب إذا لقيه، وقوله: (تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ): أي: يستوجب بالقتال بها الجنة، وفي حديث ابن أبي أوفى: دلالة الاستظهار على العدو بالدعاء. [٣٩٠ - ٣٩١] وقوله: (فَأَنكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَتلَ النِّسَاءِ وَالصِّبَيَانِ) (٢)، وفي حديث الصعب بن جَثَّامَة: (هُم مِنْهُمْ) (٣)، وكان سفيان يذهب إلى أن حديث ابن أبي الحُقيق (٤) - يعني في النهي عن قتل النساء والصبيان - ناسخ (٥)، وقال الشافعي ﵀ (٦): إنما معناه أن يقصد قصدهم وهم متميزون من الرجال، لأن في حديث بني المُصطلق: (وَهُم غَارُّونَ)، ومعلوم أن الغارة والبَيات إذا حل بقوم؛ أصاب ذلك النساء والولدان، وقوله: (هُم مِنْهُمْ) أي: يَسقُط الإثم والكفارة والعقل عمَّن أصابهم؛ لأنه أباح البيات، ولا يجوز قتلهم وهم متميزون. قال أصحاب الشافعي: وإنما نهي عن قتل الولدان لأنهم لم يبلغوا فيعملوا بالكفر، وقيل: نهي عن قتل الولدان والنساء لأنهم يُتَخوَّلون (٧) فيكونون قوة

стр. 374

لأهل الإسلام (١). [٣٩٢] وفي حديث قطع نخل بني النضير (٢): فيه أن للإمام إذا غلب على المشركين أن يقطع شجرهم ويحرقها للنكاية فيهم. [٣٩٣] وفي حديث (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) (٣) دلالة أن فرض الغزو على الكفاية؛ ما لم يقع نفيرٌ، لأنه أباح لهم التخلُّف عن الغزو بسبب ما ذكر في الحديث، ولو كان فرضا لم يسوِّغ لهم، وفيه: آية النبوة لحبس الشمس، وفيه دليل أن الغُلول عظيم أمره في كل وقت، وفيه فضيلة هذه الأمة بما أحل لهم من الغنائم، وفيه فضيلة الغنى والمال إذا أُنفق في سبيل الله. ومن باب ما جاء في الأنفال [٣٩٤] حديث سعد ﵀: (أَؤُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاء لَهُ؟) (٤)، الغناء: الكفاية، يعني: القوة والقتال. [٣٩٥] و (السُّهْمَان) (٥): جمع سهم، وهو النَّصيب. [٣٩٦] و (الشَّارِفُ) (٦): المُسِن من الإبل.

стр. 375

[٣٩٧] وقوله: (فَاستَدَرتُ إِلَيهِ) (١) أي: دُرت، (فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلٍ عَاتِقِهِ) يعني: عرق العاتِق وما يتصل به، وقوله: (وَجَدتُ مِنهَا رِيحَ الْمَوتِ) أي: كدت أذوق من تلك الضَّمة الموت، والريح هاهنا استعارة، وقوله: (لَا هَا الله) هذا قسم؛ لا حرف نفي، و (ها): تنبيه، و (الله): جر بحرف القسم المحذوف، والهاء بدل منه، وقوله: (إِذًا لَا يَعْمِدُ) المشهور من كلام العرب: (لا ها الله ذا) ومعناه: لا والله لا يكون، والذي في الحديث: (إذًا)، والمعنى: لا والله لا يفعل هذا إذًا، (لَا يَعْمِدُ)؛ أي: إن فعل ذلك كان عامِدا، (إِلَى أَسَدٍ مِن أُسُدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عن اللهِ فَيُعطِيكَ سَلَبَهُ)، ولا يفعل هذا لأن هذا جور، و (المَخْرَفُ): البستان، و (تَأَثَّلْتُهُ) أي: جعلته أصل مال. وفي حديث الليث: (كَلَّا لَا يُعْطِيهِ، أُصَيبْغَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَدَعُ أَسَدًا مِنْ أُسُدِ اللهِ) أُصَيبِغ: تصغير أَصْبَغ، والأَصْبَغ: ما يكون له لونان، وفي الحديث: (كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، هَلْ رَأَيْتُمُ الصَّبْغَاء؟) (٢) قيل: الصبغاء: نبت يطلع وما يلي الشمس من أعاليها أخضر، وما يلي الظلَّ أبيض، قال أهل اللغة (٣): الأَصْبَغ: الفرس في طرف ذنَبه بياض، ورواه: (أُضَيْبع) (٤) بالضاد المعجمة والعين المهملة، وقيل: هو تصغير ضبع صغر على غير قياس مُكَبَّره، والمحفوظ

стр. 376

ما ذكرناه قبل، كأن المراد من الكلمة: ضعف المذكور وشيبه، وقوة الآخر وشبابه. وفي الحديث من الفقه: السلب للقاتل، وأما التنقيل: فالسرية إذا انفصلت من الجيش فجاءت بغنيمة، فإنها تكون مشتركة بينهم وبين الجيش، لأنهم ردء لهم. وأما قوله: (فنَفَّلَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا) (١)، فاختلفوا في هذه الزيادة التي هي النفل، من أين أعطاهم؟ فكان ابن المسيب يقول: إنما ينفل الإمام من الخمس، وهو خمس الخمس من الغنيمة (٢)، وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀، وذلك أن النبي ﷺ كان يضعه حيث أراه الله من مصالح أمر الدين ومعاون المسلمين، قال: فإذا كثر العدو واشتدت شوكتهم؛ وقل من بإزائهم من المسلمين نفل منه الإمام اتباعًا للسنة، وإذا لم يكن ذلك لم يُنفِل (٣). وقال أبو عبيد (٤): الخمس مفوض إلى الإمام يُنْفِل منه إن شاء، ومن ذلك قول النبي ﷺ : (مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُم إِلَّا الخُمُسِ، وَالخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُم) (٥)، وقيل كان النبي ﷺ يُنفلهم من الغنيمة التي يَغنمونها، كما نفل القاتل السلب من جملة الغنيمة؛ وعلى هذا أكثر الأخبار؛ أنه إنما أعطاهم من جملة الغنيمة؛ لا من الخمس الذي هو سهمه ونصيبه، وظاهر حديث ابن عمر ﵁ (٦)

стр. 377

أنه أعطاهم هذا النفل قبل الخمس، كما نفَّلهم السلَب قبل الخمس، وإلى هذا ذهب أبو ثور (١). ومن باب إعطاء السلب بعض القاتلين بالاجتهاد [٣٩٨] حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁: (فَتَمَنَّيتُ لَوْ كُنتُ بَينَ أَضلَعَ مِنْهُمَا) (٢)، يعني أقوى منهما، والضَّلاعة: القوة، وقوله: (لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ) أي شخصي شخصه، (حَتَّى يَمُوتَ الأَعجَلُ مِنَّا) أي: الأعجل منا موتًا. وفي حديث أبي قتادة (٣) دليل أن سلَب القتيل لا يُسَلّم إلى مدعيه إلا بحجة، وفيه: أن السلب لا يُخمَّس، وأنه يجعل للقاتل قبل أن تقسم الغنيمة، وقال الشافعي ﵀ (٤): إنما السلب لمن قتل والحرب قائمة، والمشرك مقبل غير مدبر، لأنه عطية أعطاها إياه لإبلائه في الحرب، وقال أحمد بن حنبل ﵀: إنما يُعطى السَّلبَ من بارز فقتل قرنه، دون من لم يبارز (٥). وقال مالك: لا يكون السَّلَب له إلا بإذن الإمام، ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد (٦)، وقال أبو يوسف: إذا قال الإمام - يعني: وأمر بالنداء -: (من قتل قتيلا فله سلبُه، ومن أسر أسيرا فله سلبُه) فهو جائز، وهذا

стр. 378

هو النفل، وقال أبو حنيفة: لا ينبغي للإمام أن يُنفله سلبَه لأنه صار في الغنيمة (١). وقال الأوزاعي: للقاتل فرسه الذي قاتل عليه، وسلاحُه وسرجُه، ومِنطَقته وخاتمه، وما كان في سرجه وسلاحه من حلية، وقال الشافعي ﵀: للقاتل كل ثوب عليه، وكل سلاح، ومِنطَقة، وفرسه الذي هو راكبه، أو ممسكه، وقال أحمد بن حنبل في المنطقة فيها الذهب والفضة: هي من السلَب، وسئل عن السيف فقال: لا أدري، وقيل للأوزاعي: يسلبون حتى يتركوا عراة؟ فقال: أبعد الله عورتهم، وكره الثوري أن يتركوا عراة (٢). وفي حديث عبد الرحمن بن عوف: أن النبي ﷺ جعل السلَب لأحد القاتلَين، وذلك يومَ بدر، وكانت الغنيمة والأسلاب للنبي ﷺ في ذلك الوقت؛ يضعها حيث أحبّ، وقيل: استئثاره إياه إنما كان بإذن صاحبه. [٣٩٩] وأما حديث عوف بن مالك وقوله: (لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ) (٣)، ففيه دليل أنه كان للنبي ﷺ ، وكان يصرفه حيث أراد. في الحديث من الفقه أن السلَب ما كان قليلا أو كثيرا فإنه للقاتل لا يُخَمَّس، لأنه أمر خالدا برده عليه مع استكثاره إياه، وإنما رده على خالد بعد الأمر الأول، زجرًا لعوف لِئلا يتجرأ الناس على الأئمة، ولا يتسرعوا إلى الوقيعة فيهم، وكان خالد ﵀ مجتهدا في صنيعه ذلك، لأنه قد استكثر السلب فأمضى

стр. 379

له رسول الله ﷺ اجتهاده؛ لما رأى في ذلك من المصلحة العامة؛ بعد أن كان خطَّأه في رأيه الأول، واليسير من الضرر محتمَل للكثير من الصلاح. وفيه دليل على أن نسخ الشيء قبل الفعل جائزٌ، وقوله: (هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي أُمَرَائِي؟) (١) فصل من المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور، وقوله: (ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقيَهَا) أي: طلب وقت سقيها، و (المَدَدِيُّ): الذي يأتي مددًا وقوةً للجيش، وأما ما روي (لَم يُخَمِّسِ السَّلَبَ) (٢)، قيل: لم يأخذ خمسه؛ ولكن تركه للقاتل، وفي حديث عوف دلالة أن على الرعية أن يطيعوا السلطان. ومن باب إعطاء السلب أجمع للقاتل [٤٠٠] حديث سلمة بن الأكوع: (ثُمَّ انتَزَعَ طَلَقًا) (٣) الطَّلَق - بفتح اللام -: الحبْل، وقوله: (مِنْ حَقَبِهِ) الحَقَبُ - بفتح القاف -: حبل يُشدّ على حِقوِ البعير، وفي حديث عبادة ﵁: (فَرَكِبتُ الفَحْل فَحَقِب فتفَاجَّ يَبُول) (٤)، قيل (٥): الحَقِب: الذي قد دنا الحَقَب من ثِيلِه فمنعه من أن يبول.

стр. 380

وقوله: (عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ) أي: سوداء، و (اشْتَدَّ) أي: عدا، و (أَثَارَه) أي: هيَّجَه وأقامه، و (اخْتَرَطْتُ سَيْفِي) أي: سلَلْته، (فَنَدَرَ) أي: فسقط. [٤٠١] وقوله: (فَعَرَّسْنَا) (١) أي: نِمْنا ليلا، وأكثر ما يكون ذلك بعد نصف الليل، وقوله: (شَنَّ الغَارَةَ) أي: صبَّها وفرَّقها، و (القَشْعُ): ثوب من أديم، وقوله: (وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا) أي ما قرَبتها، وقوله: (لِلَّهِ أَبُوك): كلمة مدح. [٤٠٢] وفي حديث أبي هريرة ﵁ (٢): دليل أن الموجفين يملكون ما أوجفوا عليه بعد إخراج الخمس منه. [٤٠٣] وفي حديث مالك بن أوس: (تَعَالَى النَّهَارُ) (٣) أي: ارتفع، و (رُمَاله): شريطه، و (يَا مَالُ) نداء مُرَخَّم، ومعناه يا مالك، وقوله: (دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ)، يقال: دقَّت علينا من بني فلان دافَّة تَدِفُّ دفيفا أي: سيرًا في لين، والدَّفِيف: دفيف الطائر على وجه الأرض؛ يحرك جناحيه؛ ورجلاه في الأرض، وقوله: (اتَّئِدَا) من التؤدة، وهي السكون؛ يخاطب اثنين.

стр. 381

ومن باب لا نورث ما تركناه صدقة [٤٠٤] حديث عائشة ﵂ (١): (فَدَك) قرية، و (خَيْبَر): قرى مجتمعة، و (يَرْفَا) (٢): اسم غلام عمر ﵁، وقوله: (لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ) يقال: عَرَانِي الأمر يعروني: إذا غشِيَني، واعتراني يعتريني أيضا، و (النَّوَائِبُ): جمع نائبة، يقال: نابَه هذا الأمر ينوبه: إذا أتاه مرّة بعد مرّة، وقوله: (أَنْ أَزِيغَ) أي: أميلَ عن الحق، وقوله: (مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ) مبتدأ وخبر. وقوله: (وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ) أي: طابت قلوبهم حين سلم ذلك الذي وقعت فيه المنازعة من أمر فدك وخيبر، وقوله: (شَجَرَ بَينِي وَبَيْنَكُم) يعني: المنازعة في ذلك أيضًا، و (لَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْحَقِّ) أي: لم أُقصِّر، وقوله: (وَكُنَّا نَحنُ نَرَى حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ )، إنما كان يرى ذلك قبل أن صح عنده أن النبي ﷺ قال: (لَا نُورَثُ)، وقوله: (لَمْ نَنْفَسٌ) أي: لم نحسُد، وقوله: (جِهَةٌ) أي: وَجهٌ وَجَاهٌ، وقوله: (حَيَاةَ فَاطِمَةَ ﵂) نصب على الظرف، أي: مدة حياتها. وفي الحديث من الفقه أن النبي ﷺ لم يورث، وأن الذي كان بيده من المال كان مُرصدًا لمصالح المسلمين، وفيه أن للرجل أن يأخذ لنفسه ولعياله قوت سنة، ومنها: أن الصدوق إذا قال قولا؛ جاز أن يستشهد على صحة قوله الثقات احتياطًا.

стр. 382

وقول عمر ﵁: (إِنَّ الله خَصَّ رَسُولَهُ بِخَاصَّة) (١) أراد أنه أقامه مقام الموجفين في الفيء، ثم قال: ومع هذا كان يقسمه في مصالح المسلمين من الكُراع والسِّلاح وغير ذلك. ومن باب للفرس سهمان وللرجل سهم [٤٠٥] قوله: (لِلفَرَسِ سَهِمَان) أو (قَسَمَ لِلفَرَسِ سَهمين) (٢)، فقه الحديث: أنه أعطى الفارس ثلاثة أسهم: سهما له؛ وسهمين لفرسه؛ لغنائه في الحرب، ولما يلزمه من مؤنته، لأن مؤونة الفرس متضاعفة على مؤونة صاحبه، فضوعف له العِوَض من أجله. ومن باب الحكمة في الأسارى والقسمة وإمداد الملائكة يوم بدر [٤٠٦] حديث عمر بن الخطاب ﵁ (٣): وفي الحديث دليل على ترداد الدعاء رجاء الإجابة، وفيه مدد الملائكة للنبي ﷺ عند محاربة الكفار، ومنه سنة مشاورة أهل المعرفة والتمييز من الأصحاب. وقوله: (أَقدِم حَيزُومُ) أي: تقدم، يقال: قدم يقدُم إذا تقدَّم، وحَيْزُوم: اسم فرس جبريل ﵇، وفي الحديث مضموم مبني على الضم لأنه منادى مفرد، ورواه بعضهم: (أَقْدَمُ) بفتح الدال؛ على أنه مستقبل قدِم يقدم (٤)، يقال: قدِم فلان من سفره يقدم.

стр. 383

وفي الحديث من الفقه: استحباب سلامة الصدر من الغش للناس، ومنه: البكاء عند خوف العقوبة، وقوله: (كَذاكَ مُنَاشَدَتكَ رَبَّكَ) أي: ألِحَّ في السؤال والدعاء وبالغ فيه، فإن الله يستجيب لك، وقال ابن قتيبة (١): (كَذاكَ) معناه: حسبك، ورواه غيره: (كَفَاكَ) (٢) بالفاء. وفي الحديث خصوصية النبي ﷺ بإحلال الغنيمة، وفيه: أن للإمام أن يقتل الأسير أو يفديَ أو يَمُنّ، ومنها: أن الكفار إذا انجلوا من بلادهم قام النبي ﷺ في الفيء مقام الموجفين، ومنها: أن مقام أربعٍ للمسافر؛ مقام يُتِمّ صلاته: فيه. ومن باب المن على الأسارى [٤٠٧] حديث ثمامة بن أثال (٣): وفيه دليل أن للإمام أن يمُنّ على الأسير، وقوله: (إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ) كأنه قتل إنسانا؛ وهو يقول: إن قتلتني فأنا مستحق للقتل. * * * [٤٠٨] وقوله: (لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) (٤)، فيه سنة النبي ﷺ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ

стр. 384

فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، أي: حتى يغلب على أعدائه، قيل: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما في العرض فما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة (١). ومن باب الحكم فيمن حارب ونقض العهد [٤٠٩] حديث أهل قريظة: قوله: (رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشِ يُقَالُ لَهُ حِبَّانُ بنُ الْعَرِقَةِ) (٢)، المحفوظ: حِبَّان بكسر الحاء، والعَرِقة بالعين المهملة، و (الأَكْحَلِ): عِرق معروف، وقوله: (فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغْذُو دَمًا) (٣) أي: يسيل، قال: وطعن كفم الزّقّ … غذا والزّقّ ملآن (٤) وقوله: (تَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلْبُرْءِ) يقال: للشيء الصُّلب مُتحَجِّر، والكَلْمُ: الجراح، وأما قوله: (لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا) (٥) أي: ضيَّقت ما وسَّعه الله، ويمكن أن يكون (تَحَجَّرَ) كَلْمُهُ) أي: التأم وضاق بعدما كان واسعًا، وقوله: (كَمَا ثَقُلَتْ بمِيطَانَ الصُّخُورُ) مِيطَان (٦) - بكسر الميم -: اسم موضع، والأبيات التي فيها

стр. 385

هذه الكلمات: أَلَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ … لما فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ لَعَمْرُكَ إِنَّ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ … غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَّبُورُ تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لَا شَيْء فِيهَا … وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ وَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ … أَقِيمُوا قَيْنُقَاعُ وَلَا تَسِيرُوا وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِقَالًا … كَمَا ثَقُلَتْ بِمِيطَانَ الصُّخُورُ ورواه بعضهم: (بمِيدَان) (١) بالدال، وفي الحديث من الفقه: أن للإمام أن يُحَكِّم حَكَمًا بين الناس إذا كان يصلح لما جعل له، ومنها: ركوب الشريف الحمار، ومنها: القيام لسيد القوم وعالمهم، ومنها: أن أهل الحرب إذا قهروا؛ فللإمام أن يقتل المقاتلة ويسبيَ الذرية، ويَقسم المال، ومنها: معرفة حق الصديق والقيامُ به، ومنها: أن الملائكة كانوا يحملون السلاح، ومنها: أن الآخرة لمن اتقى الله خير من الدنيا، لأن سعدا سأل أن يكون موتُه فيها، وقوله: (فَافْجُرْهَا) أي: افتحها، يقال: انفجرت العين أي: انفتحت. ومن باب من لزمه أمر فدخل عليه فيه أمر آخر [٤١٠] فيه حديث ابن عمر ﵁: (فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ) (٢)، وفي آخره: (فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ)، التعنيف: الملامة. وفقه الحديث: أن النبي ﷺ أمرهم بالصلاة في بني قريظة، وكان الأمر قد

стр. 386

سبق بأداء الصلوات في أوقاتها عن الله وعن رسوله ﷺ ، فمن خاف فوْت الوقت فأداها في وقتها كان آخذًا بالأمر، ومن صلّاها في بني قريظة كان جمع بين أمرين، وكِلا الفريقين كانوا مصيبين في اجتهادهم. ومن باب رد المهاجرين على الأنصار بعد الفتح [٤١١] (مَنَائِحَهُمُ) (١) المَنَائح: جمع المنيحة، وهي العَطية، قال أبو عبيد (٢): المِنحة عند العرب على معنيين: أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، الأخرى: أن يمنحه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ووبرها زمانا، ثم يردها، وهو تأويل قوله: (الْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ) (٣)، والمنحة قد تكون في الأرض، وذلك أن يمنح الرجل أخاه أرضه ليزرعها، ومنه الحديث: (مَنْ كَانَت لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَو يَمْنَحْها أَخَاه) (٤)، قال الفرّاء (٥): يقال منحته أمنَحُه وأمنِحه. وفي مقاسمة الأنصار المهاجرين دليل على ما يجب من حق الإسلام، وحفظ الأخوة به، وبيان أنه لا يحل لمسلم أن يُضَيّع مسلما، ولا إذا وجده في مَهْلكة فأمكنه إنقاذه منها إلا أنقذه، وكانت تلك الهبات لمعنى الحاجة، فلما استغنوا بغيرها رَدّوها واقتصروا على الكفاية. و (العِذَاقُ): جمع العِذْق، والعَذْق - بالفتح -: النخلة، والعِذق: الكِبَاسة،

стр. 387

يعني: الغصن، وفي حديث عمر ﵁: (لَا قَطْعَ فِي عِذْقٍ مُعَلَّق) (١)، يقول: إذا كانت الكِباسة مُعلّقة لم يُحْرَز ثَمَرها في الجُوخَان (٢)، فلا قطع على آخذه، وهو كقوله: (لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلَا كَثَرٍ) (٣) أي: في ثَمَر لم يُصرم ولم يُحرز، قال صاحب المجمل (٤): الكِباسة العِذق التامّ. وفي محادثة أم أيمن أنسًا ﵄ دلالة أنه كان عندها أن تلك العَطية بَنَات؛ حتى أتت النبي ﷺ ، فلما عوّضها مما كان جعل لها رضيت بذلك، وقوله: (وكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ)، أي: كانت حاضنة النبي ﷺ ، قال أهل اللغة (٥): حضَنْتُه واحتَضَنْتُه، أي: ضَمَمْتُه إِليّ وإلى حِضني، والحِضنان: الجَنبان، و (الوَصِيفَة): الجارية المملوكة. ومن باب أخذ الطعام في أرض العدو [٤١٢] حديث عبد الله بن مُغفّل: (رُمِيَ إِلَيْنَا جِرَابٌ فِيهِ طَعَامٌ وَشَحْمٌ يَوْمَ خَيْبَرَ) (٦)، فيه من الفقه: إباحة الانتفاع بالمأكول، فإنّ الذي يُعدُّ مالًا ويُدّخر لا يجوز أخذُه دون الجماعة، وفي تبسُّم النبي ﷺ وسكوتِه دلالة على أن المأكول مباحٌ أخذُه. * * *

стр. 388

ومن باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل [٤١٣] قوله: (فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ) (١)، وفي نسخة: (الأَرِيسِين) (٢)، قيل: هم الأتباع والخَوَل معناه: إن أسلمت أنت أسلم أتباعك وخوَلُك وحَشَمُك، وإن أبيتَ الإسلام بقيَ أتباعك على دينهم وكفرهم، فكان عليك إثمُهم إذا لم يسلموا واتَّبعوك على الكفر، وقيل: الأَريس: الأجير. وقوله: (لَقَد أَمِرَ أَمرُ ابن أَبِي كَبِشَةَ)، أَمِر معناه: كثُر وارتفع، عَيَّرَه بذلك، لم يجد له عيبًا غيره، وأَبُو كَبْشة: رجل من خُزاعة خالف قريشًا فعبَد الشِّعرى العَبُور، فلما خالفهم النبي ﷺ في عبادتهم ودعاهم إلى عبادة الله ، قالوا هذا ابن أبي كبشة، تشبيهًا به، وقيل: كان وهبُ بنُ عبدِ مناف بن زُهرة جدّ النبي ﷺ لأمه؛ ابنةِ أبي كبشة، فكان جدَّ جدٍّ للنبي ﷺ لأمه، (وبَنُو الأَصفَر): هم الروم. وقوله: (إِذَا خَالَطَت بَشَاشَتُه القُلُوبَ) (٣)، البَشاشة: الفرح، يقال: بَشِشْتُ به أَبَشُّ، و (إِيليَاء): بيت المقدس، و (دَاعيَةُ الإِسلَام): مصدر بمعنى: الدّعوة، و (التُّرجُمان): الذي يُعبِّر عن لسانٍ بلسانٍ آخر، و (كَذَبَنِي) - بالتخفيف - أي: قال ليَ الكذب، (فَكَذِّبُوهُ) أي: قولوا له: كَذَبْتَ، (وَايمُ اللهِ): قسم، وقوله: (أَن يُوْثَرَ) أي: أن يُرْوى، يقال أَثَرت الحديث، أي: رَويتُه، وقوله: (سِجَالًا)

стр. 389

أراد: نُدالُ عليه مرّة؛ ويُدالُ علينا أخرى، وأصله: أن المستقيين بالسَّجْل (١) يكون لكل واحد منهما سَجْل. ومن باب ذكر ما جاء في غزوة حنين [٤١٤ - ٤١٥] حديث عباس ﵁: (فَلَزِمتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ بن عَبدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) (٢)، قوله: (خَرَجَ شُبَّانُ أَصحَابِهِ، وَأَخِفَّاؤُهُم) (٣)، أخِفَّاؤُهُم: جمع خفيف كشديدٍ وأشدّاء، وقوله: (حُسَّرًا): هو جمع حاسر، والحَاسِر: الذي لا سلاح معه، وقوله: (هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ) أي: اشتد أمر الحرب، والوَطِيسُ: التَّنُّور، قال صاحب المجمل: الوطيس: التَّنُّور، أُخِذَ من الوَطْس، وهو الكَسر لأنه هَزْم في الأرض، قال أبو عبيد: وَطَسْتُ: كسرت (٤). قال الشاعر: تَطِسُ الإِكامَ بِذاتِ خُفٍّ مِيثَمِ (٥) وقيل: الوَطيس: شدة الأمر، وأَوْطَاس: موضعٌ، وقوله: (فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا) أي: رمَوهم وجهًا من الرّمي، قال صاحب المجمل (٦): الرَّشق مصدر رشَق
следующие страницы →