← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1260

التحرير في شرح صحيح مسلم - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (542 стр.). Показаны 105–144 · переход к 75.

стр. 105

من كتاب الزكاة باب مقدار ما تجب فيه الزكاة قال أهل اللغة (١) الزكاة زكاة المال، وإنما سُمِّيت بذلك؛ لأنه مما يُرجى به زكاة المال، وهو زيادتُه ونماؤُه، وقال قوم: سُمّيت زكاةً لأنها طُهرة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. ويقال: زرعٌ زاكٍ: بَيِّنُ الزكاء، ويقال: إذا كثرت المؤتفكات - أي: الرياح - زكت الأرض؛ أي: كثُر رَيعُها، وزكت النفقة: إذا بُورك فيها، وقيل: سُمّيت الزكاة زكاةً؛ للبركة التي تظهر في المال بعدها (٢). وقال ابن عرفة (٣): سُميت زكاةً لأن مؤديها يتزكى إلى الله؛ أي: يتقرب إليه بها، وكل من تقرّب إلى الله بعملٍ صالح فقد تزكى إليه (٤)، ومنه قوله: ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٨]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، أي: فاز بالبقاء الدائم؛ من تقرب إلى الله بالتقوى وكثرة العمل الصالح، ويقال: فلان زاكٍ: إذا كان كثير المعروف، وقرئ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (٥) [الكهف: ٧٤]، أي: كثيرة

стр. 106

المعروف، وقرئ: (زَكِيَّةً) (١) أي: طاهرةً بريئة من الذنوب. والزَّكا: الشَّفع، قال الراجز المنقري (٢): فَلَا زَكَا عَدِيدُهُ وَلَا خَسَا … كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا الخسا: الوتر، والسَّفا: شوك البُهْمَى (٣). [١] وحديث أبي سعيد ﵁: (لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوسُقٍ صَدَقَةٌ) (٤) الحديث، قال أصحاب الشافعي ﵁ (٥): ولا تجب الزكاة في ثمَر النخل والكرم؛ إلا أن تكون نصابًا، ونصابه خمسةُ أوسق؛ لحديث أبي سعيد ﵁، وهي ثلاثمائة (٦) صاع، وذلك ألفٌ وستمائة رطل بالبغدادي. والوسَق: حِمل البعير، فإذا بلغ يابسُه خمسة أوسق؛ وجب فيه الزكاة، وزكاته العشر فيما سقي بغير مُؤنة ثقيلة؛ كماء السماء والأنهار؛ وما يَشرَب بالعروق، ونصفُ العشر فيما سُقي بمُؤنة ثقيلة؛ كالنواضح والدواليب.

стр. 107

[٢] روي مسلم في الباب الذي بعد هذا، عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: (فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالغَيمُ العُشْرُ (١)، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ العُشْرِ) (٢)، قوله: (وَالغَيْمُ)؛ يعني: المطرَ الذي ينزل من الغيم، و (السَّانِيَة): الناقة التي تسقي الأرض، يقال: سَنَت الناقةُ تَسْنو فهي سانيةٌ، ولا يجب العشر حتى يبدو الصلاحُ في الثمار، وبدوُّ الصلاح: أن يَحمَرَّ البُسْر ويَصْفَرَّ، ويتموَّهَ العنبُ، أي: يقع فيه الماء. وقوله: (خَمْسَةِ أَوسُقٍ)، قال أهل النحو (٣): الجمع جمعان: قليل وكثير، والقليل: ما دون العشرة، والكثير: ما فوق العشرة، وسُمّي الأول الجمع القليل، ويسمى أدنى العدد، وهو على أربعة أبنية: أَفْعُل كأَوْسُق في جمع وَسَق، وأَفْعال كأوساق، وأَفْعِلة كأجربة في جمع جَريب، وفِعْلة كصبية في جمع صبي، فأما أَفْعُل وأفعال فالثلاثي، وأفعِلة وفِعلة لما زاد على الثلاثي، وليس في أدنى العدد أخفُّ من أَفْعُل، [فجُعل] (٤) ذلك لجمع فَعْلٍ؛ لأن فَعْلا أخفُّ الأبنية الثلاثية، وجُعل أفعال لسائر الأبنية الثلاثية، وأَفْعِلة وفعلة ثقيلان؛ لمكان حرف التأنيث فيهما، فجُعلا لما زاد على الثلاثي.

стр. 108

قال أهل اللغة (١): يقال: لا أفعله ما وسقت عيني الماء، أي: حملته، وقال أهل اللغة (٢): كل شيء حملته فقد وسقته، وقيل: الوسق: ضمك الشيء إلى الشيء، قال أهل التفسير (٣) في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧]، أي: جَمَع وضَمَّ، والواسق: الذي يجمع الإبل، والوسيقة: الإبل التي يجمعها، وفي رواية: (فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوسُقِ) (٤) بلا هاء حملا على القطع، لأن كل وسق قطعة، وقوله: (وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَودٍ صَدَقَةٌ)، الذود: القطعة من الإبل ما بين [الثلاث] (٥) إلى العشر، فإذا صارت عشرا فما فوق، قيل صِرْمَة من الإبل، فإذا بلغت أربعين قيل هَجْمَة، فإذا بلغت مائة قيل هُنَيدةُ غير مصروفة، قال الشاعر: أعْطَوْا هُنَيْدَةَ يحدُوها ثمانيةٌ … مَا فِي عَطَائِهِم مَنٌّ وَلَا سَرَفُ (٦) أي: يحدوها ثمانية رعاة، ويقال: (الذَّودُ إلى الذَّودِ إِبل، والحَبّة إلى الحَبّة علفٌ) (٧)، وقوله: (وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)، الأُوقية: أربعون درهمًا، وخمسُ أواقٍ: مائتا درهم، يقال: أُوقيةٌ وأواقيُّ بتشديد الياء، كأضحيةٍ وأضاحيٍّ،

стр. 109

ومن العرب من يقول: أواقٍ بحذف الياء تخفيفا. وفي الحديث: دليل على أن الفضة لا تُضم إلى الذهب، وإنما يعتبر نصابها بنفسها. فصل استُخرج واختُصر من كلام بعض العلماء الزكاة حق أوجبه الله على العباد في أموالهم، مواساةً لذوي الحاجة، وأكد التنبيه على هذا فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فأخبر أن النبي ﷺ يطهرهم بما يأخذ من زكواتهم من أدناس الذنوب، ويعلي ذكرهم في المؤمنين، و [يجر] (١) إليهم حسن الثناء به، ثم أمر بأن يدعوَ لهم، وأخبر أن في دعائه لهم تسكينا لقلوبهم، سكون ثقةٍ بإجابة ما يدعو به النبي ﷺ . وهذه المواساة: أن يُخرج الأغنياء من أموالهم ما يسد خلة فقرائهم، حتى يكون الفقراء مستغنين بالأغنياء، وقال النبي ﷺ : (أُمِرْتُ أَن آخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُم وَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُم) (٢)، ثم جعل من يوضع فيهم الزكاة أصنافا فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة:٦٠]، وعلَّق الوجوب ببعض المال دون بعض، وذلك ما يقتنى للتموُّل وطلب الفضل فيه، وجعل مقدار الواجب: ما لا يُؤَثِّر في غنى المُخرج تأثيرًا بيِّنا؛ في جنب المال الذي يخرجه منه، كخمسة دراهم في مائتي درهم، وشاة في خمس من الإبل، وشاة في أربعين شاة وتبيعٍ

стр. 110

في ثلاثين بقرة، وما أشبه هذا. ثم لم يقتصر على هذا التخفيف، حتى جعل لهم أمدًا يجب الحقُّ عليهم بحلوله، ليتوسعوا في التصرف في المال، وذلك مضيُّ الحول على المال، فيبقى المال بعد أداء الحق منه، ويكون الحق بإزاء النماء الحاصل بالتصرف. ثم جعل مال الزكاة ثلاثة أصناف: صنف منها: الذهب والفضة، وصنف: ما تنبته الأرض من أنواع النبات والأشجار، والثالث: ما يقتنى لطلب النماء فيه من الأنعام، فالذهب والفضة بهما يقع التعامل؛ وإليهما ترجع أصول الأموال كلِّها، ولم يدخل في ذلك الحديدُ والنحاسُ والصُّفرُ، وأما ما تنبته الأرض؛ فما كان قوتا تقوم به الأبدان كالبُر والشعير ونحوِها، ولا يدخل في ذلك البُقول والخضر والفواكه. وأما الأنعام: فالإبل والبقر والغنم؛ دون الحمير والبغال والخيل، جعل جميع ذلك فيما يكثر اقتناؤها ويَعُمُّ الانتفاع بها. فالذهب والفضة لا يجد أحدٌ منهما بدا، والأقوات يَعُمُّ الانتفاع بها، لامتِسَاس الحاجة إليها، وما يُؤْتَدَم به أو يُتَفَكَّه منحط عن هذه الدرجة في عموم الحاجة، وحاجة الناس إلى الإبل والبقر والغنم أعمُّ من حاجتهم إلى الخيل والحمير؛ التي لا تقتنى للنماء في أغلب الأحوال، وكذا الدور والعقار والثياب والمتاع والرقيق، لأن عظم المنفعة فيها: التزين والجمال؛ دون الاقتناء طلبا للأرباح،، فلا زكاة فيما هذا وصفُه، إلا أن يخرج عن أصله، فيصرف إلى الاقتناء لطلب الفضل بالتصرف فيه للتجارة، فحينئذ تجب فيه الزكاة.

стр. 111

ولهذا المعنى شرط في المواشي أن تكون سائمةً لا معلوفة، لأن الماشية تنمى على السوم ما لا تنمى على العلف، وإنها إذا عُلِفت أحاط ثمنُ العلف بنمائها أو بأكثره، فيلحق بما يقل نماؤه من الحيوان؛ وهو الحمير والبغال والخيل. ثم على هذه الجملة اختلاف قدر الزكاة فيما تخرجه الأرض؛ بما يسقى من ماء السماء والعيون، وما يسقى بالدلاء من النواضح، فخُفَّفَ في مقدار الحقِّ المُخْرَج؛ فجُعِل نصف العشر لكثرة المُؤنة، وفيما سُقِي بماء السماء العُشر لخفة المؤنة. [٣] وفي حديث أبي هريرة: (لَيسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ) (١)، وفي رواية: (لَيسَ فِي الْعَبدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطرِ). قال أصحاب الشافعي ﵁: الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، فلما كان العبد والفرس تحيط مؤنتهما بما يُنتفع به منهما، لم تجب فيهما صدقة (٢). وفي قوله: (إِلَّا صَدَقَةُ الفِطرِ) معنى لطيف، وذلك أن معنى الاستثناء إذا كان آخر الكلام، فهو للكلام كله إلا بدليل، وهذا الاستثناء للعبد دون الفرس، فصار مخصوصا بما عُرف من معناه. وفي الحديث الذي قبل هذا الباب: (فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالغَيمُ العُشْرُ)، إجمال، والمفسِّر له: الحديث الذي قبله: (لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوسُقِ صَدَقَةٌ).

стр. 112

ومن باب بعثة الإمام رجلا على أخذ الصدقة [٤] حديث أبي هريرة ﵁: (مَا يَنقِمُ ابن جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ الله) (١)، ما ينقم؛ أي: ما ينكر وما يكره، أي: لم يكره من الإسلام شيئا؛ سوى إغناء الله إياه من فضله بالغنائم، وهذا مما لا يُنْقَم ولا يُنكر، وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا) يجوز أن يكون في موضع نصب مفعول ينقم، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، والتقدير: ما ينقم شيئا، لكنه بطر النعمة فمنع الزكاة؛ أي: جعل موضعَ شكر الغنى منع الزكاة. وقوله: (فَإِنَّكُم تَظْلِمُونَ خَالِدًا، فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ)، قوله: (احتَبَسَ) لغة في أَحْبَسَ، ومعناه: وقف، و (الأعتَادُ): جمع العَتَد، والعَتَدُ: ما يُعد للحاجة وكذلك العتيد، وفي رواية: (حبَّس عبيده وكُراعه) (٢)، حبَّس بتشديد الباء بمعنى: وقف، والعبيد: جمع العبد، والكُرَاع: الخيل. وفي الحديث ما يدل على وجوب زكاة التجارة في العروض، إذا اشتُرِيت بنية التجارة، وفيه دليل على سقوط الزكاة من الأوقاف، قيل: فإن طولب بالزكاة عن ثمن الأدراع والأعتاد، على معنى أنها كانت عنده للتجارة، فأخبر النبي ﷺ أن لا زكاة عليه فيها؛ إذ جعلها حبْسا في سبيل الله، وقيل: أجاز لخالد أن يحتسب بما قد احتبسه من الأدراع والأعتاد في سبيل الله في الصدقة التي أمر بقبضها منه، وذلك لأن أحد أصناف المستحقين للصدقات (سبيل الله)؛ وهم

стр. 113

المجاهدون، فصرفها إليهم كصرف الأموال، وفي هذا دليل على جواز أخذ القِيَم من أعيان الأموال. وقوله: (وَأَمَّا العَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيهِ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا) (١)، قيل: فيه دليل على أن للإمام أن يأخذ الصدقة؛ ومن منعها فله أن يُعَزِّرَه؛ على حسب ما يؤدي إليه اجتهاده: أضعَفَ الصدقة عليه على ضرب من التعزير. وقيل: للإمام أن يُؤخر الصدقة عمن تجب عليه، فقال: (هِيَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا) أي: عليه صدقة هذا العام؛ والعام الذي قبله؛ دينا عليه؛ رفقا به، ليجد سعة فيؤدي. كأن الرجل الذي بعثه على أخذ الصدقة، ظن أنه مَنَع صدقة هذا العام، ولم يعلم أن عليه مع هذا صدقة العام الذي قبله، فقال النبي ﷺ هي عليه، يعني: الذي تعلمُه، وعليه سوى ما تعلمه، صدقةُ عامٍ آخر. وفي قوله: (يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُل صِنْوُ أَبِيهِ؟) دليل على أنه موضعُ الرفق به، وأنه يجوز أن يُخَصَّ بشيء لا يُخَصُّ به غيرُه. وصِنْو الرجل: أخوه، أي: هو وأبي من أصل واحد، وأنا من ذلك الأصل، فاعرفوا ذلك له لمكاني منه، قال أهل اللغة: إذا خرج نخلتان من أصل واحد فكل واحدة منهما صنو الآخر (٢).

стр. 114

ومن باب زكاة الفطر [٥] حديث ابن عمر ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ مِن رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِن تَمرٍ، أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَو عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَو أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (١). قال أصحاب الشافعي (٢) ﵁: زكاة الفطر واجبة لما روى ابن عمر ﵁، يعني: الحديث الذي ذكرناه، ولا يجب ذلك إلا على مسلمٍ، ومن وجب عليه فطرتُه، وجب عليه فطرة من تلزمه نفقتُه إذا كانوا مسلمين، ووجد ما يؤدي عنهم فاضلا عن النفقة. فيجب على الأب والأم، وعلى أبيهما وأمهما وإن علوا؛ فطرة ولدهما؛ وولد ولدهما وإن سفلوا، وعلى الولد وولد الولد (٣) وإن سفلوا، فطرة الأب والأم وأبيهما وأمهما وإن علوا، إذا وجبت عليه نفقتها، ولا تجب حتى تَفْضُل الفطرة عن نفقته، ونفقة من تلزمه نفقتُه، لأن النفقة أهم، فوجبت البدايةُ بها، ولهذا قال النبي ﷺ : (ابْدَأَ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ) (٤). وتجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، لما روى ابن عمر ﵁: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ فَرَضَ صَدَقَةَ الفِطر مِن رَمَضَانَ)، والفطر من رمضان لا يكون إلا بغروب

стр. 115

الشمس من ليلة العيد، ولأن الفطرة جعلت طهرة للصائم، وانقضاء الصوم بغروب الشمس، فإن رُزق ولدا، أو تزوج امرأة، أو اشترى عبدا، ودخل عليه الوقت وهم عنده، وجبت عليه فطرتهم، وإن رزق الولد؛ أو تزوج المرأة؛ أو اشترى العبد بعد دخول الوقت؛ لم تجب عليه فطرتهم. [٦] ويجوز تقديم الفطرة من أول رمضان، والمستحب أن يُخرجها قبل صلاة العيد، لما روى مسلم في كتابه عن ابن عمر الله ﵁ في باب إخراج زكاة الفطر قبل الخروج إلى المصلى: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الفِطرِ، أَن تُؤَدَّى قَبلَ خُرُوج النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) (١). قال أصحاب الشافعي: ولا يجوز تأخيرها عن يومه لقوله ﷺ : (أَغْنُوهُم عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا اليَوْم) (٢) فإن أخره حتى خرج اليوم أثم (٣). فصل والواجب: صاع بصاع رسول الله ﷺ ، وذلك خمسة أرطال وثلث برَطل أهل العراق، وقال مسلم في حديث ابن عمر ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ مِن رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ المُسلِمِينَ حُرٍّ، أَو عَبْدٍ، رَجُلٍ، أَوِ امْرَأَةٍ، صَغِيرٍ أَو كَبِيرٍ صَاعًا مِن تَمرٍ، أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ) وفي رواية قال: (فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِن بُرٍّ).

стр. 116

[٧] وفي رواية عياض بن عبد الله؛ عن أبي سعيد الخدري ﵁: (كُنَّا نُخرِجُ زَكَاةَ الفِطرِ صَاعًا مِن طَعَامٍ، أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ، أَو صَاعًا مِن تَمرٍ، أَو صَاعًا مِن أَقِطٍ، أَو صَاعًا مِن زَبِيبٍ) (١). [٨] وفي رواية: قال: (فَلَم نَزَل نُخرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ حَاجًّا، أَو مُعتَمِرًا فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى المِنبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَن قَالَ: إِنِّي أُرَى مُدَّينِ مِن سَمْرَاءِ الشَّامِ، تَعدِلُ صَاعًا مِن تَمِرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ، أَبَدًا مَا عِشتُ) (٢). قال صاحب المجمل (٣): السَّمْراء: الحنطة. روى هذا الحديث مسلم من طريق معمر؛ عن إسماعيل بن أمية؛ عن عياض بن عبد الله، قال الدارقطني: خالفه سعيد بن مسلمة، فقال: عن إسماعيل أمية؛ عن الحارث بن أبي ذباب؛ عن عياض، والحديث محفوظ عن الحارث، ولا نعلم إسماعيل روى عن عياضٍ شيئا (٤).

стр. 117

فصل في هذه الأحاديث دلالة على أن زكاة الفطر، إنما يجوز إخراجها من القوت الذي يقتات الإنسان، وكان الأغلب من القوت بالمدينة التمر والشعير، فأوجب زكاة الفطر منها، ومنها: أن كل من يَمُونه الرجل فواجب أن يخرج الزكاة عنه، إذ قال: (عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبدٍ)، والعبد لا يملك، فإنما زكاته على سيده. ومنها: أن الزكاة لا تجب إلا على المسلمين لقوله: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وفي قوله: (فَرَضَ صَدَقَةَ رَمَضَان) دليل على أن من ولد ليلة الفطر، فلا زكاة عليه. وقول عبد الله: (فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصفَ صَاعٍ مِن بُرٍّ) لم يسم من فعل ذلك، ويحتمل أن يكون العامة تساهلوا فيه، فرأوا مُدَّين من الحنطة يَعْدِلان صاعَ شعير، فلا يترك السنة الثابتة لذلك. وفي قوله: (أَن تُؤَدَّى قَبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) دليل أن وقت أداء زكاة الفطر: قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، وقوله: (مِن أَقِطٍ) و (مِن زَبيبٍ)، يحتمل أن من كان قوتُه أقِطًا أدى أقطًا، ومن كان قوته زبيبًا أدى زبيبًا، والأقط ليس بقوت عامِّ الناس، ومن العلماء من لم يره، واحتج بأن أبا سعيد ﵁ لم يحكه عن النبي ﷺ . وحديث: (مُدَّينِ مِن سَمْرَاءِ الشَّامِ) يحمل على التأويل، والعمل بالنص أولى.

стр. 118

ومن باب ما جاء فيمن لا يؤدي الزكاة [٩] حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَا مِن صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ، صُفِّحَت لَهُ صَفَائِحُ مِن نَارٍ، فَأُحمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهِرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَت أُعِيدَت لَهُ، فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقضَى بَينَ العِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: (وَلَا صَاحِبُ إِبِلِ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِن حَقِّهَا حَلَبُهَا يَومَ وِردِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرقَرٍ، أَوفَرَ مَا كَانَت، لَا يَفْقِدُ مِنهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَحْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخرَاهَا، فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقضَى بَيْنَ العِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: (وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنهَا شَيْئًا، لَيسَ فِيهَا عَقصَاءُ، وَلَا جَلحَاءُ، وَلَا عَضبَاءُ تَنطَحْهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخرَاهَا فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقضَى بَينَ العِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: (الخَيلُ ثَلَاثَةُ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِترٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ (١)، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ

стр. 119

الإِسلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِترٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ لَم يَنسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورهَا) وذكر الحديث (١). قوله: (مَا مِن صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا)، الضمير في الظاهر راجع إلى الفضة، ومن حيث المعنى، راجع إلى الذهب والفضة جميعا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، قيل المعنى: الذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه، والفضة ولا ينفقونها، اكتفى بضمير أحدهما عن الآخر، قال الشاعر: أَنْتَ بِمَا عِنْدَنَا وَنَحْنُ بِمَا … عندك راضٍ، والرّأي: مُختلفُ (٢) والمعنى: راضيان، وقوله: (صُفِّحَت لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ) الصَّفيحة: الحجارة العريضة، والجمع صفائح، و (صُفِّحَت) أي: عُرضت وجعلت عَريضة، قال طرفة: تَرَى جُثوَتَينِ مِنْ تُرابٍ، عَلَيهِما … صفائحُ صُمٌّ مِنْ صَفيحٍ مُنَضَّدِ (٣) يصف قبرين جعل عليهما التراب، والجثوة: التراب المجموع. وقوله: (كُلَّمَا بَرَدَت)، كذا [في] (٤) الكتاب، وفي نسخة (رُدَّت) (٥)،

стр. 120

والمحفوظ (نَفَذَت) (١)، أي: مضت، يقال: نَفَذ الشيء نفاذًا، وهو نافذ في أمره، أي: ماض، ونفَذَ السهم في الرمية نفاذا، وأَنْفَذْتُه أنا. وقوله: (فَيُرَى سَبِيلَهُ)، سبيله نصب مفعول ما لم يسم فاعله، وضمير اسم ما لم يسم فاعله مستكن في يرى، أي: يعرف إما طريق الجنة، وإما طريق النار فيسلكُه، يعني: إن تفضل الله عليه وعفا؛ سلك طريق الجنة، وإن آخذه بذلك وعاقبه العقوبة الشديدة؛ سلك طريق النار. وقوله: (وَمِن حَقِّهَا حَلَبُهَا يَومَ وِردِهَا) فيه دليل على أن في المال حقوقا سوى الزكاة، منها: حلبها يوم وردها، يعني: يحلبُها على الماء يوم ترد الإبل الماء، فيسقي اللبن من يحضر الماء، وقوله: (بُطحَ لها)؛ أي: بُطِح صاحب الإبل للإبل، يقال: بَطَحْتُه: أي: ألقيته على وجهه، و (القَاعُ): المكان المستوي الذي ليس فيه ارتفاع ولا انخفاض، وجمعه: قِيعَان؛ وقِيعَة، و (القَرقَرُ): المكان الأملس، وقوله: (أَوْفَرَ مَا كَانَت) أي: أكثر ما كانت في الدنيا، وهو نصب على الحال، (لَا يَفْقِدُ مِنهَا فَصِيلًا) أي: لا يغيب عنه منها فَصيلٌ، والفَصيلُ: ولد الناقة. وقوله: (لَيسَ فِيهَا عَقصَاءُ)، أي: ملتويةَ القرن، (وَلَا جَلحَاء): وهي التي لا قرن لها، (ولَا عَصْبَاءَ): وهي المكسورة القرن، وقوله: (نِوَاء)؛ يقال: ناوأه مناوأة، ونوى أي: عاداه معاداة، أي: ربطها لمعاداة أهل الإسلام وليقاتلَهم عليها، و (المَرجُ): المرعى، و (الطِّوَلُ): الحبل الذي يُشد به الفرس، و (اسْتَنَّت)

стр. 121

أي: عدت ومرجت في الطِّوَل، وفرس سنين؛ أي نشيط، وقال أبو عبيدة (١): الاستنان: أن يحضر وليس عليه فارس، وقوله: (شَرَفًا، أَو شَرَفَين)؛ أي: طلَقا أو طلَقين (٢)، يقال: عدا طلَقا أو طلَقين، وقوله: (مَا أُنزِلَ عَلَيَّ فِي الحُمُرِ شَيءٌ، إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الفَاذَّةُ الجَامِعَةُ) يعني: المنفردة في معناها، الجامعة لأعمال البر كلِّها، دقيقها وجليلها، ولأعمال الشر دقيقها وجليلها. و (الآثار): جمع الأثر، يعني: آثارَ سيرها في الأرض، و (الأَروَاث) جمع روث، وفي الحديث الآخر: (فَلَا تُغَيِّبُ شَيئًا فِي بُطُونِهَا) يعني: من الكلإ والماء، وقوله: (فِي عُسرِهَا وَيُسرِهَا) أي: في حال قلّتها وكثرتها، وهُزالها وسِمَنها، وقوله: (بَذَخًا): كِبرا ورِئاء؛ أي: مراءاة. * * * [١٠] وفي رواية جابر: (لَيسَ فِيهَا جَمَّاءُ) (٣) الجمَّاء: أي: التي لا قرن لها، و (الشُّجَاعُ): الحية الذَّكَر، و (الأَقرَعُ): الذي لا شعر على رأسه [لكثرة] (٤) السُّم فيه، (فَيَقضَمُهَا)؛ أي: يعضُّها، يقال: قضمت الدابة شعيرها تقضَمُه، (وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا)؛ أضاف الدلو إليها لأنه يستقي به لها، أي: يُعير الدلو الذي يستقي به الماء، ليستقي هو به أيضا؛ فيسقي إبله، (وَإِعَارَةُ فَحَلِهَا): لينزو على الأنثى، (وَمَنِيحَتُهَا): هو أن يعيرَ غيرَه ناقتَه ليحلُبَها مدة، وينتفعَ بلبنها ثم يردُّها، (وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله) أي يحمل عليها الغزاة في سبيل الله.

стр. 122

وفي هذا الحديث تأكيد أمر الزكاة، وفيه: الإيعاد لمانع الزكاة، وقوله: (قَعَدَ لَهَا) المشهور: (أقعِدَ لَهَا) (١)، ويحتمل أن يكون قعد لازما ومتعديا، ويحتمل أن يُعَدَّى بالتشديد، إن كانت رواية تساعده. [١١] وفي حديث جرير ﵁: (فَقَالُوا: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأْتُونَنَا فَيَظْلِمُونَنَا) (٢)، المُصَدِّق: الساعي الذي يأخذ الصدقة، وفي الحديث: دليل على معرفة حق الولاة، وفي قوله: (أَرضُوا مُصَدِّقِيكُم) دليل على أن المتظلم لا يُقبل قوله، إلا بعد الوقوف على صحته. ومن باب بذل المال، وكراهة إمساكه ومنع حقه [١٢] حديث أبي ذر ﵁: قوله: (فلم أَتَقَارَّ) (٣) أي: فلم أستقرَّ، يقال: تقارَرْتُ أتقارُّ، وهو تفاعلت من القرار، (الأَكثَرُونَ أَمْوَالًا) نصب على التمييز، (إلا من قال: هَكَذَا وَهَكَذَا) أي: إلا من أعطى عن اليمين وعن الشمال، وعن الخلف والقُدّام، لا يمنع ذا الحق حقه من أي وجه جاءه، وقوله: (كُلَّمَا نَفِدَت)؛ كذا في أكثر النسخ بالدال المهملة، أي: فِنيَت، ورُوي: (كُلَّمَا نَفذَت) (٤) أي: جازت ومرت، و (الأُخرَى): تأنيث الآخر، و (الأُولَى): تأنيث الأول.

стр. 123

ومن باب الترغيب في الصدقة وإخراج المال [١٣] حديث أبي هريرة ﵁: (مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا، تَأْتِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ) (١) أي: ليلة ثالثة، وقوله: (أَرْصِدُهُ لِدَينِ عَلَيَّ) يقال: أرصدت الشيء إذا أعددته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ١٠٧]، ومنه حديث الحسن بن علي ﵄: (ما خلَّفَ أبي من دنياكم؛ إلا ثلاثمائة درهم؛ كان أرصدها لشراء خادم) (٢). وفي رواية: (أُمسِي ثَالِثَةً عِندِي مِنهُ دينارٌ) دينار: اسم، وعندي: خبره، وثالثةً: ظرف، وقوله: (إِلَّا أَن أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللهِ هَكَذَا) يعني: إلا أن أفرقه في عباد الله هكذا، ثم بين قوله: (هَكَذَا) فقال: (حَثَا بَينَ يَدَيْهِ هَكَذَا عَن يَمِينِهِ، وَهَكَذَا عَن شِماله) وقوله: (سَمِعتُ لَغَطًا)؛ اللغط: الجَلَبَةُ، وقوله: (لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ عُرِضَ لَهُ)؛ على فعل ما لم يسم فاعله، أي: عرض له عارض مكروه، وقوله: (لَا تَبرَح)؛ يقال: ما برح أي: لم يفارق مكانه، وقوله: (تَعَالَه) الهاء هاء الوقف. وقوله: (فَأَجْلَسَني في قاعٍ)؛ القاع: المكان المستوي، (فَنَفَحَ فيه) أي: أعطى، يعني: تصرف فيه بالعطاء، يقال: نفح الطيب: إذا سطعت رائحته، وفي الحديث: (أَوَّلُ نَفْحَةٍ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ) (٣) أي: أول ما يبدو منه، وفي القرآن: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦]، أي: قطعة، و (الحَرَّة): الحجارة السود.

стр. 124

وفي الحديث: ما يدل على الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، [وأنه] (١) كان لا يحب ﷺ أن يكون عنده دينار ثلاثة أيام، إلا أن يكون مرصدًا لدين والله أعلم. ومن باب الكنازين للأموال والتغليظ عليهم [١٤] حديث أبي ذر ﵁ قال الأحنف: (إِذ جَاءَ رَجُلٌ أَخشَنُ الثِّيَابِ) (٢) أي: خشن الثياب، وقوله: (وبَشِّرِ الْكَانِزِينَ) أي الذين يكنزون المال، قال بعض العلماء (٣): الكنز: اسم المال المدفون، وهو عند العرب: اسم للمال الكثير؛ مدفونا كان أو غير مدفون، وقال بعضهم: المال عند العرب: الإبل، فأما الذهب والفضة فهما عندهم كنز، وقال الشافعي (٤) ﵁: الكنز كل مال لم تؤد زكاته. وقوله: (بِرَضْفٍ) الرضف: الحجارة المحماة، وفي حديث حذيفة ﵁ حين ذكر الفتن فقال: (ثم التي تليها بالرَّضْفِ) (٥) فشبه الفتنة في شدة حماها بالرضف.

стр. 125

و (حَلَمَةُ الثَّدي): الهنة الناتئة منه، (يَتَزَلْزَلُ): يتحرك ويضطرب، (فَنَظَرتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْسِ) أي ما بقي علي من الشمس، أي: فنظرت كم بقي من النهار، وقوله: (لَا تَعْتَرِيهِم) يقال: عراه واعتراه إذا قصده يطلب إليه حاجة، وفي القرآن: ﴿إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، أي: عرض لك ومسَّكَ بجنون، (قُبَيلُ): تصغير قبل، وهو مبني على الضم، (مَعُونَة): عون، (ثَمَنًا لِدينِك) أي: تبيع به دينك، أي: تقول قولا خلاف الحق لتصيب به دنيا. وفي الحديث: دليل على كراهية الكنز، ودليل أن كثرة المال مَشغلة عن أمر الآخرة، وفي الحديث الذي قبله: أن المكثرين هم المقلون، أي: من كثر ماله في الدنيا فاشتغل به عن أمر الآخرة؛ قَلَّ خيرُه وثوابه في الآخرة، وفي حديث: (وَإِن زَنَى وَإِن سَرَقَ) دليل أن التوحيد إذا خلص لصاحبه كان من ذلك خلاصه. ومن باب الحث على النفقة [١٥] حديث أبي هريرة ﵁: (أَنْفِقُ أُنْفِقُ عَلَيْكَ) (١): (أَنفِق) أمر، (أُنفق) جزم جواب الأمر. وفيه: حث على السخاوة وتحقيق الخلف، وقوله: (يَمِينُ اللهِ مَلأَى) وفي رواية: (ملآن) (٢)، واليمين في اللغة مؤنثة وصفتها ملأى، والتذكير فيه للحمل على المعنى، و (سَحًّا) (٣) نصب على المصدر، والتقدير: تَسِحُّ سَحًّا، أو يَسِحُّ

стр. 126

سَحًّا؛ على وفق الروايتين هذا الأكثر، وروي: (سَحَّاءُ) بالمد على أن يكون تأنيث الأسَح، وإن لم يُستعمل الأسح، كما يقال: (ديمَةٌ هَطْلاء) (١) وإن لم يُستعمل الأهطل، وقوله: (لَا يَغِيضُهَا) أي: لا ينقصها، يقال: غاض الماء وغِضْتُهُ أنا، وفي القرآن: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤]، أي: غاضه الله فغيض، وقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨]، أي: وما تنقص من التسعة الأشهر التي هي وقت الوضع. وفي الحديث: دليل أنا نتقلب في نعم الله ليلا ونهارا، وأن ما بنا من نعمة فمنه، و (سَحاء): لا ينصرف، و (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) منصوبان على الظرف. وقوله: (لَم يَغِض مَا فِي يَمِينِهِ)؛ غاض [ … ] (٢) أي: لم ينقص عطاؤه، ويكون ما في موضع الرفع، ويجوز أن يكون ما في موضع النصب مفعول يَغِض، والفاعل الله، وغاض يكون متعديا، أي: ينقُص عطاؤه، وقوله: (وَبِيَدِهِ الأُخرَى القَبضُ) والبسط والقبض يوسع ويُقتر، وفي القرآن: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقوله (يَرفَعُ وَيَخفِضُ) أي: يرفع قوما ويضع آخرين، ويجوز أن يكون المعنى: يرفع القسط ويخفضه، أي: يَنْصُرُ القسطَ وأهله وقتا، ويُسَلّط الظلمة وقتا.

стр. 127

ومن باب فضل النفقة على الأهل والعيال [١٦] قوله: (يُعِفُّهُم) (١) يقال: عفَّ: أي: أمسك عما يقبُح، وأعفه غيره، وقريب من معناه و (٢) قوله: (ويُغنيهم). * * * [١٧] وفي هذا الحديث الذي بعده دليل أن الاشتغال بالفرض أولى من الاشتغال بالنفل، وذلك أن النفقة على العيال فرض، وقد أوعد النبي ﷺ من ضيع زوجته وما ملكت يمينه، فقال: (كَفَى بِالمَرءِ إِثْمًا أَن يَحبِسَ، عَمَّن يَمْلِكُ قُوتَهُ) (٣). قوله: (وَالقَهرَمَان): القائم بأمر البيت، و (الرَّقِيقُ): المماليك، وقوله (أَعتَقَ غُلَامًا لَهُ عَن دُبُرِ)؛ هو أن يعتقه بعد موته، فيقول: أنت عتيق بعد موتي. * * * [١٨] وفي حديث أنس ﵁: (إِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَى) (٤) الأموال عند أهل المدينة: البساتين، و (بَيْرَحَى): بستان من بساتينها؛ وأكثر مياهها مالحة، وكان ماء هذا البستان طيبا، فلذلك كان من أنفس الأموال، ومن نفاسته أنها كانت قريبة من المسجد، وكانت في المدينة، وقوله: (مَالٌ رَابِحٌ) أي: ذو ربح، وفي بعض النسخ (بَرِيحَاء) (٥)، والمحفوظ: .....

стр. 128

(بَيرَحَاء) (١)، وفي نسخة: (بَارِيحَاء) (٢)، وذلك أيضا غير محفوظ، وفي الحديث: حث على الصدقة، وبيان أن ما يقدمه المرء من المال؛ خير له مما يُخَلِّفُه بعده وأنفع له. ومن باب الصدقة على الإخوان [١٩] حديث ميمونة: (لَوْ أَعطَيْتِهَا أَخوَالَكِ، كَانَ أَعظَمَ لِأَجْرِكِ) (٣)، فيه دليل على أن الصدقة على القرابة أفضل من العتق، لأنها صدقة وصلة رحم. ومن باب الصدقة على الزوج والولد [٢٠] حديث زينب امرأة عبد الله ﵂: (إِنَّكَ لَرَجُلٌ خَفِيفٌ ذَاتِ اليَدِ) (٤) أي: قليل المال فقيرٌ، وقوله: (يَجزِي عَنِّي) أي: يقضي ويغني، وقوله: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَد أُلْقِيَت عَلَيْهِ المَهَابَةُ) أي: الهيبة، فما يُكَلَّمُ هيبةً له، و (الزَّيَانِبُ): جمع زينب.

стр. 129

ومن باب الأجر في الصدقة على الأقارب وصدقة الأم على ولدها الأيتام [٢١] حديث أم سلمة ﵂ (وَلَستُ بتارِكتِهِم هَكَذَا وهَكَذَا) (١) أي: متفرقين متحيرين، (فقال: نَعَم، لَكِ فيهِم أَجْرُ مَا أَنفَقْتِ عَلَيهِم)، في هذا الحديث والحديث الذي قبله: تجويز لصدقة المرأة على زوجها، ولصدقة الأم على ولدها الأيتام. ومن باب الحث على صلة الرحم وإن كان ذو الرحم كافرا [٢٢] حديث أسماء ﵂: (إِنَّ أُمِّي قَدِمَت عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَو رَاهِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَم) (٢)، قوله: (أَو رَاهِبَةٌ) شك من الراوي وليس بمحفوظ، ومعنى: (وَهِيَ رَاغِبَةٌ) أي: راغبة في أن أتصدق عليها أو أحسن إليها. وفي الحديث: بيان أن فاعل الخير مشكور، وعلى الإحسان مأجور، أباح الإحسان إلى المشرك ليعلم أن المحسن محمود، وأن الإحسان لا يضيع. ومن باب الصدقة على الميت بعد موته [٢٣] حديث عائشة ﵂: (إِنَّ أُمِّيَ افتُلِتَت نَفْسَهَا) (٣) بالنصب، وروي بالرفع (٤) أي: افتلتت: ماتت فجأة فلتة، كل أمر فعل على غير تمكث فقد افتلت،

стр. 130

فكان المعنى: افتلتها الله: أي: قبضها فجأة، يقال: افتلَتُّه كذا. ومن باب التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل [٢٤] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، وقبله حديث حذيفة: (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) (١)، فيه دليل: أن كل شيء تصل منفعته إلى الناس، فهو معروف؛ وهو صدقة، والمعروف ما يُعرَفُ أنه إحسان، و (السُّلَامَى) قال أبو عبيد: هو في الأصل عَظم يكون في فِرسِن البعير (٢)، أي: في ظاهر خُفّه، فكان المعنى: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة. وفي الحديث: دليل على أن الصدقة أنواع: منها بإخراج المال، ومنها بالذكر، ومنها بالطاعة؛ حتى في غِشيانه امرأته؛ إذا كان تعففا عن محرم؛ وابتغاء لولد صالح، وقوله: (وَقَد زَحْزَحَ نَفْسَهُ أي: نحاها وأبعدها، وقوله: (يمشي) بالشين المعجمة، قال: أبو توبة (وَرُبَّمَا قُلتُ (٣) يُمسي)، وفي الرواية الأخرى: (يَمشِي) أيضا بالشين. * * * [٢٥] وقوله: (فِي بُضع أَحَدِكُم) (٤) البُضع الجماع، وقيل: البُضع الفرجُ، وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ أمر بلالا يوم صبح خيبر: (أَلَا مَن أَصَابَ حُبلَى فَلَا يَقرَبَنَّهَا، فَإِنَّ البُضعَ يَزِيدُ فِي السَّمْعِ وَالبَصَر) (٥)، معنى صبح خيبر؛ أي: غزاها

стр. 131

وقت الصباح، قال الأزهري: هذا كقوله: (لَا يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ) (١)، وقيل: يكون الولد مشتركا بين الواطئين، وقيل: البُضع الغشيان، وموضع الغشيان، والمباضعة: المباشرة، وفي الحديث: (يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ) (٢) أي: يقال لها: هل نزوجك من فلان؟، وقوله: (وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ) يعني: كلمة تَسُرُّ بها مسلما، و (يُمِيطُ الأَذَى) (٣) أي: ينحيه، ويمسك عن الشر، كما أن إتيان الخير خير، فالإمساك عن الشر خير. ومن باب الدعاء للمنفق بالخلف [٢٦] حديث أبي هريرة ﵁: (مَا مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنزِلَانِ) (٤) في هذا الحديث دليل أن الخير يُكافأ به، وأن النفقة تُقابل بالخَلَف، وأن البخلَ والإمساك غير محمود، وصاحبه بعَرَضِ الندم، وماله بعَرَض التلف، فإن دعاء الملكين لا شك يستجاب. ومن باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها [٢٧] حديث حارثة بن وهب: (تَصَدَّقُوا، فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ) (٥)، (يُوشِكُ) أي: يسرع ويقرب، يقال: أوشك أن يكون كذا أي قرُب، يُوشِك بضم الياء وكسر الشين، قيل: كان هذا في أيام الصحابة ﵃، قال

стр. 132

صاحب المجمل: أوشك يوشك لا غير، وقيل: أوشك فلان خروجًا: من العجلة، ووَشكان ما كان ذاك: في معنى عجلان وأمرٍ وشيك (١). * * * [٢٨] وفي حديث أبي موسى الله ﵁: (وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ) (٢) بضم الياء ورفع اللام من الرجل، على أنه فعل ما لم يسم فاعله، و (تَرَى) بالتاء على الخطاب، الرجل نصب في رواية ابن بَّراد (٣)، وقوله: (يَلُذنَ بِهِ) يَأْذَنَ على وزن يَقُلْنَ، وهو مستقبل فعل جماعة النساء، قال أهل اللغة: لاذ به، أي: التجأ إليه، قال الله : ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: ٦٣]. وفي رواية أبي هريرة ﵁: (حَتَّى يَكثُرَ المَالُ وَيَفِيض) يقال: فاض الماء يفيض: إذا كثر، وفاض الإناء: إذا امتلأ، وقيل: إذا سال من شدة امتلائه، وفي القرآن: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]، أي: تمتلئ ثم تسيل، وقوله: (حَتَّى تَعُودَ أَرضُ العَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا) يعني: مراعي ورياضًا. [٢٩] وفي حديث آخر عن أبي هريرة: (حَتَّى يَهُمَّ رَبُّ المَالِ مَن يَقْبَلُ مِنْهُ صَدَقَتَهُ) (٤) وروي: (حَتَّى يُهِمَّ) بضم الياء، يقال: همه يهمه أي: أحزنه، وأهمه يهمه؛ أي: أقلقه، وأمر مهم، وفي القرآن: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]،

стр. 133

أي: شغلتهم أنفسهم وحملتهم على الهم، واشتد عليهم أمر أنفسهم، و (مَن يَقبَلُ) في موضع رفع فاعل يهم، و (رَبَّ المَالِ) مفعول مقدم (١)، وقوله: (لَا أَرَبَ لِي فيه) أي: لا حاجة لي فيه. ومن باب ما تخرج الأرضون من كنوزها [٣٠] حديث أبي هريرة ﵁: (تَقِيءُ الأَرضُ أَفَلَاذَ كَبِدِهَا) (٢)، تقيء أي: تتقيَّأُ، يقال: قاءت تقيء أي: تتقيأ فتطرح ما في بطنها من الكنوز على ظهرها، و (الأَفلَاذُ) جمع الفَلِذ وهو القطعة من اللحم أو الكبد، قال أهل اللغة: هذا ثوب يقيء الصَّبْغَ إذا كان مُشبعًا، وقوله: (فَيَجِيءُ القَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلتُ)، فائدة الحديث أنَّ مالًا تكونُ عاقبته هذا، فالتخلي منه وتركه في أول الأمر أولى. ومن باب التصدق من الكسب الطيب [٣١] حديث: (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِن طَيِّبٍ) (٣) أي: من حلال، وقوله: (فَتَربُو) أي: فتزيد، يقال: رَبَت تَرْبُو، وفي القرآن ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، وقوله: (فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ) ما يجب الإيمان به، ويترك التعرض لتأويله، وقوله: (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلْوَهُ) بسكون اللام وتخفيف الواو، ولعلَّه لغةٌ، واللغة

стр. 134

الفصيحة: (فَلُوَّهُ) بضم اللام وتشديد الواو، وهو المُهر يفطم عن أمه، يقال: افْتَلَيْتُه أي: افتطمته وقطعته عن اللبن قال: ولَيْسَ يَهْلَكَ مِنَّا سَيدٌ أَبَدًا … إِلَّا افْتَلَيْنَا غُلَامًا سَيِّدًا فِينَا (١) أي: إذا مات منا سيد؛ قام مقامه آخرُ، ومثله: وَإِنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِي هُمُ هُمُ … إِذَا مَاتَ مِنْهُم سَيِّدٌ قَامَ صَاحِبُه (٢) وفي قوله: (فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ) دليل على تضعيف الثواب، ودليل على أن الصدقة تعظُم وتزيد، حتى يثقل بها الميزان، وقوله: (أَوْ قَلُوصَهُ) القلوص: الناقة الشابة قال: وعَطِّلْ قَلُوصي فِي الرِّكَابِ فَإِنَّهَا … سَتُبردُ أَكْبَادًا وَتُبْكِي بَوَاكِيَا (٣) وفي قوله: (إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ) في اختصاص اليمين بالذكر هاهنا دلالة على حسن القَبول، وقوله: (أَوْ فَصِيلَهُ) الفصيل: الذي فُصل عن أمه، قال صاحب المجمل: الفصيل ولد الناقة إذا افتصل عن (٤). وفي الحديث: دلالة أن الصدقة إذا كانت من الحرام لا تُقبل، وقوله:

стр. 135

(فَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا) أي: في مستحقها، وكذلك قوله: (فَيَضَعُهَا فِي مَوضِعِهَا). [٣٢] وفي حديث أبي هريرة: (إِنَّ الله طَيِّبٌ لَا يَقبَلُ إِلَّا طَيِّبًا) (١) أي: إن الله متقدس طاهر لا يقبل إلا طيبا، إلا ما صفا وخلص، قيل: خلص من الرياء، وقيل: خلص من شَوْب الشبهة، وقوله: (وَغُذِيَ بِالحَرَام) أي: رُبِّي، يقال: غذوته أغذوه، وغُذِي فعل ما لم يسم فاعله، وقوله: (فَأَنَّى يُستَجَابُ لِذَلِكَ!) أي: إن الرجل وإن اجتهد كل الاجتهاد في العبادة وقوته حرام، فدعاؤه لا يستجاب. ومن باب اتقوا النار ولو بشق تمرة [٣٣] فيه تعظيمُ أمر الصدقة وإن قلَّتْ، وفي حديث عدي: (فَيَنظُرُ أَيمَنَ مِنْهُ) (٢) أي: عن يمينه أي جهة اليمين، (وَيَنظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ) أي جهة الشمال، وأيمن وأشأم ظرفان، وكذلك (بَينَ يَدَيهِ) و (تِلقَاءَ وَجهِهِ)، وقوله: (وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ). في الحديث: دليل على ما يستقبلُ الخلقَ من أهوال القيامة وشدة العذاب، وأن القليل من الصدقة تُرجى به النجاة، وفيه: أن من لا يجد ما يتصدق به يُظهر البشر للناس، ويخاطبهم بالكلام الطيب، وقوله: (أَشَاحَ): أشاح بوجهه أي: حَذِر عند ذكر النار، عما كان يعلمه من هول أمر النار، وفي الحديث: تخويف من النار، فكان يحذر هذا الحذَر، فكيف بمن لم يُؤَمَّن (٣).

стр. 136

ومن باب الحث على الصدقة على ذوي الحاجة [٣٤] حديث جرير ﵁: كُنَّا عِندَ النَّبِي ﷺ صَدرَ النَّهَارِ) (١) صدرُ النهار أوَّلُه، و (حُفَاةٌ) جمع حافٍ هو الذي ليس في رجله نعل، و (عُرَاةٌ): جمع عار؛ وهو الذي ليس على بدنه [ثياب] .... (٢). باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبُّر من قوي إيمانه [٣٥] [ … ] (٣) أن يستغيثوا بالله وبالمسلمين، فيقولوا يَالله ويا لَلمسلمين (٤)، وقوله: (عَمِيَّةٍ) (٥): من العمى، يعني: الأمر الأعمى الذي لا يهتدى له، ولا يعلم ما وجهه (٦)، يقال: عَميت ...........

стр. 137

[الأمر] (١) تعمية، وفي حديث الزبير: (لِئَلَّا تَمُوتَ مِيتَةً عَمِيَّة) (٢) أي: ميتة فتنة وجهل، وقوله: (أَنِ انكَشَفَت خَيلُنَا) أي: انهزمت. [٣٦] وفي حديث رافع بن خديج (٣). أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَي … دِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَع فَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ … يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا … وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ أبو سفيان وصفوان وعيينة والأقرع من رؤساء العرب، ومن المؤلفة، وكذلك عباس بن مرداس، وهو الذي قال [الشاعر] (٤)، و (العبيد): اسم فرسه، و (بدرٌ): جد عيينة، وروي: (فَمَا كَانَ حِصنٌ) (٥) وحصن أبوه، هو عيينة بن حصن بن بدر الفزاري، وقوله: (مِردَاسَ) لم يصرفه لضرورة الشعر، وللشاعر عند الضرورة أن يصرف ما لا ينصرف، ويمنع الصرف ما ينصرف، قال الشاعر: وَممَّنْ وَلَدُوا عَامِرُ … ذُو الطَّول وَذُو العَرْضِ (٦) (عَامِرُ): اسم رجل لأنه قال: ذو الطَّوْل، ولم يقل: ذاتُ الطَّوْل،

стр. 138

و (تخفض): جزم بالشرط، وكسرت الضاد لالتقاء الساكنين، (لَا يُرفَعِ): جُزمِ جواب الشرط، وكُسِرت العين للقافية. قال أهل النسب: في قيس عباسان لا يعرف [فيها مثلهما] (١): عباس بن ريطة وعباس بن مرداس، قال عباس بن مرداس: أكرّ على الكتيبة لا أُبالي … أفيها كَانَ حتفي أم سواهَا (٢) عابوا بيت معدي كرب حيث قال: وجاشَتْ إليَّ النفْسُ أَوَّلَ مرَّةٍ … فرُدَّتْ عَلَى مَكْرُوهِهَا فَاسْتَقَرَّتِ (٣) قالوا كَرِه من ذلك شيئا (٤)، ورضوا شعر العباس، حيث لم يبالِ بذلك. كان العباس بن مرداس من بني سليم بن منصور، وقال رسول الله ﷺ : (أنا ابن العَوَاتِكِ مِن سُلَيم) (٥) وهن ثلاث (٦): عاتكة ابنة هلال (٧) بن فالج بن

стр. 139

ذكوان أم هاشم بن عبد مناف، وعاتكة بنت الأوقص بن هلال (١) بن فالج أم وهب بن عبد مناف بن زهرة أبي آمنة ابنة وهب أم النبي ﷺ ، وعاتكة ابنة فالج (٢). * * * [٣٧] وفي حديث عبد الله بن زيد ﵁: (وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟) (٣) العالة: جمع عائل وهو الفقير، وقولهم: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) أي: أعظمُ مِنَّةً وأكثرُ نعمة، وقوله: (الأَنْصَارُ شِعَارُ وَالنَّاسُ دِثَارٌ) الشِّعار: من اللباس: ما يلي الجسد، والدِّثار: ما يكون فوقَه، أي: هم أقرب الناس إليَّ، أي: هم في القُرب مني بمنزلة قميصي الذي يلي بدني، وفي حديث عبد الله: (حَتَّى كَانَ كَالصِّرفِ) قال ابن قتيبة: الصرف شيء أحمر يصبغ به الأديم (٤). ومن باب الخوارج [٣٨] (أَتَى رَجُلٌ بِالجِعْرَانَةِ) (٥) الجِعرَانة: بسكون العين وتخفيف الراء: موضع (مُنْصَرَفَهُ) نصبت على الظرف، وقوله: (كَثُّ اللِّحيةِ) أي: مُجتمع اللحية، يقال: لحية كَثَّة: أي: مُجتمعة، و (نَاتِئُ الْجَبِينِ) أي: مُرتفع الجبين، وفي رواية: (نَاشِزُ الجَبْهَةِ) أي: مرتفع الجبهة، وقوله: (بِذَهَبَةٍ)؛ وفي رواية: (بذُهَيبَةٍ) (٦) على التصغير، يقال: ذَهب وذَهبة، و (المَقرُوظُ): الذي دبغ بالقَرَظ،

стр. 140

وهو نبت يُدبغ به، وقوله: (فِي أَدِيمٍ مَقرُوظٍ) أي: في صُرَّة مدبوغة. قال صاحب المجمل (١): الذهب معروف مُذَكَّر، وربما أُنِّث، فقيل: ذهبة، والجمع: أذهاب، وقوله: (لَمْ تُحَصَّل مِنْ تُرَابِهَا) يعني: الذَّهَبَةَ، أي: لم تُخَلَّص من ترابها، أي: هي مع ترابها مختلطة به، كما أخرجت من المعدن لم تُخَلَّص، ويقولون: ولم تُضرب. وقوله: (أَنْ أَنْقُبَ) يُقال: نَقَبتُ الحائط، والبَيطار يَنْقُب سُرَّة الدابة ليخرج منها ماء، وتلك الحديدة مِنْقَب (٢). وقوله: (مِن ضِئضِئِ هَذَا) أي: من أصل هذا، وقبيلة هذا، وجنس هذا، وهو بالضاد المعجمة، وقوله: (وَهُوَ مُقَفَّى) (٣) أي: مُوَلَّى، يقال: قَفَّى يُقَفِّي إذا ولاك قفاه، وقوله: (كَمَا يَخْرُجُ السَّهِمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)؛ الرَّمِيَّة: فعيلة بمعنى مفعولة، وأُلْحِق بها الهاء لأنه مما أُفرد عن الموصوف فجعل اسما، ومثله البَنِيَّة للكعبة، والبَحِيرة والوَصِيلة، لأنهما بمعنى المبحورة والموصولة، و (الرِّصَافُ): جمع الرَّصَفة وهي العَقَب الذي يشد على فوق السهم، وعمل رصيف أي: محكم. وفي حديث أبي سعيد: (أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ) والخُوَيصرة: تصغير الخاصرة،

стр. 141

والخاصرة: الجَنْب، وفي حديثٍ بَعدَه: عن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد: (مِشْرَق): بكسر الميم وفتح الراء بطن من هَمْدَان، وفي الرواية الأولى (١): (الضحاك الهَمْدَاني)، وهَمْدان بسكون الميم قبيلة عظيمة، قال: فهل أنا في ذا يالَ هَمْدان ظالمُ (٢) وقوله: (قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ) (٣) يعني: إني بعثت بالعدل، فإذا لم أعدل، ولم آمرك بالعدل، فقد خبتَ وخسرتَ، لأنك حينئذ تقول غير الحق، وتعمل بغير الحق، لأني أُمرتُ أن أقول الحق وأعملَ بالحق، وآمرَك بالعمل بالحق، والقول الحق، ومن أولى بالعدل مني؟ وقد بعثني الله إلى الخلق، وجعلني أمينًا، فإذا لم أكن عدلا شقيتَ أنت وخسرتَ. وقوله: (لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم) التراقي: جمع التُّرْقُوة، والترقوة: ما فوق الصدر، ومعنى: (لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم) أي: لا يُقبل منهم عملُهم، ولا يصعد فوق رؤوسهم، وفي رواية: (لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم)؛ والحُنجُرة: أعلى الحلق، وقوله: (يَحْقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِم) أي: يجد عملَه حقيرًا بالإضافة إلى عملهم، وفي رواية: (يَحْقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ إِلَى صَلَاتِهِمْ) (٤)، ومعناه ما ذكرنا، أي:

стр. 142

بالإضافة إلى صلاتهم، وقول عمر بن الخطاب ﵁: (ائْذَن لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ) رأى قتله حين آذى النبي ﷺ ، وقول النبي ﷺ : (دَعهُ) أي: لم أومر بقتل المنافقين، وقوله: (يَمْرُقُونَ) المُروق: خروج الشيء من غير مدَخلِه، و (الرَّمِيَّةِ): الصيدُ، وقوله: (ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ)؛ النَّضِيُّ: بفتح النون، والضاد المعجمة قِدْح السهم، وقال صاحب المجمل: هو ما جاوز الريش إلى النصل، سمي بذلك لأنه بُرِيَ حتى عاد نضوًا، ونَضِيُّ الرمح ما فوق المقبض من صدره، والنَّضِي العنق (١)، وقيل: هو مَركب العنق، قال: وطُولِ أَنْضِيَةِ الأَعْناقِ واللِّمَم (٢) وروي: (والأمم) (٣) وهي جمع الأمة وهي القامة، وقوله: (إِلَى قُذَذِهِ)؛ القُذَةُ: جمع القُذَّة؛ وهي ريش السهم. وقوله: (سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ): أي: جاوز الفرث والدم، أي: لم يثبُت فيه، ولم يَعْلَق به من ذلك شيء، يقول: إن هذا الرامي أو الصائدَ رمى فأصاب سهمُه الصيدَ فنفَذ فيه بسرعة، حتى خرج منه، فلم يَعْلَق به من دمها شيء لسرعة نفوذه، فأخذ السهم الذي نفَذ في الصيد وخرج منه، فنظر إلى نصله فلم ير فيه أثر الدم، ثم نظر في الرِّصَاف - وهي العَقَب التي فوق الرُّعْظ، والرُّعْظُ مدخل النصل من السهم - فلم ير دمًا، وكذلك نظر في القُذَّة.

стр. 143

وفي الحديث المتقدم: (فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ، هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ)؛ الفُوقُ: موضع الوتر من السهم، وكأن (الْفُوقة) لغة، وقوله: (هَل عَلِقَ) أي: هل تعلق، وقوله: (فَيَتَمَارَى) أي: يشك، يعني: أن هذا الرامي تناول أول السهم إلى آخره، فلم ير فيه أثرا يدل على أنه أصاب الصيد، فلما نظر إلى الفُوقِ - وهو انتهاء نظره - وتأمله رأى أثرا غير بين، فشك في الإصابة، وهذا مَثَل، ومبالغة في خروج الخوارج من الدين، بحيث لا يكون لهم نصيب في ذلك، ولا تمسك بشيء منه، دخلوا فيه وخرجوا منه، فلم يتعلقوا بشيء منه، كما أن السهم حين نفَذ الصيد، لم يتعلق منه بشيء، أي: دخول هؤلاء في الإسلام ثم خروجهم منه ولم يعلق بهم شيء من الدين، كخروج السهم من الصيد الذي يرميه الصائد على هذه الصفة، ولم يعلق به من دم الصيد شيء، وفي رواية: (فَيَنظُرُ فِي النَّضِيِّ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً) (١) (البَصِيرَةُ) طريقة الدم، وقيل: البصيرة القطعة من الدم إذا وقعت استدارت، قال الأسعر: رَاحُوا بَصَائِرُهُمْ عَلى أكتافهم … وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِهَا عَتَدٌ وَأَى (٢) والبصيرة في غير هذا الموضع: التُّرْسُ، والبصيرة البرهان والاستبصار في الشيء، وكله من الوضوح. وفي رواية: (آيتُهُم رَجُلٌ أَسوَدُ) أي: علامتهم، يعني: آيتهم أن فيهم رجلا أسودَ، (إِحدَى عَضُدَيهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرأَةِ) يريد بذلك نقصانه وصغره، (أو مِثلُ

стр. 144

البَضعَةِ) يعني: القطعةَ من اللحم (تَدَردَرُ) أي: تتدردر، حُذفت منه إحدى التاءين تخفيفا، ومعناه تضطرب وتتحرك، وقوله: (عَلَى خَيرِ فِرقَةٍ مِنَ النَّاسِ) (١) أي: على خير جماعة من الناس. وقوله: (سِيمَاهُم التَّحلِيقُ) (٢) سيماهم أي: علامتهم. والتحليق: مصدر حَلَّق يُحَلِّقُ تحليقا، وكان الخوارج يحلقون ولا يتركون الشعر عليها (٣)، إما ليتميزوا بذلك عن غيرهم، وإما ليجعلوا ذلك سِمَةً لهم، وقوله: (أَوْ قَالَ: الْغَرَضَ) الغرضُ: الهدف، وهو موضع مرتفع يُرمى إليه عند تعلم الرمي، و (مَارِقَةٌ): فاعلة من مرَق، وقوله: (عِندَ فُرقَةٍ) أي: عند افتراق. * * * [٣٩] وقوله: (فَإِنَّ الحَربَ خَدْعَةٌ) (٤) بفتح الخاء، ومعناه: ينقضي أمرها بخدعة واحدة (٥)، وأما (الخُدعة): بضم الخاء وسكون الدال: فما يخدع به، وأما (الخُدَعة): بضم الخاء وفتح الدال؛ فالخَدَّاعُ الذي يخدع الناس كثيرا (٦)، وقيل: خُدَعة أي: يخدع، وقال أبو عبيد: سمعت الكسائي يقول: الحرب خُدَعة (٧) بفتح الدال.
следующие страницы →