← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1014–1053 · переход к 1019.

стр. 1014

وَقِيلَ لِدَابَّةِ [البَرِيدِ] (١): بَرِيدٌ لِسَيْرِهَا فِي البَرِيدِ. وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: (دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ) أَيْ: دُوَيْنَ سِكَّةِ الرُّوَيْثَةِ. قِيلَ: إِنَّ الطُّرُقَ الَّتِي يَسْلُكُهَا البَرِيدُ تُسَمَّى: سِكَكَ البَرِيدِ، وَكُلُّ طَرِيقٍ عَلَى حِدَةٍ يُسَمَّى بَرِيدًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَيُقَالُ: الحُمَّى بَرِيدُ الْمَوْتِ، أَيْ: رَسُولُ الْمَوْتِ، وَفِي الحَدِيثِ: (لَا أَحْبِسُ البُرُدَ) (٢) أَيْ: لَا أَحْبِسُ الرُّسُلَ الوَارِدِينَ عَلَيَّ مِنَ الْمُلُوكِ وَالأَطْرَافِ. وَرُوِيَ: (إِذَا أَبْرَدْتُمْ إِلَيَّ بَرِيدًا) (٣) أَيْ: أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ رَسُولًا. وَقَوْلُهُ: (حَتَّى يُفْضِي): الإِفْضَاءُ: الوُصُولُ. وَ (العَرْجُ) (٤): مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ العَرْجِيُّ الشَّاعِرُ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ الأَمَوِيُّ.

стр. 1015

[وَالتَّلْعَةُ] (١): مَسِيلُ الْمَاءِ مِنْ فَوْقِ إِلَى أَسْفَلَ. وَ (الهَضَبَةُ): فَوْقَ الكَثِيبِ وَدُونَ الجَبَلِ. وَ (الرَّضْمُ): حِجَارَةٌ مَرْصُوصَةٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، الوَاحِدَةُ: رَضْمَةٌ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٢): الرِّضَامُ الصُّخُورُ، وَاحِدَتُهَا: رَضْمَةٌ، وَرَضَمَ فُلَانٌ بَيْتَهُ بِالحِجَارَةِ، وَالرَّضِيمُ: البِنَاءُ بِالصَّخْرِ. وَ (السَّلِمَاتُ): جَمْعُ السَّلَمَةِ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهِيَ شَجَرَةٌ يُدْبَغُ بِوَرَقِهَا الْأَدِيمُ، وَيُقَالُ لِذَلِكَ الوَرَقِ: القَرَظ. وَأَمَّا السَّلِمَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ فَالصَّخْرَةُ. وَ (هَرْشَى) ثَنِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ (٣). وَ (كُرَاعُهَا): مَا يَمْتَدُّ مِنْهَا دُونَ سَفْحِهَا. وَ (السَّفْحُ): وَجْهُ الجَبَلِ. (قَرِيبٌ مِنْ غَلْوَةٍ) الغَلْوَةُ قَدْرُ رَمْيَةٍ بِسَهْمٍ. وَقَالَ ابن دُرَيدٍ (٤): الغَلْوَةُ أَنْ يَرْمِيَ بِسَهُم حَيْثُ مَا بَلَغَ وَهُوَ مِنَ الغُلُوِّ، وَالغُلُوُّ: الارْتِفَاعُ فِي الشَّيْء، وَمُجَاوَزَةُ الحَدِّ فِيهِ، وَالجَمْعُ: غِلَاءٌ.

стр. 1016

وَ (الْأَكَمَةُ): التَّلُّ، وَالجَمْعُ: أُكُمٌ وَآكَامٌ. وَ (قُرْضَةُ الجَبَلِ) مَدْخَلُ الطَّرِيقِ إِلَيْهِ، وَالْفُرْضَةُ: مَشْرَبُ الْمَاءِ مِنَ النَّهْرِ، وَقِيلَ: فُرْضَةُ النَّهْرِ: ثُلْمَتُهُ الَّتِي يُسْتَقَى مِنْهَا، وَالفَرْضُ: حَزٌّ فِي سِيَةِ القَوْسِ. وَقَوْلُهُ: (بِذِي طِوَى): بِكَسْرِ الطَّاءِ، اسْمُ وَادٍ، وَيُقَالُ: بِضَمِّ الطَاءِ أَيْضًا (١). وَمِنْ بَابٍ: سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةٌ لَمَنْ خَلْفَهُ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ (٢). قَوْلُهُ: (نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): نَاهَزْتُ الشَّيْءَ، أَيْ: قَرُبْتُ مِنْهُ، وَقَدْ نَاهَزَ فُلَانٌ الحُلُمَ أَيْ: قَارَبَهُ، وَانْتَهَزَ الشَّيْءَ: سَارَعَ إِلَيْهِ وَقَبلَهُ، وَفُلَانٌ نُهْزَةُ الْمُخْتَلِسِ. وَقِيلَ: نَهَزَ الرَّجُلُ إِذَا مَدَّ عُنُقَهُ، وَنَاءَ بِصَدْرِهِ لِيَتَهَوَّعَ. وَفِي الحَدِيثِ: (فَكَانَ النَّاسُ نَهْزَ عَشْرَةِ آلَافٍ) (٤) أَيْ: قُرْبَهَا، وَيُقَالُ: نَهَزْتُ الشَيْءَ: تَنَاوَلْتَهُ، وَنَهَزْتُ إِلَيْهِ، أَيْ: نَهَضْتُ إِلَيْهِ. وَالسُّتْرَةُ عِنْدَ العُلَمَاءِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، مَلُومٌ تَارِكُهَا، وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ

стр. 1017

السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي الفَضَاءِ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ، وَابْنُ الْمَاجِشُونَ (١) سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى سُتْرَةٍ، لَابُدَّ مِنْهَا، وَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ (٢): إِذَا كَانَ فِي فَضَاءٍ يَأْمَنُ أَنْ يَمُرَّ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا بَأْسَ. وَفِي الحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الحِمَارَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ. وَفِيهِ إِجَازَةُ شَهَادَةِ مَنْ عَلِمَ الشَّيْءَ صَغِيرًا وَأَدَّاهُ كَبِيرًا. وَفِي حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ (٣): أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالحِمَارَ لَا يَقْطَعَانِ الصَّلَاةَ. وَمِنْ بَابِ: كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ قِيلَ: ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، لِحَدِيثِ بِلَالٍ فِي صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الكَعْبَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٥). وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ إِلَى العَنَزَةِ مَعْنَى حَمْلِ العَنَزَةِ وَالْمَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ الْتَزَمَ أَنْ لَا يَكُونَ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ، وَكَانَ إِذَا تَوَضَّأَ صَلَّى مَا أَمْكَنَهُ بِذَلِكَ الوُضُوءِ مُذْ أَخْبَرَهُ بِلَالٌ بِمَا

стр. 1018

أَوْجَبَ اللهُ لَهُ الجَنَّةَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأُ قَطُّ إِلَّا صَلَّى (١)، فَلِذَلِكَ كَانَ يَحْمِلُ الْمَاءَ وَالعَنْزَةَ إِلَى مَوْضِعِ التَّبَرُّزِ. وَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّهُ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ. وَفِيهِ خِدْمَةُ العَالِمِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٢): العَنَزَةُ مِثْلُ نِصْفِ الرُّمْحِ، أَوْ أَكْبَرُ شَيْئًا، وَفِيهَا سِنَانٌ مِثْلُ سنَانِ الرُّمْحِ، وَالعُكَّازَةُ نَحْوٌ مِنْهَا. وَفِي الحَدِيثِ: (فَطَعَنَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالعَنَزَةِ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) (٣). وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّ مَا يُجْزِئُ الْمُصَلِّيَ مِنَ السُّتْرَةِ: فَقَالَ مَالِكٌ (٤): ارْتِفَاعُ ذَلِكَ قَدْرَ عَظْمِ الذِّرَاعِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ (٥): قَدْرَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، وَيَكُونُ ارْتِفَاعُهَا ذِرَاعًا. وَلَا يُجِيزُ الخَطَّ فِي الْأَرْضِ فَيُصَلِّيَ إِلَيْهِ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدٍ قَوْلَيْهِ (٦)، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُقِيمُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَرَضَ العَصَا، وَصَلَّى إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ

стр. 1019

خَطًا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (١)، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بن أُمَيَّةَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بن مُحَمَّدِ بن حُرَيْثٍ عَنْ عَمِّهِ (٢). وَمِنْ بَابِ السُّتْرَةِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ (٣). الْمَعْنَى فِي السُّتْرَةِ لِلْمُصَلِّي دَرْءُ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَكُلُّ مَنْ صَلَّى فِي مَكَانٍ وَاسِعٍ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى سُتْرَةٍ بِمَكَّةَ كَانَ أَوْ غَيْرِهَا، وَمَكْرُوهٌ لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ. وَمِنْ بَابِ الصَّلَاةِ إِلَى الأَسْطُوَانَةِ * قَالَ عُمَرُ ﵁: (المُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِي مِنَ المُتَحَدِّثِينَ) (٤)، بَلْ لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَتِرُ بِالعَنَزَةِ وَالرُّمْحِ فِي الصَّحْرَاءِ كَانَتِ الأُسْطُوانَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الأُسْطُوَانَةُ أَمَامَهُ، وَلَا تَكُونَ إِلَى جَنْبِهِ لِئَلَّا يَتَخَلَّلَ

стр. 1020

الصُّفُوفَ شَيْءٌ وَلَا تَكُونَ لَهُ سُتْرَةٌ. وَمِنْ بَاب: الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ * حَدِيثُ بِلَالٍ ﵁ (١). إِنَّمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ بَيْنَ السَّوَارِي لِئَلَّا يُقْطَعَ الصَّفُّ بِأَسْطُوَانَةٍ، فَيَمُرَّ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ سُتْرَةً لِمَنْ خَلْفَهُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الاسْطُوَانَةُ خَلْفَ الصَّفِّ وَأَمَامَهُ لِيَسْتَتِرَ بِهَا الْمُصَلِّي فِي الجَمَاعَةِ. وَمِمَّنْ كَرِة (٢) الصَّلَاةَ بَيْنَ السَّوَارِي: أَنَسُ بنُ مَالِكٍ (٣)، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: "لَا تُصَلُّوا بَيْنَ الأَسَاطِينِ وَأَتِمُّوا الصُّفُوفَ" (٤). وَمِنْ بَابِ الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالبَعِيرِ * حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْرِضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) (٥). وَقَوْلُهُ: (كَانَ يَأْخُذُ الرَّحْلَ) أَيْ: يُنْزِلُهُ عَنِ النَّاقَةِ.

стр. 1021

وَقَوْلُهُ: (هَبَّتِ الرَّكَابُ)، أَيْ: زَالَتْ عَنْ مَوَاضِعِهَا، يُقَالُ: هَبَّتِ النَّاقَةُ فِي السَّيْرِ، أَيْ: تَحَرَّكَتْ. وَ (الرَّكَابُ): الإِبِلُ (١). وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ إِلَى السَّرِيرِ * قَوْلُهُ: (فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ) (٢) يُقَالُ لِكُلِّ مَا عَرَضَ: قَدْ سَنَحَ لَكَ، وَالسَّانحُ: مَا أَتَاكَ عَنْ يَمِينِكَ مِنْ طَائِرٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَانْسِلَالُ عَائِشَةَ ﵂ مِنْ لِحَافِهَا كَالْمُرُورِ فِيهِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ (٣). وَمِنْ بَابٍ: يَرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ [اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى] (٤) دَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى إِلَى [سُتْرَةٍ] (٥). وَالْمُقَاتَلَةُ هَا هُنَا: الْمُدَافَعَةُ فِي لُطْفٍ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ مَبْلَغًا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ. [وَالفَرْقُ بَيْنَ] (٦) مَا يَدْرَأُ فِيهِ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا لَا يَدْرَأُ فِي

стр. 1022

الْمَسَافَةِ، هُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَنَالُ الْمُصَلِّي فِيهِ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَدْفَعَهُ، لِأَنَّ الْمَشْيَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ أَجَزْنَا لَهُ الْمَشْيَ إِلَيْهِ بَاعًا أَوْ بَاعَيْنِ لَرَكِبْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) أَيْ: فَعَلَ فِعْلَ الشَّيْطَانِ (١)، فِي أَنَّهُ شَغَلَ قَلْبَ الْمُصَلِّي عَنْ مُنَاجَاةِ رَبِّهِ، وَالإِخْلَاصِ لَهُ كَمَا يَخْطُرُ الشَّيْطَانُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَيُذَكِّرُهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ لِيُشْغِلَهُ عَنْ مُنَاجَاةِ رَبِّهِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلرَّجُلِ إِذَا فَتَنَ فِي الدِّينِ شَيْطَانٌ. وَقَوْلُهُمْ: (فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا) أَيْ: طَرِيقًا يُمْكِنُهُ الْمُرُورُ فِيهَا، يُقَالُ: سَاغَ الشَّرَابُ فِي الحَلْقِ إِذَا دَخَلَ بِسُهُولَةٍ. وَمِنْ بَابِ: إِثْمِ الْمَارّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي جُهَيْمٍ (٢). وَقَالَ كَعْبُ الأَحْبَارِ (٣): (أَنْ يُخْسَفَ بِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ). وَفِي قَوْلِهُ: (لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا عَلَيْهِ) أَوْ: (لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيْ المُصَلِّي) (٤).

стр. 1023

فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الإِثْمَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِالنَّهْيِ وَارْتَكَبَهُ مُسْتَخِفًّا، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالنَّهْيِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَمِنْ بَابِ: اسْتِقبالِ الرَّجُلِ وَهُوَ يُصَلِّي * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (١). كَرِهَ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِوَجْهِهِ إِذَا صَلَّى. وَقَالَ مَالِكٌ (٢): لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى ظَهْرِ الرَّجُلِ. وَقَالَ قَتَادَةُ (٣): يَسْتُرُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ جَالِسًا. وَأَجَازَ الكُوفِيُّونَ (٤) الصَّلَاةَ خَلْفَ الْمُتَحَدِّثِينَ. وَقَالَ ابن سِيرِينَ (٥): لَا يَكُونُ الرَّجُلُ سُتْرَةً لِلْمُصَلِّي. وَإِنَّمَا كَرِهَ الصَّلَاةَ إِلَى الحِلَقِ لِمَا فِيهَا مِنَ الكَلَامِ، وَاللَّغَطِ، وَلِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَسْتَقْبِلُهُ. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّائِمِ (٦) كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ سُتْرَةً لِلْمُصَلِّي، وَوَجْهُ الكَرَاهَةِ أَنَّ

стр. 1024

الْمُصَلِّيَ خَلْفَ الْمَرْأَةِ، النَّاظِرَ إِلَيْهَا يُخْشَى عَلَيْهِ الفِتْنَةُ بِهَا، وَالاشْتِغَالُ عَنِ الصَّلَاةِ بِنَظَرِهِ إِلَيْهَا، لأَنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى مَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ حِفْظِ النَّظَرِ وَالخَاطِرِ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ * فيه [حَدِيثُ] (١) عَائِشَةَ ﵂ (٢). قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٥): لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الكَلْبَ الأَسْوَدَ وَالحَائِضِ يَقْطَعَانِ الصَّلَاةَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ، وَالحَسَنِ البَصْرِيِّ (٦)، وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قَالَ (٧): وَالحِمَارَ. وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ (٨). وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ

стр. 1025

كَانَ يُصَلِّي وَهِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُعْتَرِضَةٌ (١). وَمَا رُوِيَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: (مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، وَأَنَا [عَلَى] (٢) حِمَارٍ) (٣). رَوَاهُ صُهَيْبٌ عَنْهُ، وَذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ عَمَّا رَوَاهُ عَنْ عِكْرِمَةَ (٤)، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا بَعْدَ ثُبوتِ نَسْخِهِ عِنْدَهُ (٥)، وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (٦)، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (٧) كُلَّ مَارٍّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي شَيْطَانًا. وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ (٨) جَعَلَ الكَلْبَ الأَسْوَدَ خَاصَّةً شَيْطَانًا، وَكَانَتِ العِلَّةُ الَّتِي جَعَلَ لَهَا قَطَّعَ الصَّلَاةِ قَدْ جُعِلَتْ فِي بَنِي آدَمَ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُمْ

стр. 1026

لا يَقْطَعُونَ الصَّلَاةَ، فَدَلَّ أَنَّ كُلَّ مَارٍّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مِمَّا سِوَى بَنِي آدَمَ كَذَلِكَ أَيْضًا لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ (١). وَدَلَّ دَرْءُ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى ثُبُوتِ نَسْخِ القَطْعِ، وَأَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الكَرَاهَةِ. وَقَوْلُهَا: (فَأَنْسَلُّ) انْسَلَّ مُطَاوعُ سَلَّ، يُقَالُ: سَلَلْتُهُ أَيْ أَخْرَجْتُهُ فَانْسَلَّ، أَيْ: فَخَرَجَ، وَكَأَنَّهُ خُرُوجٌ مَعَ خُفْيَةٍ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ (٢): سُئِلَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ عَنِ الرَّجُلِ يَأْخُذُ وَلَدَهُ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي قِصَّةِ أُمَامَةَ. وَإِنَّمَا أَدْخَلَ البُخَارِيُّ هَذَا الحَدِيثَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ حَمْلَ الْمُصَلِّي الجَارِيَةَ عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَضُرُّ صَلَاتَهُ (٣). وَفِيهِ جَوَازُ العَمَلِ الخَفِيفِ فِي الصَّلَاةِ.

стр. 1027

وَمِنْ بَابِ: إِذَا صَلَّى إِلَى فِرَاشٍ فِيهِ حَائِضٌ * فِيهِ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ (كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ (١). أَيْ: حِذَاءَهُ وَتِلْقَاءَهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي لَا يَضُرُّ بِدَلِيلِ جَوَازِ القُعُودِ. وَفِيهِ أَنَّ الحَائِضِ لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ. وَقِيلَ: النَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْمُرُورِ، لَا عَنِ القُعُودِ. وَمِنْ بَابِ: المَرْأَةُ تَطْرَحُ عَنِ الْمُصَلِّي شَيْئًا مِنَ الْأَذَى قِيلَ (٢): إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا تَنَاوَلَتْ طَرْحَ مَا عَلَى ظَهْرِ الْمُصَلِّي مِنَ الْأَذَى فَإِنَّهَا لَا تَقْصِدُ إِلَى أَخْذِ ذَلِكَ مِنْ وَرَائِهِ [بَلْ] (٣) تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ مِنْ أَيِّ جِهَاتِ الْمُصَلِّي أَمْكَنَهَا تَنَاوُلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا أَشَدَّ مِنْ مُرُورِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَيْسَ بِدُونِهِ. وَفِيهِ الدُّعَاءُ عَلَى أَهْلِ الكُفْرِ إِذَا آذَوْا الْمُؤْمِنِينَ، وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ لَا يُرْجَى دُخُولُهُمْ فِي الإِسْلَامِ، فَلِذَلِكَ دَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالهَلَاكِ، فَأَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ فِيهِمْ، فَأَمَّا مَنْ رَجَا رُجُوعَهُ عَنِ الكُفْرِ فَإِنَّمَا دَعَا لَهُ بِالْهُدَى وَالتَّوْبَةِ. وَ (السَّلَا) (٤): جِلْدَةٌ يَكُونَ فِيهَا الوَلَدُ. وَقَوْلُهُ: (عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) أَيْ: خُذْهُم أَخْذًا يُهْلِكُهُمْ وَيُفْنِيهِمْ.

стр. 1028

كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفَضْلِهَا * حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ (١). قَوْلُهَا: (وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ)، قِيلَ: أَرَادَتْ الفَيْء فِي حُجْرَتِها قَبْلَ أَنْ تَعْلُو عَلَى البُيُوتِ، كَنَّتْ بِالشَّمْسِ عَلَى الفَيْء؛ لأَنَّ الفَيْءَ عَنِ الشَّمْسِ يَكُونُ، وَالعَرَبُ تُسَمِّي المَطَرَ سَمَاءً؛ لِأَنَّهُ مِنَ السَّمَاءِ يَنْزِلُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: (وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ) (٢)، وَالفَيْءُ أَبَدًا كَانَ مُلَازِمًا لأَثَرِ الشَّمْسِ، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ مِنَ الحُجْرَةِ فَالشَّمْسُ فِي قَاعَةِ الحُجْرَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: (وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا) (٣)، وَفِي رِوَايَةٍ: (لَمْ تَخْرُجْ بَيْنَ قَعْرِ حُجْرَتِهَا) (٤)، وَكُلُّ شَيْءٍ عَلَا فَقَدْ ظَهَرَ، قَالَ اللهُ : ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ (٥). وَالحُجْرَةُ يَوْمَئِذٍ كَانَتْ ضَيِّقَةً، وَالشَّمْسُ لَا تَكُونُ فِي قَاعَةِ الحُجْرَةِ الضَيِّقَةِ

стр. 1029

إِلَّا وَهِيَ مُرْتَفِعَةٌ قَائِمَةٌ مِنْ وَسَطِ السَّمَاءِ، وَالظِّلُ فِي الحِجَازِ أَقْصَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ. وَقَالَ الحَسَنُ: (كُنْتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا مُحْتَلِمٌ وَأَنَالُ سَقْفَهَا بِيَدِي) (١)، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ﵁، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قِصَرَ بُنْيَانِهِمْ، وَاقْتِصَادِهِمْ فِي البِنَاء. وَقَوْلُهُ: (أَخَّرُ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ الصَّلَاةَ) لَمْ يُؤَخِّرْهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا، وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا، فَأَنْكَرَ عُرْوَةُ عَلَيْهِ تَرْكَ الوَقْتِ الْأَفْضَلِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ جِبْرِيلُ ﵇ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ الْمُبَادَرَةُ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. وَفِي قَوْلِهِ: (يَوْمًا) مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ نَادِرًا مِنْ فِعْلِهِ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ كَانَتَ صَلَاةَ العَصْرِ. وَفِي الحَدِيثِ إِنْكَارُ العُلَمَاءِ عَلَى الأُمَرَاءِ مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ. وَفِيهِ جَوَازُ مُرَاجَعَةِ العَالِمِ لِطَلَبِ البَيَانِ. وَفِيهِ الرُّجُوعُ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى السُّنَّةِ. وَفِيهِ أَنَّ الحُجَّةَ فِي الحَدِيثِ المُسْنَدِ دُونَ المَقْطُوعِ، لِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ إِذْ لَمْ يُسْنِدُ لَهُ ذَلِكَ،

стр. 1030

وَقَالَ: (اعْلَمْ مَا تُحدِّثُ بِهِ)، فَلَمَّا قَالَ: (كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) قَنِعَ بِهِ. قِيلَ: كَانَتِ صَلَاةُ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ صَحَّ الاحْتِجَاجُ لِعُرْوَةَ. وَقِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ صَلَاةِ (١) الصُّبْحِ: (مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ) (٢)، كَانَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْلِيمِ لِلْأَعْرَابِيِّ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ فِي آخِرِ الوَقْتِ لِمَنْ نَسِيَ، أَوْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ. وَمِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣) * فِيهِ حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵁ (٤). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٥): قَرَنَ اللهُ نَفْيَ الإِشْرَاكِ بِهِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ؛ فَهِيَ أَعْظَمُ

стр. 1031

دَعَائِمِ الإِسْلَامِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ، وَأَقْرَبُ الوَسَائِلِ إِلَى اللهِ تَعَالَى. وَنَهْيُهُ ﷺ عَنِ الْأَشْرِبَةِ وَالظُّرُوفِ كَانَ يُعَلِّمُ كُلَّ قَوْمٍ مَا بِهِمُ الحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَكَانَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ يُكْثِرُونَ الانْتِبَاذَ فِي هَذِهِ الأَوْعِيَةِ، فَعَرَّفَهُمْ مَا بِهِمُ الحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَمَا يُخْشَى عَلَيْهِمْ مُوَاقَعَتُهُ (١). وَمِنْ بَابِ: البَيْعَةِ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ جَرِيرٍ (٢). وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ إِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ دَعَامَةُ الإِسْلَامِ، وَذِكْرُ النُّصْحِ بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْمَ جَرِيرٍ كَانُوا أَهْلَ غَدْرٍ، عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي تَرْكِ النُّصْحِ مَا يَخَافُ عَلَى قَوْمِ جَرِيرٍ. وَمِنْ بَابٍ: تَكْفِيرِ الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ ﵁ (٣). قَوْلُهُ: (فِتْنَةُ الرَّجُل فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ) يُصَدِّقُهُ قَوْلُهُ : ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٤)، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ أَجْلِهِمْ مَا لَا يَحِلُ لَهُ مِنَ القَوْلِ وَالعَمَلِ، مَا لَمْ يَبْلُغْ كَبِيرَةً، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: (الجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا

стр. 1032

بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ) (١). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٢): إِنَّمَا عَلِمَ عُمَرُ ﵁ أَنَّهُ البَابُ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عَلَى أُحُدٍ (٣) هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ: (أُثبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ) (٤)، وَفَهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ حُذَيْفَةَ ﵁ حِينَ قَالَ: (بَلْ يُكْسَرُ البَابُ). وَقَوْلُهُ: (إِذًا لَا يُغْلَقُ) لأَنَّ الغَلْقَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الصَّحِيحِ (٥). وَكَذَلِكَ الخَرْقُ بِقَتْلِ عُثْمَانَ خَرْقٌ لَا يَنْجَبِرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهِيَ الدَّعْوَةُ الَّتِي لَمْ يُجَبْ فِيهَا ﷺ فِي أُمَّتِهِ (٦). وَ (الأَغَالِيطُ): جَمْعُ أُغْلُوطٍ، وَهِيَ الَّتِي يُغْلَطُ فِيهَا. وَحَدِيثُ ابن مَسْعُودٍ ﵁ فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الصَّغَائِرَ وَعَدَ اللهُ مَغْفِرَتَهَا لِمُجْتَنِبِ الكَبَائِرِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ التَّوْبَةِ، وَالنَّدَمِ، وَالإِقْلَاعِ، وَاعْتِقَادِ أَنْ لَا يَعُودَ.

стр. 1033

وَمِنْ بَابِ: فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (١). وَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ كُلِّ عَمَلٍ. وَدَلِيلُ أَنَّ أَعْمَالَ البِرِّ يَفْضُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا عِنْدَ اللهِ . وَفِيهِ فَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ. * وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: (أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا؟) (٢) يَعْنِي: تَأْخِيرَهَا عَن الوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، لَا أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهَا عَنْ وَقْتِهَا. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (٣) بَيَانُ أَنَّ الصَّغَائِرَ تُكَفِّرُهَا الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَشَبَّهَ الصَغَائِرَ بِالدَّرَنِ. وَمِنْ بَابِ: المُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٤). وَفِيهِ فَضْلُ الصَّلَاةِ عَلَى سَائِرِ الأَعْمَالِ، لأَنَّ مُنَاجَاةَ اللهِ لَا تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ إِلَّا فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً، فَيَنْبَغِي لَهُ إِحْضَارُ النِّيَّةِ فِيهَا، وَلُزُومُ الخُشُوعِ. قَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ: إِذَا قُمْتَ فِي الصَّلَاةِ فَاعْلَمْ أَنَّ الله تَعَالَى مُقْبِلٌ عَلَيْكَ،

стр. 1034

فَأَقْبِلْ عَلَى مَنْ هُوَ مُقْبِلٌ عَلَيْكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْكَ، نَاظِرٌ إِلَيْكَ، فَإِذَا رَكَعْتَ فَلَا تَأْمَلْ أَنَّكَ تَرْفَعُ، وَإِذَا رَفَعْتَ فَلَا تَأْمَلْ أَنَّكَ تَضَعُ، وَمَثِّلِ الجَنَّةَ عَنْ يَمِينِكَ. وَالنَّارَ عَنْ شِمَالِكَ، وَالصِّرَاطَ تَحْتَ قَدَمَيْكَ، فَإِذَا فَعَلْتَ كُنْتَ مُصَلِّيًا. وَمِنْ بَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (١)، وَأَبِي ذَرٍّ (٢) ﵄. اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): يُبَرَّدُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ يُنْتَابُ مِنْ بُعْدٍ. وَقَوْلُهُ: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ) يَعْنِي كُلَّ شَيْءٍ بَارِزٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ نَبَاتٍ، أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٤): إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ يَكُونُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مُمْتَدًّا إِلَى جِهَةِ المَغْرِبِ، وَلَا يَزَالُ الظِّلُّ يَقْصُرُ حَتَّى تَقِفَ الشَّمْسُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ، فَإِذَا وَقَفَتْ قَصُرَ [ظِلُّ] (٥) كُلِّ شَيْءٍ جِدًّا، وَخَاصَّةً فِي الحِجَازِ فِي زَمَنِ القَيْظِ؛ فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَفَاءَ الفَيْءُ، امْتَدَّ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى

стр. 1035

جِهَةِ المَشْرِقِ، وَبَدَا لِلتُّلُولِ فَيْءٌ، وَلَا يَبْدُو لَهَا فِي الحِجَازِ فَيْءٌ إِلَّا بَعْدَ تَمَكُّنِ الوَقْتِ. قَالَ الخَطَّابِيُّ (١): الإِبْرَادُ: انْكِسَارُ شِدَّةِ حَرِّ الظَّهِيرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ فُتُورَ حَرِّهَا بِالإِضَافَةِ إِلَى وَهَجِ الهَاجِرَةِ بَرْدٌ، وَفَيْحُ جَهَنَّمَ: اسْتِعَارُهَا. وَقَالَ صَاحِبُ العَيْنِ (٢): الفَيْحُ: سُطُوعُ الحَرِّ. وَمِنْ بَابِ: وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ فيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ (٣)، وَأَبِي بَرْزَةَ (٤). وَقْتُ الظُّهْرِ: زَوَالُ الشَّمْسِ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ تَعْجِيلًا لِلظُّهْرِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ) (٥). قَالَ إِبْرَاهِيمُ (٦): كُنَّا نُصَلِّي الظُّهْرَ مَعَ عَلْقَمَةَ أَحْيَانًا نَجِدُ ظِلَالًا نَجْلِسُ فِيهِ،

стр. 1036

وَأَحْيَانًا لَا نَجِدُ ظِلًّا نَجْلِسُ فِيهِ. قِيلَ (١): إِنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي الحَرِّ، فَثَبَتَ نَسْخُ تَعْجِيلِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، وَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ الإِبْرَادِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: حُكْمُ الظُّهْرِ أَنْ يُعَجَّلَ فِي سَائِرِ الزَّمَانِ لِمَنْ أَرَادَ الأَخْذَ بِالأَفْضَلِ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَجِّلُهَا فِي أَكْثَرِ أَمْرِهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالإِبْرَادِ رُخْصَةً لَهُمْ لِشِدَّةِ الحَرِّ عِنْدَهُمْ رِفْقًا بِهِمْ. قَالَ مَسْرُوقٌ: (صَلَّيْتُ خَلْفَ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ ﵁ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: هَذَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَقْتُ هَذِهِ الصَّلَاةِ) (٢)، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: (وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا فِي شِدَّةِ الحَرِّ) (٣). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٤): إِنَّمَا خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بَعْدَ الصَّلَاةِ،

стр. 1037

وَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَقَالَ: (سَلُونِي)، لأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَنَالُونَ مِنْهُ وَيُعْجِزُونَهُ مِنْ بَعْضٍ مَا يَسْأَلُونَ عَنْهُ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: (لَا تَسْأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ). وَأَمَّا بُكَاءُ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ خَافُوا نُزُولَ العَذَابِ الْمَعْهُودِ فِي الأُمَمِ الخَالِيَةِ عِندَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وَكَذَلِكَ بَرَكَ عُمَرُ ﵁، وَقَالَ: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا) حِينَ قَالَ ﷺ : (أَبُوكَ حُذَافَةُ). وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ كَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَتَكَلُّفِ المَرْءِ مَا لَا يَعْنِيهِ. وَفِي الحَدِيثِ جَوَازُ السُّجُودِ عَلَى الثِّيَابِ. وَ (عُرْضُ الشَّيْءٍ): جَانِبُهُ، يُقَالُ نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَنْ عُرْضٍ. قَالَ الخَلِيلُ (١): عُرْضُ النَّهْرِ وَالبَحْرِ: وَسَطَهُمَا. وَ (الظَّهَائِرُ): جَمْعُ ظَهِيرَةٍ، وَالظَّهِيرَةُ: شِدَّةُ الحَرِّ. وَقَوْلُهُ: (رَجَعَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ)، أَيْ: يَرْجِعُ، وَقَوْلُهُ: حَيَاةُ الشَّمْسِ: بَقَاءُ حَرِّهَا وَبَقَاءُ لَوْنِهَا. وَمِنْ بَابٍ: تَأْخِيرِ الظُّهْرِ * فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁: (صَلَّى بِالمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ)، فَقَالَ أَيُّوبُ: لَعَلَّهُ فِي لَيْلَةِ مَطَرِ؟ قَالَ: عَسَى) (٢).

стр. 1038

قَوْلُهُ: (سَبْعًا) يُرِيدُ الْمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، وَ (ثَمَانِيًا) يُرِيدُ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ. وَتَأَوَّلَ مَالِكٌ الحَدِيثَ (١) كَمَا تَأَوَّلَهُ أَيُّوبُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٢). وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ بِاشْتِرَاكِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ خِلَافَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: بَيْنَ آخِرِ [الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ] (٣) العَصْرِ فَاصِلَةٌ لَا تَصْلُحُ لِلظُّهْرِ وَلَا لِلْعَصْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٤)، وَخِلَافَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا يَدْخُلُ وَقْتُ العَصْرِ حَتَّى بَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (٥). وَأَمَّا جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ لِعُذْرِ الْمَطَرِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٦): يُجْمَعُ إِذَا كَانَ الْمَطَرُ دَائِمًا، وَلَا يُجْمَعُ فِي غَيْرِ حَالِ الْمَطَرِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٧): يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي الطِّينِ وَالظُّلْمَةِ، وَكَانَ عُمَرُ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ يَرَى الجَمْعَ فِي الرِّيحِ وَالظُّلْمَةِ (٨).

стр. 1039

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ صِفَةُ الجَمْعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا فَصَلَّاهَا، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَصَنَعَ فِي الْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ كَذَلِكَ، وَهَذَا يُسَمَّى جَمْعًا (١). قَالَ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ: قُلْتُ لِجَابِرٍ (أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ العَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ العِشَاءَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّهُ) (٢)، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ البُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ: قِيلَ لابنِ عَبَّاسٍ ﵁: (مَا أَرَادَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ) (٣). وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ فَقَالَ (٤): (أَلَيْسَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: لِئَلَّا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٥): وَهَذَا الحَدِيثُ رُخْصَةٌ لِلْمَرِيضِ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ.

стр. 1040

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): لَا يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ. وَمِنْ بَابٍ: وَقْتِ العَصْرِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٢)، وَحَدِيثُ أَنَسٍ (٣)، وَأَبِي أُمَامَةَ (٤). هَذَا البَابُ يَدُلُّ عَلَى تَعْجِيلِ العَصْرِ، وَأَنَّهُ السُّنَّةُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): أَوَّلُهُ إِذَا جَاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بِشَيْءٍ مَا حَتَّى يَنْفَصِلَ مِنْ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٦)، وَالثَّوْرِيُّ (٧)، وَأَحْمَدُ (٨): أَوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ إِذَا صَارَ [ظِلُّ] (٩) كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ. وَذَهَبَ [أَهْلُ] (١٠) العِرَاقِ إِلَى أَنَّ تَأْخِيرَ العَصْرِ أَفْضَلُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُهَا حَتَّى تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَرَوَوْا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ

стр. 1041

يُؤَخِّرُهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ عَلَى الحِيطَانِ (١). وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ التَّعْجِيلَ أَفْضَلُ بِأَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ (أَنْ صَلُّوا العَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنَ أَوْ ثَلَاثَةَ) (٢). وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ يَدُلُّ عَلَى تَعْجِيلِ العَصْرِ، لِأَنَّ الشَّمْسَ لَا تَكُونُ فِي الحُجْرَةِ إِلَّا فِي أَوَّلِ وَقْتِ العَصْرِ. وَفِي قَوْلِهِ: (فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى العَوَالِي وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) دَلِيلٌ أَنَّ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ وَقتِهَا. وَقَوْلُ أَنَسٍ: (ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ) الصَّحِيحُ (إِلَى العَوَالِي)، كَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ كُلُّهُمْ غَيْرَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ، فَإِنَّهُ تَفَرَّدَ بِذِكْرِ قُبَاءٍ (٣).

стр. 1042

قَالَ البَزَّارُ: وَهُوَ مِمَا يُعَدُّ عَلَى مَالِكٍ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ. قِيلَ: وَالعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ (١)، فَلَا يَأْتِيهَا أَحَدٌ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَجِدَ الشَّمْسَ مُرْتَفِعَةً حَيَّةً إِلَّا عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ. قِيلَ: وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الصَّيْفِ. وَقَوْلُهُ: (حِينَ تُدْحَضُّ الشَّمْسُ) أَيْ: حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَأَصْلُ الدَّحْضِ: الزَّلْقُ، يُقَالُ: دَحَضَ دَحْضًا إِذَا زَلِقَ. وَ (التَّهْجِيرُ) وَالهَاجِرَةُ: وَقْتُ شِدَّةِ الحَرِّ. وَمِنْ بَاب: إِثمِ مَنْ فَاتَتْهُ العَصْرُ قَالَ: إِنَّمَا ذُكِرَتْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا خُصُوصًا وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي قَوْلِهِ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (٢) لِمَا رُوِيَ: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ

стр. 1043

بِالنَّهَارِ، فَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصْرِ) (١). وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (كُنَّا نَرَاهَا الفَجْرَ حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَقُولُ: شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الوُسْطَى صَلَاةِ العَصْرِ مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَأَجْوَافَهُمْ نَارًا) (٢). وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَابنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ ﵃ أَنَّهُمْ قَالُوا هِيَ صَلَاةُ الفَجْرِ (٣)، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٤)، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥) فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ مِنَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ فِيهَا قُنُوتٌ غَيْرَ الصُّبْحِ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهَا هِيَ دُونَ غَيْرِهَا. قِيلَ: وَلِأَنَّهَا مُنْفَرِدَةٌ بِوَقْتِهَا، وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ قَدْ يُجْمَعَانِ بِعَرَفَةَ، وَفِي السَّفَرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ يُجْمَعَانِ بِالْمُزْدَلِفَةَ وَفِي السَّفَرِ كَذَلِكَ، وَصَلَاةُ الفَجْرِ لَا تُجْمَعُ إِلَى صَلَاةٍ، وَلَا تُضَمُّ إِلَيْهَا صَلَاةٌ، فَهِيَ الوُسْطَى بَيْنَ الصَّلَوَاتِ. وَقَوْلُهُ: (وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ) قَالَ البُخَارِيُّ: وَتَرْتَ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلًا، أَوْ

стр. 1044

أَخَذْتَ مَالَهُ. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): وَتَرْتَهُ، أَيْ: نَقَصْتَهُ، وَمَعْنَاهُ: كَأَنَّمَا نُقِصَ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. وَقَوْلُهُ : ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢) أَيْ: لَنْ يُنْقِصَكُمْ شَيْئًا مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ. قَالَ أَهْلُ العَرَبِيَّةِ (٣): الوَتْرُ أَصْلُهُ الجِنَايَةُ الَّتِي يَجْنِيهَا الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ؛ مِنْ قَتْلِهِ حَمِيمَهُ، أَوْ أَخْذِ مَالِهِ، فَشُبِّهَ مَا يَلْحَقُ هَذَا الَّذِي يَفُوتُهُ العَصْرُ بمَا يَلْحَقُ المَوْتُورَ مِنْ قَتْلِ حَمِيمِهِ، أَوْ أَخْذِ [مَالِهِ] (٤). وَمِنْ بَابِ: فَضلِ صَلَاةِ العَصْرِ * فِيهِ حَدِيثُ جَرِيرٍ ﵁: (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا)، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٥)، قَالَ إِسْمَاعِيلُ - هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ - رَاوِي هَذَا الخَبَرِ: افْعَلُوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ. قَوْلُهُ: (لَا تُضَامُّونَ) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، عَلَى تَقْدِيرِ تُفَاعِلُونَ، وَهُوَ مِنَ

стр. 1045

الانْضِمَامِ، يُرِيدُ أَنَّكُمْ لَا تَخْتَلِفُونَ [إِلَى بَعْضٍ] (١) فِيهِ حَتَّى تَجْتَمِعُوا لِلنَّظَرِ، وَيَنْضَمَّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَقُولُ وَاحِدٌ: هُوَ ذَاكَ، وَيَقُولُ الآخَرُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَى الهِلَالِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ. قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ (٢). وَرُوِيَ: (لَا تُضَامُونَ) بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وَمَعْنَاهُ: لَا يَضِيمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِأَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ، أَوْ [يَسْتَأْثِرَ] (٣) بِهِ دُونَهُ. قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِي (٤): أَيْ: لَا يَقَعُ لَكُمْ فِي الرُّؤْيَةِ ضَيْمٌ، وَهُوَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ، وَهُوَ مِنَ الفِعْلِ (يَفْعَلُونَ)، وَأَصْلُهُ يَضِيمُونَ، فَأُلْقِيَتْ فَتْحَةُ اليَاءِ عَلَى الضَّادِ، فَصَارَتِ اليَاءُ أَلِفًا لانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا. قَالَ صَاحِبُ المُجْمَلِ (٥): الضَّيْمُ مَعْرُوفٌ، وَالرَّجُلُ الْمَضِيمُ: المَظْلُومُ. وَقَوْلُهُ (يَتَعَاقَبُونَ) قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ (٦) أَيْ: لِلْإِنْسَانِ مَلَائِكَةٌ يَعْقُبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَالمُعَقِّبُ الَّذِي يَكِرُّ عَلَى الشَّيْءِ. قَالَ الفَرَّاءُ (٧): مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ تَعْقُبُ مَلَائِكَةَ النَّهَارِ.

стр. 1046

وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: (أَنَّهُ كَانَ يَعْقُبُ الجُيُوشَ فِي كُلِّ عَامٍ) (١)، أَيْ: يَرُدُّ قَوْمًا وَيَبْعَثُ آخَرِينَ يُعَاقِبُونَهُمْ، أَيْ: يَذْهَبُونَ مَكَانَهُمْ. وَقَوْلُهُ: (يَتَعَاقَبُونَ)، أَيْ: يَذْهَبُونَ وَيَرْجِعُونَ، وَقِيلَ: يَذْهَبُونَ وَيَعُودُونَ، وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَقَدْ عَقِبَ وَأَعْقَبَ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢)، وَابْنِ عُمَرَ (٣) ﵄. مَعْنَى قَوْلِهِ: (أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصِرِ)، أَيْ: رَكْعَةً، وَالصَّلَاةُ قَدْ تُسَمَّى سُجُودًا، كَمَا سُمَّيتْ رُكُوعًا كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ (٤)، وَقَوْلِهِ: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٥) يُرِيدُ الْمُصَلِّينَ. وَالرَّكْعَةُ إِنَّمَا يَكُونُ تَمَامُهَا بِسُجُودِهَا، فَسُمِّيَتْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى سَجْدَةً، قَالَهُ الخَطَّابِيُّ (٦). وَقَالَ (٧): فِيهِ بَيَانُ أَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ عَلَى مَنْ قَدْ صَلَّى مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً لَا

стр. 1047

يَقْطَعُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ كَمَا قَالَ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ غُرُوبَهَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ، وَبَيْنَ طُلُوعِهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ الصَّلَاةَ، وَالقِيَاسُ إِذَا نَازَعَ النَّصَ كَانَ سَاقِطًا. وَقَالَ (١) فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: يُرْوَى هَذَا الحَدِيثُ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي تَوْقِيتِ العَمَلِ مِنَ النَّهَارِ وَتَقْدِيرِ الأُجْرَةِ، وَدَلَّ فَحْوَى الكَلَامِ مِنْ هَذِهِ القِصَّةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّ مَبْلَغَ الأُجْرَةِ لِلْيَهُودِ لِعَمَلِ النَّهَارِ كُلِّهِ قِيرَاطَانِ، فَلَوْ تَمَّمُوا العَمَلَ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ اسْتَحَقُّوا تَمَامَ الأُجْرَةِ، وَأَخَذُوا قِيرَاطَيْنِ، إِلَّا أَنَّهُمْ انْخَزَلُوا (٢) عَنِ العَمَلِ، وَلَمْ يُوفُوا بِمَا ضَمِنُوا، فَلَمْ يُصِيبُوا إِلَّا مَا خَصَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ مِنَ الأُجْرَةِ وَهُوَ قِيرَاطٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا المُسْلِمِينَ وَقَدِ اسْتَوْفُوا قَدْرَ أُجْرَةِ الفَرِيقَينِ مَعًا حَسَدُوهُمْ، وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ أَجْرًا، فَقِيلَ لَهُمْ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ صُورَةُ الأَمْرِ عَلَى هَذَا لَمْ يَصِحَّ هَذَا الكَلَامُ. وَمِنْ بَابِ: وَقْتِ الْمَغْرِبِ * وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ (٣). * وَفِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ (٤)، وَرَافِعِ بن خَدِيجٍ (٥)،

стр. 1048

وَابنِ عَبَّاسٍ (١) ﵃. قَوْلُهُ: (كَانُوا أَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ) [الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي عَنْ جَابِرٍ، وَمَعْنَاهُمَا مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّ أَيًّا مِنْهُمَا] (٢) كَانَ يَدْخُلُ فِيهِ الآخَرُ، إِنْ أَرَادَ النَّبِيَّ ﷺ فَالصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ كَانُوا مَعَهُ، وَإِنْ أَرَادَ الصَّحَابَةَ فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ مَعَهُمْ فِي المَعْنَى. كَانَ شَأْنُهُ التَّعْجِيلَ فِيهَا أَبَدًا، لَا كَمَا يَصْنَعُ فِي العِشَاءِ مِنْ تَعْجِيلِهَا إِذَا اجْتَمَعُوا، وَتَأْخِيرِهَا إِذَا أَبْطَؤُوا. وَقَوْلُهُ ﷺ : (سَبْعًا جَمِيعًا وَثَمَانِيًا جَمِيعًا) يُرِيدُ بِهِ الجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرَ وَالعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءِ فِي الحَضَرِ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ العِشَاءُ وَبَابِ: مَنْ رَأَى وَاسِعًا أَنْ يُقَالَ: العَتَمَةُ قِيلَ (٣): كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ العِشَاءُ وَاللهُ أَعْلَمُ، لأَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ، لَا تُتْرَكُ لِرَأْي أَحَدٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٤)، فَيَنْبَغِي أَنْ تُفْرَدَ كُلُّ صَلَاةٍ بِاسْمِهَا لِيَكُونَ أَبْعَدَ لَهَا مِنَ الإِشْكَالِ، إِلَّا العَتَمَةَ فَإِنَّهَا صَحَّ لَهَا فِي الآثَارِ اسْمَانِ: العَتَمَةُ وَالعِشَاءُ.

стр. 1049

وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁: (كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ فَأَعْتَمَ بِهَا) (١). وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالفَجِرِ) (٢)، قَالَ البُخَارِيُّ: وَالاخْتِيارُ أَنْ يَقُولَ العِشَاءَ، لِقَوْلِهِ : ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (٣). وَكَرِهَ ابن عُمَرَ ﵁ أَنْ يُقَالَ لَهَا العَتَمَةُ (٤). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٥): يُقَالُ لِكُلِّ مُبْطِئٍ بِأَمْرٍ قَدْ أَعْتَمَ وَعَتَّمَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٦): يُقَالُ: عَتَّمَ عَنِ الأَمْرِ إِذَا كَفَّ، وَغَرَسْتُ الوَادِي فَمَا عَتَّمَ مِنْهَا شَيْءٌ، أَيْ: مَا أَبْطَأَ، وَالعَتُومُ النَّاقَةُ لَا تَدُرُّ إِلَّا عَتَمَةً، وَعَتَّمَ اللَّيْلُ: إِذَا مَضَى مِنْهُ صَدْرٌ. قَالَ الخَلِيلُ (٧): العَتَمَةُ: [الثُّلُثُ الأَوَّلُ] (٨) مِنَ اللَّيْلِ، بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ،

стр. 1050

وَأَعْتَمَ القَوْمُ: إِذَا صَارُوا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ. وَفِي الحَدِيثِ: (إِنَّمَا تُعْتَمُ بِحِلَابِ الإِبِلِ) (١). قَالَ الأَزْهَرِيُّ (٢): أَرْبَابُ النَّعَمِ فِي البَادِيَةِ يُرِيحُونَ الإِبِلَ ثُمَّ يُنِيخُونَهَا فِي مُرَاحِهَا حَتَّى يُعْتِمُوا، أَيْ: يَدْخُلُوا فِي عَتَمَةِ اللَّيلِ، وَهِيَ ظُلْمَتُهُ. وَسُمِّيتْ صَلَاةُ العِشَاءِ الآخَرَةِ عَتَمَةً بِاسْمِ عَتَمَةِ اللَّيْلِ، وَكَأَنَّ مَعْنَى الحَدِيثِ: (لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ العِشَاءِ) (٣)، أَيْ: لَا يَغُرَّنَّكُمْ فِعْلُهُمْ هَذَا عَنْ صَلَاتِكُمْ فَتُؤَخِّرُوهَا، وَلَكِنْ صَلُّوهَا إِذَا حَانَ وَقْتُهَا. وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يُعْتَمُ بِحِلَابِ الإِبِلِ)، أَيْ: يُؤَخَّرُ، وَيُبْطَأُ بِهِ. يُقَالُ: قِرًى عَاتِمٌ، أَيْ: بَطِيءٌ، وَعَتَمَتِ الحَاجَةُ وَأُعْتِمَتْ: إِذَا تَأَخَّرَتْ، وَأَعْتَمَ الرَّجُلُ قِرَاهُ: إِذَا أَخَّرَهُ. قَالَ ابن الأَنْبَارِي (٤): سُمِّيَتْ صَلَاةُ العِشَاءِ عَتَمَةً لِتَأْخُّرِ وَقْتِهَا. وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ ﵁: (أَنَّهُ غَرَسَ كَذَا وَكَذَا وَدْيَةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاوِلُهُ، فَمَا عَتَمَ مِنْهَا وَدْيَةٌ) (٥):

стр. 1051

مَا أَبْطَأَتْ حَتَّى عَلَقَتْ (١). وَمِنْ بَابِ: وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا * حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁: (وَالعِشَاءُ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عُجِّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أُخِّرَ) (٢). تَعْجِيلُهُ بِهَا كَانَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، لِأَنَّ وَقْتَ العِشَاءِ الآخِرَةِ: مَغِيبُ الشَّفَقِ. وَالشَّفَقُ: الحُمْرَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٣). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): الشَّفَقُ: البَيَاضُ الَّذِي بَعْدَ الحُمْرَةِ، فَإِذَا غَابَ لَكَ البَيَاضُ وَجَبَتِ العِشَاءُ الآخِرَةُ. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: (عَجَّلِ العِشَاءَ قَبْلَ أَنْ يَكْسَلَ العَامِلُ وَيَنَامَ الْمَرِيضُ) (٥). وَأَمَّا مَا رُوِيَ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْتَحبُّ تَأْخِيرَ العِشَاءِ) (٦) فَإِنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ مَا يَشُقُّ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُعَجِّلُهَا إِذَا اجْتَمَعُوا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَطُولَ انْتِظَارُهُم لَهَا،

стр. 1052

وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا. وَمِنْ بَابِ: فَضْلِ صَلَاةِ العِشَاءِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (١)، وَأَبِي مُوسَى ﵁ (٢). فِيهِ إِبَاحَةُ تَأْخِيرِ العِشَاءِ إِذَا عُلِمَ أَنَّ بِالقَوْمِ قُوَّةً عَلَى انْتِظَارِهَا لِيَحْصُلَ لَهُمْ فَضْلُ الانْتِظَارِ، لأَنَّ المُنْتَظِرَ لِلصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ. وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ العِشَاءَ حَتَّى ذَهَبَ هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ، قِيلَ (٣): إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ الشُّغْلِ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْهَا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عَادَةً. وَقَوْلُهُ: (ابْهَارَّ اللَّيْلُ) أَيْ: انْتَصَفَ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): البُهْرَةُ: الوَسَطُ، وَيُقَالُ: ابْهَارَّ اللَّيلُ: ذَهَبَ عَامَّتُهُ وَهُوَ نَحْوٌ مِنْ ثُلُتِهِ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ (٥): قَدْ يَبْهَارُّ اللَّيْلُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِفَ، وَابْهِيرَارُهُ: طُلُوعُ نُجُومِهِ، لأَنَّ اللَّيْلَ إِذَا أَقْبَلَ أَقْبَلَتْ نُجُومُهُ، فَإِذَا اشْتَبَكَتْ تِلْكَ النُّجُومُ ذَهَبَتِ الفَحْمَةُ.

стр. 1053

وَالبَاهِرُ: الْمُمْتَلِئُ نُورًا، قَالَ الأَعْشَى (١): [مِنَ السَّرِيعِ]. حَكَّمْتُمُوهُ فَقَضَى بَيْنَكُمْ … أَبْلَجَ مِثْلَ القَمَرِ البَاهِرِ وَمِنْ بَابِ: مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ (٢). قِيلَ (٣): إِنَّمَا كُرِهَ النَّوْمُ قَبْلَ العِشَاءِ لِئَلَّا يَسْتَغرِقَ فِي النَّوْمِ فَيَفُوتَهُ وَقْتُهَا الْمُسْتَحَبُّ، وَرُبَّمَا فَاتَهُ وَقْتُهَا كُلُّهُ، فَمُنِعَ ذَلِكَ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ. وَقَالَ أَنَسٌ (٤): (كُنَّا نَجْتَنِبُ الفُرْشَ قَبْلَ صَلَاةِ العِشَاءِ). وَكَتَبَ عُمَرُ ﵁: (أَنْ لَا يُنَامَ قَبلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ) (٥). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكَادُ يَسُبُّ الَّذِي يَنَامُ قَبْلَ العِشَاءِ (٦). وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٧): إِنَّمَا كُرِهَ النَّوْمُ قَبْلَهَا لِمَنْ خَشِيَ فَوْتَ وَقْتِهَا، وَفَوْتَ
следующие страницы →