← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1049–1088 · переход к 1054.

стр. 1049

وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁: (كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ فَأَعْتَمَ بِهَا) (١). وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالفَجِرِ) (٢)، قَالَ البُخَارِيُّ: وَالاخْتِيارُ أَنْ يَقُولَ العِشَاءَ، لِقَوْلِهِ : ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (٣). وَكَرِهَ ابن عُمَرَ ﵁ أَنْ يُقَالَ لَهَا العَتَمَةُ (٤). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٥): يُقَالُ لِكُلِّ مُبْطِئٍ بِأَمْرٍ قَدْ أَعْتَمَ وَعَتَّمَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٦): يُقَالُ: عَتَّمَ عَنِ الأَمْرِ إِذَا كَفَّ، وَغَرَسْتُ الوَادِي فَمَا عَتَّمَ مِنْهَا شَيْءٌ، أَيْ: مَا أَبْطَأَ، وَالعَتُومُ النَّاقَةُ لَا تَدُرُّ إِلَّا عَتَمَةً، وَعَتَّمَ اللَّيْلُ: إِذَا مَضَى مِنْهُ صَدْرٌ. قَالَ الخَلِيلُ (٧): العَتَمَةُ: [الثُّلُثُ الأَوَّلُ] (٨) مِنَ اللَّيْلِ، بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ،

стр. 1050

وَأَعْتَمَ القَوْمُ: إِذَا صَارُوا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ. وَفِي الحَدِيثِ: (إِنَّمَا تُعْتَمُ بِحِلَابِ الإِبِلِ) (١). قَالَ الأَزْهَرِيُّ (٢): أَرْبَابُ النَّعَمِ فِي البَادِيَةِ يُرِيحُونَ الإِبِلَ ثُمَّ يُنِيخُونَهَا فِي مُرَاحِهَا حَتَّى يُعْتِمُوا، أَيْ: يَدْخُلُوا فِي عَتَمَةِ اللَّيلِ، وَهِيَ ظُلْمَتُهُ. وَسُمِّيتْ صَلَاةُ العِشَاءِ الآخَرَةِ عَتَمَةً بِاسْمِ عَتَمَةِ اللَّيْلِ، وَكَأَنَّ مَعْنَى الحَدِيثِ: (لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ العِشَاءِ) (٣)، أَيْ: لَا يَغُرَّنَّكُمْ فِعْلُهُمْ هَذَا عَنْ صَلَاتِكُمْ فَتُؤَخِّرُوهَا، وَلَكِنْ صَلُّوهَا إِذَا حَانَ وَقْتُهَا. وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يُعْتَمُ بِحِلَابِ الإِبِلِ)، أَيْ: يُؤَخَّرُ، وَيُبْطَأُ بِهِ. يُقَالُ: قِرًى عَاتِمٌ، أَيْ: بَطِيءٌ، وَعَتَمَتِ الحَاجَةُ وَأُعْتِمَتْ: إِذَا تَأَخَّرَتْ، وَأَعْتَمَ الرَّجُلُ قِرَاهُ: إِذَا أَخَّرَهُ. قَالَ ابن الأَنْبَارِي (٤): سُمِّيَتْ صَلَاةُ العِشَاءِ عَتَمَةً لِتَأْخُّرِ وَقْتِهَا. وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ ﵁: (أَنَّهُ غَرَسَ كَذَا وَكَذَا وَدْيَةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاوِلُهُ، فَمَا عَتَمَ مِنْهَا وَدْيَةٌ) (٥):

стр. 1051

مَا أَبْطَأَتْ حَتَّى عَلَقَتْ (١). وَمِنْ بَابِ: وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا * حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁: (وَالعِشَاءُ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عُجِّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أُخِّرَ) (٢). تَعْجِيلُهُ بِهَا كَانَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، لِأَنَّ وَقْتَ العِشَاءِ الآخِرَةِ: مَغِيبُ الشَّفَقِ. وَالشَّفَقُ: الحُمْرَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٣). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): الشَّفَقُ: البَيَاضُ الَّذِي بَعْدَ الحُمْرَةِ، فَإِذَا غَابَ لَكَ البَيَاضُ وَجَبَتِ العِشَاءُ الآخِرَةُ. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: (عَجَّلِ العِشَاءَ قَبْلَ أَنْ يَكْسَلَ العَامِلُ وَيَنَامَ الْمَرِيضُ) (٥). وَأَمَّا مَا رُوِيَ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْتَحبُّ تَأْخِيرَ العِشَاءِ) (٦) فَإِنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ مَا يَشُقُّ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُعَجِّلُهَا إِذَا اجْتَمَعُوا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَطُولَ انْتِظَارُهُم لَهَا،

стр. 1052

وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا. وَمِنْ بَابِ: فَضْلِ صَلَاةِ العِشَاءِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (١)، وَأَبِي مُوسَى ﵁ (٢). فِيهِ إِبَاحَةُ تَأْخِيرِ العِشَاءِ إِذَا عُلِمَ أَنَّ بِالقَوْمِ قُوَّةً عَلَى انْتِظَارِهَا لِيَحْصُلَ لَهُمْ فَضْلُ الانْتِظَارِ، لأَنَّ المُنْتَظِرَ لِلصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ. وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ العِشَاءَ حَتَّى ذَهَبَ هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ، قِيلَ (٣): إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ الشُّغْلِ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْهَا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عَادَةً. وَقَوْلُهُ: (ابْهَارَّ اللَّيْلُ) أَيْ: انْتَصَفَ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): البُهْرَةُ: الوَسَطُ، وَيُقَالُ: ابْهَارَّ اللَّيلُ: ذَهَبَ عَامَّتُهُ وَهُوَ نَحْوٌ مِنْ ثُلُتِهِ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ (٥): قَدْ يَبْهَارُّ اللَّيْلُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِفَ، وَابْهِيرَارُهُ: طُلُوعُ نُجُومِهِ، لأَنَّ اللَّيْلَ إِذَا أَقْبَلَ أَقْبَلَتْ نُجُومُهُ، فَإِذَا اشْتَبَكَتْ تِلْكَ النُّجُومُ ذَهَبَتِ الفَحْمَةُ.

стр. 1053

وَالبَاهِرُ: الْمُمْتَلِئُ نُورًا، قَالَ الأَعْشَى (١): [مِنَ السَّرِيعِ]. حَكَّمْتُمُوهُ فَقَضَى بَيْنَكُمْ … أَبْلَجَ مِثْلَ القَمَرِ البَاهِرِ وَمِنْ بَابِ: مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ (٢). قِيلَ (٣): إِنَّمَا كُرِهَ النَّوْمُ قَبْلَ العِشَاءِ لِئَلَّا يَسْتَغرِقَ فِي النَّوْمِ فَيَفُوتَهُ وَقْتُهَا الْمُسْتَحَبُّ، وَرُبَّمَا فَاتَهُ وَقْتُهَا كُلُّهُ، فَمُنِعَ ذَلِكَ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ. وَقَالَ أَنَسٌ (٤): (كُنَّا نَجْتَنِبُ الفُرْشَ قَبْلَ صَلَاةِ العِشَاءِ). وَكَتَبَ عُمَرُ ﵁: (أَنْ لَا يُنَامَ قَبلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ) (٥). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكَادُ يَسُبُّ الَّذِي يَنَامُ قَبْلَ العِشَاءِ (٦). وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٧): إِنَّمَا كُرِهَ النَّوْمُ قَبْلَهَا لِمَنْ خَشِيَ فَوْتَ وَقْتِهَا، وَفَوْتَ

стр. 1054

الجَمَاعَةِ، فَأَمَّا مَنْ وَكَّلَ بِنَفْسِهِ مَنْ يُوقِظُهُ لِوَقْتِهَا فَمُبَاحٌ لَهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ ابنَ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَنَامُ وَيُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ مَنْ يُوقِظُهُ. وَالأَخْذُ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ أَنْجَى وَأَحْوَطُ. وَمِنْ بَابِ: النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ (١)، وَحَدِيثُ ابن عُمَرَ (٢) ﵁. قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: النَّوْمُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الحَدِيثِ هُوَ نَوْمُ القَاعِدِ الَّذِي يَخْفِقُ بِرَأْسِهِ، لَا نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ أَنَّهُمْ تَوَضَّؤُوا مِنْ ذَلِكَ النَّوْمِ، وَلَا يَدُلُّ قَوْلُهُ: (ثُمَّ اسْتَيْقِظُوا) عَلَى النَّوْمِ الْمُسْتَغْرِقِ الَّذِي يُزِيلُ العَقْلَ وَيَنْقُضُ الوُضُوءَ، لِأَنَّ العَرَبَ تَقُولُ: اسْتَيْقَظَ مِنْ سِنَتِهِ وَ [غَفْلَتِهِ] (٣)، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٤). وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُزَنِيِّ حَيْثُ يَقُولُ (٥): قَلِيلُ النَّوْمِ وَكَثِيرُهُ حَدَثٌ يَنْقُضُ الوُضُوءَ، لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَذْهَبَ عَلَى [أَصْحَابِ] (٦) النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ

стр. 1055

يَنْقُضُ الوُضُوءَ، فَيُصَلُّونَ بِالنَّوْمِ. وَمِنْ بَابِ: وَقْتِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ (١)، وَأَنَسٍ (٢) ﵁. قَالَ مَالِكٌ (٣): آخِرُ وَقْتِهَا إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بن عَبْدِ العَزِيزِ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ (٤): أَسْتَحِبُّ لِمَسَاجِدِ الجَمَاعَةِ أَلَّا يُعَجِّلُوهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُضِرٍّ بِالنَّاسِ، وَتَأْخِيرُهَا قَلِيلًا أَفْضَلُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): وَقْتُهَا إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ (٦): آخِرُ وَقْتِهَا رُبُعُ اللَّيْلِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ (٧): آخِرُ وَقْتِهَا: نِصْفُ اللَّيْلِ، وَحُجَّتُهُمَا حَدِيثُ أَنَسٍ: (آخِرُ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) (٨). وَقِيلَ هَذَا عَلَى مَعْنَى التَّعْلِيمِ لِأُمَّتِهِ، كَمَا فَعَلَ حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ

стр. 1056

الفَجْرُ، ثُمَّ صَلَّاهَا فِي اليَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ إِعْلَامًا مِنْهُ بِسَعَةِ الوَقْتِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: (مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ) (١). وَمِنْ بَابِ: فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ * فِيهِ حَدِيثُ جَرِيرٍ ﵁ (٢). وَفِيهِ فَضْلُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالعَصْرِ، وَأَنَّ بِذَلِكَ تُنَالُ رُؤْيَةُ اللَّهِ - عزو جل - يَوْمَ القِيَامَةِ. وَقَوْلُهُ: (لَا تُضَامُونَ، أَوْ قَالَ: لَا تُضَاهُونَ) الْمُضَاهَاةُ: الْمُشَابَهَةُ، وَالتَّضَامُّ: الاجْتِمَاعُ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ: (تَضَامُّونَ) بِفَتْح التَّاءِ، وَأَصْلُهُ تَتَضَامُونَ، فَأُسْقِطَتْ إِحْدَى التَاءَيْنِ، وَالْمَعْنَى: لَا تَتَزَاحَمُونَ، أَيْ: لَا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ فِي وَقْتِ النَّظَرِ لإِشْكَالِهِ وَخَفَائِهِ. وَرُوِيَ (لَا تَضَامُونَ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ المِيمِ، وَمَعْنَاهُ: لَا يَنَالُكُمْ ضَيْمٌ فِي رُؤْيَتِهِ، فَيَرَاهُ بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ: (مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ) (٣) يَعْنِي: الصُّبْحَ وَالعَصْرَ، وَالعَرَبُ (٤) تَقُولُ

стр. 1057

لِلْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ: بَرْدَا النَّهَارِ. قَالَ الخَطَّابِيُّ (١): إِنَّمَا قِيلَ لَهُمَا البَرْدَانِ لِطِيبِ الهَوَاءِ أَوْ بَرْدِهِ فِي هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وَأَنْشَدَ (٢): [مِنَ الطَّوِيلِ] فَلَا الظِّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى نَسْتَطِيعُهُ … وَلَا الفَيْءَ مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ نَذُوقُ وَمِنْ بَابِ: وَقْتِ الفَجْرِ * فِيهِ حَدِيثُ زَيْدِ بن ثَابِتٍ (٣)، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ (٤)، وَعَائِشَةَ (٥) ﵃. اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي التَّغْلِيسِ بِالفَجْرِ: هَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَمِ الإِسْفَارُ؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٦)، وَأَحْمَدُ (٧) إِلَى فَضْلِ التَّغْلِيسِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (٨)، وَالثَّوْرِيُّ إِلَى فَضْلَ الإِسْفَارِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ رَافِعٍ:

стр. 1058

(أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ) (١). وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ التَّغْلِيسَ أَفْضَلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (كُنَّ نِسَاءُ المُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (٢)، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ أَنَّهُ كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَكْثَرُ فِعْلِهِ، وَلَا تَحْصُلُ الْمُدَاوَمَةُ إِلَّا عَلَى الأَفْضَلِ وَالأَصْلَحِ. وَالَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَبَيْنَ حَدِيثِ رَافِعٍ مَا قَالَهُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: إِنَّ الإِسْفَارَ هُوَ أَنْ يَتَّضِحَ الفَجْرُ فَلَا يَشْكَّ أَنَّهُ قَدْ طَلَعَ (٣). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): أَسْفَرَتِ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا: إِذَا كَشَفَتْهُ، كَأَنَّهُ قَالَ: تَبَيَّنُوا الفَجْرَ، وَلَا تُغَلِّسُوا بِالصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ تَشُكُّونَ فِي طُلُوعِهِ حِرْصًا عَلَى طَلَبِ الفَضْلِ بِالتَّغلِيسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِلْأَجْرِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ: (أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا) (٥).

стр. 1059

وَمَنْ جَعَلَ الإِسْفَارَ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ؛ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَذَا الحَدِيثِ، وَأَمَّا تَأْخِيرُ الفَجْرِ فَإِنَّمَا كَانُوا يُؤَخِّرُونَهُ إِلَى الْفَجْرِ الأَوَّل. وَ (المُرُوطُ): أَكْسِيَةٌ مِنْ صُوفٍ رِقَاقٍ، وَاحِدُهَا: مِرْطٌ. وَقَوْلُهُ: (مُتَلَفِّعَاتٍ) نُصِبَ عَلَى الحَالِ، أَيْ: مُشْتَمِلَاتٍ، يُقَالُ: تَلَفَّعَ بِثَوْبِهِ إِذَا اشْتَمَلَ بِهِ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الوَقْتِ رَكْعَةً فَلَمْ يُدْرِكْ مِنْهُ شَيْئًا، [وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْهُ شَيْئًا] (١) مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ قَبْلَ الوَقْتِ فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهِ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٢): مَعْنَاهُ: فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الجَمَاعَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (إِذَا انْتَهَى إِلَى الْقَوْمِ وَهُمْ قُعُودٌ فِي آخِرِ صَلَاتِهِمْ فَقَدْ دَخَلَ فِي التَّضْعِيفِ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَيْهِمْ وَقَدْ سَلَّمَ الإِمَامُ وَلَمْ يَتَفَرَّقُوا فَقَدْ دَخَلَ فِي التَّضْعِيفِ) (٣). وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ (٤): مَنْ أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْلَهَا.

стр. 1060

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الحَدِيثِ أَنَّ مُدْرِكَ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ مُدْرِكٌ لِجَمِيعِهَا، وَلَوْ أَدْرَكَ مُسَافِرٌ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ مُقِيمٍ لَزِمَهُ حُكْمُ الْمُقِيمِ فِي الإِتْمَامِ. وَهَذَا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي حُكْمِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ (٢): مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ أَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): إِذَا أَحْرَمَ فِي الجُمُعَةِ قَبْلَ سَلَامِ الإِمَامِ صَلَّى رَكْعَتَينِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ : (فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا) (٤)، وَالَّذِي فَاتَهُ رَكْعَتَانِ لَا أَرْبَعٌ. وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا فِيهَا، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنهَا صَلَّى أَرْبَعًا بِالإِجْمَاعِ. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ بَعْدِ الفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ * حَدِيثُ عُمَرَ (٥)، وابن عُمَرَ (٦) ﵄.

стр. 1061

اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ العَصْرِ: فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَحْمَدُ (٢): الْمُرَادُ بِذَلِكَ النَّافِلَةُ دُونَ الْفَرْضِ وَالفَرَائِضِ الفَائِتَةِ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى أَيَّ وَقْتٍ ذُكِرَتْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً فَلَا يَصِحُّ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ إِلَّا فِي الوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): الْمُرَادُ بِهِ النَّافِلَةُ الْمُبْتَدَأَةُ، وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ وَالْمَسْنُونَاتُ، أَوْ مَا كَانَ يُواظَبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّوَافِلِ فَلَا، وَاحْتَجَّ بِالإِجْمَاعِ عَلَى صَلَاةِ الجَنَازَةِ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: (قَضَى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ) (٤). وَقَالَ الكُوفِيُّونَ (٥): إِذَا بَرَزَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَرْتَفِعَ، وَإِذَا تَدَلَّتْ لِلْغُرُوبِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى فِيهَا فَرِيضَةٌ وَلَا نَافِلَةٌ، وَلَا عَلَى جَنَازَةٍ إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ خَاصَّةً. واحتَجَّ بعضُ العلَمَاء بما رُويَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه (نَهَى عَنِ الصَّلاةِ عندَ طُلُوعِ الشَّمسِ وعِندَ غرُوبِهَا) (٦)، وبحدِيثِ: (لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عندَ طُلُوعِ الشَّمسِ ولَا عِندَ غُروبهَا) (٧).

стр. 1062

وَقَالَ قَوْمٌ (١): أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (لَا تَحَرَّوا بِصَلَاتِكُمْ)، أَيْ لَا تَقْصِدُوا، وَلَا تَبْتَدِؤُوا بِهَا ذَلِكَ الوَقْتَ، وَأَمَّا مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ أَوْ ذَكَرَ مَا نَسِيَهُ فَلَيْسَ بِقَاصِدٍ لَهَا وَلَا مُتَحَرٍّ، وَإِنَّمَا الْمُتَحَرِّي القَاصِدُ إِلَيْهَا [بَتَطَوُّعِهِ أَوْ فَرْضِهِ] (٢)، فَأَمَّا مَنْ فَاتَتْهُ فَصَلَّاهَا فَلَيْسَ بِمُتَحَرٍّ لَهَا. وَقِيلَ (٣): إِنَّ قَوْمًا كَانُوا يَتَحَرُّونَ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَغُرُوبَهَا فَيَسْجُدُونَ لَهَا عِبَادَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ بِأَفْعَالِهِمْ وَأَوْقَاتِهِمْ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلَاةَ إِلَّا بَعْدَ العَصْرِ وَالفَجْرِ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ ﵁ (٤). قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٥): لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّع نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الجُمُعَةِ خَاصَّةً، وَرَوَى أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا: (إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلَّا يَوْمَ الجُمُعَةِ) (٦).

стр. 1063

وَعِنْدَ مَالِكٍ (١): لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، وَقَالَ: مَا أَدْرَكْتُ أَهْلَ الفَضْلِ وَالعِبَادَةِ إِلَّا وَهُمْ يَهْجُرُونَ وَيُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ. وَمِنْ بَابِ: مَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ مِنَ الفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا * فِيهِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ (٢)، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٣). قَوْلُهُ ﷺ : (شَغَلَنِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ) فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: يَجُوزُ قَضَاءُ الفَوَائِتِ بَعْدَ الصُّبْحَ وَالعَصْرِ. قِيلَ: صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ العَصْرِ - يَعْنِي رَكْعَتَيْنِ - خُصُوصٌ لَهُ دُونَ أُمَّتِهِ. وَرَوَى ذَكْوَانُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا؟ قَالَ: لَا) (٤)، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِ فِيهَا خِلَافُ حُكْمِهِ ﷺ .

стр. 1064

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: الأَزْرَقُ بنُ قَيْسٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ (١)، وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُهُ لَاحْتَمَلَ التَّأْوِيلَ، وَذَلِكَ أَنَّ نَهْيَهُ ﷺ عَنْ قَضَائِهَا مِمَّا يَدُلُّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهَا بَعْدَ العَصْرِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٢) فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ لِلنَّهْيِ وُجُوهٌ مِنْهَا: الكَرَاهَةُ، وَمِنْهَا:

стр. 1065

العَزْمُ وَالتَّحْرِيمُ. وَفِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي صَلَّاهَا بَعْدَ العَصْرِ، قَالَ: تَبْيِينٌ لأُمَّتِهِ أَنَّ نَهْيَهُ عَلَى وَجْهِ الكَرَاهَةِ، لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ، كَتَحْرِيمِهِ عِنْدَ بُرُوزِ حَاجِبِ الشَّمْسِ لِلطُّلُوعِ، وَعِنْدَ مَغِيبِ حَاجِبِهَا لِلْغُرُوبِ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ لِأُمَّتِهِ أَنَّ مَنْ صَلَّى بَعْدَ العَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ غَيْرُ حَرَجٍ، مَا لَمْ يُوَافِقُ وَقْتَ الطُّلُوعِ وَالغُرُوبِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ نَهْيِهِ إِيَّاهُمْ عَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ [وَالأُرْجُوَانِ] (١)، وَلُبْسُهُ إِيَّاهُ إِعْلَامٌ مِنْهُ أَنَّ نَهْيَهُ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الكَرَاهَةِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ كَانَ أَبْعَدَهُمْ [مِنْ] (٢) فِعْلِهِ. وَمِنْ بَابِ: التَّبْكِيرِ بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمٍ غَيْمٍ * حَدِيثُ بُرَيْدَة ﵁ (٣). قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ (٤): لَا يَصِحُّ التَّبْكِيرُ فِي الغَيْمِ إِلَّا بِصَلَاةِ العَصْرِ وَالعِشَاءِ، لِأَنَّهُمَا (٥) وَقْتَانِ مُشْتَرَكَانِ مَعَ مَا قَبْلَهُمَا، لِأَنَّهُمْ يَجْمَعُونَهُمَا فِي الْمَطَرِ فِي وَقْتِ الأُولَى مِنْهُمَا. * * *

стр. 1066

وَمِنْ بَابِ: الأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ * حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ (١). اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ: فَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ (٢)، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الحَدِيثِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ (٣): لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الفَوَائِتِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ (٤): إِنْ أَذَّنَ فِي الفَوَائِتِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ صَلَّاهُنَّ بِإِقَامَةِ إقَامَةٍ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَحَسَنٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): يُقِيمُ لِلصَّلَوَاتِ الفَوَائِتِ. وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ [كَانَ يَنَامُ أَحْيَانًا كَنَوْمِ الآدَمِيِيِّنَ، وَذَلِكَ فِي النَّادِرِ مِنْ حَالِهِ. وَسَأُبَيِّنُ حُكْمَ نَومِهِ ﵇ عِنْدَ قَوْلِهِ: (إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) (٦) فِي بَابِ: قِيامِ الرَّسُولِ] (٧) بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ.

стр. 1067

قِيلَ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَإِنَّمَا أُكِّدَتِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا لاسْتِيلَاءِ النَّوْمِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِ عَسْكَرِهِ حَتَّى فَاتَهُ وَقْتُهَا، وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ: تَوْكِيلُهُ بِلَالًا فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ مُرَاقَبَةَ وَقْتِهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِمُرَاقَبَةِ غَيْرِهَا (١). وَأَمَّا تَرْكُهُ الصَّلَاةَ حَتَّى ابْيَضَّتِ الشَّمْسُ، فَإِنَّ الكُوفِيِّينَ قَالُوا: إِنَّما أَخَّرَهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): إِنَّمَا أَخَّرَهَا بِمِقْدَارِ مَا تَوَضَّأَ النَّاسُ، وَتَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَعْضٍ طُرُقِ الحَدِيثِ. وَرَوَى عَطَاءٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الوَادِي عَلَى طَرِيقِ التَّشَاؤُمِ بِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: (اخْرُجُوا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الغَفْلَةُ) (٣). وَفِي رِوَايَةِ زَيْدِ بن أَسْلَمَ: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) (٤)، فَكَرِهَ الصَّلَاةَ فِي البُقْعَةِ الَّتِي فِيهَا الشَّيْطَانُ إِذْ كَانَ السَّبَبَ لِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا. وَ (التَّعْرِيسُ): النُزُولُ بِاللَّيلِ.

стр. 1068

وَمِنْ بَابِ: مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ * فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁: (أَنَّ عُمَرَ ﵁ جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) (١). قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ [جَمْعِ] (٢) الصَّلَاةِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ لِمَنْ فَاتَتْهُ بِعُذْرٍ بَيِّنٍ كَمَا النَّوْمِ وَشِبْهِهِ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٣). اخْتَلَفَ العُلَمَاء إِذَا صَلَّى صَلَاةً ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ آخَرَ هَلْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّى إِذَا بَقِيَ مِنْ وَقْتِهَا شَيْءٌ مِنْ بَعْدِ قَضَاءِ الفَائِتَةِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى أَنَّهُ يُتِمُّ الَّتِي هُوَ فِيهَا، ثُمَّ يُصَلِّي الفَائِتَةَ، لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقِيَاسُ قَوْلِهِ: إِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْهَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَيْضًا إِلَّا إِعَادَةُ المَنْسِيَّةِ فَقَطْ. وَقَالَ مَالِكٌ (٥): يُصَلِّي الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ يُعِيدُ مَا كَانَ فِي وَقْتِهِ مِمَّا كَانَ قَدْ صَلَّى.

стр. 1069

وَفِي قَوْلِهِ: (فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ) وَلَمْ يَقُلْ: فَلْيُعِدْ مَا كَانَ فِي وَقْتِهِ حُجَّةٌ للشَّافِعِيِّ. قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ (١): قَوْلُهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢)، فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ وَقْتَ الذِّكْرِ وَقْتٌ لِلصَّلَاةِ المَنْسِيَّةِ، وَإِذَا اجْتَمَعْتُ صَلَاتَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ فَالوَاجِبُ تَقْدِيمُ الأُولَى، فَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ بِآخِرِ الحَدِيثِ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِأَوَّلِهِ. وَمِنْ بَابِ: قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الأُولَى فَالأُولَى * فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ عَنْ عُمَرَ ﵁ (٣). قَالَ أَهْلُ العِلْمِ (٤): مَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ وَأَيْقَنَ أَنَّهُ يَقْضِيهَا، وَيُصَلِّي الَّتِي حَضَرَ وَقْتُهَا قَبْلَ فَوَاتِهَا: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالأُولَى فَالأُولَى، فَأَمَّا إِذَا خَشِيَ فَوْتَ وَقْتِ الحَاضِرَةِ إِنْ بَدَأَ بِالْمَنْسِيَّةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ فِي البَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَمِنْ بَابِ: مَا يُكْرَهُ [مِنَ] (٥) السَّمَر بَعْدَ العِشَاءِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ (٦). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: إِنَّمَا كَرِهَ ﷺ السَّمَرَ بَعْدَ العِشَاءِ لِئَلَّا يُزَاحِمَ بَقِيَّةَ [اللَّيْلِ] (٧) بِالنَّوْمِ، فَتَفُوتَهُ صَلَاةُ الصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ.

стр. 1070

وَقَالَ خَرَشَةُ بنُ الحُرِّ (١): رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَى الحَدِيثِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَيَقُولُ: أَسَمَرًا أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَنَوْمًا آخِرَهُ؟!. وَقَالَ سَلْمَانُ ﵁ (٢): إِيَّاكُمْ وَسَمَرَ أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهَا مُهَدِّمَةٌ لِآخِرِهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ: (مَلْغَاةٌ أَوَّلَ اللَّيْلِ) إِذَا سَهِرَ لَمْ يَسْتَيْقِظْ فِي آخِرِهِ لِلتَّهَجُّدِ وَالصَّلَاةِ. وَ (الهُدْنَةُ): السُّكُونُ، يُقَالُ: هَدَنْتُ أَهْدِنُ هُدُونًا وَمَهْدَنَةً، وَأَمَّا السَّمَرُ بِالعِلْمِ وَأَفْعَالِ البِرِّ فَجَائِزٌ. وَمِنْ بَابِ: السَّمَرِ فِي الفِقْهِ وَالخَيْرِ * حَدِيثُ أَنَسٍ: (نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﷺ ) (٣). (نَظَرْنَا) بِمَعْنَى انْتَظَرَنَا. وَقَوْلُهُ: (فَوَهَلَ النَّاسُ)، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): وَهَلَ يَهِلُ وَهْلًا: ذَهَبَ وَهَمُهُ

стр. 1071

إِلَيْهِ، وَمَا ذَهَبَ وَهْلِي إِلَّا إِلَى [فُلَانٍ] (١)، وَمِنْهُ قَوْلُ ابن عُمَرَ: (وَهَلَ أَنَسٌ) (٢)، أَيْ: غَلَطَ. قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٣): فِي الحَدِيثِ: (كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَتَاكَ مَلَكَانِ فَتَوَهَّلَاكَ فِي قَبْرِكَ) (٤) يُقَالُ: تَوَهَّلْتُ فُلَانًا إِذَا عَرَّضْتُهُ لِأَنْ يَهِلَ، أَيْ: يَغْلِطَ، وَوَهَلَ إِلَى الشَّيْءِ يَهِلُ: إِذَا ذَهَبَ وَهَمُهُ إِلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وَهِلْتُ مِنْ كَذَا - بِكَسْرِ الهَاءِ - أَوْهَلُ وَهَلًا إِذَا فَزِعْتُ، وَمِنْهُ الحَدِيثُ: (فَقُمْنَا وَهِلِينَ مِنْ صَلَاتِنَا) (٥)، أَيْ: فَزِعِينَ. وَقَوْلُهُمْ: لَقِيتُهُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ، قِيلَ: كُلُّ إِنْسَانٍ رَأَى شَيْئًا لَمْ يَكُنْ رَآهُ قَبْلُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَرْتَاعُ لَهُ أَدْنَى ارْتِيَاعٍ. (إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا) تَعْلِيمٌ مِنْهُ ﵇ لَهُمْ العِلْمَ، وَكَذَلِكَ إِعْلَامُهُ أَنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ إِعْلَامٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ لَيْسَت تَطُولُ كَأَعْمَارِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ لِيُجْتَهَدَ فِي العَمَلِ.

стр. 1072

وَقَوْلُهُ: (يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ) يَعْنِي: انْقِرَاضَهُمْ وَذَهَابَهُمْ، وَقِيلَ: يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ [يَتَصَرَّمُ] (١) ذَلِكَ القَرْنَ. وَقَوْلُهُ: (أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ) مَعْنَى أَرَأَيتَكَ: أَعْلِمْنِي، وَمَعْنَى أَرَأَيْتَكُمْ: أَعْلِمُونِي، وَالكَافُ لِلْخِطَابِ وَلَا مَوْضِعَ لَهُ فِي الإِعْرَابِ، وَالمِيمُ: تَدُلُّ عَلَى الجَمَاعَةِ، وَ (هَذِهِ) مَوْضِعُهُ نَصْبٌ، وَالجَوَابُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَاحْفَظُوهَا، وَاحْفَظُوا تَارِيخَهَا، فَإِنَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ حَيٌّ. وَ (القَرْنُ): كُلُّ طَبَقَةٍ مُقْتَرِنِينَ فِي وَقْتٍ. قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٢): وَمِنْهُ قِيلَ لِأَهْلِ كُلِّ مُدَّةٍ أَوْ طَبَقَةٍ بُعِثَ فِيهَا نَبِيٌّ قَلَّتِ السِّنُونَ أَمْ كَثُرَتْ: [قَرْنٌ] (٣)، قَالَ اللهُ : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (٤). وَمِنْ بَابِ: السَّمَرِ مَعَ الأَهْلِ وَالضَّيْفِ * حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَبِي بَكْرٍ ﵁ (٥). في الحَدِيثِ جَوَازُ السَّمَرِ مَعَ الأَضْيَافِ، وَهُوَ السَّمَرُ فِي المُبَاحِ.

стр. 1073

وَفِيهِ أَنَّ السُّلْطَانَ إِذَا رَأَى مَسْغَبَةً أَنْ يُفَرِّقَهُمْ عَلَى أَهْلِ السَّعَةِ بِقَدْرِ مَا لَا يُجْحِفُ بِهِمْ. قِيلَ: هَذَا عَلَى سُنَّتِهِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : (طَعَامُ الاثْنَينِ كَافِي الثَّلاثَةَ) (١)، وَالكِفَايَةُ غَيْرُ الاتِّسَاعِ فِي الشِّبَعِ. وَمِنْ هَذَا فِعْلُ عُمَرَ ﵁ عَامَ الرَّمَادَةِ، كَانَ يُلْقِي عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ مِثْلَهُمْ مِنَ الفُقَرَاءِ، وَيَقُولُ: (لَنْ يَهْلِكَ امْرُؤٌ عَلَى نِصْفِ قُوتِهِ) (٢). وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ (٣): إِنَّ فِي الْمَالِ حُقُوقًا سِوَى الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى اثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَعَلَى الأَرْبَعَةِ وَاحِدًا، وَعَلَى الخَمْسَةِ وَاحِدًا، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَى الأَرْبَعَةِ وَالخَمْسَةِ بِإِزَاءِ مَا يَجِبُ لِلاثْنَيْنِ مَعَ الثَّالِثِ، لِأَنَّ صَاحِبَ العِيَالِ أَوْلَى أَنْ يُرْفَقَ بِهِ. وَفِيهِ أَكْلُ الصِّدِّيقِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ضَيْفٌ إِذَا كَانَ فِي دَارِهِ مَنْ يَقُومُ بِخِدْمَتِهِمْ. وَفِيهِ أَنَّ الوَلَدَ وَالأَهْلَ يَلْزَمُهُمْ مِنْ خِدْمَةِ الضَّيْفِ مِثْلُ مَا يَلْزَمُ صَاحِبَ المَنْزِلِ.

стр. 1074

وَفِيهِ أَنَّ الأَضْيَافَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَأَدَّبُوا وَيَنْتَظِرُوا صَاحِبَ الدَّارِ، وَلَا يَتَهَافَتُوا عَلَى الطَّعَامِ دُونَهُ. وَفِيهِ الْأَكْلُ مِنْ طَعَامٍ ظَهَرَتْ فِيهِ البَرَكَةُ. وَفِيهِ رَفْعُ مَا يُرْجَى بَرَكَتُه، وَإِهْدَاؤُهُ لِأَهْلِ الفَضْلِ. وَفِيهِ أَنَّ آيَاتِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ تَظْهَرُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَوْلُهُ: (كُلُوا لَا هَنِيئًا) إِنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ أَهْلَهُ لَا أَضْيَافَهُ. وَقَوْلُهُ: (قَدْ عُرِضُوا) يُرِيدُ أَنَّ خَادِمَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَابْنَهُ، وَمَنْ رَتَّبَ لِخِدْمَةِ الأَضْيَافِ عَرَضُوا الطَّعَامَ عَلَى أَضْيَافِهِمْ، فَأَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوا. وَقَوْلُهُ: (يَا غُنْثَرُ) كَلِمَةٌ يَلُومُهُ بِهَا، كَأَنَّهُ قَالَ: يَا لَئِيمُ، أَوْ يَا جَاهِلُ. قِيلَ (١): هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الغَثَارَةِ وَهِيَ: الجَهْلُ، وَالنُّونُ فِيهِ زَائِدَةٌ، وَالغَيْنُ مُعْجَمَةٌ مَضْمُومَةٌ، فَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِالعَيْنِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ وَالفَتْحِ وَالتَّاءِ بِاثْنَتَيْنِ، خَطَأٌ، وَالمَحْفُوطُ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ وَالضَمِّ. وَقَوْلُهُ: (جَدَّعَ) أَيْ: عَابَ وَتَنَقَّصَ، وَأَصْلُ الجَدْعِ: القَطْعُ. * * *

стр. 1075

[كِتَابُ الأَذَانِ] وَمِنْ بَابِ: بَدْءِ الأَذَانِ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (١): الأَذَانُ سُنَّةٌ، وَقَوْلُهُ: (أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ) لَيْسَ فِي ذَلِكَ إِيجَابُ الأَذَانِ، إِنَّمَا هُوَ لِلشَّفْعِ وَالوِتْرِ، وَالوُجُوبُ فِيهِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلَالَةٍ (٢). وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي صِفَةِ الأَذَانِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٣): الأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى، وَأَوَّلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَرْبَعَ

стр. 1076

مَرَّاتٍ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ (١)، وَهِيَ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا. وَقَالَ مَالِكٌ (٢): أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَعْمَلُونَ بِذَلِكَ خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا، وَيَنْقُلُونَهُ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، فَسَقَطَ مَعَهُ حُكْمُ الزِّيَادَةِ، وَلِأَنَّ تَشْفِيعَ الأَذَانِ تَثْنِيَتُهُ، قَالُوا: وَالأَذَانُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ. وَمِنْ بَابِ: الإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ قَالَ أَهْلُ الحِجَازِ (٣): الإِقَامَةُ فُرَادَى، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٤). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): الإِقَامَةُ فُرَادَى إِلَّا قَوْلَهُ (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) فَإِنَّهُ يَقُولُهَا مَرَّتَينِ. وَقَالَ أَهْلُ الكُوفَةِ (٦): الإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى، وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَةٍ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ (٧).

стр. 1077

وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ: مَا رَوَاهُ أَيُّوبُ مِنْ قَوْلِهِ: (إِلَّا الإِقَامَةَ) (١). وَرُوِيَ عَنِ ابن عُمَرَ ﵁: (كَانَتِ الإِقَامَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَالَهَا مَرَّتَيْن) (٢). قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِجْمَاعُهُمْ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ عَلَى إِفْرَادِ الإِقَامَةِ، وَلَوْ صَحَّتْ زِيَادَةُ أَيُّوبَ وَمَا رَوَاهُ الكُوفِيُّونَ مِنْ تَثْنِيَةِ الإِقَامَةِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ مَا ثُمَّ تُرِكَ؛ لِعَمَلِ أَهْلِ المَدِينَةِ عَلَى الآخِرِ الَّذِي اسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَيْهِ. وَمِنْ بَابِ: فَضْلِ التَّأْذِينِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٣). رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (إِذَا تَغَوَّلَتْ لَكُمُ الغِيلَانُ فَأَذِّنُوا) (٤).

стр. 1078

وَرُوِيَ أَنَّ زَيْدَ بنَ أَسْلَمَ اسْتَعْمَلَ عَلَى مَعْدِنٍ مِنْ مَعَادِنِ بَنِي سَلِيمٍ كَانَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ لِمَا خُيِّلَ فِيهِ مِنَ الجِنِّ، فَأَمَرَهُمْ زَيْدٌ أَنْ يُؤَذِّنُوا فِيهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَمَا خُيَّلَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ جِنٌّ. قَالَ مَالِكٌ: أَعْجَبَنِي ذَلِكَ مِنْ رَأْيِ زَيْدِ بن أَسْلَمَ (١). فَإِنْ قِيلَ (٢): لِمَ يَهْرَبُ عِنْدَ الأَذَانِ، وَلَا يَهْرَبُ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَفِيهَا قِرَاءَةُ القُرْآنِ؟ قِيلَ: [إِنَّمَا يَهْرَبُ وَاللهُ أَعْلَمُ مِنِ اتِّفَاقِ الكُلِّ عَلَى الإِعْلَانِ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ، وَإِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ كَمَا يَفْعَلُ يَوْمَ عَرَفَةَ، لِمَا يَرَى مِنِ] (٣) اتِّفَاقِ الكُلِّ عَلَى الإِعْلَانِ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ اللهِ تَعَالَى، وَتَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، وَيَيْأَسُ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَمَّا أَعْلَنُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَيْقَنَ [بِالخَيْبَةِ] (٤) لَمَّا تَفَضَّلَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ ثَوَابِ ذَلِكَ، وَيَذْكُرُ مَعْصِيَةَ اللهِ وَمُخَالَفَتِهِ أَمْرَهُ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْمُقَامَ لِمَا يَسْتَوِلِي عَلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَنْفِرُ عِنْدَ التَّأْذِينِ لِئَلَّا يَشْهَدَ لابْنِ آدَمَ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : (لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ

стр. 1079

يَوْمَ القِيَامَةِ) (١). وَقَوْلُهُ: (إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ)، أَيْ: صَرَخَ بِالإِقَامَةِ، وَكُلُّ مُرَدِّدٍ صَوْتًا فَهُوَ مُثَوِّبٌ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْمُرَجِّعِ صَوْتَهُ فِي الأَذَانِ بِقَوْلِهِ: (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ) مُثَوِّبٌ، وَأَصْلُهُ مِنْ ثَابَ يَثُوبُ إِذَا رَجَعَ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ قَوْلَ المُؤَذِّنِ فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ) يُقَالُ لَهُ التَّثْوِيبُ (٢). وَقَالَ أَنَسٌ ﵁: (مَا كَانَ التَّثْوِيبُ إِلَّا فِي صَلَاةِ الغَدَاةِ إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَالَ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ) (٣). وَقَالَ ابْنُ الأَنْبَارِي (٤): إِنَّمَا سُمِّيَ: (الصَّلَاةُ خَيْرُ مِنَ النَّوْمِ) تَثْوِيبًا لِأَنَّهُ دُعَاءٌ ثَانٍ إِلَى الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) دَعَا إِلَيْهَا، ثُمَّ عَادَ، وَقَالَ: (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّومِ) دَعَا إِلَيْهَا مَرَّةً أُخْرَى.

стр. 1080

قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): ثَابَتْ إِلَى الْمَرِيضِ نَفْسُهُ: رَجَعَت إِلَيْهِ قُوَّتُهُ، وَثَابَ إِلَى الْمَرْءِ عَقْلُهُ، وَمِنْهُ اشْتُقَّ الثَّوَابُ، وَتَأْوِيلُهُ: مَا يَؤُولُ إِلَيْكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ فِي جَزَاءِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) (٢). وَقَوْلُهُ: (اذْكُرْ كَذَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ) يُرِيدُ أَنْ يُسْهِيَهُ عَنْ صَلَاتِهِ. وَمِنْ بَابِ: رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ (٣). وَفي الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ العُزْلَةُ عَنِ النَّاسِ، وَالبُعْدُ عَنْ فِتَنِ الدُّنْيَا. وَفِيهِ أَنَّ اتِّخَاذَ الغَنَمِ وَالْمُقَامَ بِالْبَادِيَةِ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ.

стр. 1081

وَقِيلَ (١): الاعْتِزَالُ عَنِ النَّاسِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ، وَفَسَادِ الأَحْوَالِ مَرْغُوبٌ فِيهِ. وَفِيهِ فَضْلُ الإِعْلَانِ بِالسُّنَنِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِرَفْعِ صَوْتِهِ بِالنِّدَاءِ لِيَسْمَعَهُ مَنْ بَعُدَ مِنْهُ، فَيَكْثُرَ الشُّهَدَاءُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّ الله يُسْمِعُ الجَمَادَاتِ (٢). وَفِي قَوْلِ عُمَرَ: (أَذَّنْ أَذَانًا سَمْحًا) (٣) نَهْيٌ عَنِ التَّطْرِيبِ فِي الأَذَانِ. وَفِيهِ أَنَّ الأَذَانَ لِلْمُنْفَرِدِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ. وَمِنْ بَابِ: مَا يُحْقَنُ بالأَذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٤). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٥): إِنَّمَا يُحْقَنُ الدَّمُ بِالأَذَانِ لِأَنَّ فِيهِ الشَّهَادَةَ بِالتَّوْحِيدِ

стр. 1082

للهِ ، وَالإِقْرَارَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَقَوْلُهُ: (لَمْ يَغْزُو حَتَّى يُصْبِحَ) هَذَا لِمَنْ قَدْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، وَعَلِمَ مَا الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ دَاعِي الإِسْلَامِ، كَانَ يُمْسِكُ عَنْ هَؤُلَاءِ حَتَّى يَسْمَعَ الأَذَانَ لِيَعْلَمَ أَكَانُوا مُجِيبِينَ لِلدَّعْوَةِ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ الله قَدْ وَعَدَهُ إِظْهَارَ دِينِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، فَكَانَ يَطْمَعُ فِي إِسْلَامِهِمْ. وَلَيْسَ يَلْزَمُ اليَوْمَ الأَئِمَّةُ أَنْ يَكُفُّوا عَمَّنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ لِكَيْ يَسْمَعُوا أَذَانًا، لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ عِنَادُ أَهْلِ الحَرْبِ وَغَائِلَتُهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُنتَهَزَ الفُرْصَةُ فِيهِمْ. وَمِنْ بَابِ: مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ المُنَادِي * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ (١)، وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ (٢) ﵄. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ (٣): يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَ الأَذَانَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ [أَذَانِهِ] (٤) كُلِّهِ عَلَى عُمُومِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٥). وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ فِي التَّكْبِيرِ وَالشَّهَادَتَيْنِ، وَيَقُولُ فِي مَوْضِعِ قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ)

стр. 1083

عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ ﵁. قَالُوا: وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (١)، وَأَهْلِ الكُوفَةِ (٢). قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ (٣): مَا بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ دُعَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ، وَالسَّامِعُ إِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الذِّكْرَ لَا عَلَى وَجْهِ دُعَاءِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ، [فَإِذَا كَانَ] (٤) سِرًّا فَلا مَعْنَى لَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مَكَانَ ذَلِكَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَإِنَّهُ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ (٥). وَمِنْ بَابِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ * فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁ (٦). وَفِيهِ الحَضُّ عَلَى الدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ حِينَ تُفَتَّحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لِلرَّحْمَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: (سَاعَتَانِ لَا يُردُّ فِيهِمَا الدُّعَاءُ: حَضْرَةُ النِّدَاءِ بِالصَّلَاةِ، وَحَضْرَةُ [الصَفِّ] (٧) فِي سَبِيلِ اللهِ) (٨)، فَدَلَّهُمْ ﷺ عَلَى أَوْقَاتِ الإِجَابَةِ.

стр. 1084

وَقَوْلُهُ: (رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَةِ) يَعْنِي الأَذَانَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى شَهَادَةِ الإِخْلَاصِ للهِ تَعَالَى، وَالإِيمَانِ بِنَبِيِّهِ ﷺ ، وَبِذَلِكَ تَمَّ اسْتِحْقَاقُ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ. وَقَوْلُهُ: (حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي) قِيلَ: يَعْنِي حَلَّتْ عَلَيْهِ، وَاللَّامُ هَاهُنَا بِمَعْنَى: عَلَى، وَفِي القُرْآنِ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (١). وَقَوْلُهُ: (رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَةِ) الرَّبُّ هَا هُنَا بِمَعْنَى الْمُسْتَحِقِّ، أَيْ: مُسْتَحِقٌّ أَنْ يُوصَفَ بِهَا. وَمِنْ بَابِ: الاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٢). قَوْلُهُ: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّداءِ وَالصَّفِّ الأَوَلِ) أَيْ: لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الثَّوَابِ. قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: افْتُتِحَتِ القَادِسِيَّةُ صَدْرَ النَّهَارِ، وَاتَّبَعَ النَّاسُ العَدُوَّ،

стр. 1085

فَرَجَعُوا وَقَدْ حَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، وَأُصِيبَ المُؤَذِّنُ، فَتَشَاحَّ النَّاسُ فِي الأَذَانِ [حَتَّى] (١) كَادُوا يَجْتَلِدُونَ بِالسُّيُوفِ، فَأَقرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ، فَخَرَجَ سَهُمُ [رَجُلٍ] (٢) فَأَذَّنَ (٣). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٤) القُرْعَةُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فِي حَقِّ مَنِ اسْتَوَتْ دَعْوَاهُمْ فِي الشَّيْءِ. وَفُضِّلَ الصَّفُّ الأَوَّلُ عَلَى غَيْرِهِ لاسْتِمَاعِ القُرْآنِ إِذَا جَهَرَ الإِمَامُ، وَالتَّأْمِينِ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الفَاتِحَةِ. وَ (التَّهْجِيرُ): السَّبْقُ إِلَى الْمَسْجِدِ فِي الهَاجِرَةِ، فَمَنْ تَرَكَ قَائِلَتَهُ وَقَصَدَ إِلَى المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ، وَهُوَ فِي رِبَاطٍ. وَقَوْلُهُ: (إِلَّا اسْتَهَمُوا) الاسْتِهَامُ: الاقْتِرَاعُ، يُقَالُ: اسْتَهَمَ الرَّجُلَانِ، أَيْ: اقْتَرَعَا. وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (٥) أَيْ: قَارَعَ أَهْلَ السَّفِينَةِ، وَفِي

стр. 1086

الحَدِيثِ: (اذْهَبَا فَتَوَخَّيَا [الحَقَّ] (١)، ثُمَّ اسْتَهِمَا) (٢). وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ حَبْوًا) يَعْنِي: لِأَتَاهُمَا مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ كَالْمُقْعَدِ وَالصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، يُقَالُ: حَبَا السَّهْمُ يَحْبُو، إِذَا زَحَفَ إِلَى الهَدَفِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٣): حَبَا الصَّبِيّ يَحْبُو إِذَا مَشَى عَلَى أَرْبَعٍ. وَمِنْ بَابِ: الكَلَامِ فِي الأَذَانِ * حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (أَنَّهُ خَطَبَهُمْ فِي يَومِ رَزْغٍ) (٤). [رَخَّصَ] (٥) فِي الكَلَامِ فِي الأَذَانِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، مِنْهُمْ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ). وَفِيهِ إِبَاحَةُ التَّخَلُّفِ [عَنِ الجُمُعَةِ بَعْدَ] (٦) أَنْ قَالَ إِنَّهَا عزمَة. قَالَ ابن دُرَيْدٍ (٧): الرَّزْغَةُ: الطِّينُ الَّذِي يَبُلُّ القَدَمَ، وَقَدَ أَرْزَغَ المَطَرُ الأَرْضَ،

стр. 1087

وَقَالَ غَيْرُهُ (١): الرَّزْغَةُ أَشَدُّ مِنَ [الرَّدْغَةِ] (٢)، وَالرَّازِغُ: المُرْتَطِمُ فِيهَا. وَمِنْ بَابِ: أَذَانِ الأَعْمَى أَجَازَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥) أَذَانَ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُعَرِّفُهُ الوَقْتَ، لِأَنَّ أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتومٍ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ أَنْ يُقَالُ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ الرَّجُلُ بِمَا فِيهِ مِنَ العَاهَاتِ لِيُسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَفِيهِ جَوَازُ نِسْبَةِ الرَّجُلِ إِلَى أُمِّهِ إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ. وَفِيهِ تَكْرِيرُ اللَّفْظِ لِلتَّأْكِيدِ. وَفِيهِ تَكْنِيَةُ الْمَرْأَةِ. وَمِنْ بَابِ: الأَذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ * فِيهِ حَدِيثُ حَفْصَةَ (٦)، وَحَدِيثُ ابن عُمَرَ (٧).

стр. 1088

لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الأَذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ قَبْلَ الفَجْرِ (١). وَ [فِيهِ] (٢) دَلِيلٌ عَلَى مُوَاظَبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ، وَتَخْفِيفِهِ لَهُمَا. وَقَوْلُهَا: (كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ (٣)، وَخَالَفُهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فَرَوَوْهُ: (كَانَ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ) (٤) مَكَانَ: (إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّن). وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الجَمَاعَةِ عَنْ مَالِكٍ، ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي [بَابِ] (٥): مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ (٦): قَوْلُهُ: (إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ): انْتَظَرَ لِكَيْ يُؤَذِّنَ. وَالعُكُوفُ فِي اللُّغَةِ: الإِقَامَةُ، أَيْ: كَانَ يَرْقُبُ طُلُوعَ الْفَجْرِ لِيُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهِ،
следующие страницы →