← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1260

التحرير في شرح صحيح مسلم - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (542 стр.). Показаны 455–494 · переход к 460.

стр. 455

ومن باب النهي عن الذبح لغير الله [٥٤٣] فيه حديث علي بن أبي طالب ﵁ (١): (لَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللَّهِ)؛: (وَلَعَنَ اللهُ مَن غَيَّرَ المَنَارَ)، وفي رواية: (ولَعَنَ اللهُ مَن سَرَقَ مَنَارَ الأَرضِ، وَلَعَنَ اللهُ مَن لَعَنَ وَالِدَهُ)؛ منار الأرض حدها، ولعنُ الوالدِ أن يلعن والدَ غيرِه؛ فيلعن هو والدَه، وقوله: (مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ)؛ أي: للصنم، و (المُحدِثُ): المبتدع. * * *

стр. 456

ومن كتاب الأشربة [٥٤٤] فيه حديث علي بن أبي طالب ﵁: (أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (١)؛ الشَّارف: الناقة المُسنة، و (الإذخِرُ): نبت، و (القَينَة): المُغَنّية، وقوله: (أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ) (٢)؛ الشُّرُف: جمع شارف، والنِّوَاء: جمع ناوية، وهي السّمينة،: (فَثَارَ إِلَيهِمَا)؛ أي: قام، (فَجَبَّ أَسْنِمَتَهَا)؛ أي: قطعها حتى سوّى موضعَها بالظّهر،: (وَبَقَرَ)؛ أي: شقّ، و (الخَوَاصِر): جمع خاصرةٍ؛ وهي الجَنْب، و (أَفطَعَنِي)؛ أي: ثَقُل عليّ واشتدّ، وقوله: (يُقَهقِرُ)؛ أي: يمشي القهقرى، وهو أن يمشيَ إلى ورائه، و (الصَّوَّاغُ): الصائغ، و (الأَقْتَابُ): جمع القَتَب، و (الغَرَائِرُ): جمع الغِرارة، و (الحِبَالُ): جمع الحبل، و (اجْتَبَّ): افتعل من الجَبِّ، و (الشَّرْبُ): جمع شارب، و (الثَّمِلُ): السّكران. وفي هذا الحديث دلالة أن الخمر كانت مباحةً، ثمّ حُرّمت لِمَا عظم من فسادها، وفيه من الفقه: أن خبر الواحد مقبولٌ، وأن الخمر تهراق ولا تُستبقى، وفيه: أن الخمر لا يجوز اتخاذها خَلّا، وروى بعضهم: (أَلَا يَا حَمْنُ ذِي الشَّرَفِ

стр. 457

الثَّوِي) (١)؛ بفتح الشين والثاء المنقوطة بثلاث، والثَّوِي: المُقِيم في اللغة، يريد الشرف القديم. * * * [٥٤٥] وقوله: (سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا، قَالَ: لَا) (٢)؛ فيه دليل أن معالجة الخمر حتى تصير خلا غير جائز، ولو كان إلى ذلك سبيل لكان مال اليتيم أولى الأموال به (٣)؛ لما يجب من حفظه وتثميره، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال (٤)؛ وفي إراقته إضاعته، فعلم بذلك أن معالجته لا تطهره، ولا ترده إلى المالية بحال، وإليه ذهب الشافعي ﵀ وأحمد، وأرخص في ذلك أبو حنيفة (٥). * * *

стр. 458

ومن باب الخمر من البسر والتمر [٥٤٦] (١): ذهب غير واحد من أهل العلم إلى تحريم الخليطين (٢)؛ وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مُسكرا، وقالوا من شرب الخليطين قبل حدوث الشِّدة فيه؛ فهو آثم من جهة واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشِّدة؛ فهو آثم من جهتين: إحداهما: شرب الخليطين، والأخرى: شرب المُسكر، ورخَّص فيه سفيان الثوري (٣)؛ وأصحاب الرأي (٤)؛ وقال الليث بن سعدٍ (٥): إنما جاءت الكراهة أن يُنبذا جميعًا؛ لأن أحدهما يشدُّ صاحبَه. * * * [٥٤٧] و (الفَضِيحُ) (٦): رُطَب يُشدَخ ويُنبَذ، يقال: فَضَحْت الرُّطَبَة وغيرَها: إذا شَدَختُه، وتَفَضَّخ الشيء: انشقّ، وقوله: (فَأَكفَأَنَاهَا)؛ لغة، ومعناه: قلبناها. ومن باب النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت [٥٤٨] (٧) قيل إنما نهى النبي ﷺ عن الانتباذ في الدباء والمزفت؛ من أجل أن الفساد يعجل إلى ما ينتبذ فيهما، بخلاف أواني الفخَّار غير المزفتة.

стр. 459

[وقوله: (كَتَبَ إِلَى أَهلِ جُرَشَ)؛ جُرَش: قبيلة، وقيل: بلدة باليمن] (١). و (المَزَادَةُ المَجبُوبَةُ)؛ قيل: التي يَخِيط بعضَها إلى بعضٍ، وكانوا ينتبذون فيها حتى تُضَرَّى (٢)؛ وقيل: هي المزادة المغطاة، قال صاحب المجمل (٣): جبَّه: إذا غلبه، وخصي: مَجْبُوب. ومن باب من شرب الخمر في الدنيا [٥٤٩] في هذا الحديث (٤): تغليظ في شرب الخمر وتشديد. * * * [٥٥٠] قوله: (عزلاء) (٥)؛ عزلاء القربة: فمها. و (الدُّبَّاء) (٦): القَرْعُ، جاء بيان ذلك في حديث أبي بكرة ﵁ قال: (أمَّا الدُّبَّاءُ فَإِنَّا كُنَّا مَعَاشِرَ ثَقِيفٍ بِالطَّائِفِ نَأْخُذُ الدُّبَّاءَةِ فَنَخْرِطُ فِيهَا عَنَاقِيدَ العِنَبِ ثُمَّ نَدفِنُهَا حَتَّى تَهدُرَ ثُمَّ تَمُوتُ) (٧)؛ قال أهل اللغة (٨): خَرَطْتُ الورَق: حَتَتُّه، وقوله: حَتَّى تَهْدُر؛ أي: تغلي، وأما: (النَّقِيُر): فكانوا ينقرون أصل النخلة، ثم ينبذون فيه، و (الْحَنْتَمُ): جرارٌ خُضْرٌ، و (المُزَفَّتُ): المَطْلِي بالزِّفت، وهو شِبه القَارِ.

стр. 460

[٥٥١] وإنما نهى عن هذه الأوعية؛ لأن لها ضراوةً يشتدُّ فيها النبيذ، ولا يشعر بذلك صاحبها؛ فيكون على غَررٍ من شربها، هذا كان في صدر الإسلام؛ ثم نسخ بقوله: (كُنْتُ نَهَيْتُكُم عَنِ الأَوْعِيَةِ فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) (١)؛ وقال قوم: الحظر باق؛ وكرهوا أن ينبذوا في هذه الأوعية، وإليه ذهب مالكٌ وأحمد (٢). قال الخطابي: المزادة المجبوبة: هي التي ليس لها عزلاءُ من أسفلها؛ يتنفس فيها، فالشراب يتغير فيها؛ ولا يشعر بها صاحبها (٣). * * * [٥٥٢] وقوله: (أَتيتُ النَّبِيَّ ﷺ بِقَدَحٍ مِن لَبَنٍ مِنَ النَّقِيعِ) (٤)؛ النَّقِيعُ - بالنون -: موضع. * * * [٥٥٣] وقوله: (ادعُ لِي وَلَا أَضُرُّكَ) (٥)، وفي رواية: (وَلَا أَضِيرُكَ)؛ يقال: ضارَهُ يَضيره؛ بمعنى: ضَرَّه يَضُرّه. * * * [٥٥٤] وقوله: (أَمَاثَتهُ فَسَقَتَهُ) (٦)؛ أَمَاثَتَهُ؛ أَي: خَلطَته، ....................

стр. 461

قال أهل اللغة (١): مَاثَه بغير ألف؛ يَمِينُه مَيثًا: إذا خلطه بالماء. وقوله: (كُثبَةً مِن لَبَنٍ) (٢)؛ الكُثْبَة: القطعة من الشيء، سُمِّي بذلك لاجتماعه، والكَثِيبُ: كَثِيبُ الرَّمل، وقوله: (أَلَا خَمَرتَهُ) (٣)، أَلَا: كلمة تحضيضٍ، و (خَمَّرتَهُ)؛ أي: غطيته، (وَلَو تَعرُضُ عَلَيهِ)، أي: تَنصِب عليه بالعَرْض عودًا. قال بعض العلماء: البلح: الذي بدأ فيه الإرطاب، والزهو الذي قد احمر واصفر (٤). وفي هذه الأخبار دلالة على تغليظ الأمر في تحريم المُسكر، وهذه الأواني نُهِي عنها كراهية أن يترك العصير فيها حتى يَغلي فيشتد ثم يشرب، فالحظر والإباحة تتعلق بما في هذه الظُّروف لا بالظُّروف، فالعصير إنما يطيب ما لم يغل، فإذا غلى فهو خمرٌ، وكان النبي ﷺ يتوقاه لهذه العلة. وفيه دلالة أن كلّ مسكرٍ حرامٌ، وأن الشّراب لا يُنظر إلى اسمه؛ ولكن ينظر إلى معناه، فإذا كان السُّكر موجودًا فيه حرُم، وفيها ما يستحب للمرأة من ابتذالها في الخدمة لزوجها؛ ولمن ينتابها من ذوي رحمها، وفيها ما يدل على أن من لم يحبَّ مقاربتَك ومواصلتَك؛ فاجتنابه خير لك من طلب وصلِه، وفيها ما يبعث على النّظر في عواقب الأمور؛ لِئلا تلحقه الندامة. * * *

стр. 462

ومن كتاب الأطعمة [٥٥٥] حديث حذيفة ﵁: (كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَضَعَ يَدَهُ) (١)؛ وذكر الحديث، في الحديث: فضل ذكر اسم الله على الطعام، وقوله: (كَأَنَّهَا تُدْفَعُ)؛ أي: تساق إلى ذلك المكان، وقوله: (لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ) (٢): لَيَستبيحُ وينتهبُ، وفي رواية: (كَأَنَّمَا تُطرَدُ). * * * [٥٥٦] وقوله: (لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ) (٣)؛ يعني: أن الشيطان يهرب من البيت الذي يذكر الله فيه عند الدخول والطعام، فلا يصل إلى طعام أهل ذلك البيت، ولا يتمكن من البيتوتة في البيت، وإذا لم يُذكرِ الله عند الدخول وعند الطعام؛ وصل إلى طعامهم؛ وتمكن من البيتوتة في بيتهم. ومن باب النهي عن الأكل والشرب بالشمال [٥٥٧] الظاهر من الحديث (٤) إنما هو الأكل حقيقةً؛ الذي هو المضغ والبلع، وقال بعض العلماء (٥): طعامهم الرِّمّة وهي العظام، وشرابهم الجَدَف وهي الرَّغوة

стр. 463

والزَّبَد، وليس تنال من ذلك إلا الروائح؛ فيقوم لها مقام المضغ والبلع، وفي حديث نافع (١): (وَلَا يَأْخُذُ) يعني: بشماله: (وَلَا يُعْطِي)؛ يعني بها. ومن باب النهي عن اختناث الأسقية [٥٥٨] قال معمر عن الزهري: (وَاخْتِنَاثُهَا: أَن تقلِبَ رَأسَهَا ثُمَّ تَشْرَبَ مِنْهُ) (٢)؛ قال بعض العلماء (٣): معنى الاخْتِنَاث: أن يثني رؤوسها ويعطفها؛ ثم يشرب منها، قيل: النهي عن ذلك لأن الشُّرب إذا دام فيها تغيرت رائحتها، وقيل: النهي إنما ورد عن الشرب من السِّقاء الكبير؛ دون الإداوة ونحوها؛ لسَعة فم السِّقاء، لِئلا يَنْصَبّ عليه الماء. في الحديث (٤) دلالة على التبرك باسم الله، وأن لذكره نورًا يطرد الشيطان به عند الدخول؛ وعند الطعام، وعلى الأحوال كلها، وقوله: (كَأَنَّمَا يطرَدُ)؛ أي: يجيء قاصدا على وجهه. ومن باب إيكاء الآنية [٥٥٩] (الإيكَاءُ) (٥): الشَّدّ، و (التَّخْمِيرُ): التغطية، والخَمَر: ما واراك من الشجر، وقوله: (تَعْرُضُهُ) (٦)، كان الأصمعي يرويه بضم الراء، وغيرُه بكسر

стр. 464

الراء، وقوله: (اكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ) (١)؛ أي: ضُمّوهم إليكم؛ وأدخلوهم البيوت، وفي هذه الأحاديث دلالةٌ على التحرُّز من الآفات الممكنِ وقوعُها؛ وفيه نوعٌ من الأدب، وفيه كراهيةُ ترك النار عند النوم. وفيما تقدم من الأحاديث ذكر (الكُثْبَة) (٢)، وهي القليل من اللبن. * * * [٥٦٠] وقوله: (لَا تُرسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ) (٣)، يعني: الدوابَّ المنتشرةَ وغيرَها، من قولهم: فشى يفشو إذا ظهر. * * * [٥٦١] وقوله: (فَإِنَّ فِي السَّنَةِ يَوْمًا يَنْزِلُ فِيهِ وَبَاءٌ، قَالَ اللَّيْثُ: وَالْأَعَاجِمُ عِنْدَنَا يَتَّقُونَ ذَلِكَ فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ) (٤)، وعلى حاشية النسخة كانون: [حنبر] (٥)، وفي ذلك دلالة على إباحة المعالجة والتداوي، وفيه التحرُّز من الأمور المَخُوفة، والتحرُّزُ من الشيطان، والتحرُّزُ من الآفات. و (فَحْمَةُ الْعِشَاءِ) (٦): شدَّة ظلامِه، وفي قوله: (بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ) (٧)؛ دلالة على فضل اللّبن. * * *

стр. 465

ومن باب الشرب من زمزم قائما [٥٦٢] (١) الأحسن في الأدب أن يأكلَ ويشرب قاعدًا، فإن وقعت ضرورةٌ واحتِيجَ إلى الأكل والشرب من قيامٍ؛ أبيح ذلك. * * * [٥٦٣] وقوله: (فَلْيَسْتَقِئ) (٢)، بالهمز، من القيء. ومن باب النهي عن التنفس في الإناء [٥٦٤] قيل: فيه معنى الأدب؛ ومعنى الطبِّ جميعًا، والنهي عن النفخ في الشراب كراهيةَ أن يمازجه بُزاقُ النافخِ، فيَقْذَرُه الشّارِبُ، وقوله: (كَانَ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا) (٣)؛ أي: يتنفَّس ثلاث مرّاتٍ إذا شرِب؛ لا أنه كان يتنفّس في الإناء، وفي رواية قال: (فَأَبِنِ الإِناءَ عَن فِيكَ ثُمَّ تَنَفَّسْ) (٤)؛ معنى: أَبِن؛ أي: نَحِّ، قيل: وفي الشرب ثلاثا تخفيفٌ على المعدة، وتَوفِيةٌ للري. ومن باب إعطاء فضل الشراب الأيمن فالأيمن [٥٦٥] قوله: (شِيبَ) (٥)، أي: خُلط ومُزج، وقوله: (الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ)؛ نصب بإضمار فعل، أي: أعطِ الأيمنَ فالأيمنَ، وقوله: (يَحثُثنِي) (٦): من الحثّ؛

стр. 466

وهو مستقبل حَتَفْنَ، وقوله: (الأَيْمَنُونَ فَالأَيْمَنُونَ) (١)؛ رفع بالابتداء؛ والخبر محذوف، والتقدير: الأيمنون فالأيمنون أولى بالشُّرب. وفي الحديث دلالة لفضل اليمين على الشمال، وفيه أن جماعة إذا شربوا من إناء واحد؛ فإنه مباحٌ حسن. * * * [٥٦٦] وقوله: (فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَدِهِ) (٢)؛ أصل التَّل: الدفع، وفي الحديث: (بَينَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيح خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَتُلَّتْ فِي يَدِي) (٣)؛ قال ابن الأنباري (٤): أي: فأُلقيت في يدي، يقال: تَلَلْتُ الرجل: إذا ألقيته، وتَلَلْته: إذا صرعتُه، وفي حديث أبي الدرداء: (وَتَرَكُوكَ لِمَتَلِّكَ) (٥)؛ أي: لمصرعك. ومن باب ما ورد في لعق اليد [٥٦٧] حديث: (حَتَّى يَلْعَقَهَا أَو يُلعِقَهَا) (٦)؛ في هذه الأحاديث تعليم الأكل، وما يحسُن فيه من الأدب، والوجه في ذلك أن يأكل بثلاث أصابعَ؛ فإذا فرغ من الأكل لَعِقَها أو ألعقها صاحبَه؛ لئلا يقع فيه السرف، ولا يُتلف الطعام

стр. 467

على غير وجهه، وأمر بأكل اللقمة إذا سقطت في التراب؛ بعد تنحية الأذى عنها؛ لئلّا يفسد، وأخبر أن الطعام قد يبارك للإنسان فيه، والبركة مُغَيّبة. * * * [٥٦٨] و (سَلتُ القَصْعَةِ) (١): الاستقصاء في أكل ما فيها من الطعام، وأصل السَّلْتِ النَّزعُ، يقال: امرأة سَلْتاء إذا نزعت خِضابها من يدها. ومن باب من دعي إلى طعام فتبعه غيره [٥٦٩] حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: (كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبو شُعَيبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ) (٢)؛ في هذا الحديث كراهة التطفُّل. * * * [٥٧٠] وفي الحديث الذي بعده: (فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ) (٣)؛ يعني: النبي ﷺ وعائشة ﵂، ومعناه: يمشيان. * * * [٥٧١] وفي الحديث الآخر: (إِيَّاكَ، وَالحَلُوبَ) (٤)؛ في الحديث دليل أن الرسل كان يعتريهم ما يعتري غيرهم من الجوع، وفيه: أنه كان يجيب إذا دُعي إلى الضيافة، وفيه: أن العبد [مخاطب] (٥) بما أعطي من النِّعم؛ ومسؤول هل أدى شكرها، و (الحَلُوبَ): التي لها لبنٌ، يقال: شاة حَلوب أي: كثيرة اللبن

стр. 468

وناقة ذلول: مُذَلّلة للركوب، و (العِدْقُ): القِنْو المعلق الذي عليه الثمر، وفي حديث عمر ﵁: (لَا قَطعَ فِي عِذْقٍ مُعَلَّق) (١)؛ يقول: إذا كانت الكباسة معلقةً لم يحرز ثمرها في البيدر؛ فلا قطع على آخذه، و (المُديَة): السِّكين، و (يَستَعذب)؛ أي: يطلب الماء العذب، وقوله: (لأَخرَجَنِي)؛ لام التأكيد تدخل في جواب القسم. ومن باب دعاء النبي ﷺ على الطعام وجعل القليل كثيرا [٥٧٢] قوله: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَميصًا) (٢)؛ الخميص والخامص: الضّامر، يقال: خَمُص وخمِص خَمصا وخُمصا، والمَخْمَصَة: المجاعة، وقوله: (فَإِنِّي رَأَيتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَمْصًا) (٣)؛ أي: جوعا، وفي الحديث: (خِمَاصُ الْبُطُونِ، خِفَافُ الظُّهُورِ) (٤)؛ الخِمَاص: جمع الخميصِ البطنِ، وهو الضّامر؛ أي: إنهم أعِفَّاء عن أموال الناس، وفي الحديث: (تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) (٥)، والأخمص من القدم: الذي لا يَلصَق بالأرض في الوطء من باطنها، سُمّي كذلك لضموره ودخوله في الرِّجل، وامرأة حُمْصَانة: أي: ضامرةُ البطن.

стр. 469

وقوله: (فَانكَفَيتُ)؛ كذا في الحديث بترك الهمز (١)، و (البهيمة): تصغير البهمة، و (الدَّاجِنُ) الذي يعتلف في البيت، وقوله: (فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي)؛ أي: مع فراغي، وقوله: (يَا أَهلَ الخَندَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَد صَنَعَ لَكُم سُورًا)؛ السُّورُ بالفارسية: الضِّيافة، وإنما استتبع النبي ﷺ الناس إلى دعوة جابرٍ، لأنه وثِق بالله في الزيادة، ولم يكن ذلك في ملك جابر، وقال في حديث أبي مسعود: (إن شِئتَ أَن تَأْذَنَ لَهُ، وَإِن شِئتَ رَجَعَ) (٢)؛ إنما قال ذلك لأنه علِم أنه ربما لا تَطِيب نفسُه بحضور المتطفِّل، والمتطفِّل لا يحل له أن يأكلَ حتّى يأذنَ له صاحبُ الطعام، و (العَجِينَةُ)؛ كالذّبيحة والنّطيحة، وقوله: (وَإِنَّ بُرمَتَنَا لَتَغِطُّ)؛ أي: وإن قِدْرَتنا على النار لَتغلي. * * * [٥٧٣] وقوله: (دَسَّتهُ) (٣)؛ أي: أَخْفَتْه، قيل: في قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: أخفاها وأخملها وأقل حظها، وقيل: أصل دس: دَمَّسَ، (وَرَدَّتِنِي)؛ أي: ألبستني كالرداء، يقال: رَدَّيتُه فارتدى، قال: لَيسَ الجَمَالُ بِمِئزَرٍ … فَاعلَم وإِن رُدِّيتَ بُردَا (٤) وقوله: (فَأَدَمَتهُ)؛ أي جعلته إدامًا، يقال طعام مأدومٌ، قال صاحب المجمل (٥): الإدامُ ما يَطيُب به الطعام، وفي الحديث دليل على معجزة النبي ﷺ

стр. 470

وصحة نبوته، وقوله: (وَقَد عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ)؛ أي: شَدّه، قيل: وضع حجرًا على بطنه، ثم شدَّه بالعصابة من الجوع. ومن باب أكل الدباء والغدير [٥٧٤] حديث أنس ﵁ قال: (فَلَمَّا رَأَيتُ ذَلِكَ جَعَلتُ أُلقِيهِ إِلَيْهِ وَلَا أَطْعَمُهُ) (١)؛ فيه الإيثار على النفس، وفيه إكرام الضيف. ومن باب الدعاء لصاحب الطعام [٥٧٥] فيه حديث عبد الله بن بسر ﵁ (٢)، وفيه بيان الأدب في أكل التمر، وأن على الرجل أن يتقي ما يتَقذّر منه ويكره. وفي حديث الدباء (٣): من الطب أن القرع ليِّن، وكان الغالب على أهل المدينة اليُبُوسَة، فكان ذلك ملائما لطباعهم. * * * [٥٧٦] وفي حديث أكل القثاء بالرطب (٤): دليل على إباحة ألوان الأطعمة. * * * [٥٧٧] وفي قوله: (فَجَعَلَ يَقْسِمُهُ) (٥) دليل أن الطعام إذا قل يُقدَّر ويقوَّت حتى يكون أكثر بركة، وقوله: (مُقعِيا)؛ الإقعاء أن يقعد على ألْيَته،

стр. 471

و (الاحتِفَازُ)؛ قال صاحب المجمل (١): الرجل يَحْتَفِز في جلوسه: إذا أراد القيام، وحَفَزْت الرجل حَثَثْتُه من خلفه، والليل يحفز النهار أي: يسوقه، وقوله: (أَكْلًا ذَريعًا)؛ أي: سريعًا. * * * [٥٧٨] وقوله: (جِيَاعٌ أَهْلُه) (٢)؛ فيه دليل أن التمر قوت. * * * [٥٧٩] وفي حديث الكمأة (٣) دليل على إباحة المعالجة، و (المَنُّ)؛ يعني: المَنَّ الذي أنزل الله على بني إسرائيل. * * * [٥٨٠] و (الكَبَاثُ) (٤): ثمر الأراك، وفيه دليل على إباحة طلب المعاش، إذ كان النبي ﷺ يرعى ويجني أي: يقطف، والكَبَاث يؤكل ما دام رطبًا. * * * [٥٨١] وفي حديث: (نِعمَ الإِدَامُ الخَلُّ) (٥)؛ دليل أن كل شيء يُصطبَغ به فهو إدام، وفيه دليل أن الأحسن بالرجل أن يَرضى بالمُتَيسِّر. * * * [٥٨٢] وقوله: (فَوُضِعْنَ عَلَى بَتَّيٍّ) (٦)، كذا في نسخة، فإن كان محفوظا؛

стр. 472

فالبَتُّ: الكساء، قال: مَنْ يَكُ ذَا بَتٍّ فَهَذَا بَتِّي … مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّ (١) وفي بعض النسخ: (عَلَى نَبِيّ) (٢)؛ والنَّبِي: المشرف من الشيء، قال أهل اللغة (٣): النَّبِي: ما ارتفع من الأرض واحدودب، قال صاحب الغريبين (٤): ومنه الحديث: (لَا تُصَلُّوا عَلَى النَّبِي) (٥)؛ يقول: لا تصلوا على الأرض المرتفعة المُحدَودِبة، وقيل على الطرق، وقيل: النَّبِي: الطَّبَق؛ أو شبيهٌ بالطبق، و (الأَقرِصَة)؛ جمع قُرص. * * * [٥٨٣] وفي حديث الثوم (٦): دليل على ترك جميع ما يَتأذى به الناس، وإن كان مباحًا.

стр. 473

ومن باب إكرام الضيف [٥٨٤] حديث أبي هريرة ﵁: (عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا) (١)؛ فيه دليل على أن إيثار الضيف على النفس محمودٌ في الدين والمروءة. * * * [٥٨٥] وفي حديث المقداد بن الأسود (٢): وجوب حقِّ الضيف، وإباحة طعام الصديق؛ ومن يثق به عند الحاجة إليه، وفيه: الخوف من عقوبة الذنب، وفيه: الدعاء لمن يحسن إليك، وفيه دلالة النبوة؛ إذ اجتمع في الضَّرع ما لم يكن قبل ذلك، وفيه: استحباب الفرح عند إصابة الخير. * * * [٥٨٦] وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر (٣): (يَا غَنْثَرُ)؛ وفي رواية: (يَا غُنْثَرُ) (٤)، بضم الغين، والنون فيه زائدة، وأصله من الغَثْرِ، ومنه سمي الغوغاء: الغَثرة والغَثر والغُثر، وكأن معنى الغَنثر: الجاهل بالأمر المتثاقل عن الحق؛ المتهور. * * * [٥٨٧] و (مُشْعَانٌّ) (٥) بتشديد النون، قال صاحب المجمل (٦): يقال: فلان

стр. 474

مشعان الرأس: إذا كان ثائر الرأس. وقوله: (فَجَدَّعَ) (١)؛ أي: قال يا أجدع الأنف، أو يا أجدَع الأذن، وهي كلمة ذمّ، وقوله: (فَاخْتَبَيْتُ) (٢)، ترك همزه، وفيه دلالة على الحنث في اليمين؛ إذا كان ذلك خيرًا للحالف، وقوله: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاس)؛ كانت امرأته فراسيةً، أي: يا واحدة من هذه القبيلة. * * * [٥٨٨] وفي حديث: (طَعَامُ الوَاحِدِ يَكفِي الإِثنَينِ) (٣)؛ بيان أن الكفاية دون الشِّبَع، وأن شِبَع الواحد، يكتفي به الاثنان، وكذلك الثلاثة والأربعة، وفيه ما يبعث على حسُن المعاشرة. * * * [٥٨٩] وفي قوله: (الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) (٤)؛ قيل: هذا في رجلٍ بعينه كان يُكثر الأكل؛ فلما أسلم قلَّ أكلُه، فأطلق الكلام عليه، وقيل: قلة الأكل في الكافر نادر، وقيل: كثرة الأكل مذمومة. * * * [٥٩٠] وقوله: (يُجَرجِرُ فِي بَطنِهِ نَارًا مِن جَهَنَّمَ) (٥)؛ كذا في الكتاب: (نَارًا) بالنصب، ومعناه: يدور، وقيل: يلقي، وروي (نَارٌ) (٦) بالرفع، ويكون معنى

стр. 475

يجرجر: يُصَوِّت، قال الأزهري: أراد بقوله: يجرجر في جوفه؛ أي: يحدر فيه نار جهنم، وقال الزجاج: يجرجر في جوفه؛ أي: يرده فيه، وقيل: الجَرْجَرة: صب الماء في الحلق، وقيل: الجَرجرة صوت وقوع الماء في الجوف (١). [قال صاحب المجمل: يقال: فلان مشعان الرأس إذا كان ثائر الرأس بتشديد النون] (٢).

стр. 476

ومن كتاب اللباس [٥٩١] (الْمَيَاثِر) (١)؛ جمع المِيثَرة، وهي ما يسوى به السَّرج من قولهم: فراش وَثير؛ أي: وطيء، وقيل: المَيَاثِر: ثياب حُمْر؛ كانت من مراكب العجم، وفي الحديث: (نَهَى عَن مِيثَرَةِ الأَرْجُوَان) (٢)؛ وهي مُرْفَقَة تُتخَذ كصُفَّة السَّرج، وكانوا يخمرونها، والأُرْجُوان: صبغ أحمر، قال صاحب المجمل (٣): الصُّفَّة للسَّرج، والبنيان معروفان. * * * [٥٩٢] و (حُلَّةً سِيَرَاءَ) (٤)، مُخَطَّطة، قال صاحب المجمل (٥): السِّيرَاء: ضرب من البُرود، وقيل: برد مُسَيَّر: فيه خطوط مختلفة، وفي هذه الأحاديث دليل على تحريم الانتفاع بالحرير للرجال، وإباحته للنساء. و (الْقَسِّيِّ)؛ ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير، ويقال: إنها منسوبة إلى بلاد يقال لها: القَسُّ؛ مفتوحة القاف مشددة السين، ورُوي عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لَا أَرْكَبُ الْأَرْجُوَانَ، وَلَا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ) (٦)، قيل: أراد بالأُرجوان: المَيَاثرَ الحُمر، وقد تُتخَذ من ديباجٍ وحريرٍ، والنهي ورد في ذلك لما

стр. 477

فيه من السَّرَف، وليست من لباس الرجال، قيل: سميت مياثر لوَثارتها ولِينها. وفي هذه الأحاديث من الفقه: أن من الأشياء ما يجوز ملكه، ولا يجوز الانتفاع به، وفي قَطع الثياب على وجه الإصلاح جوازٌ، إذ شققها علي ﵁ خُمُرًا بين النساء (١). * * * [٥٩٣] وقوله: (فَأَطَرْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي) (٢)، أي: شققتها وقطعتها، يقال: طار لفلان سهم كذا؛ أي: أصابه، وصار له في القَسْم، وأطرته أنا؛ أي: صيَّرته في قسْمي، قال صاحب الغريبين (٣): طيَّرت المال بين القوم؛ فطار لفلان كذا؛ ولفلان كذا؛ أي: صار، وفي الحديث: (فَأَطَرتُ الحُلَّة بَينَ نِسَائِي) (٤)؛ أي: قسمتها بينهن، وطائر الإنسان ما طار له في علم الله مما قدر له، وقولهم: (بالمَيْمُونِ طَائِرُه) (٥)، أي: بالمبارك حظُّه، ويقال: اقتسموا دارا؛ فطار لفلان سهم في ناحيتها، أي: خرج وجرى. وفي الحديث دليل أنه إذا استحل الحرير حُرِمه في الجنة؛ ومنع دخولها، وإذا لبسه غيرَ مستحلٍّ فهو ذنب؛ يجوز أن يغفر له؛ ويُحْرَمَه في الآخرة؛ ويجوز

стр. 478

أن يعطاه إذا غُفر له ذنبه، وفيه دلالة الرخصة في لُبس الحرير لمن به علَّة أو حَكّة. * * * [٥٩٤] و (الفَرُّوجُ) (١)، قِباء له فُرجة. وقوله: (شَقِّقَهُ خُمُرًا بَينَ الفَوَاطِمِ)؛ بين فاطمةَ بنتِ رسول الله ﷺ ، وبين فاطمةَ بنتِ أسدٍ أم علي ﵁، وعنها، وبين فاطمةَ بنتِ حمزةَ بن عبد المطلب ﵁، و (أُكَيْدِرَ دُومَةَ)؛ أصحاب الحديث يقولون بفتح الدال، وأصحاب اللغة يقولون بضمها (٢)، و (أُكَيْدِرَ دُومَةَ): ملك هذه البلدة، ويقال لها: دُومةَ الجندل؛ بين العراق والشام. * * * [٥٩٥] وقوله: (قَدْ أَوْشَكَ مَا نَزَعْتَهُ) (٣)؛ أي: أسرعَ ما نزعته. * * * [٥٩٦] وقوله: (نَهَى عَنِ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا إِصْبَعَيْنِ) (٤)؛ فيه دليل أن القليل من الحرير قد يحل للرجال عند الضرورة، و (قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: فَمَا عَتَمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الْأَعْلَامَ)؛ أي: فما أبعدنا أنه يريد بقدر الأصبعين: الأعلام، قال صاحب المجمل (٥): عتَّم عن الأمر إذا كف، وغرست الودي فما عَتَّم منها شيء، وروي:

стр. 479

(لَا أَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْمُكَفَّفَ بِالْحَرِيرِ) (١)، يعني: ما اتخِذ جيبُه من حرير، وكان لذيله وأكمامه كِفاف منه. [قال أهل اللغة: طار لفلان في القسمة سهم كذا؛ أي: صار له، ووقع في نصيبه، قال الشاعر: فما طار لي في القسم إلا ثمينها] (٢). وفي حديث أسماء: (فَأَخرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَبَالِسَةٍ كِسَرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبَنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرجَيهَا مَكفُوفَينِ بِالدِّيباجِ، فَقَالَت هَذِهِ كَانَت عِندَ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى قُبِضَت، فَلَمَّا قُبِضَت قَبَضتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَعْسِلُهَا لِلمَرْضَى يُستَشْفَى بِهَا) (٣)؛ الفَرْجُ: الشَّق. ومن باب لباس الإزار الغليظ والثوب الملبد [٥٩٧] حديث أبي بردة: (دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِاليَمَنِ، وَكِسَاءً مِنَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا المُلَبَّدَةَ، فَأَقسَمَت بِاللهِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُبِضَ فِي هَذَينِ الثَّوبَينِ) (٤)، قال صاحب الغريبين (٥): في الحديث أن عائشة ﵂: أخرجت كساء النبي ﷺ ملبدا؛ أي: مُرقَّعًا، وقد لبَّدت الثوب ولَبَدْتُه وأَلْبَدْتُه، والرقعة التي يرقع بها صدر القميص: اللِّبْدَة، وقوله تعالى:

стр. 480

﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]؛ أي: يركب بعضُهم بعضًا، وكلُّ شيءٍ ألصقته بشيء فقد لَبَّدتَه. * * * [٥٩٨] وحديث أنس: (أَيُّ اللِّبَاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: الحِبَرَةُ) (١)؛ والحِبَرَةُ من برود اليمن، والحَبَارُ في اللغة: الأثر، والحَبْرة: النِّعمة، والحِبْرُ: الجمال والهيئة، وحَبَّرْتُ الشيء حسنتُه. * * * [٥٩٩] وقوله: لعبد الله بن عمرو: (بَلْ أَحْرِقْهُمَا) (٢)، أي: أنفقهما (٣)، روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: هَبَطنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثَنِيَّةٍ، فَالتَفَتَ إِلَيَّ وَعَلَيَّ رَيطَةٌ مُضَرَّجَةٌ بِالْعُصْفُرِ، فَقَالَ: (مَا هَذِهِ الرَّيطَةُ عَلَيكَ؟) فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ، فَأَتَيْتُ أَهلِي وَهُمْ يَسجُرُونَ تَنُّورًا لَهُم، فَقَذَفْتُهَا فِيهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الغَدِ، فَقَالَ: (يَا عَبدَ اللهِ، مَا فَعَلَتِ الرَّيطَةُ؟) فَأَخبَرتُهُ، فَقَالَ: (أَفَلَا كَسَونَهَا بَعضَ أَهْلِكَ، فَإِنَّهُ لَا بَأسَ بِهِ لِلنِّسَاءِ) (٤)؛ المُضَرَّجُ: الذي ليس صبغه بالمشبع، والرَّيطَة: المُلَاءة. وقال البراء: (رَأَيتُ النَّبِي ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمَرَاءَ لَم أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحسَنَ مِنْهُ) (٥)،

стр. 481

وقد نهى ﷺ عن لبس المعصفر، وكره للرجال الحمرة في اللباس (١)، قيل: ذاك مُنصرِفٌ إلى ما صُبِغ بعد النَّسج، فأما ما صبغ غزلُه ثم نسج فغيرُ داخلٍ في النهي، وبُرود اليمن يصبغ غزلُه ثم يُنسَج، وهي العَصْبُ، وإنما سمي عَصْبًا لأن غزلَه يُعصَب ثمّ يُصبَغ ثمّ يُنسَج، والتختم بالذهب للرجال حرامٌ، والنهي عن المعصفر للرجال لشُهرتِه، ولأنه من زِيِّ النساء، والقراءةُ في الركوع مَنهيّ عنها، لأن الركوع موضع التسبيح. * * * [٦٠٠] و (المِرْطُ المُرَحَّل) (٢): الأسود الذي فيه خطوط. * * * [٦٠١] وفي قوله: (كَانَ وِسَادُ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ أَدَمِ حَشْوُهِ لِيفٌ) (٣)؛ دلالة على اختيار الزهد في الدنيا؛ إذ كان ﷺ خيرَ الخلق، وكان يُنزِل نفسه الدنيا هذه المنزلة.

стр. 482

ومن باب فراش الأدم الذي حشوه ليف وباب لباس المرط المرحل وباب من جر ثوبه خيلاء (المِرْطُ): كساء فيه خطوط، و (المُرَحَّلُ): الذي عليه تصاوير رحلٍ أو نحوه. [٦٠٢] وفي الأحاديث (١) دليل أن الواجب على المسلم أن يتواضع في لباسه وفي أحواله، وأن الخُيلاء يجرُّ إلى العُجب، والعُجب يدعو إلى الكِبْر، والكِبْر يدعو إلى النّار، فأما من يسترخي إزارُه ولا يقصد به الخيلاء؛ فلا عَتْب عليه، وكان أبو بكر ﵁ نحيفا؛ قليل اللحم؛ لا يستمسك إزاره إذا شدَّه على حِقوه، فرخَّص له رسول الله ﷺ في ذلك وعذَرَه (٢). * * * [٦٠٣] وقوله: (إِذْ خُسِفَت بِهِ الْأَرْضِ) (٣)؛ يعني: لأجل تبختره وخيلائه. * * * [٦٠٤] و (النَّمَطُ) (٤): الثياب التي تفرش، والجمع أنماط. * * * [٦٠٥] و (الرَّقْمُ) (٥): الخط والعَلَم، وأصل الرَّقم: الكتابة، قال الشاعر:

стр. 483

سأَرْقُم فِي الْمَاءِ القَراحِ إِليكُم … عَلَى بُعْدِكُمْ، إِن كَانَ لِلْمَاء رَاقِمُ (١) وفي الحديث: (وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟ وَمَا أَنَا وَالرَّقْمَ؟) (٢). * * * [٦٠٦] و (الدُّرْنُوكُ) (٣): الطَّنفسة الصغيرة، وقد يقع على الستر، و (القِرَامُ): الستر الرقيق؛ فإذا خيط وصار كالبيت فهو كِلَّةٌ، و (السَّهْوَة): كالصُّفَّة تكون بين يدي البيت، وقيل: السَّهوة: بيت صغير. وقوله: (يُضَاهُونَ)؛ أي: يشابهون، قال ابن عرفة (٤): المُضاهاة: معارضة الفعل بمثله، أي: يعارضون الله في فعله، يقال: ضاهَيْتُه، أي: فعلت مثل فعله، له: (لَا تَدخُلُهُ المَلَائِكَةُ)؛ قيل: هذا خاص في ملائكة الوحي، فأما الملكان الحافظان الموكَّلان بابن آدم؛ فإنهما يدخلان معه كلَّ موضع. * * * [٦٠٧] وقوله: (إِنَّ مِن أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا المُصَوِّرُونَ) (٥)، من النحويين من يجعل (مِنْ) زائدة، ويكون التقدير: إن أشدَّ النَّاس عذابًا المُصَوِّرُون. وفي هذه الأحاديث دلالة على تحريم الانتفاع بالذهب للرجال على أي وجه كان.

стр. 484

ومن باب كراهية الجرس في الرفقة [٦٠٨] فيه حديث أبي بشير الأنصاري (١): قال أبو عبيد: كانوا يُقلِّدونها الأوتار لئلا تصيبها العين؛ فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسل -، بقطعها؛ يعلمهم أن الأوتار لا تَردُّ من أمر الله شيئًا، وقال النضر (٢): أي: لا تطلبوا عليها الذُّحول (٣) التي وُتِرتُم بها في الجاهلية، وقال محمد بن الحسن (٤): لا تقلدوها أوتار القَسِّي فتختنق. * * * [٦٠٩] وقوله: (خَمِيصَةٌ جَونِيَّة) (٥)، هذه الكلمة مضطربة في النسخ (٦)، ففي بعضها: (جَوْنِيَّة)، بالجيم والنون، وفي بعضها: (حُوتِيَّة) بالحاء والتاء؛ وفي رواية خارج الصحيح: (حُريثَيَّة) (٧)، فالكلمات منسوبة: إما إلى الجَوْن؛ وهو الأسود، أو إلى الحُوت؛ وهو قبيلة أو موضع، وإما إلى حُرَيْث: اسم رجل، وفي رواية: (حَوْتَكِيَّة) (٨)؛ أي: صغيرة، يقال: رجل حَوْتَكِيّ أي: صغير، و (الخَمِيصَة):

стр. 485

ثياب من صوف لها أعلام، وقيل: الخميصة ثوب خز، و (المربَدُ): موضع الغنم، و (المِيسَمُ): حديدة يكوى بها الإبل، قال أهل اللغة (١): المِربَد: كل موضع يحبس به الإبل، والمربَد: سوق الإبل، والمِرْبَد: موضع التمر، و (التَّحْنِيكُ): أن يُمضغ التمر فيلصقَ بحَنَك الصَبي. * * * [٦١٠] وقوله: (فَكُوِيَ فِي جَاعِرَتَيْهِ) (٢)؛ يعني: موضعَ الرَّقْمتين من مُؤخر الدابة، قال أهل اللغة (٣): وَسَمْتُ الشيء وسمًا: إذا أثرت به سِمةً، والوَسْمِي: أول مطر، لأنه يَسِم الأرض بالنبات، ومَوسِم الحاجّ: سمي بذلك لأنه مَعلم يُجتمع إليه، وفلان مَوْسُوم بالخير. ومن باب النهي عن الجلوس في الطرق وباب النهي عن الوصل في الشعر [٦١١] (العُرَيِّسُ) (٤): تصغير العروس، و (الحَصْبَة): بَثْر يخرج في الجسد، وقوله: (فَتَمَرَّطَ شَعْرُهَا)؛ يقال: تَمَرَّط الشعر: إذا تحاتَّ، والأَمْرَط من السهام: الذي سقط قُذَذه، وفي رواية: (فَتَمَرَّقَ)؛ يقال: مَرَقتُ الإهاب: إذا حلقتُ عنه صوفَه، وقوله: (يَسْتَحِثْنيها) (٥)، تريد الاستعجال، و (الوَاصِلَةُ): التي تصل شعر؛

стр. 486

المرأة بشعر آخر، و (المُسْتَوْصِلَة) التي تطلب أن يُفعل بها ذلك. * * * [٦١٢] و (الوَاشِمَةُ): الوشم في اليد: أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة، ثم يُحشى بالكحل أو بغيره، و (المُسْتَوْشِمَةُ): التي يُفعل بها ذلك، وأما: (المُتَنَمِّصَاتُ)؛ فالنامصة التي تنتف الشعر من الوجه، و (المُتَنَمِّصَة): التي يُفعل بها ذلك. وقوله: (لَمْ نُجَامِعَهَا) (١)؛ أي: لم نصاحبها؛ ولم نجتمع معها، وقوله: (وَالْمُتَفَلِّجَاتِ)؛ الفلج: فرجة بين الثَّنايا، والمُتَفَلِّجَة: التي تُفرِّج ما بين الثَّنِيَّتَين، وقوله: (لِلْحُسْنِ)؛ أي: لأجل الحُسن، أي: إنما تفعل ذلك لتزيد في حسنها؛ لا لعلَةٍ أخرى. * * * [٦١٣] و (قُصَّةُ الشَّعْر) (٢)؛ شعر مقدم الرأس، وقيل: شعر الناصية، وقيل: شعرٌ مقصوص، و (الحَرَسِيُّ) كالشرطي، و (كُبَّةً مِنْ شَعَرِ)؛ أي: مجموع من شَعْرٍ. وفي هذه الأحاديث دلالة أن الكلب لا يجوز اقتناؤه إلا للصيد أو ماشية، وفي التصوير التعرض في التشبه بالخالق. قال أهل اللغة: الوَسْم: الكيُّ، وفي الحديث بيان فضيلة الوجه على سائر أعضاء البدن، و (الجَاعِرَتَانِ) (٣): ما عن يمين الذَّنَب وعن شِماله.

стр. 487

[٦١٤] وقوله: (الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ) (١)، أي: إنه ضربٌ من الملاهي. وفي حديث الواصلة: بيان أن الغرور حرام، وأن المرأة إذا وصلت شعرها بشعر غيرها لتَخدعَ به كان غرورًا، و (التَّنَمُّصُ): نتفُ الشعر عن الجَبين؛ وتزجيج الحاجب، وذلك غرور، وكذلك تفليج الأسنان ووَشْرُها، كل ذلك خيانةٌ وخديعة، و (الوَشْرُ) (٢) تحديد الأسنان لتبرق وتحسن، قال أبو عبيد (٣): الواشرة: التي تشر أسنانها حتى يكون لها أُشُر؛ أي: تحدُّد ورقّة، تفعله المرأة الكبيرة فتَشَبَّه بالأحداث؛ لأن في أطراف أسنان الأحداث رقةً وتحزيزًا. وفي الأحاديث دلالة على تأكيد أمر السنن، وأن الائتمار بها استسلام الله . * * * [٦١٥] وفي قوله: (كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ) (٤)؛ يعني: التَّعَريَّ من الثياب؛ بلبس الغلائل والثياب الرقيقة التي تبدي ظاهر الجلد، وقوله: (رِجَالٌ بِأَيْدِيهِم سِبَاطٌ) (٥)، يعني: الشُّرَط الذين يظلمون الناس، ويضربونهم ويخيفونهم. * * *

стр. 488

ومن باب ما ورد في تحريم التشبع [٦١٦] (١) قال أبو عبيد (٢): المُتَشبِّع بما لا يملك؛ يعني: المُتَزيِّن بأكثر مما عنده، يَتكثَّر بذلك؛ ويتزين بالباطل، (كَلَابِسِ ثَوْبَي زُورٍ)؛ قال: إنه عندنا الرجل يلبس الثياب تشبه لباس أهل الزهد؛ يريد بذلك الناس؛ يُظْهِر من التخُّشع أكثر مما في قلبه، فهذه ثياب الزور والرياء. في الحديث دلالة على استحباب الاقتصاد، وأن الرجل إذا تكثَّر بشيء وهو عادم له أو لبعضه؛ كان كلابس ثوبَيْ زورٍ، قيل: كان كمن لبس ثوبين لغيره؛ وهو يُرِي الناسَ أنهما له، فهو كاذب في كليهما. ومن باب كراهية أن يكنى بكنية النبي ﷺ وباب أحب الأسماء إلى الله [٦١٧ - ٦١٩] فيه حديث أنس (٣) وابن عمر (٤) ﵄، قوله: (أَسْم ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) (٥)، هو أمر من أَسْمَيْتُه، وسَمَّيْتُه وأَسْمَيتُه: لغتان، يقال: سمَّيته فتسمَّى، وكنَّيتُه فتكنَّى، وكنَّوتُه فاكْتَنَى، ورُوي: (لَا تَكْتَنُوا) و (لَا تَكَنَّوْا)؛ وقوله: (وَلَا نُنعِمُكَ عَيْنًا)؛ أي: لا تَقَرّ عينك بهذا، يقال: نَعِم فلانٌ بفلانٍ عينًا، وأنعم الله بك عينًا.

стр. 489

ومن باب أخنع الأسماء عند الله تعالى [٦٢٠] (١) قال أبو عبيد (٢): أخنع الأسماء، أي: أشدُّ الأسماء ذُلًّا، وأوضعُها عند الله، والخانع: الذليل الخاضع، ومن رواه: (أَنْخَعَ الأَسْمَاءِ) (٣)؛ فالمراد أقتل الأسماء وأهلكها له، والنَّخْعُ: هو القتل الشديد، ومنه النَّخْع في الذبيحة، وهو أن يجوزَ بالذّبح إلى النُّخاع، والنُّخاع: عرق أبيضُ ضخمٌ مستبطنٌ فَقَار العنق يتصل بالدِّماغ، والمَنْخَعُ: مَفْصِل الفَهْقة من العنق والرأس من باطن. وقال مسلم: (قَالَ ابن حَنْبَلٍ، سَأَلتُ أَبَا عَمرٍو - وهو الشيبانيُّ اللغويُّ صاحبُ الغريب - عَن أَخْنَعَ، فَقَالَ: أَوضَعَ) (٤)، وقال سفيان (٥): هو أن يتسمى الرجل بأسماء الله ، كالعزيز والحكيم، وقيل: (شَاهَا نَشَاه) (٦). وفي رواية أبي هريرة ﵁: (أَغيَطُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ وَأَعْيَظُهُ عَلَيْهِ)؛ الغَيْظُ: ما يَغتاظ الإنسان منه، يقال: غاظني الشيء يغيظني، وأما

стр. 490

الغنظ (١) بالنون: - ولا أراه محفوظا فإن كان محفوظًا؛ فهو من قولهم: غَنَظَه هذا الأمر، أي: ساءه وكرهه وشقّ عليه، وفي رواية: (لَا مَالِكَ إِلَّا اللهُ) (٢). * * * [٦٢١] وقوله: (فَلَاكَهُنَّ) (٣)؛ أي: مضغهن: (ثُمَّ فَغَرَ فَا الصَّبِيّ)؛ أي: فتح فمه،: (فَمَجَّهُ فِي فِيهِ)؛ المَجُّ: الصَّبّ، والعسل: مُجَاج النَّحل، وقوله: (فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهُ)؛ يقال: تَلَمّظ الحية: أخرجت لسانها كتَلَمُّظِ الآكل، ويقولون: شرب الماء لِمَاظًا: إذا ذاقه بطرف لسانه، وقوله: (حُبُّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ)؛ مبتدأ؛ وخبره محذوف، والتقدير: حب الأنصار التمر أي هكذا: حُبّ الأنصار التمرَ طبعٌ وعادةٌ، ويجوز: (حُبُّ الْأَنْصَارِ التَّمْرُ) بالرفع؛ ويكون المعنى: محبوبُ الأنصارِ التّمرُ، ويكون مصدرًا بمعنى المفعول. وقوله: (وَارُوا)؛ أمر من وَارَيْتُه؛ ومعناه: ادْفِنُوا، وقوله: (أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟)؛ الألف ألف (أَفْعَلَ)؛ ومعنى الكلام الاستفهام، قال أهل اللغة (٤): أعرَس الرجلُ: صار عروسًا، والعِرْسُ: امرأة الرجل، ورجل عَرُوس وامرأة عَرُوس، فالعروس نعت قد استوى فيه الرجل والمرأة، يقال: أعرس فلان بأهله: إذا بنى بها وغشِيَها.

стр. 491

ورُوي: (أَعَرَّسْتُم اللَّيْلَةَ؟)، بتشديد الراء، ويكون الألف ألف الاستفهام، والمصدر منه التعريس، قال أهل اللغة (١): أعْرَسَ أفصحُ من عَرَّسَ، وقيل للرجل والمرأة: عروس؛ ما داما في تعريسهما أياما، وذلك إذا عرَّس أحدهما بالآخر، وعرس به بكسر الراء؛ أي: لزمه، ورجل عَرِسٌ: إذا لم يبرَح القتال، والعِريّس مأوى الأسد، ويقال: أعرس فلان أي: اتخذ عُرْسًا، والعُرْسُ: طعام الوليمة. * * * [٦٢٢] و (التَّحْنِيكُ) (٢): أن يمضغ التمر؛ ثم يدلك بحنك الصبي داخل فمه، وقوله: (بَرَّكَ عَلَيْهِ): أي: قال: بارك الله عليك، و (تَفَلَ)؛ أي: بَزَق. * * * [٦٢٣] وقوله: (فَاسْتَفَاقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٣)، أي: فرغ مما كان مشغولًا به، وقوله: (فَلَهَى) (٤) لغة في: (لَهِيَ)، يقال: لَهَيْتُ عنه؛ أي: شُغلت عنه، ويقال: (إِذَا اسْتَأْثَر الله بِشَيءٍ فَالْهَ عَنْهُ) (٥)، وقوله: (فَأَقْلَبُوهُ)؛ لغة في: (قَلَبُوهُ) (٦)، وهي

стр. 492

لغة قليلة (١). * * * [٦٢٤] وقوله: (مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ) (٢)؛ قيل: النُّغير: طائر أحمرُ المنقار، وفي الحديث دلالة على حسن خُلُق النبي ﷺ مع الصبيان. وفي الأحاديث: فضيلة التمر؛ وفضيلة الصبر عند صدمة المصيبة، وذلك أن عاقبة الصبر محمودةٌ، ودليل نيلِ الخَلَف عَقِيب الصّبر، وفيها: سنة التسمية، واستحبابُ تسمية المولود عبدَ الله، واستحبابُ مسح المولود حين يولد؛ والدعاءِ له، و (المُتِمُّ) (٣): التي قرُب وِلادها، وفيه وضع الصبي في الحجر، وفيه: إباحة صيد المدينة. ومن باب الدجال [٦٢٥] قوله: (وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ؟) (٤)؛ أي: وما يشُقّ عليك منه، يقال: أنْصَبَني الشيء؛ أي: شقّ عليّ، والنصب التّعَب، وقوله: (لَنْ يَضُرَّكَ)؛ فيه دليل أن الدجَال لا يضرُّ المؤمن. وفي حديث أنس ﵁: (فِي عَبَاءَةٍ يَهْنَأُ بَعِيرًا لَهُ) (٥)، دلالة أن النبي ﷺ

стр. 493

كان يباشر الأعمال بنفسه؛ إذا كان فيه مصلحته؛ ومصلحة المسلمين، والوسم (١): الكي، وإنما كان يَسِمها لتتبيّن إبل الجزية من إبل الصدقة، لأن مَصرفهما مختلف، و (العَبَاءَةُ): كساء صغير، و (يَهْنَأُ): يَطْلي، يقال: هَنَاتُ الإبل؛ أي: طَلَيتُه بالدواء، ويقال لذلك الدواء: الهِناء، قال: مَا إِن رَأَيْت وَلَا سَمِعت بِمثله … كَالْيَوْمِ هَانِي أينقٍ جُرْبِ متبذلًا تبْدُو مَحَاسِنُه … يضع الهناء مَوَاضِع النُّقْبِ (٢) النُّقْبُ: الجَرَبُ، والجُرْبُ: جمع أجرَب. * * *

стр. 494

ومن كتاب الاستئذان [٦٢٦] فيه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (١): قوله: (فَلَو مَا اسْتَأَذَنتَ)؛ بمعنى: لولا استأذنت، وهي كلمة تحضيض تتضمن الأمر بالاستئذان، وقوله: (وَإِلَّا، لأَجْعَلَنَّكَ عِظَةً)؛ يعني: إن ظهر لي أنك تهاونت فيما قلت؛ ولم تحفظه من رسول الله ﷺ ؛ شهَّرتك عند الناس؛ وأعلمتهم أنك غيُر متثَبِّت في الرواية، وفي رواية (٢): (إِنْ كَانَ هَذَا شَيْئًا حَفِظْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهَا)؛ يعني: فأت بالبيِّنة، (ها) في العربية: تنبيه، قال الشاعر: هَا إِنَّ تَا عِذْرَةٌ إِلَّا تَكُنْ نَفَعَتْ … فَإِن صَاحِبَهَا قَدْ تَاهَ فِي البَلَد (٣) (ها): زجر، وقوله: (أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ)؛ ألهاني: أي: شغلني، وقوله: (عَنْه): عن هذا الحديث وسماعه من رسول الله ﷺ ، و (الصَّفْقُ): البيعُ والشِّراء. وفي الحديث دليل على جواز الاستشهاد على الدَّعوى، وفيه الأخذ بالسُّنة والاقتصار عليها؛ إذ لم يزد أبو موسى ﵁ على ثلاث، وفيه سنة الاستئذان بالسّلام، وفيه القول بالحق عند السُّلطان، وفيه حسن السِّياسة، وقول عمر ﵁:
следующие страницы →