← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1119–1158 · переход к 1124.

стр. 1119

وَحَمَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ قَوْلَهُ: (فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ) لِمَا يُخْشَى أَنْ يُفَارِقَهُ الخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ. وَقَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ: (مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى طَعَامِهِ [حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ] (١) وَقَلْبُهُ فَارغٌ) (٢) يَدُلُّ عَلَى هَذَا، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي فَارغَ البَالِ مِنْ خَوَاطِرِ الدُّنْيَا، لِيَتَفَرَّغَ إِلَى مُنَاجَاةِ رَبِّهِ . وَاحْتَجَ الكُوفِيُّونَ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَإِسْحَاقُ (٥) بِهَذَا الحَدِيثِ فِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ وَاسِعٌ، وَقَالُوا: لَوْ كَانَ لَهَا وَقْتُ وَاحِدٌ مَا كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَغِلَ فِيهِ بِالْأَكْلِ حَتَّى يَفُوتَ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا دُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ وَبِيَدِهِ مَا يَأْكُلُهُ * فِيهِ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ ﵁، قَالَ: (رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا) (٦). هَذَا الحَدِيثُ يُفَسِّرُ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ (٧) أَنْ يَبْدَأَ بِالعَشَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ قَامَ

стр. 1120

إِلَى الصَّلَاةِ وَتَرَكَ الأَكْلَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ لَا الوُجُوبِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ (١): مَنْ شَرَعَ فِي الأَكْلِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الأَكْلِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ شُغْلِ البَالِ، وَأَنَّ الَّذِي أُمِرَ بِالأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ بَدَأَ بِهِ، لِئَلَّا يَشْغَلَ بِهِ بَالَهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵁ خِلَافَ هَذَا: (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ) (٢)، وَهَذَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ أَكْلِهِ مِنْهُ قَبْلَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ. وَمِنْ بَابِ: مَا كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (كَانَ يَكُونُ ﷺ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ) (٣) يَعْنِي: خِدْمَةِ أَهْلِهِ، (فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَيْهَا). فِي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُصَلِّيَ مُشَمِّرًا، وَكَيْفَ كَانَ مِنْ حَالَاتِهِ. قَالَ مَالِكٌ (٤): لَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى هَيْئَةِ جُلُوسِهِ وَبِذْلَتِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الأَئِمَّةَ وَالعُلَمَاءَ يَتَوَلَّوْنَ أُمُورَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الصَّالِحِينَ (٥).

стр. 1121

وَمِنْ بَابٍ: مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ * فِيهِ حَدِيثُ مَالِكِ بن الحُوَيْرِثِ (١). فِي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعَلِّمَ غَيْرَهُ الصَّلَاةَ وَالوُضُوءَ عَمَلًا وَعِيَانًا، كَمَا فَعَلَ جِبْرِيلُ ﵇ بِالنَّبِيِّ ﷺ . * وَقَوْلُهُ: (وَكَانَ الشَّيْخُ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ)، ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٢) إِلَى هَذَا، وَقَالَ: كُلُّ مَنْ سَجَدَ السَّجْدَةَ الأَخِيرَةَ مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى لَا يَقُومُ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا. وَمِنْ بَابِ: أَهْلُ العِلْمِ وَالفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ * حَدِيثُ (مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) (٣). قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: يَؤُمُّ [القَوْمَ] (٤) أَعْلَمُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ. قَالَ عَطَاءُ: (يَؤُمُّ القَوْمَ أَفْقَهُهُمْ) (٥)، فَإِنْ كَانُوا فِي الفِقْهِ سَوَاءً فَأَقْرَؤُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي الفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَسَنُّهُمْ. وَقَالَ قَوْمٌ: القَارِئُ أَوْلَى مِنَ الفَقِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ (٦)،

стр. 1122

وَأَبِي حَنِيفَةَ (١)، وَأَحْمَدَ (٢)، وَإِسْحَاقَ (٣)، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ [أَبُو] (٤) مَسْعُودٍ البَدْرِي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى) (٥). وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ حِينَ أَقْبَلُوا مِنْ مَكَّةَ لأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، وَفِيهِمْ أَبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِ الأَسَدِ، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁) (٦). قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ حِينَ كَانَ حُفَّاظُ القُرْآنِ قَلِيلًا، وَقْتَ قُدِّمَ عَمْرُو بنُ سَلِمَةَ وَهُوَ (٧) صَبِيٌّ لِلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ عَشِيرَتِهِ وَفِيهِ الشُّيُوخُ. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ الَّذِينَ قَالُوا: يَؤُمُّهُمْ أَعْلَمُهُمْ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا) (٨). وَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ أَحَدٌ فِي الصَّلَاةِ، وَجَعَلَ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنْهَا بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لِأَبِي بَكْرٍ، كَانَ جَمِيعُ أُمُورِ الإِسْلَامِ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ،

стр. 1123

وَلِهَذَا قَدَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَصَحَ أَنَّهُ أَفْضَلُ الأُمَّةِ بَعْدَهُ. فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِ الذَّنوبِ وَالذُّنُوبَيْنِ فِي حَقِّ عُمَرَ ﵁، وَقَوْلِهِ: (فِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ) (١)؛ قِيلَ: إِنَّمَا الضَّعْفُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي وَلِيَهَا لَا فِي عِلْمِهِ، قَلَّتْ مُدَّتُهُ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ نَشْرِ السُّنَنِ وَتَثْبِيتِهَا، لأَنَّهُ ابْتُلِيَ بِارْتِدَادَ النَّاسِ، وَمُقَاتَلَةِ العَرَبِ. وَأَمَّا مُرَاجَعَةُ عَائِشَةَ ﵂، وَحِرْصُهَا أَنْ يُسْتَخْلَفَ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّمَا خَشِيَتْ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَيَقُولُونَ: مُذْ أَمَّنَا هَذَا فَقَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وَمِنْ بَابِ: مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٢). سُنَّةُ الإِمَامَةِ تَقْدِيمُ الإِمَامِ وَتَأَخُّرُ النَّاسِ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُ أَحَدٌ مَعَ الإِمَامِ فِي صَفٍّ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا فِي هَذَا الحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، مِثْلَ أَنْ يَضِيقَ الْمَوْضِعُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّقَدُّمِ، فَيَكُونَ مَعَهُمْ فِي صَفٍّ، وَمِثْلُ العُرَاةِ إِذَا أُمِنَ أَنْ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَالمَوْضِعُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونُ رَجُلٌ وَاحِدٌ مَعَ الإِمَامِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَى يَمِينِ الإِمَامِ فِي الصَّفِّ مَعَهُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ أَدَارَهُ مِنْ خَلْفِهِ

стр. 1124

إِلَى يَمِينِهِ (١). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٢): إِنَّمَا أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ لِيُعْلِمَ [النَّاسَ] (٣) تَكْبِيرَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ؛ إِذْ كَانَ ﷺ قَاعِدًا، وَفِي القَوْمِ مَنْ لَا يَرَاهُ وَلَا يَعْلَمُ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّ الأَئِمَّةَ إِذَا كَانُوا بِحَيْثُ لَا يَرَاهُمْ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِمْ أَنْ يَجْعَلُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِمْ مَنْ يُعْلِمُهُمْ تَكْبِيرَهُ وَرُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، وَيَكُونُ جَائِزًا أَنْ يَرْكَعَ بِرُكُوعِهِ وَيَسْجُدَ بِسُجُودِهِ، وَلَا يَرَى الإِمَامَ. وَفِي قَوْلِهِ: (اسْتَأْخَرَ) دَلِيلٌ أَنَّ العَمَلَ القَلِيلَ فِي الصَّلَاةَ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الإِمَامُ الأَوَّلُ [فَتَأَخَّرَ] (٤) أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرُ جَازَتْ صَلَاتُهُ * فِيهِ حَدِيثُ سَهْلِ بن سَعْدٍ ﵁ (٥). فِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٦)، وَالثَّوْرِيِّ (٧)،

стр. 1125

وَأَبِي حَنِيفَةَ (١). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٢): فِيهِ مِنَ الفِقْهِ خَطَأُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَصَلَّى بَعْدَهَا، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ الجَمَاعَةِ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا بِتَسْلِيمٍ، ثُمَّ يَدْخُلَ مَعَهُمْ، فَإِنْ دَخَلَ مَعَهُمْ دُونَ سَلَامٍ فَسُدَتْ عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ قَضَاؤُهَا. وَدَلِيلُ هَذَا الحَدِيثِ خِلَافٌ لِقَوْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ الَّتِي كَانَ صَلَّى أَبُو بَكْرٍ [بَعْضَهَا] (٣)، وَائْتَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فِي بَقِيَّتِهَا، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُبْتَدِئًا، وَالقَوْمُ مُتِمِّينَ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الَّذِي صَلَّى بَعْضٍ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَدَخَلَ فِيهَا مَعَ الإِمَامِ تَكُونُ لِلْإِمَامِ وَالَّذِينَ أَحْرَمُوا مَعَهُ ابْتِدَاءً، وَتَكُونُ لِلَّذِي دَخَلَ مَعَهُ فِيهَا بَعْدَمَا صَلَّى بَعْضَهَا تَمَامًا إِذَا أَتَمَّ بَقِيَّتَهَا، وَخَرَجَ مِنَ الائْتِمَامِ [فِيمَا لَيْسَ عَمَلُهُ مِنْهَا] (٤). وَفِيهِ (٥) أَنَّ الإِمَامَ الْمَعْهُودَ إِذَا أَتَى وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ قُدِّمَ إِلَّا أَنْ يَأْبَى الْمُسْتَخْلَفُ كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِيَسْتَكْمِلَ فَضْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الإِمَامَةِ. وَقِيلَ: هَذَا مَوْضِعُ خُصُوصِ النَّبِيِّ ﷺ ، لأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ،

стр. 1126

وَلَيْسَ لِسَائِرِ النَّاسِ اليَوْمَ مِنَ الفَضْلِ مَنْ يَجِبُ أَنْ يُتَأَخَّرَ لَهُ. وَقِيلَ: كَانَ جَائِزًا لِأَبِي بَكْرٍ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، لإِشَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ. وَفِي قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ لِأَبِي بَكْرٍ: (تُصَلِّي لِلنَّاسِ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤَذِّنَ هُوَ الَّذِي يُقَدِّمُ لِلصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ يَخْدُمُ أَمْرَ الإِمَامَةِ وَجَمَاعَةَ أَهْلِ الْمَسْجِدِ، وَهِيَ وِلَايَةٌ. وَفِيهِ أَنَّ الإِمَامَ يُنْتَظَرُ مَا لَمْ يُخْشَ فَوَاتُ الوَقْتِ الفَاضِلِ. وَفِيهِ شُكْرُ اللَّهِ عَلَى الوَجَاهَةِ فِي الدِّينِ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا اسْتَوَوْا فِي القِرَاءَةِ * حَدِيثُ مَالِكِ بن حُوَيْرِثٍ (١). قَوْلُهُ: (وَلْيَؤُمُّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الإِمَامَةَ تُسْتَحَقُّ بِالسِّنِّ إِذَا كَانَ مَعَهُ عِلْمٌ وَفَضْلٌ. وَإِنْ تَعَرَّى السِّنُّ مِنَ العِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ وَالفَضْلِ، فَلَا حَظَّ لِلْكَبِيرِ فِي الإِمَامَةِ، بِدَلِيلِ تَقْدِيمِ النَّبِيِّ ﷺ عَمْرَو بنَ سَلِمَةَ وَهُوَ صَبِيٌّ فِي مَسْجِدِ عَشِيرَتِهِ، وَفِيهِمُ الشُّيُوخُ وَالكُهُولُ (٢). * * *

стр. 1127

وَمِنْ بَابِ: إِذَا زَارَ الإِمَامُ قَوْمًا فَأَمَّهُمْ * فِيهِ حَدِيثُ عِتْبَانَ بن مَالِكٍ (١)، وَيُعَارِضُ حَدِيثَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَطِيَّةَ: (مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ) (٢). وَأَبُو عَطِيَّةَ مَجْهُولٌ لَا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ (٣)، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ: إِنَّ صَاحِبَ الدَّارِ أَوْلَى بِالإِمَامَةِ (٤). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: وَلصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يُقَدِّمَ غَيْرَهُ مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ. قَالَ مَالِكٌ (٥): يُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ إِذَا حَضَرَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَنْ يُقَدِّمَهُ لِلصَّلَاةِ، وَأَمَّ أَبُو مُوسَى ابنَ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ فِي دَارِهِ (٦).

стр. 1128

وَقَالَ عَطَاءٌ (١): صَاحِبُ الدَّارِ يَؤُمُّ مَنْ جَاءَهُ. وَمِنْ بَابِ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ * قَالَ ابن شِهَابٍ: (كَانُوا يَأْخُذُونَ بِالأَحْدَثِ فَالأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (٢)، يَعْنِي أَنَّ صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ فَاعِدًا وَهُمْ قِيَامٌ نَاسِخٌ لِصَلَاتِهِ بِالنَّاسِ جَالِسًا وَهُمْ جُلُوسٌ. وَقَالَ مَنْ خَالَفَ أَهْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي تِلْكَ مَأْمُومًا. رَوَى مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوفِّيَ فِيهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَاعِدًا) (٣). وَرَوَى حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ﵁

стр. 1129

قَاعِدًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ) (١). وَحُجَّةُ الْآخَرِينَ مَا رُوِيَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَسَارٍ أَبِي بَكْرٍ ﵁). وَذَلِكَ قُعُودُ الإِمَامِ لَا قُعُودُ الْمَأْمُومِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِمَامًا لَكَانَ صَلَّى [اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (٢) يَقْعُدُ عَنْ يَمِينِهِ)، ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي بَابِ: الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ (٣). وَحُجَّةٌ أُخْرَى: وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي القِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى أَبُو بَكْرٍ) (٤)، وَلَوْلَا أَنَّهُ ﷺ كَانَ الْإِمَامَ مَا جَهَرَ بِالقِرَاءَةِ،

стр. 1130

لأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ كَانَتْ صَلَاةً يُجْهَرُ فِيهَا بِالقِرَاءَةِ، وَلِذَلِكَ عَلِمَ ﷺ الْمَوْضِعَ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁. * وَقَوْلُهُ: (فَذَهَبَ لِيَنُوءَ) أَيْ: لِيَنْهَضَ، يُقَالُ لِكُلِّ نَاهِضٍ بِثِقْلِ مَا يَحْمِلُهُ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الوُضُوءُ، وَلِذَلِكَ تَوَضَّأَ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَ (المِخْضَبُ): الْمِرْكَنُ، وَهُوَ مِثْلُ الإِجَانَةِ يُغْتَسَلُ فِيهِ، وَتُغْسَلُ فِيهِ الثِّيَابُ. * وَقَوْلُهُ: (فَجُحِشَ شِقُّهُ): الجَحْشُ مِثْلُ الخَدْشِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدِ (١): هُوَ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ كَالخَدْشِ فَيَنْسَجِحَ مِنْهُ جِلْدُهُ، أَيْ: يَتَقَشَّرَ. وَمِنْ بَابِ: مَتَى يُسْجَدُ خَلْفَ الإِمَامِ؟ * فِيهِ حَدِيثُ البَرَاءِ ﵁: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا) (٢). يُقَالُ: حَنَى ظَهْرَهُ أَيْ: طَأطَأَهُ، وَفِي الحَدِيثِ: (إِيَّاكَ وَالحُنْوَةَ) (٣)، [يَعْنِي

стр. 1131

في] (١) الصَّلَاةِ، وَهُوَ طَأْطَاةُ (٢) الرَّأْسِ وَتَقْوِيسُ الظَّهْرِ، وَمَحْنِيَةُ الوَادِي: مُنْعَطَفُهُ. وَعَبْدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ الرَّاوِي عَنِ البَرَاءِ هُوَ الخَطْمِيُّ، أَنْصَارِيٌّ مِنْ بَنِي خَطْمَةَ، وَكَانَ وَالِيًا لابْنِ الزُّبَيْرِ ﵁. وَمِنْ بَابِ: إِثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ * حَدِيثُ: (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ) (٣) فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَعِيدٌ لِمَنْ خَالَفَ إِمَامَهُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ. وَمِنْ بَابِ: إِمَامَةِ العَبْدِ وَالمَوْلَى كَانَتْ عَائِشَةُ يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوانُ مِنَ الْمُصْحَفِ (٤).

стр. 1132

* وَفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ (لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ العَصَبَةَ) (١). يَعْنِي: مَوْضِعًا بِقُبَاءَ (٢). وَقَدْ دَخَلَ مَنْ ذَكَرَهُمْ البُخَارِيُّ فِي قَوْلِهِ ﷺ : (يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُم لِكِتَابِ الله)، وَمِمَّنْ أَجَازَ إِمَامَةَ العَبْدِ: عَائِشَةُ ﵂، وَأَبُو ذَرٍّ، وَحُذَيْفَةُ (٣). وَمِنَ الفُقَهَاءِ: الثَّوْرِيُّ (٤)، وَالشَّافِعِيُّ (٥)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٦)، وَإِسْحَاقُ (٧). وَكَرِهَ إِمَامَتَهُ أَبُو [مِجْلَزٍ] (٨). وَقَالَ مَالِكٌ (٩): لَا يَؤُمُّ العَبْدُ الأَحْرَارَ إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ وَهُمْ لَا يَقْرَؤُونَ، وَلَا يَؤُمُّهُمْ فِي عِيدٍ وَلَا جُمُعَةٍ. وَقَوْلُهُ: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا)، رُوِيَ: (وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ) ذَكَرَهَ

стр. 1133

البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الأَحْكَامِ (١)، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ إِمَامَةَ العَبْدِ، لأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِطَاعَةِ العَبْدِ الحَبَشِيِّ؛ فَقَدْ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الإِمَامِ، لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَنْ وَلَّاهُ الإِمَامُ جَازَ أَنْ يُسْمَعَ لَهُ وَيُطَاعَ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ (٢): رُبَّ عَبْدٍ خَيْرٌ مِنْ مَوْلَاهُ. وَأَمَّا إِمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَا: فَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣). وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: تَجُوزُ إِمَامَتُهُ إِذَا كَانَ مَرْضِيًّا، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ (٤)، وَأَبِي حَنِيفَةٌ (٥)،

стр. 1134

وَأَحْمَدَ (١)، وَإِسْحَاقَ (٢). وَكَرِهَ إِمَامَتَهُ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ (٣) وَمُجَاهِدٌ (٤). وَقَالَ مَالِكُ (٥): أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا رَاتِبًا لِمَا يَنَالُهُ مِنَ الأَلْسِنَةِ وَتَأَثُّم النَّاسِ. وَأَمَّا الْأَعْرَابِيُّ: فَإِنَّمَا كَرِهَ إِمَامَتُهُ مَن كَرِهَهَا لِأَنَّ الأَغْلَبَ مِنْهُمْ جَهْلُهُمْ بِحُدُودِ الصَّلَاةِ، وَأَجَازَ إِمَامَتَهُ الثَّوْرِيُّ (٦)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٧)، وَالشَّافِعِيُّ (٨). وَمِنْ بَابِ: إِذَا لَمْ يُتِمَّ الإِمَامُ وَأَتَمَّ مَنْ خَلْفَهُ * فيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَأُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ) (٩). فِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ خَلْفَ البَرِّ وَالفَاجِرِ إِذَا خِيفَ مِنْهُ. وَفِيهِ أَنَّ الإِمَامَ إِذَا نَقَصَ رُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ، إِلَّا أَنْ

стр. 1135

يَنقُصَ فَرْضَ، فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ، فَإِنْ خَافَ مِنْهُ صَلَّى مَعَهُ بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، وَتَكُونَ الصَّلَاةُ نَافِلَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَإِنْ أَصَابُوا) يَعْنِي: الوَقْتَ. (وَإِنْ أَخْطَأُوا): كَذَلِكَ، وَكَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ. * وَحَدِيثُ عَبْدِ اللهِ: (ثُمَّ صَلُّوا مَعَهُمْ وَاجْعَلُوهَا سُبْحَةً) (١) يَدُلُّ عَلَى هَذَا، وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. وَمِنْ بَابِ: إِمَامَةِ المَفْتُونِ وَالْمُبْتَدِع * فِيهِ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللهِ بن عَدِيٍّ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ (٢). قَوْلُهُ: (إِمَامُ فِتْنَةٍ) قِيلَ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عُدَيْسٍ (٣)، وَهُوَ الَّذِي أَجْلَبَ عَلَى [عُثْمَانَ] (٤) بِأَهْلِ مِصْرَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بن عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ثَوْرٍ الفَهْمِيَّ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُدَيْسٍ صَلَّى لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الجُمُعَةَ، وَطَلَعَ مِنْبَرَ

стр. 1136

رَسُولِ اللهِ ﷺ فَخَطَبَ (١). وَقِيلَ: (٢): مَعْنَى قَوْلِهِ: (يُصَلِّي إِمَامُ فِتْنَةٍ) أَيْ: غَيْرَ إِمَامِهِمْ يُصَلِّي لَهُمْ فِي حِينِ فِتْنَةٍ، لَيْسَ أَنَّ ذَلِكَ الإِمَامَ يَدْعُو إِلَى فِتْنَةٍ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ عُثْمَانَ ﵁: (الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنُوا فَأَحْسِنُ مَعَهُمْ)، وَلَمْ يَذْكُرِ الَّذِي أَمَّهُمْ بِمَكْرُوهٍ، وَذَكَرَ أَنَّ فِعْلَهُ مِنْ أَحْسَنِ الأَعْمَالِ، وَحَذَّرَهُ مِنَ الدُّخُولِ فِي الفِتْنَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ عُمَرُ بنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادِهِ: (صَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ) (٣) يَعْنِي أَيَّامَ الحِصَارِ. وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٤): قَدْ صَلَّى بِالنَّاسِ فِي حِصَارِ عُثْمَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الفُضَلَاءِ مِنْهُمْ: أَبُو أَيُّوبَ ﵁، وَسَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ، وَابْنُهُ أَبُو أُمَامَةَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ (٥): وَصَلَّى يَوْمَ العِيدِ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁.

стр. 1137

قَالَ الدَّاوُدِي (١): لَمْ يَكُنْ فِي القَائِمِينَ عَلَى عُثْمَانَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، إِنَّمَا كَانَتْ فِرْقَتانِ: فِرْقَةٌ مِصْرِيَّةٌ، وَفِرْقَةٌ كُوفِيَّةٌ، فَلَمْ يَعْتِبُوا عَلَيْهِ شَيْئًا إِلَّا خَرَجَ مِنْهُ بَرِيئًا، فَطَالَبُوهُ بِعَزْلِ مَنِ اسْتَعْمَلَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الحَالَةِ، وَلَمْ يُخْلِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ لِئَلَّا يَتَجَاوَزُوا فِيهِمْ القَصْدَ، وَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ، وَرُوِيَ أَنَّهُ [رَأَى النَّبِيَّ] (٢) ﷺ فِي المَنَامِ فَقَالَ لَهُ: (قَدْ قَمَّصَكَ اللهُ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ) (٣) يَعْنِي: الخِلَافَةَ. وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: (لَا تُصَلِّ خَلْفَ المُخَنَّثِ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةِ) (٤) فَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الإِمَامَةَ عِنْدَ جَمِيعِ العُلَمَاءِ مَوْضِعٌ لِلْكَمَالِ، وَاخْتِيَارِ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَالْمُخَنَّتُ مُشَبَّهٌ بِالنِّسَاءِ، فَهُوَ نَاقِصٌ عَنْ رُتْبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الإِمَامَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ البُخَارِيُّ فِي هَذَا البَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، لِأَنَّ الْمُخَنَّثَ مُفْتَتَنٌ فِي تَشَبُّهِهِ

стр. 1138

بِالنِّسَاءِ، كَمَا أَنَّ إِمَامَ الفِتْنَةِ وَالْمُبْتَدِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَفْتُونٌ فِي طَرِيقَتِهِ (١)، فَلَمَّا شَمِلَهُمْ مَعْنَى الفِتْنَةِ شَمِلَهُمْ الحُكْمُ، فَكُرِهَتْ إِمَامَتُهُمْ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ بِحِذَائِهِ سَوَاءٌ إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵁ (٢). وَبَعْدَهُ: بَابُ إِذَا قَامَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ فَحَوَّلَهُ إِلَى يَمِينِهِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الإِمَام إِذَا أَمَّ وَاحِدًا أَيْنَ يُقِيمُهُ [فَقِيلَ: يُقِيمُهُ] (٣) عَنْ يَمِينِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٤) وَالثَّوْرِيِّ (٥)، وَالشَّافِعِيِّ (٦)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٧). وَقَالَ سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ: يُقِيمُهُ عَنْ يَسَارِهِ (٨)، وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الحَدِيثِ.

стр. 1139

وَرُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ خَلْفَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَلْيَقُمْ (١) خَلْفَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَرْكَعَ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ وَإِلَّا قَامَ عَنْ يَمِينِهِ، ذَكَرَهُ ابن الْمُنْذِرِ (٢). وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ (٣). وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ العَمَلَ اليَسِيرَ فِي الصَّلَاةِ جَائِزٌ. قَوْلُهُ: (حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ) يُقَالُ: غَطَّ النَّائِمُ يَغُطُّ غَطِيطًا إِذَا سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ فِي نَوْمِهِ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ: خَطِيطَهُ): هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الخَطِيطُ بِمَعْنَى الغَطِيطِ. وَمِنْ بَابَ: إِذَا لَمْ يَنْوِ الإِمَامُ أَنْ يَؤُمَّ فَجَاءَ قَوْمٌ فَأَمَّهُمْ * فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ (٤).

стр. 1140

قَالَ الثَّوْرِيُّ (١)، وَإِسْحَاقُ (٢)، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ (٣): عَلَى الْمَأْمُومِ الإِعَادَةُ إِذَا لَمْ يَنْوِ الإِمَامُ أَنْ يُؤْتَمَّ بِهِ فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٤): لَا بَأْسَ أَنْ يَأْتَمَّ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ أَنْ يَؤُمَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي (٥). وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الإِمَامَةِ، وَأَنَّ الْمُرَاعَاةَ فِي هَذَا نِيَّةُ الْمَأْمُومِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَأْمُومًا سَقَطَتْ عَنْهُ القِرَاءَةُ وَالسَّهْرُ، لِأَنَّ الَّذِي قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَحْدَهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ تَلْزَمُهُ القِرَاءَةُ وَالسَّهْوُ، وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ، وَالْمَأْمُومُ يَدْخُلُ مُقْتَدِيًا بِغَيْرِهِ، فَالقِرَاءَةُ وَالسَّهْوَ سَاقِطَانِ عَنْهُ، فَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الانْتِمَامِ. وَلَوْ جَازَ أَنْ يَحْتَاجَ الإِمَامُ إِلَى نِيَّةِ الإِمَامَةِ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُعَيِّنَ فِي صَلَاتِهِ مَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، حَتَّى لَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ خَلْفَهُ، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَوَى أَنْ يَؤُمَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، أَوِ ادَّعَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّنَ النِّسَاءَ اللَّاتِي كُنَّ يُصَلِّينَ خَلْفَهُ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ (٦).

стр. 1141

بَابُ: إِذَا طَوَّلَ الإِمَامُ وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرَجَ فَصَلَّى * فيه حَدِيثُ مُعَاذٍ ﵁ (١). احْتَجَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ صَلَاةِ مُعَاذٍ، وَلَا أَمَرَهُ بِالإِعَادَةِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٢) يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَيُتِمَّ مُنْفَرِدًا. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٣): لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّخْفِيفِ كَانَ مَنْ طَوَّلَ بِالنَّاسِ عَاصِيًا، وَمُخَالَفَتْهُ جَائِزَةٌ، لأَنَّهُ لَا مُوَافَقَةَ إِلَّا فِي الْمَعْرُوفِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا. وَقَالَ مَالِكٌ (٥): إِذَا أَحْدَثَ وَقَدْ مَضَى بَعْضُ صَلَاتِهِ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا وَصَلُّوا وُحْدَانًا فَإِنَّهُ يُجْزِؤُهُمْ إِلَّا فِي الجُمُعَةِ، لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٦): لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ بِاخْتِيارِ الْمَأْمُومِينَ الخُرُوجَ مِنْهَا لِغَيرِ

стр. 1142

عُذْرٍ، لأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِ مَا أَلْزَمَ (١) نَفْسَهُ مِنَ الجَمَاعَةِ، وَإِذَا دَخَلَ الإِنْسَانُ فِي طَاعَةٍ وَجَبَ الْمُضِيُّ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ عُذْرٌ. وَمِنْ بَابِ: تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِي القِيَامِ وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ (٢). وَبَعْدَ هَذَا البَابِ: بَابُ: إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلَ مَا شَاءَ * وَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٣). وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ أَئِمَّةَ الجَمَاعَةِ يَلْزَمُهُمُ التَّخْفِيفُ لأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ، فَإِنْ عَلِمَ الإِمَامُ قُوَّةَ مَنْ خَلَفَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَحْدُثُ بِهِمْ مِنَ الْآفَاتِ، وَيَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ مَا لَا يَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَدْ أَسَقطَ اللهُ فَرْضَ قِيَامِ اللَّيْلِ عَنْ عِبَادِهِ لِعُذْرٍ ذَكَرَهُ فَقَالَ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٤) الآيَةَ، فَأَمَرَ الإِمَامَ بِالتَّخْفِيفِ، مَعَ إِكْمَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِقَوْلِهِ ﷺ : (لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) (٥).

стр. 1143

وَمِمَّنْ كَانَ يُخَفِّفُ الصَّلَاةَ مِنَ السَّلَفِ: أَنَسُ بنُ مَالِكٍ ﵁، قَالَ ثَابِتٌ: صَلَّيْتُ مَعَهُ العَتَمَةَ فَتَجَوَّزَ مَا شَاءَ (١). وَكَانَ سَعْدٌ ﵁ إِذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ خَفَّفَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ (٢). وَصَلَّى الزُّبَيْرُ بنُ العَوامِ ﵁ صَلَاةً خَفِيفَةً، فَقِيلَ لَهُ: أَنْتُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخَفُّ النَّاسِ صَلَاةٌ، فَقَالَ (٣): إِنَّا نُبَادِرُ هَذَا الوَسْوَاسَ. وَكَانَ أَبُو هَرَيْرَةَ ﵁ يُتِمَّ الرَّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَيَتَجَوَّزُ، فَقِيلَ لَهُ: (هَكَذَا كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَأَجْوَزُ) (٤). وَقَالَ عَمْرُو بنُ مَيْمُونَ (٥): لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ ﵁ تَقَدَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ فَقَرَأَ أَخْصَرَ سُورَتَيْنِ فِي القُرْآنِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٦) وَ ﴿إِذَا جَاءَ

стр. 1144

نَصْرُ اللَّهِ﴾ (١). وَمِنْ بَابِ: الإِيجَازِ فِي الصَّلَاةِ وَإِكْمَالِهَا * قَالَ عَمْرُو بنُ مَيْمُونَ: (لَو أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ شَاةً عَزُوزًا (٢) لَمْ يَفْرَغْ مِنْ لَبَنِهَا حَتَّى أُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ أُتِمُّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا) (٣). قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٤): أَرَادَ التَّجَوُّزَ فِي الصَّلَاةِ. وَ (العَزُوزُ): الضَّيِّقَةُ الإِحْلِيلِ. وَقَالَ أَنَسٌ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلَاةَ وَيُكْمِلُهَا) (٥) وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ (٦): كَانُوا يُتِمُّونَ وَيُوجِزُونَ وَيُبَادِرُونَ (٧) الوَسْوَسَةَ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصَّبِيِّ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ (٨)، وَأَنَسٍ (٩).

стр. 1145

قِيلَ: كَانَ يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ خَشْيَةَ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَى النُّفُوسِ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ العُلَمَاءِ بِهَذَا الحَدِيثِ فَقَالَ: جَائِزٌ لِلْإِمَامِ إِذَا سَمِعَ خَفْقَ النِّعَالِ وَهُوَ رَاكِعٌ أَنْ يَزِيدَ فِي رُكُوعِهِ شَيْئًا لِيُدْرِكَهُ الدَّاخِلُونَ فِيهَا، لأَنَّهُ فِي مَعْنَى تَجَوُّزِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَجْلٍ بُكَاءِ الصَّبِيِّ. وَقَالَ أَحْمَدُ (١): يَنتَظِرُهُمْ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٢): لَا يَنتَظِرُهُمْ لأَنَّهُ يَضُرُّ بِمَنْ خَلْفَهُ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا صَلَّى ثُمَّ أَمَّ قَوْمًا * فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ (٣). قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ نَافِلَةً وَيَأْتُمُ بِهِ فِيهَا مَنْ يُصَلِّي الفَرْضَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٤)، وَأَحْمَدَ (٥). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ تُصَلَّى فَرِيضَةٌ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي نَافِلَةً، وَمَنْ

стр. 1146

خَالَفَتْ نِيَّتُهُ نِيَّةَ الإِمَامِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (١)، وَالثَّوْرِيِّ (٢)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٣). وَمِنْ بَابٍ: مَنْ أَسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإِمَامِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٤). قِيلَ: إِنَّمَا أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لِيَسْمَعَ النَّاسُ تَكْبِيرَهُ، وَتَظْهَرَ لَهُمْ أَفْعَالُهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَضْعُفُ عَنْ إِسْمَاعِهِمْ، فَأَقَامَهُ لَهُمْ لِيَقْتَدُوا بِهِ فِي حَرَكَاتِهِ إِذَا كَانَ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ كُلُّهُمْ رُؤْيَتُهُ ﷺ . وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ جَوَازُ رَفْعِ الْمُكَبِّرِ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ لِيُسْمِعَ النَّاسَ إِذَا كَثُرُوا وَبَعدُوا مِنَ الإِمَامِ، وَإِذَا جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ جَازَ لِلْمَأْمُومِ مِثْلُ ذَلِكَ. وَمِنْ بَابِ: الرَّجُلِ يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالمَأْمُومِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٥). قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَسْرُوقٌ (٦): إِنَّ الإِمَامَ يَؤُمُّ الصُّفُوفَ، وَالصُّفُوفُ يَؤُمُّ بَعْضُهَا بَعْضًا.

стр. 1147

وَمِنْ بَابِ: هَلْ يَأْخُذُ الإِمَامُ إِذَا شَكَّ بِقَوْلِ النَّاسِ؟ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: (أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟) (١). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الإِمَامِ إِذَا شَكَّ فِي صَلَاتِهِ وَأَخْبَرَهُ مَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْمَأْمُومِينَ أَنَّهُ تَرَكَ رَكْعَةً هَلْ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ أَمْ لَا؟ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ مَرَّةٍ (٢): يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (٣)، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ يَبْنِي عَلَى غَالِبٍ ظَنِّهِ. وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى (٤): يَعْمَلُ عَلَى يَقِينِهِ (٥) وَلَا يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ (٦): ذُكِّرَ فَذَكَرَ، وَبَنَى عَلَى يَقِينِهِ. وَمِنْ بَابِ: بُكَاءِ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ * قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ (٧): سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ ﵁ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ

стр. 1148

يَقْرَأُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١). قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٢): نَشَجَ البَاكِي: غَصَّ بِالبُكَاءِ فِي حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ انْتِحَابِ، وَالطَّعْنَةُ تَنْشِجُ عِنْدَ خُرُوج الدَّمِ بِصَوْتِهَا نَشْجًا، وَكَذَلِكَ القِدْرُ عِنْدَ الغَلَيانِ. أَجَازَ العُلَمَاءُ البُكَاءَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂. (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِع الناسَ مِنَ البُكَاءِ) (٣)، وَبِفِعْلِ عُمَرَ ﵁. وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ (٤) خَنقَتْهُ العَبْرَةُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَرَأَ، فَنَابَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَأَ فَنَابَهُ ذَلِكَ، فَتَرَكَهَا وَقَرَأَ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (٥) (٦). وَأَمَّا الأَنِينُ وَالتَّأَوُهُ: فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ (٧): إِذَا كَانَ غَالِبًا فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٨): لَا بَأْسَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامًا مَفهومًا.

стр. 1149

وَقَالَ الكُوفِيُّونَ (١): يُعِيدُ صَلَاتَهُ. وَمِنْ بَابِ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ وَبَابِ: إِقْبَالِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ * فِيهِ حَدِيثُ النُّعْمَان بن بَشِيرٍ (٢)، وَأَنَسٍ ﵄ (٣). تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ العُلَمَاءِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ تَعَاهُدُ ذَلِكَ مِنَ النَّاسِ، وَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ تَعَاهُدُ ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ لِعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ رِجَالٌ مُوَكَّلُونَ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ. [وقال الْمُهَلَّبُ: تَوَعَدَ مَنْ لم يُقِم الصُّفُوفَ بِعَذَابٍ مِنَ [ … ] الذَّنْبِ، وهُوَ] (٤) بِالْمُخَالَفَةِ بَيْنَ وُجُوهِهِمْ لاخْتِلَافِهِمْ فِي مَقَامِهِمْ، كَمَا أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذْبَ بِهَا. وَقَوْلُهُ ﷺ : (إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) خُصُوصٌ لَهُ، أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ القُوَّةِ أَنْ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ أَمَامِهِ. وَ (الارْتِصَاصُ): الانْضِمَامُ، قَالَ صَاحِبُ العَيْن (٥): رَصَصْتُ البُنْيَانَ رَصًّا: ضَمَمْتُهُ.

стр. 1150

قَالَ الله : ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (١) أَيْ مُتَرَاصُّونَ فِي الصُّفُوفِ، وَرُوِيَ: (رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَخَلَّلُكُمْ، كَأَنَّهَا أَوْلَادُ الحَذَفِ) (٢). الحَذَفُ بِالحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: غَنَمٌ سُودٌ صِغَارٌ، قِيلَ: هِيَ أَوْلَادُ الغَنَمِ. وَمِنْ بَابِ الصَّفِ الأَوَّل * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٣). قِيلَ: إِنَّمَا فُضِّلَ الصَّفُّ الأَوَّلُ عَلَى غَيْرِهِ لِلْقُرْبِ مِنْ سَمَاعِ القُرْآنِ إِذَا جَهَرَ الإِمَامُ، وَالتَّكْبِيرِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، وَالتَّأمِينِ عِنْدَ فَرَاغِهِ. وَمِنْ بَابِ: إِقَامَةُ الصَّفِّ مِنْ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٤)، وَأَنَسٍ (٥). قَوْلُهُ: (مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِفَرْضٍ، لِأَنَّ حُسْنَ الشَّيْءِ

стр. 1151

زِيَادَةٌ عَلَى تَمَامِهِ، وَذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى الوُجُوبِ. وَقَوْلُهُ: (مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) قَدْ تَقَعُ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ عَلَى السُّنَّةِ. وَمِنْ بَابِ: إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَ الصُّفُوفَ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (١). قِيلَ: لَمَّا كَانَتْ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ مِنَ السُّنَّةِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا الَّتِي يَسْتَحِقُ فَاعِلُهَا الْمَدْحَ عَلَيْهَا، دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ تَارِكَهَا يَسْتَحِقُّ العَتْبَ وَالذَّمَ. وَمِنْ بَابِ: إِلزَاقِ المَنْكِبِ بِالمَنْكِبِ وَالقَدَمِ بِالقَدَمِ فِي الصَّفِّ * فِي الحَدِيثِ (٢): بَيَانُ التَّرَاصِّ (٣) في الصَّفِّ وَهَيْئَتِه. وَفِيهِ: أَنَّ الكَعْبَ هُوَ العَظْمُ النَاتِيءُ فِي السَّاقِ وَمُؤَخَّرِ القَدَم. وَمِنْ بَابِ: الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁: (وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا) (٤). فِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ سُنَّةَ النِّسَاءِ القِيَامُ خَلْفَ الرِّجَالِ، وَلَا يَقُمْنَ مَعَهُمْ فِي صَفٍّ، وَإِنْ صَلَّتِ الْمَرْأَةُ إِلَى جَنْبِ رَجُلٍ تَمَّتْ صَلَاتُهُمَا (٥) عِنْدَ

стр. 1152

مَالِكٍ (١)، وَالشَّافِعِيِّ (٢) وَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ (٣): تَمَّتْ صَلَاةُ الْمَرْأَةِ وَفَسَدَتْ صَلَاةُ الرَّجُلِ. وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا عَقَلَ الصَّلَاةَ يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ. وَفِيهِ أَنَّ الصَّفَّ مِنَ الرِّجَالِ يَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا. وَمِنْ بَابِ: إِذَا كَانَ بَيْنَ الإِمَامِ وَبَيْنَ القَوْم حَائِطٌ أَوْ سُتْرَةٌ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ (٤). قَالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَمَاءِ: إِذَا كَانَ بَينَ الإِمَامِ وَبَيْنَ القَوْمِ طَرِيقٌ أَوْ حَائِطٌ جَازَتِ الصَّلَاةُ، وَكَانَ عُرْوَةُ يُصَلِّي بِصَلَاةِ الإِمَامِ وَهُوَ فِي دَارٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ طَرِيقٌ (٥). قَالَ عَطَاءٌ (٦): لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِصَلَاةِ الإِمَامِ مَنْ عَلِمَهَا. وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ؛ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁ (٧): إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِمَامِ

стр. 1153

طَرِيقٌ أَوْ نَهْرٌ أَوْ حَائِطٌ، فَلَيْسَ مَعَهُ. وَكَرِهَ الشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ أَنْ يَكُونَ بَيْنهُمَا طَرِيقٌ (١). وَقَالَ الكُوفِيُّونَ (٢): لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةٌ فِي الطَّرِيقِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَلَّى فِي دَارٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا بِصَلَاةِ الإِمَامِ؟ فَأَجَازَهُ عَطَاءٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا (٣). وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ إِذَا كَانَ يَسْمَعُ التَّكْبِيرَ إِلَّا فِي الجُمُعَةِ خَاصَّةً (٤). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٥): لَا يُجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَوْضِعٍ مَحْجُورٍ فِي الجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا إِلَّا أَنْ تَتَّصِلَ الصُّفُوفُ. وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَزَيْدِ بن ثَابِتٍ ﵄ (٦)، وَقَدْ كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يُصَلِّينَ فِي حُجَرِهِنَّ بِصَلَاتِهِ ﷺ ، وَبَعْدَهُ بِصَلَاةِ أَصْحَابِهِ، وَإِذَا

стр. 1154

لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنِ اسْتِعْمَالِ التَّكْبِيرِ لَمْ يَقْدَحْ فِي الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ الأَعْمَى (١). وَفِيهِ جَوَازُ الائْتِمَام بِمَنْ لَمْ يَنْوِ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا، لأَنَّهُمُ ائْتَمُّوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الحَائِطِ، وَلَمْ يَعْتَقِدْ نِيَّةً مَعَهُمْ عَلَى الإِمَامَةِ. وَمِنْ بَابِ: إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) (٢). جُمْهُورُ العُلَمَاءِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى وُجُوبُ تَكْبِيرِ الإِحْرَامِ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ: (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا)، فَذَكَرَ تَكْبِيرَ الإِحْرَامِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ التَّكْبِيرِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ) (٣). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)،

стр. 1155

وَإِسْحَاقُ (١): لَا يُجْزِئُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ مَكَانَ التَّكْبِيرِ، وَلَا يُجْزِئُ إِلَّا: اللهُ أَكْبَرُ، وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٢): اللَّهُ الْأَكْبَرُ. وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) يَدُلُّ أَنَّهُ [لَابُدَّ مِنْ] (٣) لَفْظِ التَّكْبِيرِ. وَمِنْ بَابِ: رَفْعِ اليَدَيْنِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى وَبَابِ: رَفْعِ اليَدَيْنِ إِذَا كَبَّرَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ ﵁ (٤). وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: (رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) (٥). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: رُوِيَ: (حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ)، وَرُوِيَ: (حَذْوَ أُذْنَيْهِ)، وَرُوِيَ: (حُذَاءَ صَدْرِهِ) (٦). ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَمَاءِ إِلَى رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الافْتِتَاحِ خَاصَّةً، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (٧)،

стр. 1156

وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ (١)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٢). وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابنِ الزُّبَيْرِ ﵃، وَكَانَ أَنَسٌ ﵁ يَفْعَلُهُ، وَفَعَلَهُ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (٣). وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)، وَإِسْحَاقُ (٦). وَاخْتَلَفُوا إِلَى أَيْنَ يَرْفَعُ الْمُكَبِّرُ يَدَيْهِ: فَقَالَ مَالِكٌ (٧): يَرْفَعُهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٨)، وَأَحْمَدَ (٩)،

стр. 1157

وَإِسْحَاقَ (١)، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ، وَحُجَّتُهُ مَا رُوِيَ عَنِ البَرَاءِ بن عَازِبٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ الافْتِتَاحَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَ إِبِهَامَاهُ قَرِيبًا مِنْ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ) (٣). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٤): يُحْمَلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الاخْتِيارِ، وَحَدِيثُ البَرَاءِ عَلَى الجَوَازِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٥) إِنَمَّا كَانَ الرَّفْعُ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقْتَ كَانَتْ يَدَاهُ فِي ثِيابِهِ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ وَائِلِ بن حُجْرٍ قَالَ: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَرَأَيْتُهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حُذَاءَ أُذُنَيْهِ إِذَا كَبَّرَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ العَامِ الْمُقْبِلِ وَعَلَيْهِمُ الأَكْسِيَةُ وَالبَرَانِسُ فَكَانُوا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهَا، وَأَشَارَ شَرِيكٌ إِلَى صَدْرِهِ) (٦). فَأَخْبَرَ وَائِلٌ أَنَّ رَفْعَهُمْ إِلَى مَنَاكِبِهِمْ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ (٧) أَيْدِيَهُمْ كَانَتْ فِي ثِيَابِهِمْ،

стр. 1158

وَأَنَّ رَفْعَهُمْ إِلَى آذَانِهِمْ كَانَ حِينَ كَانَتْ أَيْدِيهِمْ بَادِيَةً. وَمِنْ بَابٍ: رَفْعِ اليَدَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ * فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ (١). الرَّفْعُ عِنْدَ القِيَامِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي طَرِيقِ سَالِمٍ (٢)، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يَجِبُ قَبُولُهَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ مَا يَدْفَعُهَا، بَلْ فِيهِ مَا يُثْبِتُهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَلَا عِنْدَ القِيَامِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) (٣). وَمِنْ بَابِ: وَضع اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى فِي الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ سَهْلِ بن سَعْدٍ: (كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى)، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (٤). قولهُ: (يَنْمِي) أي: يُسْنِدُ، يُقال: نَمَيْتُ الحَدِيثَ أَي: أَسْنَدْتُهُ. وَمِمَّن رُوِيَ عَنْهُ وَضْعُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى فِي الصَّلَاةِ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵄ (٥).
следующие страницы →