هذه الكلمات:
أَلَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ … لما فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ
لَعَمْرُكَ إِنَّ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ … غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَّبُورُ
تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لَا شَيْء فِيهَا … وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ
وَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ … أَقِيمُوا قَيْنُقَاعُ وَلَا تَسِيرُوا
وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِقَالًا … كَمَا ثَقُلَتْ بِمِيطَانَ الصُّخُورُ
ورواه بعضهم: (بمِيدَان) (١) بالدال، وفي الحديث من الفقه: أن للإمام أن يُحَكِّم حَكَمًا بين الناس إذا كان يصلح لما جعل له، ومنها: ركوب الشريف الحمار، ومنها: القيام لسيد القوم وعالمهم، ومنها: أن أهل الحرب إذا قهروا؛ فللإمام أن يقتل المقاتلة ويسبيَ الذرية، ويَقسم المال، ومنها: معرفة حق الصديق والقيامُ به، ومنها: أن الملائكة كانوا يحملون السلاح، ومنها: أن الآخرة لمن اتقى الله خير من الدنيا، لأن سعدا سأل أن يكون موتُه فيها، وقوله: (فَافْجُرْهَا) أي: افتحها، يقال: انفجرت العين أي: انفتحت.
ومن باب من لزمه أمر فدخل عليه فيه أمر آخر
[٤١٠] فيه حديث ابن عمر ﵁: (فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ) (٢)، وفي آخره: (فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ)، التعنيف: الملامة.
وفقه الحديث: أن النبي ﷺ أمرهم بالصلاة في بني قريظة، وكان الأمر قد
стр. 386
سبق بأداء الصلوات في أوقاتها عن الله وعن رسوله ﷺ ، فمن خاف فوْت الوقت فأداها في وقتها كان آخذًا بالأمر، ومن صلّاها في بني قريظة كان جمع بين أمرين، وكِلا الفريقين كانوا مصيبين في اجتهادهم.
ومن باب رد المهاجرين على الأنصار بعد الفتح
[٤١١] (مَنَائِحَهُمُ) (١) المَنَائح: جمع المنيحة، وهي العَطية، قال أبو عبيد (٢): المِنحة عند العرب على معنيين: أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، الأخرى: أن يمنحه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ووبرها زمانا، ثم يردها، وهو تأويل قوله: (الْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ) (٣)، والمنحة قد تكون في الأرض، وذلك أن يمنح الرجل أخاه أرضه ليزرعها، ومنه الحديث: (مَنْ كَانَت لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَو يَمْنَحْها أَخَاه) (٤)، قال الفرّاء (٥): يقال منحته أمنَحُه وأمنِحه.
وفي مقاسمة الأنصار المهاجرين دليل على ما يجب من حق الإسلام، وحفظ الأخوة به، وبيان أنه لا يحل لمسلم أن يُضَيّع مسلما، ولا إذا وجده في مَهْلكة فأمكنه إنقاذه منها إلا أنقذه، وكانت تلك الهبات لمعنى الحاجة، فلما استغنوا بغيرها رَدّوها واقتصروا على الكفاية.
و (العِذَاقُ): جمع العِذْق، والعَذْق - بالفتح -: النخلة، والعِذق: الكِبَاسة،
стр. 387
يعني: الغصن، وفي حديث عمر ﵁: (لَا قَطْعَ فِي عِذْقٍ مُعَلَّق) (١)، يقول: إذا كانت الكِباسة مُعلّقة لم يُحْرَز ثَمَرها في الجُوخَان (٢)، فلا قطع على آخذه، وهو كقوله: (لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلَا كَثَرٍ) (٣) أي: في ثَمَر لم يُصرم ولم يُحرز، قال صاحب المجمل (٤): الكِباسة العِذق التامّ.
وفي محادثة أم أيمن أنسًا ﵄ دلالة أنه كان عندها أن تلك العَطية بَنَات؛ حتى أتت النبي ﷺ ، فلما عوّضها مما كان جعل لها رضيت بذلك، وقوله: (وكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ)، أي: كانت حاضنة النبي ﷺ ، قال أهل اللغة (٥): حضَنْتُه واحتَضَنْتُه، أي: ضَمَمْتُه إِليّ وإلى حِضني، والحِضنان: الجَنبان، و (الوَصِيفَة): الجارية المملوكة.
ومن باب أخذ الطعام في أرض العدو
[٤١٢] حديث عبد الله بن مُغفّل: (رُمِيَ إِلَيْنَا جِرَابٌ فِيهِ طَعَامٌ وَشَحْمٌ يَوْمَ خَيْبَرَ) (٦)، فيه من الفقه: إباحة الانتفاع بالمأكول، فإنّ الذي يُعدُّ مالًا ويُدّخر لا يجوز أخذُه دون الجماعة، وفي تبسُّم النبي ﷺ وسكوتِه دلالة على أن المأكول مباحٌ أخذُه.
* * *
стр. 388
ومن باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل
[٤١٣] قوله: (فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ) (١)، وفي نسخة: (الأَرِيسِين) (٢)، قيل: هم الأتباع والخَوَل معناه: إن أسلمت أنت أسلم أتباعك وخوَلُك وحَشَمُك، وإن أبيتَ الإسلام بقيَ أتباعك على دينهم وكفرهم، فكان عليك إثمُهم إذا لم يسلموا واتَّبعوك على الكفر، وقيل: الأَريس: الأجير.
وقوله: (لَقَد أَمِرَ أَمرُ ابن أَبِي كَبِشَةَ)، أَمِر معناه: كثُر وارتفع، عَيَّرَه بذلك، لم يجد له عيبًا غيره، وأَبُو كَبْشة: رجل من خُزاعة خالف قريشًا فعبَد الشِّعرى العَبُور، فلما خالفهم النبي ﷺ في عبادتهم ودعاهم إلى عبادة الله ، قالوا هذا ابن أبي كبشة، تشبيهًا به، وقيل: كان وهبُ بنُ عبدِ مناف بن زُهرة جدّ النبي ﷺ لأمه؛ ابنةِ أبي كبشة، فكان جدَّ جدٍّ للنبي ﷺ لأمه، (وبَنُو الأَصفَر): هم الروم.
وقوله: (إِذَا خَالَطَت بَشَاشَتُه القُلُوبَ) (٣)، البَشاشة: الفرح، يقال: بَشِشْتُ به أَبَشُّ، و (إِيليَاء): بيت المقدس، و (دَاعيَةُ الإِسلَام): مصدر بمعنى: الدّعوة، و (التُّرجُمان): الذي يُعبِّر عن لسانٍ بلسانٍ آخر، و (كَذَبَنِي) - بالتخفيف - أي: قال ليَ الكذب، (فَكَذِّبُوهُ) أي: قولوا له: كَذَبْتَ، (وَايمُ اللهِ): قسم، وقوله: (أَن يُوْثَرَ) أي: أن يُرْوى، يقال أَثَرت الحديث، أي: رَويتُه، وقوله: (سِجَالًا)
стр. 389
أراد: نُدالُ عليه مرّة؛ ويُدالُ علينا أخرى، وأصله: أن المستقيين بالسَّجْل (١) يكون لكل واحد منهما سَجْل.
ومن باب ذكر ما جاء في غزوة حنين
[٤١٤ - ٤١٥] حديث عباس ﵁: (فَلَزِمتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ بن عَبدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) (٢)، قوله: (خَرَجَ شُبَّانُ أَصحَابِهِ، وَأَخِفَّاؤُهُم) (٣)، أخِفَّاؤُهُم: جمع خفيف كشديدٍ وأشدّاء، وقوله: (حُسَّرًا): هو جمع حاسر، والحَاسِر: الذي لا سلاح معه، وقوله: (هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ) أي: اشتد أمر الحرب، والوَطِيسُ: التَّنُّور، قال صاحب المجمل: الوطيس: التَّنُّور، أُخِذَ من الوَطْس، وهو الكَسر لأنه هَزْم في الأرض، قال أبو عبيد: وَطَسْتُ: كسرت (٤).
قال الشاعر:
تَطِسُ الإِكامَ بِذاتِ خُفٍّ مِيثَمِ (٥)
وقيل: الوَطيس: شدة الأمر، وأَوْطَاس: موضعٌ، وقوله: (فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا) أي: رمَوهم وجهًا من الرّمي، قال صاحب المجمل (٦): الرَّشق مصدر رشَق
стр. 390
بالسّهم رشقًا، والرِّشق: الوجه من الرّمي إذا رَمى القوم بأجمعهم، قالوا: رَمَينا رِشقًا، قال أبو زبيد:
كلَّ يَوْمٍ تَرْمِيهِ مِنها بِرِشْقٍ … فَمُصِيبٌ أَو صافَ غيرَ بَعِيدِ (١)
صَافَ: أي: عدل، و (أَصْحَابَ السَّمُرَةِ): أصحاب البيعة تحت الشجرة، و (فَروَةُ بنُ نُفَاثَةَ) - بالنون المضمومة والثاء المعجمة بثلاث -: أحد ملوك العرب، وفي رواية معمر عن الزهري: (فَروَةُ بنُ نَعَامَة) بفتح النون والعين، والصحيح الأول، وقوله: (أَي عَبَّاسُ): أي: حرف النداء، وعبَّاسُ: منادى مفرد مبني على الضم، وقوله: (وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا) أي: جَهِير الصّوت، عاليَ الصّوت، وقوله: (لَكَأَنَّ عَطَفَتَهُم) أي: كرَّتهم وإقبالَهم، وقوله: (إِرَادَةَ أَن لَا تُسْرِعَ) إرادة: نصب مفعول له، أي: لإرادة أن لَا تسرع.
وقوله: (وَالدَّعوَةُ فِي الأَنصَارِ) الدّعوة: الادِّعاء، والادِّعاء في الحرب: الاعتزاء، وهو أن يقول: يا لَفُلان، والادِّعاء في الحرب أيضا: أن يقول: أنا فلان بن فلان، والدَّعوى: اسم يقوم مقام الادِّعاء، ويكون بمعنى الدُّعاء، يقال: (اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعواهم).
والدّعوة: الاستغاثة أيضا، يقال: دعوته أي: استغثْت به، وقيل: في قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، أي: استغيثوا بآلهتكم، وقيل: الدُّعاء الغوث، وقوله : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، أي: استغيثوا؛ أي: إذا نزلت بكم ضراء أستَجب لكم دعاءكم، أي: غوثكم، ومنه
стр. 391
دعوى الجاهلية، وهو قولهم: يالَ فلان، وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [فاطر: ١٨]، أي: وإن تستغث نفس أثقلتها ذنوبها، إلى أن يُحمَل عنها شيء من ذلك؛ لم يحكم لها به.
وقوله: (فَمَا زِلتُ أَرَى حَدَّهُم كَلِيلًا)، يقال: شوْكَة الحرب وحَدُّ الحرب، أي: عُدَّتها وسلاحها.
و (رِجلٌ مِن جَرَادٍ) أي: جماعة من جراد، وقوله: (إِذَا احمَرَّ البَأسُ) أي: اشتدّ القتال، يقال: موت أحمرُ؛ أي: شديد، وسَنَة حمراءُ؛ أي: شديدة، ويقولون: الحُسْن أحمرُ؛ أي: شاقٌّ، فمن أحبّ الحُسْن احتمل المشقّة، وقوله: (نَتَّقِي بِهِ) أي: نستقبل به العدو؛ أي: نجعله جُنَّة لنا، و (إِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِيه) أي: يُقابله ويقوم مَقامه، وقوله: (انكَشَفَ) أي: انهزم.
* * *
[٤١٦] وقوله: (فَأَعلُو ثَنِيَّةً) (١) أي: فأصعدُ ثنية، وقوله: (فَاستَطلَق إِزَارِي) أي: انحلّ، وقوله: (فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ) أي: قرُبوا منه، وقوله: (شَاهَتِ الوُجُوهُ) أي: قبُحت، قال ابن الأعرابي (٢): الشوهاء: القبيحة، وقيل: الشوهاء: الواسعة الفم، قال الشاعر:
فهْيَ شَوهاءُ كالجُوَالِقِ فُوها … مُستَجافٌ يَضِلُّ فيها الشَّكيمُ (٣)
يصف فرسًا بِسعة مشقّ الفم، وأنه يشبه جُوالقًا في سعته، والمُستَجاف:
стр. 392
الواسع، والجُوالق بالضّمّ، وفي الجمع: الجَوالق بالفتح، ومثله: غُرانق وغَرائق؛ وهو الشابّ الناعم.
ومن باب قصة أهل الطائف
[٤١٧] حديث عبد الله بن عمر ﵁: (حَاصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ، فكأنه لَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا) (١)، في الحديث دلالة أن الرأي يُترك إذا عارضه النص.
ومن باب غزوة بدر
[٤١٨] حديث أنس ﵁: (بَرْكِ الْغِمَادِ) (٢) بكسر الغين: موضع بقرب الحبشة، وقوله: (أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ) يقال: خاضت الخيل البحر، وأخضتُها أنا، قال صاحب المجمل (٣): خضت الماء وغيرَه؛ أخوضه خوضًا، وأخضتُ فيه دابتي، و (الرَّوَايَا): جمع راوية، والرَّاوِيَة: الجمل يستقي الماء؛ وبه سميت المَزَادة رَاوِيةً، وجعل الشاعر القطا روايا لفراخها (٤)، وقوله (فَمَا مَاطَ أَحَدٌ) (٥)، أي: ما تَنَحَّى، قال:
стр. 393
فَمِيطِي بِمَيَّاطِ ..... … ............ (١)
ومن باب فتح مكة
[٤١٩] حديث أبي هريرة ﵁، قوله: (أَوبَاشًا) (٢)، قال أبو عبيد: (٣)، الأَوْباش: الأخلاط من الناس، وقوله: (فَبَعَثَ الزُّبَيرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبْتَينِ) قيل: المُجَنِّبة اليمنى هي المَيْمَنة، والمُجَنِّبة اليسرى هي المَيْسَرة، قال ابن الأعرابي (٤): أرسلوا مُجَنِّبَتين، أي: كَتيبتين أخذتا ناحتَيْ الطريق، وقوله: (وَبَعَثَ أَبَا عُبَيدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ)، الحُسَّر: جمع حاسر؛ وهو الذي لا سلاح معه.
وقوله: (أُبِيحَت خَضرَاءُ قُرَيشٍ) يقال: كتيبةٌ خضراءُ: إذا عَلِيَها سواد الحديد، والعرب تسمي الأسود أخضر؛ والأخضر أسود، ومنه قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]، أي: خضراوتان من الرِّي، وفي الحديث: (ومَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ الخَضرَاءِ) (٥).
وقوله: (سِيَةِ القَوْسِ) أي: طَرَفها، وقوله: (احصُدُوهُمْ حَصدًا) أي:
стр. 394
اقتلوهم قتلًا، يقال: حَصَدتُ الزَّرع وغيرَه حصدًا، وقوله: (فَمَا اسْمِي إِذًا؟ كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) أي: إني لا أغدر؛ ولا أخالف الوَعد، (هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَإِلَيكُم، المَحيَا مَحيَاكُم، وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُم) أي: أكون معكم حيّا وميِّتا، وقوله: (مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ) أي: إلا للضن بالله وبرسوله، أي: نفاسة، وقوله: (فَمَا أَشْرَفَ لَهُم أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ)، أي: قتلوه، وقوله: (أُبِيدَت خَضَرَاءُ قُرَيشٍ) أي: أُهْلِكت.
ومن باب ذكر الحديبية
[٤٢٠] (جُلُبَّانَ السِّلَاحِ) (١)، قال أبو إسحاق: يعني: (القِرَابِ وَمَا فِيهِ)، وفي الحديث من الفقه: أنه ينبغي للإمام أن يتخذ كاتبا ثقةً، ومنه: استحباب الصُّلح عند هَيَجان الحرب، ومنه: المُسامحة بمراد الخصم؛ إذا كان في ذلك خير أو صلاح، ومنها: أن الثّلاث لا تكون مقاما.
* * *
[٤٢١] (٢) وإنما شرط معهم ردّ المُسلم إليهم؛ لعلمه بالظَّفَر بهم، وفيه: الوفاء للمشركين بالعهد.
* * *
[٤٢٢] (٣) وقول سَهْلِ بن حُنَيْف يدل على استصواب الاحتراز من الفتنة، والحُدَيْبِيَّة والجِعْرَانَة: مُخففان، وفي الحديث دلالة على فضيلة هذه الأمة؛ إذ وعد الله إدخالَ المؤمنين الجنّة، و (الخُصْمُ): الجانب.
стр. 395
ومن باب ذكر يوم الأحزاب
[٤٢٣] قوله: (وَفَرَغتُ قُرِرتُ) (١)؛ أي: أصابني القَرّ، أي: البرد، وقوله: (يَا نَوْمَانُ)؛ أي: يا كثيرَ النوم، وهو فَعْلانٌ منه، وقوله: (يَصلِي ظَهرَهُ بِالنَّارِ)؛ أي: يُدفئ ويحمي، وقوله: (لَا تَذعَرهُم) من الذعر؛ وهو المَخافة، وقوله: (وَأَنَا أَمشِي فِي مِثلِ الحَمَّامِ)؛ أي: لِمَا نالني من الحرِّ.
ومن باب غزوة أحد
[٤٢٤] قوله: (فَلَمَّا رَهِقُوهُ) (٢)، أي: قرُبوا منه ودَنَوا، وقوله: (مَا أَنصَفَنَا؛ أَصحَابُنَا) - بفتح الفاء وضم الباء - على أن يكون الأصحاب فاعلين، أي: ما صبروا عند اللقاء (٣).
وفي هذه الأحاديث دليل على أن المرء يجوز أن يحتال في أموره؛ ولا يلقي بيديه اتِّكالًا على المقدور، وفيها ما يدل على الصبر في الله، وفيها ما يوجب احتمال الأذى، وفيها: وجوب الوفاء بالعهد، وفيها: الاحتراز من العدو بالوقوف على أحوالهم، وفيها: مواساة الأصحاب بالمُتيسِّر في ذلك، وفيها: إباحة المداواة عند حدوث العلّة، وفيها مصابرة العدو لوجه الله انتظارًا للفرج، وفيها
стр. 396
ترك الدعاء على من يظلمك رجاء لفَيْئته وارْعِوائه.
* * *
[٤٢٥] وقوله: (يَسْلُتُ) الدَّمَ) (١) ; أي: يمسحه، و (الهَشْمُ): الكسر، و (المِجَنُّ): التُّرس، و (الشَّجُّ): شَجُّ الرأس.
ومن باب دعاء رسول الله ﷺ على قريش
[٤٢٦] حديث ابن مسعود ﵁: (أَيُّكُم يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ) (٢)؛ السلا: الذي يكون فيه الوَلد، وقوله: (لَو كَانَت لِي مَنَعَةٌ) المَنَعَة: الامتناع، يقال: فلان ذو منَعة؛ أي: عزيز ممتنعٌ على من يريده، ومكان منيع، وقد منع، و (صَرعَى): جمع صريع، و (القَلِيبُ): البئر.
وفي حديث زكرياء عن أبي إسحاق: (وَالوَلِيدِ بن عُقبَةَ)، قال مسلم: (الوَلِيدُ بنُ عُقبَةَ غَلَطٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ) (٣)، وفي رواية شعبة عن أبي إسحاق: (وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ أَو أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ - شُعَبَةُ الشَّاكُّ -)، والصحيح: أُمَيَّة، فإن أُبَيَّ بنَ خَلَفَ قُتِل يوم أحد؛ قتله رسول الله ﷺ بيده، والصحيح: الوليد بن عُتبة بدل الوليد بن عُقبة (٤).
стр. 397
وفي الحديث: (وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ) (١)؛ هذا قول أبي إسحاق، وفي رواية زهير: (فَدَعَا عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ)، ولم يذكر السادس، وفي رواية سفيان عن أبي إسحاق: (الوَلِيد بنَ عُتْبَة) وقوله: (تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ) أي: أعضاؤه، يعني حين سُحب إلى القليب لِسِمَنه.
ومن باب ما لقي النبي ﷺ من أذى قومه
[٤٢٧] حديث عائشة ﵂ (ابن عَبدِ يَالِيلَ بن عَبْدِ كُلَالٍ) (٢) من الطائف؛ ثقفي، و (قَرْن الثَّعَالِبِ): موضع، و (الأَخْشَبَان): ثنية الأخشَب، والأخشَب: الجبل، ومنه قوله ﷺ في مكة: (لَا تَزُولُ حَتَّى تَزُولَ أَخْشَبَاهَا) (٣) أي: جبلاها، وفي الحديث من الآيات: اشتغال النبي ﷺ بالسجود، وإعراضه عن الكفار، وفيه: أن امتناع الكفار عن الإجابة إلى الإسلام كان أشد عليه مما آذوه به من طرح السلا عليه، ومنها: أن المَلَك سُخّر للنبي ﷺ ليأمره بما أحب؛ ولو أمره أن يقلب مكة عليهم لفعل.
* * *
[٤٢٨] وفي حديث جندب: (وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ) (٤) أي: بعد أن كانت النكبة في سبيل الله؛ فالواجب الصّبرُ.
стр. 398
ومن باب ما ودعك ربك وما قلى
[٤٢٩] فيه (١) أنهم كانوا لا يألُون في تنقُّص النبي ﷺ ، والقولِ السيءِ فيه، والنبيُّ ﷺ يحتمل ذلك.
ومن باب صبره على أذى المنافقين
[٤٣٠] حديث أسامة: و (تَحتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ) (٢)، القطيفة: الكساء، وفَدَكية: منسوبة إلى فَدَك، أي: عُمِلت بفَدَك، و (عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ): الغُبار الذي يثور من حافرها، و (خَمَّرَ) أي: غطى، وقوله: (لَا أَحسَنَ مِن هَذَا) أي: أليس أحسن من هذا؟ كأنه يستهزئ، وقوله: (اغشَنَا) أمر من قولك: غَشِيتُه؛ أي: نزلتُ به وقرُبت منه.
و (البُحَيرَةِ): تصغير البَحرة والبَحْرَة: البلدة، قال صاحب الغريبين (٣): وفي بعض الحديث: (بِهَذِهِ البُحَيْرَة) (٤)؛ يعني: مدينة رسول الله ﷺ ، ومنه قول سعد لرسول ﷺ حين شكا إليه عبدَ الله بنَ أُبيّ، فقال: (يَا رَسُولَ اللهِ اعْفُ عَنْهُ فَلَقَد كَانَ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ البَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُعَصِّبُوهُ قَبْلَ مَقْدَمِكَ إِيَّاهَا) (٥)، قوله: (يُعَصِّبُوهُ) أي: يشدوا عصابة الرئاسة على رأسه، أي: يجعلوه رئيسا، وقيل: البَحْر: القرى، قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]،
стр. 399
أريد بالبحر القُرى، والعرب تسمي القرى: البحار، قال أبو دواد:
وَلَنَا البَدوُ كُلُّه والبِحَارُ (١)
يعني القرى، وقوله: (يُخَفِّضُهُم)؛ أي: يُسكِّنُهم، وقوله: (شَرِقَ بِذَلِكَ)؛ يقال: شَرِق بالماء؛ أي: غَصَّ به شرَقًا، والمعنى: لم يَتمَّ أمرُه فكره هذا، و (العِصَابَة): ما يُعْصَب به الرأس، يقال: عصَّب رأسه بالعصابة؛ واعتصب فلان بالتاج والعمامة، وعصبت فخذ الناقة لتدرَّ، وعَصَب القومُ بفلانٍ: أحاطوا به، وبه سُمّيت العُصْبة، وناقةٌ عَصوبٌ: لا تُدرّ حتى تُعْصَب.
وفي الحديث دلالة على كفر المنافقين؛ وأنهم إنما كانوا يتسترون بالإسلام، وفي بعض روايات مسلم: (وذَلِكَ قَبلَ أَنْ يُسلِمَ عَبدُ اللهِ بنُ أُبَي).
ومن باب قتل أبي جهل بن هشام
[٤٣١] حديث أنس ﵁: (قَالَ أَبُو جَهلٍ: فَلَو غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي) (٢) يريد الأنصاريَ الذي قتله، وكانت الأنصار أصحاب نخلٍ وزرعٍ، والذي قتل أبا جهل ابنا عفراء، وقوله: (حَتَّى بَرَدَ) (٣) أي مات، وفي قوله: (مَنْ يَعْلَمُ لِي مَا فَعَلَ أَبُو جَهْلٍ)؛ فيه دليل على جواز الفرح بهلاك العدوّ.
стр. 400
ومن باب قتل كعب بن الأشرف
[٤٣٢] قوله: (ائذَن لِي، فَلأَقُل) (١) أو قال: (فَأَقُل)؛ فيه دليل على أن الرجل إذا أراد قضاء حاجة في رضى الله؛ جاز أن يُعَرِّض بكلام على خلاف ما في قلبه؛ ليصل إلى الحاجة.
في الحديث دليل أن أخوة الإسلام ناسخة لكل أخوة ومودّة، وفيه: أن العطر للنساء محمود، وفيه: أنه يجوز أن تخدع العدوّ، و (الوَسَقُ): حِمل البعير، وقوله: (إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ - يعني ابن مسلمة - وَرَضِيعُهُ، وَأَبُو نَائِلَةَ)؛ كذا في الكتاب بالواو، والصواب: (وَرَضِيعُه أَبُو نَائِلَة) (٢) بغير واو، واسم أبي نائلة: سَلكان بنُ سلمة، والأمر من شممت: (شَمَّ) (٣) بفتح الشين، و (اسْتَمْكَن) أي: تمكن، و (دُونَكُم) أي خذوه، ورهنته أفصح من أرهنته، (وَقَدْ عَنَّانَا) أي: أتعبنا، (قَالَ: وَأَيْضًا، وَاللهِ لَتَمَلُّنَّهُ) أي: تزيدون ملالة منه في المستقبل، ظن أن محمد بن مسلمة يقول ما يقول ملالة من الإسلام.
ومن باب غزوة خيبر
[٤٣٣] قوله: (مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسَ) (٤) أي: ومعه الجيش، و (المُرُورُ): جمع المَرّ وهو المِصحاة (٥)، و (المَكَاتِل): جمع المِكْتَل؛ وهو الزَّنْبيل، و (الفُؤُوسُ): جمع الفأس، وفي الحديث: استحباب الرديف إذا كان في الظَّهر قلة.
стр. 401
[٤٣٤] وقوله: (مِنْ هُنَيَّاتِكَ) (١)، وفي نسخة: (مِنْ هُنَيهَاتِك) (٢)، يقال للشيء اليسير الحقير هَنَة، والتصغير: هُنَيَّة، والجمع: هُنَيَّات، والأصل: هَنْهَة، والتصغير هُنَيْهَة، والجمع: هُنَيْهَاتٌ، يريد بذلك الرَّجز والشعر الذي ليس بطويل.
وقوله: (مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا)؛ جاهدا: أي: جاهدا نفسه، مجاهدا: يعني: عدوَّه، وقوله: (إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَينَا) أي: إذا دُعينا إلى القتال أجبنا، وفي نسخة: (لَبَّينَا) بالباء، ومعناه امتنعنا عن التخلُّف عن القتال وصبرنا، و (عَوَّلُوا) أي: اعتمدوا، و (عَنوَة) (٣) أي: قهرًا، وقوله: (فِدًا لَكَ مَا اقتَفَينَا) (٤)، يقال قَفَوتُه واقتفيته: إذا اتَّبعته، والقَفِيُّ: ما يُدّخر من الطعام لمن تريد تكرُمته، وفلان قِفْوَتي أي: خِيرَتي، كأنه يقول: ما اخترناه لأنفسنا، وقوله: (أَو ذَاكَ) يعني: أو تهريقون وتغسلون، و (تَصَافَّ القَومُ) تفاعل من الصفّ، و (ذُبَابُ السَّيْفِ): حدّه، وقوله: (قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ) أي بالمدينة، أي: لا يشبهه عربي جاء من البدو إلى المدينة مهاجرًا.
* * *
стр. 402
ومن باب غزوة الأحزاب
[٤٣٥] (إِنَّ المَلَا قَد أَبَوا عَلَينَا) (١)، يريد الملأ فخفف، ورُوي: (إِنَّ الأُلَى قَد أَبَوا عَلَينَا) أي: إن هؤلاء أبوا علينا.
وفي رواية خارج الصحيح: (نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ) (٢) بالنون (٣).
ومن باب غزوة ذي قرد
[٤٣٦] حديث سلمة بن الأكوع (٤): (ذُو قَرَدٍ) اسم ماء، و (اللِّقَاحُ): النّوق التي لها لبن و (جَبَا البِئْر) (٥) بفتح الجيم مع القصر ما حول فم البئر.
* * *
[٤٣٧] وقوله: (لَقِيَنِي عَامِرٌ عَزِلًا) (٦) كذا في الكتاب، والمشهور: أعزل، وهو الذي لا سلاح معه، و (الحَجَفَة): الدَّرَقة، وقوله: (أَبْغِنِي) أي: ابغ لي، يقال: بغيتُه الشيء؛ بمعنى: بغيت له، وقوله: (تَبِيعًا) أي: تابعا وأجيرا، وقوله: (أَحُسُّهُ)؛ الحَسّ: حَسُّ الغبار عن الدابة، وهو نفضه وإزالته، ويقال لتلك الحديدة: مِحَسَّة، قال: (أَسْقِي فَرَسَهُ، وَأَحُسُّهُ).
و (بَدْءُ الْفُجُورِ): أولُّه، و (ثِنَاهُ): ثانيه، و (المُجَفَّفُ): من قولك جفَّفتُ
стр. 403
الخيل، أي: ألبسته التَّجْفَاف، و (الضِّغْثُ): الحزمة من الحشيش، و (شَدَدتُ) أي: حملت، (ويَالَ المُهَاجِرينَ): استغاثة، و (الْعَبَلَاتِ): قبيلة، وقوله: (أُبَدِّيهِ) (١): من بَدَّيتُه؛ أي: حملته إلى البادية وسقته إليه.
و (اليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ) أي: يوم هلاك الرُّضَّع، والرُّضَّع: جمع راضع؛ وهو اللئيم، وقوله: (فَأَصُكُّ سَهْمًا)، الصَّكُّ: الضرب، وقوله: (فأَعْقِرُ بِهِمْ) يعني: أفراسَهم، وقوله: (يَسْتَخِفُّونَ)؛ أي: يطلبون الخِفّة؛ فيطرحون ما معهم لئلا يتخلفوا، و (يَتَضَحَّونَ): من الضَّحَاء وهو الغداء، و (القَرنُ): الجبل المنفرد، و (البَرحُ): الشِّدّة.
وقوله: (مُنذُ غَبَش) (٢) كذا في الكتاب بضم الشين وكأنه مبني، والغَبَشُ: الظلام، وقوله: (أَنَا أَظُنّ) أي: أتيقّن، (وَأَردَوا فَرَسَينِ) يقال: رَدِيَ إذا هلك؛ وأرديته أنا، وقوله: (يَا ثَكِلَتْهُ) أي: يا قوم؛ ثَكِلَتْهُ أمّه، (أَكوَعُهُ بُكْرَةَ؟) يريد سلمةَ بنَ الأكوع؛ أضافه إلى نفسه لأنه كان يتبعه ويُلازمه، (بُكرَةَ): مبني على الفتح،
стр. 404
أي: بكرةَ يومي، قال: (أَكْوَعُك بُكرَةَ) أي: أنا الذي خلفك من بكرة اليوم، و (السَّطِيحَةُ): القِرْبَة، و (حَلَّيتُهُم) (١): كذا في الكتاب بغير همزٍ، والمحفوظ: (حَلَّأتُهُم) بالهمز (٢) ; أي: طردتهم وأخّرتهم، وقوله: (إِنَّهُمُ الآنَ لَيُقرَونَ) أي: يُضَافون؛ من القِرَى وهو الضيافة، يقال: قَرَيتُه أَقْرِيه قِرىً، و (الرَّجَّالَة): جمع راجل، و (العَضبَاء): اسم ناقة رسول الله ﷺ ، وقوله: (شَدَّا) أي: عَدَوَا، (فَطَفَرتُ) أي: وثبتُ.
وقوله: (فَرَبَطتُ عَلَيهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَينِ) أي: كففت نفسي عنه حتى عدا عَدوة أو عَدوتين، يعني: عدوتُ على سكونٍ، (أَسْتَبقِي نَفَسِي)؛ لئلَّا يغلبَني نفسي؛ فيقع عليَّ البُهْرُ (٣) فأضعُف عن العَدْوِ، وقوله: (يَخطِرُ بِسَيفِهِ) أي: يتبختر بسيفه، وقوله: (شَاكِي السِّلَاحِ) أي: تامّ السلاح، و (المُغَامِرُ): الذي يلقي نفْسه في المهالك، وقوله: (يَسْفُلُ لَهُ) أي: يقصِده من أسفله، و (الحَيدَرَةُ): الأسد، و (السَّندَرَةُ): مكيالٌ أو كيَّالٌ.
وفي الحديث من الفقه: أن للغازي أن يواقع الكفار بغير إذن الإمام، وفيه: أن للمسلم أن يُنكئ في العدو بأبلغ ما يقدر عليه؛ من المخاتلة (٤)؛ والمبالغة في الشجاعة؛ وتقريع العدو، والانتماء إلى النسب الشريف، وإظهار عيوب العدو، وفيه فضل الشهداء، وفيه: أن للإمام أن يستبيح الطعام قبل القسمة.
стр. 405
وفي رواية: (مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ)؛ والغَلَس: بقية الظلام، وفيه سنة المسابقة، وقوله: (فَرَدَّيْتُهُم بِالحَجَر) (١) أي: رميتهم، وقوله: (يَكْشِطُونَ جَلْدَهَا) (٢) أي: يَسلُخونها، وقوله: (فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) أي: حبست نفْسي مقدار طلَقٍ أو طَلَقَين مُسْتَروحًا، وفي نسخة: (فَجَلَّيْتُهُم عَنْه) (٣)، وقال يعني: أجليتهم، و (الآرَامُ): العلامات، وقوله: (فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا) أي: انقيادًا منهم من غير قتال، (فَاسْتَحْيَاهُم) أي: استبقاهم.
ومن باب الغزو بالنساء
[٤٣٨] قولها: (إِن دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بَقَرتُ بَطْنَهُ) (٤)، أي: شققت، وفي غير هذه الرواية: (بَعَجْتُ) (٥)، وقولها: (اقْتُل مَن بَعدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ) يعني: أهل مكة الذين أسلموا يوم الفتح؛ سماهم النبي ﷺ طلقاءَ احترامًا أن يقال لهم: عتقاء، وفي ذلك بعض الغضاضة.
وفي الحديث من الفقه: غزو النساء للحاجة إليهن، والنساء لا غزو عليهن، إلا أن تقع ضرورةٌ، لأن النبي ﷺ قال: (إِنَّ الله قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ).
* * *
стр. 406
[٤٣٩] وقوله: (وَأَبُو طَلحَةَ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ) (١)؛ الجَوْب: التُّرس، أي: جعل التُّرس جُنَّة له كالظُّلة عليه حتى لا تصيبَه السِّهام، وقوله: (وَكَانَ رَجُلًا رَامِيًا، شَدِيدَ النَّزْعِ) أي: شديد النزع [عند جذب] (٢) الوتر، يقال: (عَادَ الرّمي إِلَى النَّزَعَة) (٣)، أي: رجع الحق إلى أهله.
* * *
[٤٤٠] وفيه (٤) الفقه: أن صبيان الكفار تحت مشيئة الله، وفيه إباحة من المداواة، وفيه أن اليتم ينقطع إذا [ ...... ] (٥) على ما يملكه، و (الخَدَمُ): الخلاخل، الواحدة: خَدَمَةٌ [ ........ ] (٦)، (نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ)؛ أي: أفدي بنحري نحرك، وفي الحديث من الفقه: أن الموافق والمخالف إذا سأل عن العلم؛ أجيب عنه، لأن نجدة الخارجي كتب إلى ابن عباس ﵁ يسأله عن مسائل؛ فكتب إليه جوابها، وقوله: (يُحْذَيْنَ)؛ أي: يُعْطَين، يقال: أَحْذَيْتُه إِحْذَاءً؛ وهي الحُذَيَّاء، وفي الحديث: (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ مَثَلُ الدَّارِيِّ، إِنْ لَمْ
стр. 407
يُحْذِكَ مِنْ عِطْرِهِ عَلَقَكَ مِنْ رِيحِهِ) (١)؛ أي: إن لم يعطِك، وقوله: (لَوْلَا أَنْ يَقَعَ فِي أُحْمُوقَةٍ)، أُفْعُولَة من الحمق، يعني: الحماقة.
* * *
[٤٤١] وحديث أم عطية الأنصارية: (أَخْلْفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ) (٢)؛ يقال: خَلَفتُ فلانًا، أي: أقمت بعده، وقوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]، أي: كن خليفتي، وقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩]، أي: جاء بعدهم قومٌ، وقوله: (فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ) (٣)، يقول: لعل هامَّة صارت فيه بعده، و (الرِّحَالُ): جمع الرَّحل.
ومن باب عدد غزوات رسول الله ﷺ -
[٤٤٢] (فَقُلتُ: فَمَا أَوَّلُ غَزاةٍ غَزَا؟ قَالَ: ذَاتُ العُسَيرِ أَوِ العُشَيْرِ) (٤)؛ وفي نسخة: (ذَاتِ العُسَيرَاءِ أَوِ العُشَيرَاء) (٥)؛ وفي بعض الروايات: (ذُو العُشَير أَو ذُو العَشِيرة) (٦).
стр. 408
ومن باب غزوة ذات الرقاع
[٤٤٣] قوله: (فَنَقِبَت أَقدَامُنَا) (١)، قال أهل اللغة (٢): نَقَبَ الخفُّ إذا تخرَّق، قال:
أَقْسَمَ باللهِ أَبو حَفْصٍ عُمَرْ … مَا مَسَّها مِنْ نَقَبٍ وَلَا دَبَرْ
فَاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فَجَرْ (٣)
أي: إن قال في ناقتي غيرَ ما بها، وفي بعض الروايات: (فَحَفِيَتْ أَقدَامُنَا)؛ في هذه الأحاديث من الفقه: أن النبي ﷺ كان كُلِّف محاربةَ الكفار، وكان في الأسلحة قلَّة، وفي الزاد قلَّة، ولم يكن يترك الواجب مع القلة، وفيه: أن الرجل إذا أخبر بمحاسن أفعاله ليُقْتَدَى به فيها جاز، وفيه أن المؤمن إذا احتمل البلوى أدَّاه ذلك إلى الغنى، فإن أصحاب النبي ﷺ أصابوا بعد النبي ﷺ رخاءً من العيش.
* * *
стр. 409
ومن باب كراهية الاستعانة بالمشركين في قتال العدو
[٤٤٤] حديث عائشة ﵂: (لَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الوَبَرَةِ) (١)؛ الوبرة - بفتح الباء - (٢): وهي في اللغة معروفة، يقال: [كُرْزٌ من وبر، أي: الجُوَالق] (٣)، و (الحَرَّةُ): الحجارة السُّود، و (النَّجدَةُ): الشجاعة، و (الجُرأَةُ) من قولهم جَرُؤ فلان فهو جَرِيء.
وفي الحديث دلالة أنه لا يجوز الاستعانة بالمشركين في أمر يعرض للمسلمين، لأنهم أعداء الإسلام.
ومن باب فضل قريش
[٤٤٥] فيه حديث أبي هريرة: (النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ) (٤)؛ فيه دلالة أن الخلافة في قريش، فلا تُنقل عنهم لمكان النبي ﷺ وقرابتهم منه.
ومن باب الإمارة والخلافة
[٤٤٦] حديث: (مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ) (٥)؛ في الحديث دلالة أن ولاية قريش تدوم في هذه الأمة، وأن الخلافة فيهم إلى انتهاء المدة.
* * *
[٤٤٧] و (الفَرَطُ) (٦): السابق.
стр. 410
[٤٤٨] وفي حديث حفصة (١)، دلالة أن أبا بكر ﵁ تعرف أحوال الصحابة؛ فلم يجد فيهم أحدا أفضل من عمر ﵁، فاختاره للأمة.
ومن باب كراهية الإمارة لمن سألها
[٤٤٩] حديث أبي موسى ﵁: (فَقَالَ: إِنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ) (٢)، في الحديث من الفقه: كراهية التعرض للولاية وطلب الرئاسة؛ إذا كان [ ...... ] (٣)، شاغلا لطالبها عن الآخرة، وفيه: أن الإمام لا يولي أحدا [ … ] (٤) الولاية، وفيه: إنفاذ الولاة لمصالح المسلمين. [ ....... ] (٥)؛ وفيه: أن التهجد الحقيقي إنما هو بعد النوم [ ...... .] (٦)؛ يُرجى له الأجر في نومه؛ كما يرجى له في يقظته.
* * *
[٤٥٠] وفي حديث أبي ذر: (قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا) (٧)، فيه دلالة أن الولاية لا يستحقها الضعيف، وفيه دلالة على أن الاختيار ترك [ ...... ] (٨)؛ الولاية، وقوله: (لَا تَأَمَّرَنَّ): (وَلَا تَوَلَّيَنَّ)؛ النون الثقيلة تدخل الكلام للتأكيد، وتَأَمَّرنَّ، وتَوَلَّيَنَّ من قولك: أَمَّرتُه فتأمَّر، ووَلَّيْته فتولَّى.
стр. 411
ومن باب ما جاء في فضل الإمام العادل
[٤٥١] في الحديث (١)؛ من الفقه: أن المُقسِط يكون معروفا يوم القيامة بما أظهر في الناس من قسطه وعدله، وفيه: أن للإمام أن يتعرف أحوالَ جنده؛ فيحمل المنقطع به، ويزوِّد من بعُد زاده، وفيه: أن من عدل من الولاة؛ فإنه يرجى له التجاوز عنه والرفق به، ومن جار فخلاف ذلك، وقوله: (وَكِلتَا يَدَيهِ يَمِينٌ): كلمة تعظيم؛ وصفة مدح.
ومن باب كلكم راع
[٤٥٢] فيه (٢)؛ دلالة أن الله تعالى لم يترك خلقه سُدىً، بل تعبَّدهم بما شاء من أمره ونهيه؛ فمنهم من كُلِّف خاصةَ نفسه، ومنهم من كلِّف أمرَ نفسه وأمرَ رعيته، فينبغي لكل امرئ أن ينظر في نفسه؛ وما ألزم من شرائع [ .... ] (٣)؛ ويلزم في ذلك على الكفاية، وكفى شغلًا لمن استرعي [ ..... ] (٤)؛ ما كلف من رعايتهم، والقيام بأمورهم.
ومن باب الأمير إذا لم ينصح للرعية وكان غاشا لهم
[٤٥٣] فيه حديث معقل بن يسار (٥): وفيه وعد شديد لمن غش الرعية؛ ولم ينصح لهم.
* * *
стр. 412
[٤٥٤] وفيه (١): أن من صحب النبي ﷺ كان مَرضيا، و (النُّخَالَةُ)؛ [ ....... ] (٢)، والحُطَمَةُ من الرعاة: العَنِيف السَّوقِ، قال الشاعر:
قَدْ لَفَّهَا اللَّيْل بسَوَّاقٍ حُطمْ … لَيْسَ براعِي إبلٍ وَلَا غنمْ (٣)
ومن باب تعظيم أمر الغلول
[٤٥٥ - ٤٥٦] فيه حديث أبي هريرة ﵁ (٤)؛ وحديث أبي حميد ﵁ (٥): في هذه الأحاديث من الفقه: أن مانع الواجب عليه في السائمة، يؤتى بالواجب عليه بعينه فيعاقب به؛ ليكون أبلغ في العقوبة، وليعلم أن ذلك لمنعِ الزكاة، ومنعِ الزكاة في الفرس إذا كان اشتري للتجارة، وقيل: إذا كان سرق (٦).
وفي حديث أبي حُمَيدٍ ﵁: دلالة لتحريم الرِّشوة، وأن الرِّشوة على وجوه؛ منها: أن يرشى الإنسان ليعين في حق؛ فهذا مكروه، ومنها: أن يرشى ليعين في باطل فهذا حرام، ومنها: أن يرشى ليمنع عن ظلم فهذا مكروه.
ومنها: أن للحاكم أن يحاسب أمناءه وقُوَّامه، وفيه: أن من كان مُوَّلًّى فلا
стр. 413
ينبغي أن يقبل الهدية، لما روي عن النبي ﷺ : (هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ) (١)؛ و (رُغَاءُ البَعِير)؛ و (ثُغَاءُ الشَّاةِ)؛ و (خُوَارُ البَقَرَة)؛ و (يَعَارُ الشَّاةِ): أصواتها، و (الغُلُولُ): الخيانة في المَعْنَم، و (السَّوَادُ): كل شخص من متاعٍ وغيره، و (رِقَاعٌ): أي: صِكاك بالمال، وقيل: خِرَقٌ وقطعٌ من الثياب، و (تَخْفِقُ): أي: تضطرب وتتحرك، و (الصَّامِتُ): من الذهب أو الفضة، و (نَفسُ): أي: آدمي؛ يريد عبدًا أو أمةً، و (العُفرَةُ): البياض؛ وليس بالبياض الناصع الشديد؛ ولكنه لون الأرض، ومنه قيل: للظَّباء عفراء؛ إذا كانت ألوانها كذلك، و (ابن اللُّتبِيَّة) (٢): كأنه منسوب إلى أمِّه، وفي رواية: (يُدعَى الأُتْبِيَّة) (٣) بالهمز، وكأن: (اللُّتْبِيَّة)؛ مما ألقي منه الهمزة على اللام، و (تَيْعَر): مستقبل يَعَرَت الشاة تَيْعَر، وقوله: (تَعْلَمُنَّ وَاللهِ)؛ النون للتأكيد، وضمت الميم للدلالة على الجمع.
ومن باب الأمر بطاعة [الأمير إذا أطاع الله] (٤)؛ ورسوله
[٤٥٧] فيه حديث أبي هريرة ﵁ (٥): في الحديث من الفقه: أن طاعة النبي ﷺ واجبة فيما شرَع، ومن ولَّاه الأمرَ كانت طاعته واجبة.
* * *
[٤٥٨] وفي حديث ابن عمر ﵁ (٦): دلالة على أن طاعة السلطان واجبة إذا
стр. 414
أقام كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن خالف الكتاب؛ أو أمر بالمعصية فلا طاعة له في المعصية.
* * *
[٤٥٩] وفيه (١): أن الإمام وإن استأثر عليك فعليك طاعته؛ إلا في معصية الله ، و (الأَثَرَةُ): الاستئثار، وفي الحديث: (إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً) (٢)؛ أي: يستأثر عليكم، فيُفَضِّل غيرُكم نفسَه عليكم في الفيء، قال الحطيئة في عمر ﵁:
ما آثروك بِهَا إِذ قدَّموك لَهَا … لكِنْ لأَنْفُسِهِمْ كَانَتْ بِكَ الأَثَرُ (٣)
قوله: (بها)؛ يعني: بالخلافة.
* * *
[٤٦٠] (٤): وقوله: (كَهَيْئَةِ الجُمْعِ) (٥)، الجُمْعُ: الكفُّ إذا جُمع، قال صاحب المجمل (٦): ضربته بجُمْع كفِّي، وجَمَعت الشيء جَمْعًا، وجَمْعُ مكة: لاجتماع الناس لها، ويوم الجمعة: لاجتماع الناس فيه، و (الغُضْرُوفُ): غضروف
стр. 415
الكتف؛ وهو رأسها.
ومن باب ما ورد أن الطاعة إنما تجب للمخلوق إذا كانت طاعة الله
[٤٦١] فيه حديث علي ﵁ (١): وفيه دلالة على أن الوالي إذا أمر بخلاف الشرع؛ فطاعته غير واجبة.
ومن باب البيعة على السمع والطاعة
[٤٦٢] حديث عبادة بن الصامت ﵁: (بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا) (٢)، أي: فيما نحب ونكره، و (المَنْشَطُ): مفعل من النَّشاط، و (المَكْرَهُ): مفعل من الكُره، وفي هذا الحديث: تأكيد طاعة الإمام في المحبوب والمكروه، وترك منازعة السلطان، والقيامُ بالحق حيث كان، وقوله: (كُفْرًا بَوَاحًا)؛ بالواو؛ أي: صُراحًا، من قولك: باح بسرَّه، وروي: (بَرَاحًا) (٣)، بالراء؛ من قولهم: برِح الخفاء، أي: وضَح الأمر، و (الإِثْرَةُ): الاستئثار، وفي بعض الروايات: و (أُثْرَة)؛ على وزن فُعْلة بالضم، قال صاحب المجمل (٤): آثرت الرجل قدَّمته، وقال صاحب الغريبين (٥): الإِثْرَة: الاستئثار، والجمع الإِثَر، وقال غيره: أَثْرَةٌ وإِثَرٌ نحو بَدْرَةٍ وبِدَرٍ.
стр. 416
وروي: (كَانَتْ بِكَ الإثَرُ) (١) بكسر الهمزة، ورواه بعضهم بفتحها، وبعضهم بضمها كأنه جمع أَثْرَة.
وروي: (سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً)؛ المحفوظ بفتح الهمزة وفتح الثاء، وهو اسم من آثر يؤثر إيثارا (٢).
ومن باب ما ورد في فضيلة الإمام
[٤٦٣] قوله: (إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ) (٣)؛ فيه من الفقه: الوفاء ببيعة الخلفاء، وقوله: (كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ)؛ أي: كان عليه الوِزر، وقوله: (مِنْهُ)؛ أي: من الأمر بغير العدل، وفيه: أن على الإمام أكثر مما على الرعية؛ لأنه يقتدى به؛ ويلحقه ما استنَّ من خير وشر.
* * *
[٤٦٤] وقوله: (فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ) (٤)؛ هو أمر من قولهم: وفَى يَفِي، كالأمر من وقَى يقي، وفي القرآن: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [التحريم: ٦]، قال أهل اللغة (٥): يقال: وفي بعهده؛ وأوفى؛ وفَى يفي وفاءً، وأوفى يوفي إِيفاءً، وقوله: (خَلَفَهُ نَبِيٌّ)؛ بتخفيف اللام، أي قام مقامَه، وقوله: (تَسُوسُهُمُ)؛ من قولهم: سُسْت القومَ؛ أسوسهم سيّاسةً.
* * *
стр. 417
[٤٦٥] وفي حديث عبد الله بن عمرو: (وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ) (١)؛ الانتضال والنضال: المُراماة، يقال: ناضلت فلانًا فنضلته، وفلانٌ يناضل عن فلانٍ؛ إذا تكلم عنه بعذره، وقوله: (فِي جَشَرِهِ)؛ يقال: جَشَرنا دوابَّنا؛ أي: أخرجناها من القرية ترعى قريبًا منها، وأصبح بنو فلانٍ جشرًا، أي: باتوا مع إبلهم؛ ولم يرجعوا إلى البيوت، ومالٌ جَشِر: إذا كان لا يأوي إلى أهله، روي عن أبي الدرداء ﵁: (مَنْ تَرَكَ الْقُرْآنَ شَهْرًا لمْ يَقْرَأَهُ فَقَد جَشَرَهٌ) (٢)؛ أي: تباعد منه.
وفي الحديث من الفقه: التسليم للحق، وترك المجاذبة فيما يجب لك، ومسألة الله ذلك فإنه يعطي من حيث لا يحتسب، وفيه: أن للرجل أن يشتغل لمعايشه في الوقت الذي لا فرض عليه، وفيه: الحثُّ على مكارم الأخلاق، وفيه: إثباتُ الحوض، وفيه: وجوب النُّصح لجماعة المسلمين.
وقوله: (أَعطَاهُ صَفقَةَ يَدِهِ)، أي: بيعتَه، وقوله: (وَثَمَرَةَ قَلبِهِ)؛ أي: خالص الود من قلبه، و (الأَثَرَةُ): الإيثار فوق الاستحقاق.
* * *
[٤٦٦] وفيه (٣): تأكيد طاعة الإمام، وإن منع الحقّ، لقوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمَّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمَّلْتُمْ).
* * *
стр. 418
ومن باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن
[٤٦٧] فيه حديث حذيفة ﵁ (١): قال أبو عبيد (٢): الدَّخَن: لون يضرب إلى السَّواد، ولا أحسب أخذ إلا من الدخان، أي: إن القلوب لا يصفو بعضها لبعض.
روي أن حذيفة ﵁ لما نزل به الموت قال: (حبِيبٌ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ لَا أَفْلَحَ مَنْ نَدِم، الحَمْدُ للهِ الَّذِي سَبَقَ بِي عُلُوجَ الفِتْنَةِ وقَادَتَها) (٣)؛ تقول العرب للرجل العَجَمِي: العِلْجَ، واشتقاقه من المعالجة؛ وهي مزاولة الشيء، وفلان عِلْج مالٍ؛ أي: يعمل فيه ويقوم بإصلاحه، ورجل علجٌ؛ أي: شديدٌ، والعِلْج: حمار الوحش، وفي حديث علي ﵁: (وَبَعَثَ رَجُلَينِ وَقَالَ لهَمُا إِنَّكُمَا عِلْجَان فَعَالِجَا) (٤)، العلج: الرجل العبلُ القويُّ الضَّخمُ، و (عَالِجَا)؛ أي: مارِسا العمل وزاوِلاه، وكان حذيفة ﵁ يخاف الفتنة على دينه، فلما جاءه الموت لم يكره ذلك.
وفي الحديث: الحثُّ على لزوم الإجماع، واختيارُ العزلة من أهل الفساد، وفيه: الحثُّ على طاعة السلطان؛ وإن كان ظلوما؛ ما لم يفسد الدين، وفيه: أن قلوبَ رجالٍ تمسخ حتى تكون كقلوب الشياطين، وفي تفسيره الدخن: دليل أنه العدولُ عن سنته؛ والانحرافُ عن هديه وسيرته.
стр. 419
و (الجُثمَانُ): الجسم، وقوله: (مِن جِلدَتِنَا)؛ أي: من أصلنا، يقال: فلان عظيم الأجلاد وعظيم التجاليد، وما أشبه أجلاده بأجلاد أبيه، يريد جسمَه.
ومن باب إثم من فارق الجماعة
[٤٦٨] فيه: حديث أبي قيس بن رِياح - بكسر الراء -، واسمه: زياد؛ عن أبي هريرة ﵁: (مَن خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَن قُتِلَ تَحتَ رَايَةٍ عَمِيَّةٍ يَغضَبُ لِعَصَبَةٍ، ويَدعُو إِلَى العَصَبَةِ، أَوْ يَنصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِيلَةٌ جَاهِلِيَّة) (١)؛ وفي نسخة: (فَقِتلَتُه جَاهِلِيَّة)؛ وفي رواية: (لَا يَتَحَاشَى مِن مُؤمِنِهَا)؛ وفي نسخة: (لَا يَنحَاشُ مِن مُؤمِنِهَا).
(العَمِيَّة) (٢): الجهالة، قال أحمد بن حنبل: هو الأمر الأعمى؛ كالعصبية لا يستبينُ ما وجهُه، وقال إسحاق: هذا في تَخَارُج القوم؛ وقَتلِ بعضهم بعضًا (٣)؛ وكأن أصله من التَّعمِية وهو التلبيس، وفي حديث الزبير: (لِئَلَّا تَمُوتَ مِيتَةً عَمِيَّة) (٤)؛ أي: ميتةَ فتنةٍ وجهلِ.
ورواه بعضهم: (عِمِّيَّة) (٥)، بكسر العين، وتشديد الميم، فإن صح فوزنه:
стр. 420
(فِعْلِية)؛ من عَمَّ يَعُمُّ، و (عَمِيَّة): فعيلة من عَمِيَ الأمر: إذا اشتبه.
وقوله: (لَا يَتَحَاشَى)؛ قال صاحب المجمل (١): ما ينحاش فلان من شيء إذا لم يكترث له، وقيل: الحَوَاشَة: الاستحياء، وقول النابغة:
وَمَا أُحَاشِي مِنَ الأَقوَامِ مِن أَحَدِ (٢)
من الحشا؛ وهي الناحية، وتحاشى عن الشيء؛ أي: تنحى عنه، قال صاحب المجمل: تحوش القوم عني أي: تحول (٣).
وفي الحديث دليل على النهي عن الافتراق، وحثٌّ على لزوم الجماعة، وإخبارٌ عن حال من نزع يده عن الطاعة، وأظهر العصبية، وأنها كيف تكون.
وقيل: العَمِيَّة والعَمياء: الحيرة في الأمر، و (القِتلَةُ)؛ - بكسر القاف -: القتل، كالجِلسة بمعنى الجُلوس، والرِّكْبة بمعنى الركوب، وكذلك المِيتَة بمعنى الموت.
* * *
[٤٦٩] وقوله: (وَلَيسَ فِي عُنُقِهِ بَيعَةٌ) (٤)؛ قيل: بيعة الإمام، وقيل: بيعة الإسلام.
стр. 421
[٤٧٠] وقوله: (فَمَن أَرَادَ أَن يُفَرِّقَ أَمَرَ هَذِهِ الأُمَّةِ) (١)؛ يعني: التفريق بينهم من قِبَل الدين، وذلك إذا أظهر خلاف ما عليه المسلمون، و (الهَنَاتُ): الشدائد والفتن، وقوله: (وهُم جَمِيعٌ) (٢)، أي: مجتمعون متفقون، وأصل العصب: اللَّيُّ.
ومن باب إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما
[٤٧١] (٣): إذا أجمع المسلمون على خليفة ونصَّبوه للإسلام وأهلِه، ثم نقض البيعةَ جماعةٌ وعقدوا لخليفة آخر؛ قتلوا حتى يفيئوا إلى أمر الله، وأما الإمام فلا يقاتل ما دام مقيما للصلاة، وإن كان ظالما.
* * *
[٤٧٢] وفي حديث أم سلمة ﵂ (٤): دليل أن إنكار المنكر يكون بالقول واليد والقلب؛ وذلك أضعفُه، وإذا رضيَ بالمنكر ساكتٌ عنه فهو آثم عاصٍ.
وقيل: (لَا يَنحَاش): لا يمتنع، و (لَا يَتَحَاشَى): لا يستبقي، يقال: ما حاشيت منهم أحدا (٥).
* * *
[٤٧٣] وقوله: (أَفَلَا تُنَابِذُهُم) (٦)، المنابذة: المقاتلة، وفي حديث عوف بن مالك: دليل أن المحبة تكون عن الإحسان، فإذا أحسن الوالي إلى الرعية بحسن
стр. 422
النظر في السياسة أحبُّوه، وإذا أحبُّوه أظهروا له الطاعة فأحبَّهم، وإذا عنفوا وجاروا أبغضوهم، وإذا أبغضوهم اختلفوا عليهم، وفيه دليل أن السلطان لا يُخلع إلا بما يوجبه.
ومن باب بيعة الرضوان والمبايعة على ترك الفرار
[٤٧٤] في الحديث (١)؛ دليل على سنة بيعة الإسلام، ودليل فضيلة الموضع إذا كان معتادا للخير، وفيه دلالة النبوة لنبوع الماء من أصابعه ﷺ .
* * *
[٤٧٥] وقوله: (وَكَانَتْ أَسْلَمُ ثُمْنَ الْمُهَاجِرِينَ) (٢)؛ بنصب النون، أَسْلَم: اسم القبيلة.
وقوله: (خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً)؛ أي: خمس عشرة مرة مائة، وفسره بقوله: (أَلْفٌ وَخَمْس مِائَةٍ)؛ وفي الحديث دليل أن البيعة كانت على وجوه: منهم من بايع على ألا يفر، ومنهم من بايع على الموت، ومنهم من بايع على السمع والطاعة، فأما الاختلاف في الثلاثمائة والأربعمائة، فإنما كان لأنهم حَزَروه حزرًا، ولم يَعُدّوه عدًّا.
* * *
[٤٧٦] وقوله: (أَذِنَ لِي فِي الْبَدوِ) (٣)؛ دلالة على إباحة سكنى البادية بعد الهجرة، وقيل: هو خاص لسَلَمة.
стр. 423
[٤٧٧] وقوله: (لَا هِجْرَةَ بَعدَ الفَتحِ) (١)؛ الهجرة في الأصل كانت تركه مكة والخروج منها إلى المدينة، ثم صارت الهجرة بعد ذلك هجرة المعصية، ولذلك قال: (جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)؛ وفيه دليل أن النفير إذا وقع؛ وجب على المطيق جهادُ العدو، لقوله: (فَانفِرُوا).
* * *
[٤٧٨] وقوله ﷺ : (إِنَّ شَأنَ الهِجرَةِ لَشَدِيدٌ) (٢)؛ أي: الانقطاع إلى الله بالطاعة من المعصية، قيل: كان عَظُم الخوف في أول الإسلام من قريش؛ وهم أهل مكة، فلما فُتِحت مكة؛ وأسلم أهلها؛ ارتفع وجوبُ الهجرة، وعاد الأمر فيها إلى النّدب والاستحباب.
وقوله: (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) (٣)، فيه إيجاب النفير والخروج إلى العدو إذا وقعت الدعوة، وهذا إذا لم يكن فيمن بإزاء العدو كفاية؛ كان ذلك فرضا، والاختيار: للمطيق مع وقوع الكفاية بغيره؛ أن لا يقعد عن الجهاد، قال الله : ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥].
قوله: (فَاعمَل مِن وَرَاءِ البِحَارِ) (٤)؛ أي: فاعمل أقصى ما يمكنك من العمل بطاعة الله،: (فَإِنَّ الله لَن يَتِرَكَ مِن عَمَلِكَ شَيئًا)؛ أي: يضعه يوم القيامة في ميزانك وافيًا وافرًا، وفي الحديث دليل على الأمر بعمل الخير لمن اشتدت عليه الهجرة، وفي نسخة: (لَن يَتَّرِكَ)؛ وهو يفتعل من التَّرك (٥).
стр. 424
ومن باب امتحان المؤمنات إذا هاجرن عند المبايعة
[٤٧٩] قوله: (يُمْتَحَنَّ) (١)؛ بضم الياء وتشديد النون، وهو مستقبل: (امتُحِنَّ)؛ بضم التاء وتشديد النون، والمعنى: يُخْتَبَرن بظاهر ما يُمَكِّن مِن تَعَرُّف أحوالهن، وذلك الظاهر من الإسلام، وقوله: (مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ)، فيه دلالة على توقِّي أمر النساء خوف الافتتان بهن.
ومن باب البيعة على السمع والطاعة
[٤٨٠] فيه (٢)؛ دليلٌ على أن الطّاعة واجبة، وأن التّكليف مقرونٌ بالطّاقة.
ومن باب حد بلوغ الرجال
[٤٨١] فيه حديث ابن عمر ﵁ (٣): في الحديث دلالة على الفرق بين الصّغير والبالغ، وأن من استكمل خمسَ عشْرة سنة فقد أدرك، ورواية حمَّاد بن زيدٍ وابنِ إدريسَ وابنِ نُمَير متفقةٌ (٤)، أن الإجازة كانت وهو مستكمل خمسَ عشْرةَ سنة.
* * *