← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1084–1123 · переход к 1089.

стр. 1084

وَقَوْلُهُ: (رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَةِ) يَعْنِي الأَذَانَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى شَهَادَةِ الإِخْلَاصِ للهِ تَعَالَى، وَالإِيمَانِ بِنَبِيِّهِ ﷺ ، وَبِذَلِكَ تَمَّ اسْتِحْقَاقُ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ. وَقَوْلُهُ: (حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي) قِيلَ: يَعْنِي حَلَّتْ عَلَيْهِ، وَاللَّامُ هَاهُنَا بِمَعْنَى: عَلَى، وَفِي القُرْآنِ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (١). وَقَوْلُهُ: (رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَةِ) الرَّبُّ هَا هُنَا بِمَعْنَى الْمُسْتَحِقِّ، أَيْ: مُسْتَحِقٌّ أَنْ يُوصَفَ بِهَا. وَمِنْ بَابِ: الاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٢). قَوْلُهُ: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّداءِ وَالصَّفِّ الأَوَلِ) أَيْ: لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الثَّوَابِ. قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: افْتُتِحَتِ القَادِسِيَّةُ صَدْرَ النَّهَارِ، وَاتَّبَعَ النَّاسُ العَدُوَّ،

стр. 1085

فَرَجَعُوا وَقَدْ حَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، وَأُصِيبَ المُؤَذِّنُ، فَتَشَاحَّ النَّاسُ فِي الأَذَانِ [حَتَّى] (١) كَادُوا يَجْتَلِدُونَ بِالسُّيُوفِ، فَأَقرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ، فَخَرَجَ سَهُمُ [رَجُلٍ] (٢) فَأَذَّنَ (٣). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٤) القُرْعَةُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فِي حَقِّ مَنِ اسْتَوَتْ دَعْوَاهُمْ فِي الشَّيْءِ. وَفُضِّلَ الصَّفُّ الأَوَّلُ عَلَى غَيْرِهِ لاسْتِمَاعِ القُرْآنِ إِذَا جَهَرَ الإِمَامُ، وَالتَّأْمِينِ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الفَاتِحَةِ. وَ (التَّهْجِيرُ): السَّبْقُ إِلَى الْمَسْجِدِ فِي الهَاجِرَةِ، فَمَنْ تَرَكَ قَائِلَتَهُ وَقَصَدَ إِلَى المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ، وَهُوَ فِي رِبَاطٍ. وَقَوْلُهُ: (إِلَّا اسْتَهَمُوا) الاسْتِهَامُ: الاقْتِرَاعُ، يُقَالُ: اسْتَهَمَ الرَّجُلَانِ، أَيْ: اقْتَرَعَا. وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (٥) أَيْ: قَارَعَ أَهْلَ السَّفِينَةِ، وَفِي

стр. 1086

الحَدِيثِ: (اذْهَبَا فَتَوَخَّيَا [الحَقَّ] (١)، ثُمَّ اسْتَهِمَا) (٢). وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ حَبْوًا) يَعْنِي: لِأَتَاهُمَا مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ كَالْمُقْعَدِ وَالصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، يُقَالُ: حَبَا السَّهْمُ يَحْبُو، إِذَا زَحَفَ إِلَى الهَدَفِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٣): حَبَا الصَّبِيّ يَحْبُو إِذَا مَشَى عَلَى أَرْبَعٍ. وَمِنْ بَابِ: الكَلَامِ فِي الأَذَانِ * حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (أَنَّهُ خَطَبَهُمْ فِي يَومِ رَزْغٍ) (٤). [رَخَّصَ] (٥) فِي الكَلَامِ فِي الأَذَانِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، مِنْهُمْ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ). وَفِيهِ إِبَاحَةُ التَّخَلُّفِ [عَنِ الجُمُعَةِ بَعْدَ] (٦) أَنْ قَالَ إِنَّهَا عزمَة. قَالَ ابن دُرَيْدٍ (٧): الرَّزْغَةُ: الطِّينُ الَّذِي يَبُلُّ القَدَمَ، وَقَدَ أَرْزَغَ المَطَرُ الأَرْضَ،

стр. 1087

وَقَالَ غَيْرُهُ (١): الرَّزْغَةُ أَشَدُّ مِنَ [الرَّدْغَةِ] (٢)، وَالرَّازِغُ: المُرْتَطِمُ فِيهَا. وَمِنْ بَابِ: أَذَانِ الأَعْمَى أَجَازَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥) أَذَانَ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُعَرِّفُهُ الوَقْتَ، لِأَنَّ أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتومٍ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ أَنْ يُقَالُ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ الرَّجُلُ بِمَا فِيهِ مِنَ العَاهَاتِ لِيُسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَفِيهِ جَوَازُ نِسْبَةِ الرَّجُلِ إِلَى أُمِّهِ إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ. وَفِيهِ تَكْرِيرُ اللَّفْظِ لِلتَّأْكِيدِ. وَفِيهِ تَكْنِيَةُ الْمَرْأَةِ. وَمِنْ بَابِ: الأَذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ * فِيهِ حَدِيثُ حَفْصَةَ (٦)، وَحَدِيثُ ابن عُمَرَ (٧).

стр. 1088

لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الأَذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ قَبْلَ الفَجْرِ (١). وَ [فِيهِ] (٢) دَلِيلٌ عَلَى مُوَاظَبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ، وَتَخْفِيفِهِ لَهُمَا. وَقَوْلُهَا: (كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ (٣)، وَخَالَفُهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فَرَوَوْهُ: (كَانَ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ) (٤) مَكَانَ: (إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّن). وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الجَمَاعَةِ عَنْ مَالِكٍ، ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي [بَابِ] (٥): مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ (٦): قَوْلُهُ: (إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ): انْتَظَرَ لِكَيْ يُؤَذِّنَ. وَالعُكُوفُ فِي اللُّغَةِ: الإِقَامَةُ، أَيْ: كَانَ يَرْقُبُ طُلُوعَ الْفَجْرِ لِيُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهِ،

стр. 1089

وَحِينَئِذٍ كَانَ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الفَجْرِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ. * وَقَوْلُهُ: (إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ) يَدُلُّ أَنَّ رُكُوعَهُ كَانَ مُتَّصِلًا بِأَذَانِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رُكُوعُهُ إِلَّا بِابْتِدَاءِ الفَجْرِ، وَكَذَلِكَ الأَذَانُ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَ البُخَارِيُّ الحَدِيثَ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ البَابَ. أَمَّا أَذَانُ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ، فَقِيلَ: لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (أَصْبَحْتَ) إِفْصَاحًا بِالصُّبْحِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الصُّبْحَ قَدْ ظَهَرَ، وَ [لَكِنْ] (١) عَلَى مَعْنَى التَّحْذِيرِ مِنْ طُلُوعِهِ وَالتَّحْضِيض لَهُ عَلَى النِّدَاءِ، أَوْ خِيفَةً ظُهُورِهِ، وَالْمَعْنَى: قَارَبْتَ الصَّبَاحَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (٢)، أَيْ: قَارَبْنَ، وَلَوْ كَانَ أَذَانُ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ بَعْدَ الفَجْرِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْمَرُوا بِالْأَكْلِ إِلَى وَقْتِ أَذَانِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ قَصْدَ البُخَارِيِّ إِنْبَاتُ أَذَانِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ: (إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِاللَّيْلِ) فَلَوْ كَانَ [أَذَانُ] (٣) ابن أُمِّ مَكْتُومٍ قَبْلَ الفَجْرِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: (بِلَيْلٍ) مَعْنَى؛ لِأَنَّ أَذَانَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الكَلَامُ أَنْ يَكُونَ نِدَاءُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي غَيْرِ اللَّيْلِ فِي وَقْتٍ يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ اللَّذَانِ كَانَا مُبَاحَيْنِ فِي وَقْتِ أَذَانِ بِلَالٍ. وَقَدْ رُوِيَ: (لَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ)، ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ (٤) وَرُوِيَ: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمَّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى

стр. 1090

يَطْلُعَ الفَجْرُ) (١)، وَهَذَا نَصٌّ قَاطِعٌ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ أَذَانَهُ لَوْ كَانَ بَعْدَ الفَجْرِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْمَرَ (٢) بِالأَكْلِ إِلَى وَقْتِ الجَمَاعَةِ عِلَّةٌ لَا تُوجِبُ فَسَادَ مَعْنَى الصِّيَامِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَذَانُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الأَكْلِ [لَا] (٣) لِلتَّمَادِي فِيهِ، لأَنَّهُ كَانَ لَهُ مَنْ يُرَاعِي الوَقْتَ مِمَّنْ يَقْبَلُ قَوْلَهُ، وَيَثِقُ بِهِ، وَلَمْ يَكُنِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ يَخْفَى عَلَيْهِمُ الأَكْلُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، فَيُزَاحِمُونَ بِهِ أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، بَلْ كَانُوا أَحْوَطَ لِدِينِهِمْ مِنْ ذَلِكَ. عَنْ أُنَيْسَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ إِذَا نَزَلَ بِلَالٌ وَأَرَادَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنْ يَصْعَدَ قَالُوا لَهُ: كَمَا أَنْتَ [حَتَّى] (٤) نَتَسَحَّرَ) (٥). وَمِنْ بَابِ: الأَذَانِ قَبْلَ الفَجْر * حَدِيثُ ابن مَسْعُودٍ ﵁ (٦). جَوَّزَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ الأَذَانَ لِلصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهُوَ قَوْلُ

стр. 1091

مَالِكٍ (١)، وَالشَّافِعِي (٢)، وَأَحْمَدَ (٣). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ الأَذَانُ لَهَا إِلَّا بَعْدَ الفَجْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ (٤)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٥)، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁. قَالَ الطَّحَاوِيُّ (٦): أَخْبَرَ ﷺ أَنَّ ذَلِكَ الأَذَانَ مِنْ بِلَالٍ كَانَ لِيَنْتَبِهَ النَّائِمُ، لَا لِلصَّلَاةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (إِنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِي: أَلَا إِنَّ العَبْدَ قَدْ نَامَ) (٧).

стр. 1092

فَثَبَتَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ نِدَائِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ إِنَّمَا كَانَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ مَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ إِذْ فِعْلُهُ كَانَ لِلصَّلَاةِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): قَوْلُ مَنْ قَالَ أَرَادَ بِهِ السُّحُورَ، لَوْ أَرَادَ بِهِ السُّحُورَ فَقَطْ لَقَالَ: حَيَّ عَلَى السُّحُورِ، وَلَمْ يَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَيَدْعُوَهُمْ إِلَيْهَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى السُّحُورٍ، فَثَبَتَ أَنَّهُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُمَا جَمِيعًا، فَيَكُونُ حَظًّا عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِنِ احْتَاجَ أَحَدٌ إِلَى غُسْلٍ اغْتَسَلَ، أَوْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ عَادَتْهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ، فَيَعْرِفَ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ وَقْتٌ يَسْتَرِيحُ فِيهِ بِنَوْمِهِ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ، وَيَنْتَبِهَ نَائِمُكُمْ) (٢)، وَهَذَا يُحتَاجُ إِلَيْهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَصُومُ دَهْرَهُ أَوْ عَلَيْهِ نَزْرٌ.

стр. 1093

* وَقَوْلُهُ: (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ) (١) أَيْ: مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُؤَذِّنَ بِلَيْلٍ الدَّهْرَ كُلَّهُ، فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَلَا يَمْنَعَنَكُمْ أَذَانُهُ المَعْهُودُ مِنْ سُحُورِكُمْ. * وَقَوْلُهُ: (لَيْسَ الفَجْرُ هَكَذَا) يُرِيدُ أَنَّ الفَجْرَ لَيْسَ هُوَ هَذَا الفَجْرَ الأَوَّلَ الْمُعْتَرِضَ فِي الأُفُقِ، وَإِنَّمَا الفَجْرُ الَّذِي يُحِلُّ وَيُحَرِّمُ: الطَّالِعُ فِي مَشْرِقِ الشَّمِس، الْمُسْتَطِيرُ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَلِذَلِكَ مَدَّ زُهَيْرٌ سَبَّابَتَيْهِ دَلَالَةٌ عَلَى طُلُوعِ الفَجْرِ وَانْتِشَارِهِ. وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: لَا حُكْمَ لِلْفَجْرِ الأَوَّلِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَامَةٌ لِلفَجْرِ الثَّانِي. وَمِنْ بَابٍ: كَمْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ؟ * فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن مُغَفَّلٍ ﵁ (٢)، وَحَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٣). قَوْلُهُ: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ) يُرِيدُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ لِمَنْ شَاءَ. وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَأَجَازَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀ (٤). وَمِنْ بَابٍ: مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ (٥). قَالَ الخَطَّابِي (٦): (إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ) بِالتَّاءِ.

стр. 1094

وَمِنْ بَابٍ: مَنْ قَالَ لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ * فيهِ حَدِيثُ مَالِكِ بن الحُوَيْرِثِ (١) رَوَاهُ وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: (وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا)، وَرَوَاهُ عَبْدُ الوَهَّابِ [عَنْ أَيُّوبَ فِي كِتَابِ خَبَرِ الوَاحِدِ (وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) (٢)، وَقَصَّرَ وُهَيْبٌ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ] (٣)، وَبِهَا يَتِمُّ الحَدِيثُ. قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: يُجْزِئُ فِي السَّفَرِ (٤) وَالحَضَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ السَّائِبُ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ يُؤَذِّنُ إِذَا قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَيُقِيمُ إِذَا نَزَلَ، حَتَّى كَانَ عُثْمَانُ ﵁ وَفَشَا النَّاسُ وَكَثُرُوا، زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عِنْدَ الزَّوْرَاءِ) (٥).

стр. 1095

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ: ابن أُمِّ مَكْتُومٍ وَبِلَالٌ) (١). قِيلَ (٢): إِنَّمَا اشْتَرَطَ السِّنَ فِي الإِمَامَةِ لِعِلْمِهِ ﷺ بِاسْتِوَائِهِمْ فِي القِرَاءَةِ وَالفِقْهِ، فَطَلَبَ الكَمَالَ فِي السِّنِ. وَمِنْ بَابِ: الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً * فِيهِ: أَبُو ذَرٍّ (٣)، وابنُ عُمَرَ (٤)، وَأَبُو جُحَيْفَة (٥). اسْتَحَبَّتْ طَائِفَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُسَافِرُ وَيُقِيمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الأَكْثَرِ (٦). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَذَّنَ، وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيِّ (٧). وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (أَنَّهُ كَانَ يُقِيمُ فِي السَّفَرِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا الصُّبْحَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ لَهَا وَيُقِيمُ) (٨).

стр. 1096

وَقَالَ عَطَاءٌ: (إِذَا كُنْتَ فِي سَفَرٍ وَلَمْ تُؤَذِّنْ وَلَمْ تُقِمْ فَأَعِدِ الصَّلَاةَ) (١)، وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِلرَّجُلَيْنِ: (أَذِّنَا وَأَقِيمَا). وَالعُلَمَاء عَلَى قَوْلٍ خِلَافَ قَوْلِ عَطَاءٍ، لأَنَّ الإِيجَابَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (أَذِّنَا وَأَقِيمَا) [أَرَادَ الفَضْلَ] (٢) بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: (أَذِّنَا)، وَالوَاحِدُ يُجْزِئُ. وَأَحَادِيثُ هَذَا البَابِ مَحْمُولَةٌ عِنْدَ العُلَمَاءِ عَلَى الاسْتِحْبَابِ (٣). وَمِنْ بَابِ: هَلْ يُتْبِعُ الْمُؤَذِّنُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا؟ * حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ (٤). قِيلَ (٥): إِنَّمَا يَتَتَبَّعُ الْمُؤَذِّنُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِيَعُمَّ النَّاسَ بِإِسْمَاعِهِ، وَأَمَّا إِدْخَالُهُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنِهِ فَلِيَتَقَوَّى عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ، فَكُلُّ مَا كَانَ أَنْدَى لِصَوْتِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ.

стр. 1097

قَالَ الحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُدْخِلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ (١)، وَهُوَ قَوْلُ الكُوفِيِّينَ (٢)، وَأَحْمَدَ (٣). وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَسْتَقبِلُ الْمُؤَذِّنُ بِالأَذَانِ وَالشَّهَادَةِ وَالإِقَامَةِ القِبْلَةَ، فَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ [قَالَ] (٤) بِوَجْهِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ (٥). وَكَرهَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَسْتَدِيرَ فِي أَذَانِهِ (٦)، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ الاسْتِدَارَةَ إِنْكَارًا شَدِيدًا (٧). * وَحَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الاسْتِدَارَةَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا) يَدُلُّ عَلَى الاسْتِدَارَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: (فَرَأَيْتُهُ يَدُورُ فِي أَذَانِهِ) (٨).

стр. 1098

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: إِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُسْمِعَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. قِيلَ: تَرْكُ إِنْكَارِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ ذَلِكَ حِينَ فَعَلَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): إِنْ زَالَ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ فِي الأَذَانِ فَهُوَ مَكْرُوهُ، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَمِمَّنْ كَرِهَ الأَذَانَ إِلَّا عَلَى وُضُوء: أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، (قَالَ: [لَا] (٢) يُؤَذِّنُ إِلَّا مُتَوَضِّئًا) (٣). وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَكْرَهُ الأَذَانَ إِلَّا عَلَى وُضُوءٍ، وَقَالَ: يُجْزِئُهُ إِنْ فَعَلَ (٤). وَمِنْ بَابِ: قَوْلِ الرَّجُلِ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) (٥). وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ قَوْلِ الرَّجُلِ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ. وَفِي الحَدِيثِ: الأَمْرُ بِالسَّكِينَةِ فِي الإِقْبَالِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَتَرْكُ الإِسْرَاعِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (أَحَقُّ مَا سَعَيْنَا إِلَيْهِ الصَّلَاةُ) (٦).

стр. 1099

وَرُوِيَ عَنِ ابن عُمَرَ ﵁: (أَنَّهُ سَمِعَ الإِقَامَةَ فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ) (١). وَرُوِيَ عَنْهُ: (أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي إِلَى الصَّلَاةِ)، وَقَالَ الرَّاوِي عَنْهُ: (لَوْ مَشَتْ مَعَهُ نَمْلَةٌ لَرَأَيْتُ أَلَّا يَسْبِقَهَا) (٢). قِيلَ: حَمَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ (عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ وَقْتِهَا. وَمِنْ بَابٍ: مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُوا * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٣). (وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، فَالنَّصْبُ عَلَى الإِغْرَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ: (وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ). وَإِنَّمَا [أَمَرَهُ] (٤) بِذَلِكَ لِئَلَّا يَغْلِبَ عَلَيْهِ البُهْرُ (٥)، فَلَا يَتَمَكَّنَ مِنْ تَرْتِيلِ القُرْآنِ، وَلَا مِنَ الوَقَارِ اللَّازِمِ لَهُ فِي الخُشُوعِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الحَدِيثَ عَلَى الْعُمُومِ، وَأَنَّ السَّكِينَةَ تَلْزَمُ مَنْ سَمِعَ الإِقَامَةَ كَمَا تَلْزَمُ مَنْ كَانَ فِي سَعَةٍ مِنَ الوَقْتِ.

стр. 1100

وَقَوْلُهُ (١): (إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ)، وَفِي قَوْلِهِ: (فَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ مَا أَدْرَكَ المَأْمُومُ مِنَ الصَّلَاةِ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدَ (٣). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَا أَدْرَكَ المَأْمُومُ مَعَ الإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَالَّذِي يَقْضِيهِ (٤) أَوَّلُ صَلَاتِهِ. وَمَنْ قَالَ الَّذِي يَقْضِيهِ أَوَّلُ صَلَاتِهِ فَحُجَّتُهُ: (وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا) وَالقَضَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِفَائِتٍ، وَمَعْلُومُ أَنَّ الفَائِتَ مِنْ صَلَاةِ المَأْمُومِ مَا سَبَقَهُ بِهِ إِمَامُهُ. حُجَّةُ القَوْلِ الأَوَّلِ: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)، وَالتَّمَامُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْآخِرِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: مَا أَدْرَكَ آخِرَ صَلَاتِهِ، لأَنَّهُ لَا يَكُونُ آخِرًا [إِلَّا] (٥) وَقَدْ تَقَدَّمَهُ أَوَّلٌ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي فَاتَهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ إِمَامُهُ، وَهُوَ قِرَاءَةُ أُمِّ القُرْآنِ وَسُورَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مِثْلِهِ. وَقِيلَ: القَضَاءُ يَكُونُ لِغَيْرِ فَائِتٍ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ

стр. 1101

سَمَاوَاتٍ﴾ (١) أَيْ: صَنَعَهُنَّ، وَقَالَ: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (٢) أَيْ: اصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانِعٌ، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ (٣): [مِنَ الكَامِلِ] وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا … دَاوُدُ أَوْ صَنَعَ السَّوَابِغِ تُبَّعُ أَيْ: صَنَعُهُمَا دَاوُدُ. وَيُقَالُ: قَضَيْتُ العَمَلَ وَالأَمْرَ، أَيْ: فَرَغْتُ مِنْهُمَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤). وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَا أَدْرَكَ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ. وَمِنْ بَابِ: مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْإِمَامَ؟ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ (٥). وَفَائِدَةُ الحَدِيثِ أَنْ تَكُونَ الإِقَامَةُ مُتَّصِلَةً بِالصَّلَاةِ، وَأَنْ يُقَامَ لَهَا بِحَضْرَةِ الإِمَامِ، وَأَمَرَهُم أَنْ لَا يَقُومُوا خَشْيَةَ الْمُهْلَةِ بَيْنَ الإِقَامَةِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّ شَأْنَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ اتِّصَالُهُ بِالإِقَامَةِ (٦). قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ (٧): إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا يَقُومُ النَّاسُ حَتَّى يَأْتِيَ

стр. 1102

الإِمَامُ عَلَى ظَاهِرٍ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالزُّهْرِي (١)، وَعَطَاءٍ (٢)، وَمَالِكٍ (٣) أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ فِي أَوَّلِ الإِقَامَةِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٤). وَقَالَ مَالِكٌ (٥) وَالشَّافِعِيُّ (٦): لَا يُكَبِّرُ الإِمَامُ حَتَّى يَفْرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الإِقَامَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ كَبَّرَ الإِمَامُ (٧). وَقَوْلُهُ: (لَا تَسْعَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَا تَقُمْ إِلَيْها مُسْتَعْجِلًا)، لأَنَّ السَّكِينَةَ لَازِمَةٌ عِنْدَ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى، وَفِي القِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتِشْعَارٌ لِحَالِ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى (٨). وَمِنْ بَابِ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ إِذَا ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ دُونَ أَنْ يَتَيَمَّمَ أَمْ لَا؟ (٩) قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ الإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ مُهْلَةٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِقَدْرِ

стр. 1103

اغْتِسَالِهِ ﷺ وَانْصِرَافِهِ إِلَيْهِمْ. وَفِيهِ جَوَازُ انْتِظَارِ الجَمَاعَةِ لإِمَامِها مَا دَامَ فِي سَعَةٍ مِنَ الوَقْتِ (١). وَمِنْ بَابِ قَوْلِ الرَّجُلِ: مَا صَلَّيْنَا * فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁ (٢). وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِذَا سُئِلَ هَلْ صَلَّيْتَ؟ فَيَكَرَهُ أَنْ يَقُولَ: لَمْ أُصَلِّ (٣). وَمِنْ بَابِ: الإِمَامِ تَعْرِضُ لَهُ الحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ، وَالكَلَامُ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، وَجَبَ عَلَى الإِمَامِ تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ اتِّصَالَ الإِقَامَةِ بِالصَّلَاةِ لَيْسَ مِنْ وَكِيدِ السُّنَنِ، وَإِنَّمَا مِنْ مُسْتَحَبِّهَا. وَكَرِهَ قَوْمٌ الكَلَامَ بَعْدَ الإِقَامَةِ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ، وَهَذَا الحَدِيثُ حُجَّةٌ لَهُمْ (٤). * * *

стр. 1104

وَمِنْ بَابِ: وُجُوبُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (١). قَوْلُهُ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ … ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ أَمْرِ الجَمَاعَةِ. وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الجَمَاعَةَ فِي الصَّلَاةِ سُنَّةٌ (٢) إِلَّا أَهْلَ الظَّاهِرِ، فَإِنَّهَا عِنْدَهُمْ فَرِيضَةٌ، وَاحْتَجُوا بِهَذَا الحَدِيثِ. قَالَ قَوْمٌ: الصَّلَاةُ الَّتِى أَمَرَ أَنْ يُحَرَّقَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هِيَ صَلَاةُ الجَمَاعَةِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: (لَا يَشْهَدُونَ العِشَاءَ، أَوْ لأُحَرِّقَنَّ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ) (٣). وَقَالَ قَوْمٌ (٤): هِيَ الجمعة.

стр. 1105

قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ (١): إِنَّ الحَدِيثَ فِي الإِحْرَاقِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ تَخَلَّفَ هُوَ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ لَا فِي غَيْرِهَا. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الجَمَاعَةِ سُنَّةٌ، أَنَّهُ حِينَ تَوَعَدَهُمْ بِالإِحْرَاقِ لَمْ يَقُلْ: إِنَّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا لَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ، وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا مَا سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ البَيَانَ مِنْهُ لِأُمَّتِهِ فَرْضٌ عَلَيْهِ. وَقِيلَ (٢): أُرِيدَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ فِي الْمُؤْمِنِينَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ كَعْبِ بن مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ، وَبَّخَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُوَبِّخِ الْمُنَافِقِينَ، لأَنَّهُ عَلِمَ سُوءَ طَوِيَّتِهِمْ، وَفَسَادَ دِينِهِمْ. وَ (العَرْقُ): العَظْمُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ لَحْمُ، وَقَدْ تَعَرَّقْتَ العَظْمَ، وَاعْتَرَقْتُهُ وَعَرَقْتُهُ: إِذَا أَكَلْتَ مَا عَلَيْهِ. وَ (العُرَاقُ): العَظْمُ الَّذِي لَا لَحْمَ عَلَيْهِ (٣)، وَرَجُلٌ مَعْرُوقُ الوَجْهٍ، أَيْ:

стр. 1106

خَفِيفُ لَحْمِ الوَجْهِ. وَأَمَّا [ضَرْبُ] (١) الْمَثَلِ بِالعَظْمِ السَّمِينِ وَالْمِرْمَاتَيْنِ فَإِنَّهُ أَرَادَ الشَّيْءَ الحقير (٢). وَمِنْ بَابِ: فَضْلِ الجَمَاعَةِ * فيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ ﵁ (٣)، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ (٤)، وَأَبِي هُرَيْرَة (٥) ﵄. قَوْلُهُ: (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا) يَدُلُّ عَلَى تَضْعِيفَ ثَوَابِ الْمُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ عَلَى ثَوَابِ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ بِهَذِهِ الأجْزَاءِ. قِيلَ (٦): وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الجَمَاعَةِ سُنَّةٌ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ صَلَاةَ الفَذِّ، وَسَمَّاهَا صَلَاةٌ، وَلِأَنَّهُ أَثْبَتَ لِلْجَمَاعَةِ فَضْلًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْجَمَاعَةِ فَضْلًا، وَأَنَّ دَرَجَةَ الفَذِّ أَنْقَصُ مِنْهَا، فَفَاضَلَ بَيْنَهُمَا، فَقَدِ اسْتَوَيَا فِي بَعْضِ الفَضِيلَةِ. * وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَرْبَعٌ، لِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) إِشَارَةٌ إِلَى تَفْسِيرِ الجُمَلِ الْمَذْكُورَةِ:

стр. 1107

فَقَوْلُهُ: (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ) هَذِهِ دَرَجَةٌ، وَهِيَ نِيَّةُ الصَّلَاةِ فِي الجَمَاعَةِ؛ * وَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يَخْطُ خُطْوَةٌ) دَرَجَةٌ ثَانِيَةٌ؛ * وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا صَلَّى) دَرَجَةٌ ثَالِثَةٌ؛ وَالدَّرَجَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ). وَمِنْ بَابٍ: فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (١). قَدْ تَبَيَّنَ فِي هَذَا الحَدِيثِ المَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ التَّفْضِيلَ لِشُهُودِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ، وَهُوَ اجْتِمَاعُ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِيهَا، فَلَمَّا خَصَّ اللهُ تَعَالَى الْفَجْرَ بِشُهُودِ المَلَائِكَةِ لَهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي العَصْرِ، أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى العَصْرِ، لِيَكُونَ مَنْ حَضَرَهُمَا تَرْفَعُ المَلَائِكَةُ عَمَلَهُ، وَيَشْفَعُونَ لَهُ (٢). وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اجْتِمَاعُ الْمَلَائِكَةِ فِي الفَجْرِ وَالعَصْرِ هُمَا الدَّرَجَتَانِ الزَّائِدَتَانِ عَلَى الخَمْسَةِ وَالعِشْرِينَ (٣) جُزْءًا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَا تَجْتَمِعُ المَلَائِكَةُ فِيهَا. وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (تَفْضُلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ)، فَذَكَرَ

стр. 1108

اجْتِمَاعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الفَجْرِ بِوَاوٍ فَاصِلَةٍ، وَاسْتَأْنَفَ [الكَلَامَ، وَقَطَعَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ الْمَلَائِكَةِ يُوجِبُ] (١) فَضْلًا وَدَرَجَةً زَائِدَةً عَلَى الخَمْسَةِ وَعِشْرِينَ، فَصَارَ لِلْفَجْرِ وَالعَصْرِ دَرَجَتَانِ لَيْسَنَا لِغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّلَوَاتِ. * وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ (٢) ﵁ جَوَازُ الغَضَبِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الدِّينِ، وَتَغيُّر أَحْوَالِ النَّاسِ. وَفِيهِ إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ بِالغَضَبِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. [وَفِيهِ] (٣) دَلِيلٌ أَنَّ الْمُنْكَرَ يُنْكَرُ بِقَدْرِ الاسْتِطَاعَةِ (٤). قَوْلُهُ: (مَا أَعْرِفُ مِنْ مُحَمَّدٍ شَيْئًا) أَيْ: مِنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ شَيْئًا لَمْ يَتَغَيَّرُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، إِلَّا الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ لِدِلَالَةِ الكَلَامِ عَلَيْهِ (٥). * وَقَوْلُهُ: (أَبْعَدُهُمْ مَمْشًى) يُرِيدَ أَنَّ كَثرَةَ الْأَجْرِ بِكَثْرَةِ الخُطَا. وَمِنْ بَابِ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الصَّلَاةِ (٦) أَخْبَرَنَا عُمَرُ بنُ أَحْمَدَ السَّمْسَارُ (٧)،

стр. 1109

أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ النَّقَّاش (١)، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بنُ أَحَمْدَ بْنِ القَاسِمِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ (٢)، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي مَالِكٌ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنِي الحَسَنُ بنُ سُفْيَانَ (٣)، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) (٤). قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى.

стр. 1110

قَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَأَخْبَرَنَا بِشْرُ بنُ أَحْمَدَ (١)، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بنُ الحُسَيْنِ (٢)، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَقَرَّبُوا إِلَى المَسْجِدِ، فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُعْرَى المَدِينَةُ، فَقَالَ: (بَنِي سَلِمَةَ أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ) (٣). وَمِنْ بَابِ احْتِسَابِ الآثَارِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ) (٤). قَالَ مُجَاهِدٌ: (خُطَاهُمْ آثَارُ المَشْيِ فِي الأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ) (٥). قِيلَ (٦): إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى بُعْدٍ مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 1111

فَأَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَةُ. (العَرَاءُ) الأَرْضِ الخَالِيَةُ. وَقِيلَ: (العَرَاءُ): مَا اتَّسَعَ مِنَ الْأَرْضِ، يُرِيدُ كَرَاهِيَّةَ خُلُوِّ الْمَوْضِعِ مِنَ النَّاسِ، قِيلَ: عَرِيَ الْمَكَانُ، أَيْ: خَلَا، وَأَعْرَيْتُهُ أَنَا. حَضَّهُمْ عَلَى احْتِسَابِ الآثَارِ، وَطَلَبِ الأَجْرِ فِي مَشَيِهِمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَلِذَلِكَ فَضَّلَ المَقَارَبَةَ (١) بَيْنَ الخُطَا فِي الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى الإِسْرَاعِ إِلَيْهَا. حَضَ الَّذِينَ أَرَادُوا النُّقْلَةَ، أَيْ: قُرْبَ مَسْجِدِهِ عَلَى الثَّبَاتِ فِي مَوْضِعِهِمْ وَإِنْ نَأَتْ، وَرَغَّبَهُمْ فِي احْتِسَابِ خُطَاهُمْ وَمَشْيِهِمْ إِلَى الصَّلَاةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (الْأَبْعَدُ فَالأَبْعدُ مِنَ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا) (٢). وَكَانَ أَنَسٌ ﵁ يَتَجَاوَزُ الْمَسَاجِدَ الْمُحْدَثَةَ إِلَى الْمَسَاجِدِ القَدِيمَةِ (٣). قِيلَ: كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ طَلبًا لِلْأَجْرِ بِكِثْرَةِ الخُطَا، وَأَمَّا الحَسَنُ فَقَالَ: كَانُوا

стр. 1112

يُحِبُّون أَنْ يُكَثِّرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ بِنَفْسِهِ (١). يَعْنِي: لَا يَدَعُ مَسْجِدَ قَوْمِهِ. وَمِنْ بَابٍ: فَضْلِ صَلَاةِ العِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٢). قيلَ: حَذَّرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالْمُنَافِقِينَ لِرُكُونِهِمْ إِلَى النَّوْمِ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الفَجْرِ، لِكَرَاهِيَتِهِمُ الْقِيَامَ مِنَ النَّوْمِ. وَمِنْ بَابِ اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ * فِيهِ حَدِيثُ مَالِكِ بن الحُوَيْرِثِ: (ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرَكُمَا) (٣). قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: الاثْنَانِ جَمْعُ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الحَدِيثِ، وَقَالُوا: كُلُّ جَمَاعَةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ فَالمُصَلِّي فِيهَا لَهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (٤): إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ لَهُمَا أَجْرُ التَّضْعِيفِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بن كَعْبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

стр. 1113

(صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ) (١) دَلِيلٌ أَنَّ الرَّجُلَ مَعَ الرَّجُلِ جَمَاعَةٌ (٢). وَمِنْ بَابِ: مَنْ جَلَسَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٣). قِيلَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤)، يَعْنِي: الْمُصَلِّينَ وَالْمُنتَظِرِينَ لِلصَّلَاةِ. وَمِنْ بَابٍ: فَضْلِ مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ أَوْ رَاحَ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٥). وَفِيهِ الحَضُّ عَلَى مُوَاظَبَةِ الْمَسَاجِدِ لِلصَّلَوَاتِ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةَ * فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن بُحَيْنَةَ (٦).

стр. 1114

كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ أَنْ يَرْكَعَ الرَّجُلُ رَكْعَتَي الفَجْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَالإِمَامُ في صَلَاةِ الفَجْرِ، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (١)، وَأَحْمَدَ (٢)، وَإِسْحَاقَ (٣). وَقَالَ قَوْمٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيهِمَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ الأَخِيرَةَ مَعَ الإِمَامِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ (٤). وَقَالَ مَالِكٌ (٥): إِنْ خَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ فَلَا يُصَلِّيهِمَا، وَلْيَدْخُلْ مَعَ الإِمَامِ. وَحُجَّةُ القَوْلِ الأَوَّلِ: أَنَّ تَشَاغُلَهُ بِالفَرِيضَةِ أَوْلَى مِنْ تَشَاغُلِهِ بِالتَّطَوُّع. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي حَدِيثِ ابن بُحَيْنَةَ: (لَا تَجْعَلُوا هَذِهِ الصَّلَاةَ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَمَا بَعْدَهَا، وَاجْعَلُوا بَيْنَهُمَا فَصْلًا) (٦)، قَالَ (٧): إِنَّمَا كَرِهَ وَصْلَهُ إِيَّاهَا بِالفَرِيضَةِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ دُونَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ يَسِيرٍ.

стр. 1115

وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ السَّائِبِ بن يَزِيدَ قَالَ: (صَلَّيْتُ مَعَ (١) مُعَاوِيَةَ ﵁ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ قُمْتُ لِأَتَطَوَّعَ، فَأَخَذَ بِثَوْبِي، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ حَتَّى تَقَدَّمَ أَوْ تَكَلَّمَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ) (٢). قيلَ (٣): النَّهْيُّ عَنْ ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ: فَرْضٍ وَنَفْلٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، كَمَا نَهَى عَنْهُ مُعَاوِيَةُ ﵁ في الصَّلَاةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ. قِيلَ: ذَكَرَ البُخَارِيُّ الحَدِيثَ فِي التَّرْجَمَةِ ثُمَّ تَرَكَهُ بِلَا إِسْنَادٍ، لِأَنَّ ابنَ عُيَيْنَةَ، وَحَمَّادَ بنَ زَيْدٍ، وَحَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ أَوْقَفُوهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٤). * وَقَوْلُهُ: (لَاثَ بِهِ النَّاسُ) أَيْ: أَحَاطُوا بِهِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ اجْتَمَعَ وَالْتَبَسَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَهُوَ لَائِثٌ، يُقَالُ: لَاثَ الْأَزْرَارَ وَالعِمَامَةَ: إِذَا رَدَّ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. * * *

стр. 1116

وَمِنْ بَابِ: حَدُّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ (١). الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ: الحَضُّ عَلَى شُهُودِ الجَمَاعَةِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا. وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ جَوَازُ الأَخْذِ بِالشِّدَّةِ لِمَنْ جَازَتْ لَهُ الرُّخْصَةُ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنِ الجَمَاعَةِ لِعُذْرِ الْمَرَضِ؛ فَلَمَّا تَحَامَلَ عَلَى نَفْسِهِ، وَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الأَرْضِ، دَلَّ عَلَى فَضْلِ الشِّدَّةِ عَلَى الرُّخْصَةِ. قيل (٢): كَانَ الرَّبِيعُ بنُ خُثَيْمٍ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَكَانَ أَصَابَهُ الفَالِجُ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّكَ لَفِي عُذْرٍ، فَيَقُولُ: أَجَلْ؛ وَلَكِنِّي أَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ. وَكَانَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ ابْنَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائِةٍ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ (٣). وَقَالَ سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ (٤): مَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً إِلَّا وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ. وَقَوْلُهَا: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ) أَيْ: سَرِيعُ الحُزْنِ وَالبُكَاءِ. يُقَالُ: أَسِفَ الرَّجُلُ يَأْسَفُ إِذَا اشْتَدَّ حُزْنُهُ، ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (٥) أَيْ: يَا حُزْنًا.

стр. 1117

وَقِيلَ: الأَسِيفُ: الضَّعِيفُ. وَمِنْ بَابِ: الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ وَالعِلَّةِ * حَدِيثُ ابن عُمَرَ (١)، وَحَدِيثُ عِتْبَانَ بن مَالِكٍ (٢). التَّخَلُّفُ عَنِ الجَمَاعَاتِ فِي شِدَّةِ الْمَطَرِ وَالظُّلْمَةِ وَالرَّيحِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مُبَاحٌ بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ، لأَنَّ عِتْبَانَ بنَ مَالِكِ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ مَكَانًا يَتَّخِذُهُ مُصَلًّى إِذَا كَانَ الْمَطَرُ وَالسَّيْلُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ﷺ . وَفِي قَوْلِهِ: (أَلَا صَلُّوا فِي الرَّحَالِ) دَلِيلٌ أَنَّ شُهُودَهُ الجَمَاعَةَ سُنَّةٌ. وَمِنْ بَابٍ: هَلْ يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ؟ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عَبَّاس ﵁ (٣)، وَحَدِيثُ أَنَسٍ (٤). وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ الجَمَاعَاتِ تُقَامُ بِمَنْ حَضَرَهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَفِي البُيُوتِ. وَفِيهِ أَنَّ الجُمُعَةَ يُتَخَلَّفُ عَنْهَا فِي الْمَطَرِ كَمَا يُتَخَلَّفُ عَنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. * وَقَوْلُهُ: (فَتَجِيئُونَ إِلَيَّ تَدُوسُونَ الطِّينَ إِلَى رُكَبِكُمْ)، يُقَالُ: دَاسَتِ الخَيْلُ القَتْلَى أَيْ: وَطِئَتْهُمْ.

стр. 1118

* وَقَوْلُهُ: (أَنْ أُخْرِجَكُمْ) مِنَ الحَرَجِ، وَهُوَ الضِّيقُ، أَيْ: أَنْ أُكَلِّفُكُمْ مَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ: * فِيهِ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (١)، وَحَدِيثُ أَنَسٍ (٢)، وَابْنِ عُمَرَ (٣). ذَكَرَ ابن الْمُنْذِرِ (٤) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ بِظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ (٥) وَأَحْمَدَ (٦)، وَإِسْحَاقَ (٧). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٨): يَبْدَأُ بِالطَّعَامِ إِذَا كَانَتْ نَفْسُهُ شَدِيدَةَ التَّوَقَانِ إِلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٩): يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا خَفِيفًا. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (١٠): لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ حَضَرَ طَعَامُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَسَمِعَ الإِقَامَةَ أَنْ يَبْتَدِأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ العَشَاءِ.

стр. 1119

وَحَمَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ قَوْلَهُ: (فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ) لِمَا يُخْشَى أَنْ يُفَارِقَهُ الخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ. وَقَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ: (مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى طَعَامِهِ [حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ] (١) وَقَلْبُهُ فَارغٌ) (٢) يَدُلُّ عَلَى هَذَا، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي فَارغَ البَالِ مِنْ خَوَاطِرِ الدُّنْيَا، لِيَتَفَرَّغَ إِلَى مُنَاجَاةِ رَبِّهِ . وَاحْتَجَ الكُوفِيُّونَ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَإِسْحَاقُ (٥) بِهَذَا الحَدِيثِ فِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ وَاسِعٌ، وَقَالُوا: لَوْ كَانَ لَهَا وَقْتُ وَاحِدٌ مَا كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَغِلَ فِيهِ بِالْأَكْلِ حَتَّى يَفُوتَ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا دُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ وَبِيَدِهِ مَا يَأْكُلُهُ * فِيهِ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ ﵁، قَالَ: (رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا) (٦). هَذَا الحَدِيثُ يُفَسِّرُ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ (٧) أَنْ يَبْدَأَ بِالعَشَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ قَامَ

стр. 1120

إِلَى الصَّلَاةِ وَتَرَكَ الأَكْلَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ لَا الوُجُوبِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ (١): مَنْ شَرَعَ فِي الأَكْلِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الأَكْلِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ شُغْلِ البَالِ، وَأَنَّ الَّذِي أُمِرَ بِالأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ بَدَأَ بِهِ، لِئَلَّا يَشْغَلَ بِهِ بَالَهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵁ خِلَافَ هَذَا: (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ) (٢)، وَهَذَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ أَكْلِهِ مِنْهُ قَبْلَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ. وَمِنْ بَابِ: مَا كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (كَانَ يَكُونُ ﷺ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ) (٣) يَعْنِي: خِدْمَةِ أَهْلِهِ، (فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَيْهَا). فِي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُصَلِّيَ مُشَمِّرًا، وَكَيْفَ كَانَ مِنْ حَالَاتِهِ. قَالَ مَالِكٌ (٤): لَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى هَيْئَةِ جُلُوسِهِ وَبِذْلَتِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الأَئِمَّةَ وَالعُلَمَاءَ يَتَوَلَّوْنَ أُمُورَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الصَّالِحِينَ (٥).

стр. 1121

وَمِنْ بَابٍ: مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ * فِيهِ حَدِيثُ مَالِكِ بن الحُوَيْرِثِ (١). فِي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعَلِّمَ غَيْرَهُ الصَّلَاةَ وَالوُضُوءَ عَمَلًا وَعِيَانًا، كَمَا فَعَلَ جِبْرِيلُ ﵇ بِالنَّبِيِّ ﷺ . * وَقَوْلُهُ: (وَكَانَ الشَّيْخُ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ)، ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٢) إِلَى هَذَا، وَقَالَ: كُلُّ مَنْ سَجَدَ السَّجْدَةَ الأَخِيرَةَ مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى لَا يَقُومُ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا. وَمِنْ بَابِ: أَهْلُ العِلْمِ وَالفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ * حَدِيثُ (مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) (٣). قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: يَؤُمُّ [القَوْمَ] (٤) أَعْلَمُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ. قَالَ عَطَاءُ: (يَؤُمُّ القَوْمَ أَفْقَهُهُمْ) (٥)، فَإِنْ كَانُوا فِي الفِقْهِ سَوَاءً فَأَقْرَؤُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي الفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَسَنُّهُمْ. وَقَالَ قَوْمٌ: القَارِئُ أَوْلَى مِنَ الفَقِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ (٦)،

стр. 1122

وَأَبِي حَنِيفَةَ (١)، وَأَحْمَدَ (٢)، وَإِسْحَاقَ (٣)، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ [أَبُو] (٤) مَسْعُودٍ البَدْرِي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى) (٥). وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ حِينَ أَقْبَلُوا مِنْ مَكَّةَ لأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، وَفِيهِمْ أَبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِ الأَسَدِ، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁) (٦). قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ حِينَ كَانَ حُفَّاظُ القُرْآنِ قَلِيلًا، وَقْتَ قُدِّمَ عَمْرُو بنُ سَلِمَةَ وَهُوَ (٧) صَبِيٌّ لِلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ عَشِيرَتِهِ وَفِيهِ الشُّيُوخُ. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ الَّذِينَ قَالُوا: يَؤُمُّهُمْ أَعْلَمُهُمْ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا) (٨). وَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ أَحَدٌ فِي الصَّلَاةِ، وَجَعَلَ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنْهَا بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لِأَبِي بَكْرٍ، كَانَ جَمِيعُ أُمُورِ الإِسْلَامِ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ،

стр. 1123

وَلِهَذَا قَدَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَصَحَ أَنَّهُ أَفْضَلُ الأُمَّةِ بَعْدَهُ. فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِ الذَّنوبِ وَالذُّنُوبَيْنِ فِي حَقِّ عُمَرَ ﵁، وَقَوْلِهِ: (فِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ) (١)؛ قِيلَ: إِنَّمَا الضَّعْفُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي وَلِيَهَا لَا فِي عِلْمِهِ، قَلَّتْ مُدَّتُهُ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ نَشْرِ السُّنَنِ وَتَثْبِيتِهَا، لأَنَّهُ ابْتُلِيَ بِارْتِدَادَ النَّاسِ، وَمُقَاتَلَةِ العَرَبِ. وَأَمَّا مُرَاجَعَةُ عَائِشَةَ ﵂، وَحِرْصُهَا أَنْ يُسْتَخْلَفَ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّمَا خَشِيَتْ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَيَقُولُونَ: مُذْ أَمَّنَا هَذَا فَقَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وَمِنْ بَابِ: مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٢). سُنَّةُ الإِمَامَةِ تَقْدِيمُ الإِمَامِ وَتَأَخُّرُ النَّاسِ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُ أَحَدٌ مَعَ الإِمَامِ فِي صَفٍّ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا فِي هَذَا الحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، مِثْلَ أَنْ يَضِيقَ الْمَوْضِعُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّقَدُّمِ، فَيَكُونَ مَعَهُمْ فِي صَفٍّ، وَمِثْلُ العُرَاةِ إِذَا أُمِنَ أَنْ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَالمَوْضِعُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونُ رَجُلٌ وَاحِدٌ مَعَ الإِمَامِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَى يَمِينِ الإِمَامِ فِي الصَّفِّ مَعَهُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ أَدَارَهُ مِنْ خَلْفِهِ
следующие страницы →