← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1154–1193 · переход к 1159.

стр. 1154

لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنِ اسْتِعْمَالِ التَّكْبِيرِ لَمْ يَقْدَحْ فِي الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ الأَعْمَى (١). وَفِيهِ جَوَازُ الائْتِمَام بِمَنْ لَمْ يَنْوِ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا، لأَنَّهُمُ ائْتَمُّوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الحَائِطِ، وَلَمْ يَعْتَقِدْ نِيَّةً مَعَهُمْ عَلَى الإِمَامَةِ. وَمِنْ بَابِ: إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) (٢). جُمْهُورُ العُلَمَاءِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى وُجُوبُ تَكْبِيرِ الإِحْرَامِ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ: (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا)، فَذَكَرَ تَكْبِيرَ الإِحْرَامِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ التَّكْبِيرِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ) (٣). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)،

стр. 1155

وَإِسْحَاقُ (١): لَا يُجْزِئُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ مَكَانَ التَّكْبِيرِ، وَلَا يُجْزِئُ إِلَّا: اللهُ أَكْبَرُ، وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٢): اللَّهُ الْأَكْبَرُ. وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) يَدُلُّ أَنَّهُ [لَابُدَّ مِنْ] (٣) لَفْظِ التَّكْبِيرِ. وَمِنْ بَابِ: رَفْعِ اليَدَيْنِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى وَبَابِ: رَفْعِ اليَدَيْنِ إِذَا كَبَّرَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ ﵁ (٤). وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: (رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) (٥). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: رُوِيَ: (حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ)، وَرُوِيَ: (حَذْوَ أُذْنَيْهِ)، وَرُوِيَ: (حُذَاءَ صَدْرِهِ) (٦). ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَمَاءِ إِلَى رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الافْتِتَاحِ خَاصَّةً، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (٧)،

стр. 1156

وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ (١)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٢). وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابنِ الزُّبَيْرِ ﵃، وَكَانَ أَنَسٌ ﵁ يَفْعَلُهُ، وَفَعَلَهُ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (٣). وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)، وَإِسْحَاقُ (٦). وَاخْتَلَفُوا إِلَى أَيْنَ يَرْفَعُ الْمُكَبِّرُ يَدَيْهِ: فَقَالَ مَالِكٌ (٧): يَرْفَعُهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٨)، وَأَحْمَدَ (٩)،

стр. 1157

وَإِسْحَاقَ (١)، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ، وَحُجَّتُهُ مَا رُوِيَ عَنِ البَرَاءِ بن عَازِبٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ الافْتِتَاحَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَ إِبِهَامَاهُ قَرِيبًا مِنْ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ) (٣). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٤): يُحْمَلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الاخْتِيارِ، وَحَدِيثُ البَرَاءِ عَلَى الجَوَازِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٥) إِنَمَّا كَانَ الرَّفْعُ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقْتَ كَانَتْ يَدَاهُ فِي ثِيابِهِ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ وَائِلِ بن حُجْرٍ قَالَ: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَرَأَيْتُهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حُذَاءَ أُذُنَيْهِ إِذَا كَبَّرَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ العَامِ الْمُقْبِلِ وَعَلَيْهِمُ الأَكْسِيَةُ وَالبَرَانِسُ فَكَانُوا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهَا، وَأَشَارَ شَرِيكٌ إِلَى صَدْرِهِ) (٦). فَأَخْبَرَ وَائِلٌ أَنَّ رَفْعَهُمْ إِلَى مَنَاكِبِهِمْ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ (٧) أَيْدِيَهُمْ كَانَتْ فِي ثِيَابِهِمْ،

стр. 1158

وَأَنَّ رَفْعَهُمْ إِلَى آذَانِهِمْ كَانَ حِينَ كَانَتْ أَيْدِيهِمْ بَادِيَةً. وَمِنْ بَابٍ: رَفْعِ اليَدَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ * فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ (١). الرَّفْعُ عِنْدَ القِيَامِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي طَرِيقِ سَالِمٍ (٢)، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يَجِبُ قَبُولُهَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ مَا يَدْفَعُهَا، بَلْ فِيهِ مَا يُثْبِتُهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَلَا عِنْدَ القِيَامِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) (٣). وَمِنْ بَابِ: وَضع اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى فِي الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ سَهْلِ بن سَعْدٍ: (كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى)، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (٤). قولهُ: (يَنْمِي) أي: يُسْنِدُ، يُقال: نَمَيْتُ الحَدِيثَ أَي: أَسْنَدْتُهُ. وَمِمَّن رُوِيَ عَنْهُ وَضْعُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى فِي الصَّلَاةِ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵄ (٥).

стр. 1159

وَرَأَتْ طَائِفَةٌ إِرْسَالَ اليَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ [ابن الزُّبَيْرِ وَالحَسَنِ البَصْرِيُّ، وَسَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ] (١) ﵀. وَمِنْ بَابِ: الخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢). قِيلَ: مَدَحَ اللهُ مَنْ كَانَ خَاشِعًا فِي صَلَاتِهِ مُقْبِلًا عَلَيْهَا بِقَلْبِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (٤): يَعْنِي: خَائِفِينَ سَاكِنِينَ. وَفِي الحَدِيثِ: النَّهْيُّ عَنْ نُقْصَانِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِتَوَعُدِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْ بَابٍ: مَا يَقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٥)، وَأَبِي هُرَيْرَة (٦). السَّكْتَةُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ بِهَا الشَّافِعِيُّ (٧)،

стр. 1160

وَأَحْمَدُ (١). قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَكْتَةٌ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ، لِيَقْرَأَ فِيهَا المَأْمُومُ الحَمْدُ للهِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَالكُوفِيُّونَ (٤): لَا شَيْء بَعْدَ التَّكْبِيرِ إِلَّا قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَاسْتَحَبَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ (٥) أَنْ يُسَبِّحَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٦): يَقُولُ: وَجَّهْتُ وَجْهِي، وَلَا يُسَبِّحُ. وَقَالَ مَالِكٌ (٧): يَجِبُ التَّكْبِيرُ، ثُمَّ القِرَاءَةُ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ فَعَلَهَا فِي وَقْتٍ ثُمَّ تَرَكَهَا، فَتَرْكُهَا وَاسِعٌ. وَقَوْلُهُ: (هُنَيَّةٌ) وَهُنَيْهَةٌ يَعْنِي الشَّيْءَ القَلِيلِ. وَمِنْ بَابِ: رَفْعِ البَصَرِ إِلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ * فِيهِ صَلَاةُ الكُسُوفِ، وَفِيهِ حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵁ (٨).

стр. 1161

قَالَ الشَّافِعِيُّ (١): يَنْظُرُ فِي صَلَاتِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَقَالَ: هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الخُشُوعِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٢): يَنْظُرُ أَمَامَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَهُوَ قَائِمٌ. قِيلَ: لَوْ لَمْ يَنْظُرُوا إِلَيْهِ مَا رَأَوْا تَأَخُّرَهُ حِينَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ، وَلَا رَأَوا [اضْطِرَابَ] (٣) لِحْيَتِهِ (٤)، وَلَا اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى قِرَاءَتِهِ، وَلَا رَأَوْا تَنَاوُلَهُ مَا تَنَاوَلَ في قِبْلَتِهِ حِينَ مُثْلَتْ لَهُ الجَنَّةُ. وَقَوْلُهُ: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ) لأَنَّ الائْتِمَامَ بِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمُرَاعَاةِ حَرَكَاتِهِ فِي خَفْضِهِ وَرَفْعِهِ. وَقِيلَ (٥): لَمْ يَأْخُذِ العُنْقُودَ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ طَعَامِ الجَنَّةِ، وَطَعَامُ الجَنَّةِ لَا يَفْنَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْكَلَ فِي الدُّنْيَا (٦) إِلَّا مَا يَفْنَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهَا لِلْفَنَاءِ، فَلَا

стр. 1162

يَكُونُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ البَقَاءِ. وَمِنْ بَابِ: رَفْعِ البَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ) (١). فِي هَذَا الحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ النَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ (٢). قَالَ ابن سِيرِينَ (٣): كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمَّا يَنْظُرُ إِلَى الشَّيْء فِي الصَّلَاةِ، فَيَرْفَعُ بَصَرَهُ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةٌ إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ فَمَا أَدْرِي مَا هِيَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٤)، فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ. وَمِنْ بَابِ: الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ * حَدِيثُ: (اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ) (٥). * وَفِي حَدِيثِ أَبِي جَهْمٍ: (وَائْتُونِي بِأَنْبَجَانِيَّةِ) (٦). الالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ عِنْدَ العُلَمَاءِ (٧)، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَوْمَأ بِبَصَرِهِ،

стр. 1163

وَثَنَّى عُنْقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا تَرَكَ الإِقْبَالَ عَلَى صَلَاتِهِ، وَفَارَقَ الخُشُوعَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ اخْتِلَاسَ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَفِي قَوْلِهِ: (اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ) حَضٌّ عَلَى إِحْضَارِ الْمُصَلِّي قَلْبَهُ لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِأَمْرِ دُنْيَاهُ. وَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ [إِلَى أَعْلَامِ الخَمِيصَةِ] (١). وَقَوْلُهُ: (إِنَّهَا شَغَلَتْهُ) فَهَذَا مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ. وَقَالَ الحَكَمُ (٢): مَنْ تَأَمَّلَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يَعْرِفَهُ فَلَيْسَتْ لَهُ صَلَاةٌ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٣): إِنِ الْتَفَتَ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ. وَمِنْ بَابِ: هَلْ يَلْتَفِتُ لِأَمْرِ يَنْزِلُ بِهِ * فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ (٤)، وَحَدِيثُ أَنَسٍ ﵄ (٥). قِيلَ (٦): التَّنَخُّمُ قِبَلَ الوَجْهِ سُوءُ أَدَبٍ، لأَنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ.

стр. 1164

وَقَوْلُهُ: (فَحَتَّهَا) جَاءَ فِي بَعْضُ الطُّرُقِ أَنَّهُ حَتَّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَالحَتُّ: حَتُّ الوَرَقِ مِنَ الغُصْنِ، وَهُوَ إِسْقَاطُهُ وَإِزَالَتُهُ، وَتَحَاتَّتِ الشَّجَرَةُ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ عَمَلٌ يَسِيرٌ لَا يُوَثِّرُ فِي الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُ: (هَمَّ المُسْلِمُونَ أَنْ يُفْتَتَنُوا فِي الصَّلَاةِ) يَعْنِي لِسُرُورِهِمْ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى كَادَ يَشْغَلُهُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ، وَالالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ خَفِيفًا لَا يَضُرُّ الصَّلَاةَ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُمُ الْتَفَتُوا إِلَيْهِ حِينَ كَشَفَ السِّتْرَ وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ (أَنْ أَتِّمُوا صَلَاتَكُمْ)، وَلَوْلَا الْتِفَاتُهُمْ إِلَيْهِ مَا رَأَوا إِشَارَتَهُ. وَمِنْ بَابِ: وُجُوبِ القِرَاءَةِ لِلْإِمَامِ وَالمَأْمُومِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا * فِيهِ حَدِيثُ جَابِرِ بن سَمُرَةَ (١)، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ (٢)، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٣). قَالَ مَالِكٌ (٤)، وَالشَّافِعِي (٥)، وَأَحْمَدُ (٦)، وَإِسْحَاقُ (٧): قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ

стр. 1165

عَلَى الإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إِلَّا بِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): الوَاجِبُ مِنَ القِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ مَا تَنَاوَلَهُ اسْمُ قُرْآنٍ، وَذَلِكَ آيَاتٌ قِصَارٌ، أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ كَآيَةِ الدَّيْنِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ : (اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) (٢)، قَالَ: وَلَمْ يَخُصَّ سُورَةً مِنْ غَيْرِهَا، فَإِذَا قَرَأَ مَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ فَقَدْ فَعَلَ الوَاجِبَ. وَحُجَّةُ مَنْ أَوْجَبَهَا قَوْلُهُ ﷺ : (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ) (٣)، نَفَى أَنْ تَكُونَ صَلَاةٌ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا، وَقَوْلُهُ لِلَّذِي رَدَّهُ ثَلَاثًا: (اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) هُوَ مُجْمَلٌ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ مُفَسَّرٌ، وَالْمُفَسَّرُ قَاضٍ عَلَى الْمُجْمَلِ، كَأَنَّهُ قَالَ: اقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ الَّتِي قَدْ أُعْلِمْتَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِهَا، فَهِيَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ. قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ (٤): حَدِيثُ عُبَادَةَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ، يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الكِتَابِ: صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا، أَوْ مَأْمُومًا، أَوْ إِمَامًا، فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الإِمَامُ أَوْ يُسِرُّ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (٥)، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ البُخَارِيُّ فَقَالَ: "بَابُ وُجُوبِ القِرَاءَةِ لِلْإِمَامِ وَالمَأْمُومِ". وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ عَلَى العُمُومِ، إِلَّا أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الإِمَامُ

стр. 1166

وَتُسْمَعُ قِرَاءَتُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَقْرَأُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١)، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي صَلَاةِ الجَهْرِ، لأَنَّ السِّرَّ لَا يُسْتَمَعُ إِلَيْهِ. وَلِقَوْلِهِ ﷺ : (وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) (٢)، وَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ. وَقَالَ (٣) قَوْمٌ: هُوَ عَلَى الخُصُوصِ، وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِذَلِكَ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ، فَأَمَّا مَنْ صَلَّى وَرَاءَ إِمَامٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ فِيمَا جَهَرَ وَلَا فِيمَا أَسَرَّ، هَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالكُوفِيِّينَ) (٤). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥) وَالثَّوْرِيُّ: القِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظَّهْرِ وَالعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ، وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فِي بَاقِيهَا، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ القِرَاءَةَ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الأُخْرَيَيْنِ لَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا كَالأُولَيَيْنِ.

стр. 1167

وَالحُجَّةُ عَلَيْهِمْ حَدِيثُ عُبَادَةَ ﵁ (١)، فَهُوَ عَلَى عُمِومِهِ إِلَّا مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الدَّلالةُ. وَأَمَّا حَدِيثُ سَعْدٍ فِي هَذَا البَابِ (٢)، فَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: (أَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ) علِمَ أَنَّهُ أَرَادَ: أُطِيلُ القِرَاءَةَ فِي الأَوْلَتَينِ، وَأُقَصِّرُهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ في وُجُوبِ القِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَينِ الأُولَيَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: (أَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ) أَيْ: أَديمُ القِيَامَ، وَأَثْبُتُ فِيهَا. وَالرَّكُودُ: الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَمِنْهُ نَهْيُهُ ﷺ عَنِ البَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ (٣). وَقَوْلُهُ (وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ) أَيْ: أَقَصِّرُهُمَا، وَأَصْلُ الحَذْفِ مِنَ الشَّيْء (٤): النَّقْصُ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: (لَا أَخْرِمُ عَنْهَا) أَيْ: لَا أَنْقُصُ صَلَاتِي (٥) مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَصْلُ (الخَرْمِ) قَطْعُ بَعْضٍ وَتَرَةِ الأَنْفِ، يُقَالُ إِذَا قُطِعَ ذَلِكَ مِنَ الرَّجُلِ: أَخْرَمُ، وَالْمَرْأَةُ: خَرْمَاءُ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مُنْقَصٍ مِنْهُ. وَمِنْ فِقْهِ الحَدِيثِ: أَنَّ مَنْ سُعِيَ بِهِ مِنَ الوُلَاةِ يَسْأَلُ عَنْهُ الإِمَامُ فِي مَوْضِعِ

стр. 1168

عَمَلِهِ أَهْلَ الفَضْل مِنْهُمْ، لِأَنَّ عُمَرَ ﵁[عَزَلَهُ] (١)، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ صَلَاحٌ لِلرَّعِيَّةِ لِئَلَّا يَبْقَى عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ وَفِيهِمْ مَنْ يَكْرَهُهُ، إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَا تَسُوءُ عَاقِبَتُهُ. وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ لِسَعْدٍ: (ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ) يَدُلُّ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَ الشَّاكِي، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ حِينَ طُعِنَ فَقَالَ: (إِنْ أَدْرَكَتِ الإِمَارَةُ سَعْدًا فَهُوَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أَمَرَ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ عَجْزِ وَلَا خِيَانَةٍ) (٢). بَابُ: القِرَاءَةِ فِي الظُّهر * فِيهِ حَدِيثُ جَابِرِ بن سَمُرَةَ (٣)، وَأَبِي قَتَادَةَ (٤)، وَخَبَّابٍ (٥). رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُعَارِضُ هَذِهِ الْأَخْبَارَ: (سُئِلَ أَفِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ قِرَاءَةٌ؟ فَقَالَ: لَا) (٦). وَرَوَى عَنْهُ عِكْرِمَهُ أَنَّهُ قَالَ: (قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةٍ وَسَكَتَ، فَقِيلَ لَهُ: لَعَلَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ؟ فَغَضِبَ) (٧).

стр. 1169

قَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا كَانَ يَسْكُتُ عَنِ القِرَاءَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَأَمَّا الأُولَيَانِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا، لأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الجَمِيعِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيمَا يَجْهَرُ بِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي الأُولَيَيْنِ، فَحُكْمُ مَا خَافَتَ فِيهِ حُكْمُ مَا جَهَرَ بِهِ فِي أَنَّ فِي الْأُولَيَيْنِ قِرَاءَةٌ، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ لَا يَقْرَأُ، هَذَا قَوْلُ الكُوفِيِّينَ (١). وَقَالَ أَحْمَدُ (٢)، وَأَهْلُ الحِجَازِ (٣): لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَتْرُكُ القِرَاءَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ فِي بَعْضٍ، وَيُخَافِتُ فِي بَعْضٍ. وَقَالُوا: قَدْ رُوِيَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ خِلَافُ مَا ذُكِرَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ أَصَحَ مِنْ إِسْنَادِ هَذَا الخَبَرِ، وَرُوِيَ عَنْهُ قَالَ: (قَدْ عَلِمْتُ السُّنَّةَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ أَمْ لَا؟) (٤). وَرُوِيَ عَنْهُ قَالَ: (اقْرَأْ خَلْفَ الإِمَامِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ) (٥)، قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَقْرَأُ فَالإِمَامُ أَحْرَى بِذَلِكَ. وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَخَبَّابٍ نَصٌّ فِي البَابِ، وَقَدْ حَضَرَا قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 1170

ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي بَابِ: يَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (فِي كُلِّ الصَّلَاةِ قِرَاءَةٌ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَاهُ عَنَّا أَخْفَيْنَاهُ عَنْكُمْ) (١). وَعَنْ جَابِرِ بن سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ) (٢). قِيلَ (٣): لَمْ يَذْكُرِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا قِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّه سَكَتَ فِيهِمَا، وَجَائِزٌ أَنْ يَقُولَ إِذَا لَمْ يَسْمَعْهُ يَقْرَأُ إِنَّهُ سَكَتَ، وَالَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ قَرَأَ فَإِنَّهُ سَمِعَ قِرَاءَتَهُ، فَمِنْ سَامِعِ مِنْهُ الآيَةَ، وَمِنْ سَامِعٍ مِنْهُ الآيَتَيْنِ (٤)، وَمِنْ سَامِعِ قِرَاءَةَ سُورَةٍ، وَمِنْ رَاءِ رَآهُ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ - وَلَمْ يُحَرِّكُهُمَا إِلَّا بِقِرَاءَةِ القُرْآنِ - فَكُلُّ أَخْبَرَ بِمَا عِنْدَهُ، وَكُلٌّ كَانَ صَادِقًا. وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: (كَانَ يُسْمِعُهُمُ الآيَةَ أَحْيَانًا)، وَالشَّاهِدُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى شَاهِدًا فِيمَا أَخْبَرَ عَنْ سَمَاع أَوْ رُؤْيَةٍ، فَأَمَّا مَنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ وَلَمْ يَرَ،

стр. 1171

فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُجْعَلَ خَبَرُهُ خِلَافًا لِخَبَرِ مَنْ قَالَ: رَأَيْتُ أَوْ سَمِعْتُ، لأَنَّ مَنْ قَالَ: سَمِعْتُ، أَوْ رَأَيْتُ فَهُو الشَّاهِدُ، وَمَنْ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ، فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا شَهَادَةَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ، وَالنَّفْيُ لَا يَكُونُ شَهَادَةً. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١) فِي قَوْلِ أَبِي قَتَادَةَ: (وَكَانَ يُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عَلَى القَصْدِ إِلَيْهِ، وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ خَبَّابٍ: الحُكْمُ بِالدَّلِيلِ، لأَنَّهُمْ حَكَمُوا بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ. وَمِنْ بَابِ الْقِرَاءَةِ فِي العَصْرِ * فِيهِ حَدِيثُ خَبَّابٍ (٢)، وَأَبِي قَتَادَةَ (٣). قَالَ أَبُو العَالِيَة (٤): العَصْرُ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الظُّهْرِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ (٥): تُضَاعَفُ الظُّهْرُ عَلَى [العَصْرِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ] (٦).

стр. 1172

[وَمِنْ بَابِ القِرَاءَةِ فِي المَغْرِبِ] (١) * حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ يَقْرَأُ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ (٢)، فَقَالَتْ: (يَا بُنَيَّ، لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكِ هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْرَأَ بِهَا فِي المَغْرِبِ) (٣). وَقَالَ مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ: قَالَ لِي زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ: (مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِيهَا بِطُولَى الطُّولَيَيْن) (٤)، يُرِيدُ: أَطْوَلَ السُّورَتَيْنِ. وَ (طُولَى) وَزْنُهُ (فُعْلَى)، تَأْنِيثُ أَطْوَلَ. وَقَوْلُهُ: (الطُّولَيَيْنِ) تَثْنِيَةُ الطُّولَى. قِيلَ (٥): أَرَادَ سُورَةَ الأَعْرَافِ، لِأَنَّ صَاحِبَتَهَا الأَنْعَامُ. فَإِنْ قِيلَ: البَقَرَةُ أَطْوَلُ السَّبْعِ الطِّوَالِ؟ قِيلَ: لَوْ أَرَادَ البَقَرَةَ لَقَالَ: (بِطُولَى الطِّوَالِ)، فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الأَعْرَافَ، وَهِيَ أَطْوَلُ السُّوَرِ بَعْدَ (٦) البَقَرَةِ.

стр. 1173

وَمِنْ بَابِ: الجَهْرِ فِي الْمَغْرِبِ * حَدِيثُ جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ ﵁ (١). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٢): يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (قَرَأَ بِالطُّورِ) قَرَأَ بِبَعْضَهَا، وَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ إِلَّا بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُ زَيْدِ بن ثَابِتٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ﷺ قَرَأَ بَعْضَهَا، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁: (أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَنتَضِلُونَ) (٣). وَقَالَ أَنَسٌ: (كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْمِي أَحَدُنَا فَيَرَى مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) (٤)، فَلَمَّا كَانَ هَذَا وَقْتُ انْصِرَافِ رَسُولِ اللهِ ﷺ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وَقَدْ قَرَأَ فِيهَا الأَعْرَاف. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٥): رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ سُورَةَ الأَعْرَافِ، فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ)، خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ (٦).

стр. 1174

قَالَ الطَّحَاوِيُّ (١): أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مُعَاذٍ ﵁ حِينَ صَلَّى العِشَاءَ بِالبَقَرَةِ، وَقَالَ لَهُ: (أَفَتَّانُ أَنْتَ) (٢)، وَفِي وَقْتِ العِشَاءِ سَعَةٌ، وَفِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ - مَعَ ضِيقِ وَقْتِهَا - أَحْرَى أَنْ لَا يُقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ (٣) إِلَّا بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٤)، وَالشَّافِعِيُّ (٥). وَأَمَّا (طُولَى الطُّولَيَيْنِ) فَهِيَ سُورَةُ الأَعْرَافِ، ذَكَرَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بن ثَابِتٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرْيجٍ (٦). وَمِنْ بَابِ: الجَهْرِ فِي العِشَاءِ * حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: (صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ العَتَمَةَ، فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٧)) (٨).

стр. 1175

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ (١): سُنَّةُ العِشَاءِ الجَهْرُ بِهَا كَالْمَغْرِبِ، وَقِرَاءَتُهُ ﷺ فِيهَا بـ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٢) وبـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (٣) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي القِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ. وَكَتَبَ [إِلَى] (٤) أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: (اقْرَأْ بِالنَّاسِ فِي العِشَاءِ الْآخِرَةِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ) (٥)، وَقَرَأَ فِيهَا عُثْمَانُ ﵁ بِالنَّجْمِ (٦)، وَقَرَأَ ابن عُمَرَ ﵁ بِالَّذِينَ كَفَرُوا، وَالفَتْحِ (٧)، وَهِيَ أَطْوَلُ الْمُفَصَّلِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٨): يَقْرَأُ فِيهَا بِالحَاقَّةِ وَنَحْوِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنَ العُلَمَاءِ الْمُسَافِرُ إِذَا أَعْجَلَهُ أَصْحَابُهُ يَقْرَأُ بِسُورَةٍ قَصِيرَةٍ، كَمَا قرَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِالتِّينِ وَالزَّيتونِ فِي السَّفَرِ (٩).

стр. 1176

وَمِنْ بَابِ: يُطَوِّلُ فِي الْأُولَيَيْنِ فِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ تَكُونَ الرَّكْعَتَانِ الأُولَيَانِ أَطْوَلَ مِنَ الْأُخْرَيَيْنِ، أَوِ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ إِنْ كَانَتِ الْمَغْرِبَ. وَحَدِيثُ سَعْدٍ يَدُلُّ عَلَى تَسْوِيَةِ الأُولَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ (١): يُطِيلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ عَلَى الثَّانِيَةِ، وَرَكْعَتَا الظُّهْرِ سَوَاءٌ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: (يُطَوِّلُ فِي الأُولَى مِنَ الظُّهْرِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَة) (٢)، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ (٣): الرَّكْعَةُ الأُولَى فِي كُلِّ الصَّلَاةِ أَطُولُ مِنَ الثَّانِيَةِ. وَقَوْلُهُ: (لَا آلُو) أَيْ: لَا أَقَصِّرُ، تَقُولُ العَرَبُ: مَا أَلَوْتَ فِي حَاجَتِكَ، وَمَا أَلَوْتُكَ نُصْحًا أَيْ: مَا قَصَّرْتُ بِكَ عَنْ جُهْدِي. وَمِنْ بَابِ: القِرَاءَةِ فِي الفَجْرِ * حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ (٤)، وَأَبِي هُرَيْرَةَ (٥) ﵄. أَطُولُ الصَّلَاةِ قِرَاءَةً الفَجْرُ، وَبَعْدَهَا الظُّهْرُ، إِلَّا أَنَّ البُخَارِيَّ لَمْ يُدْخِلْ غَيْرَ

стр. 1177

حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: (إِنَّ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الفَجْرِ كَانَتْ بِقَافٍ) (١) وَنَحْوِهَا. وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِسُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (٢)، وَقَرَأَ عُمَرُ ﵁ بِسُورَةٍ يُونُسَ وَهُودٍ (٣)، وَقَرَأَ عُثْمَانُ ﵁ بِيُوسُفَ وَالكَهْفِ (٤)، وَقَرَأَ عَلِيٌّ ﵁ بِالأَنْبِيَاءِ (٥)، وَقَرَأَ مُعَاذٌ ﵁ بالنِّسَاءِ (٦). دَلَّتْ هَذِهِ الآثَارُ أَنَّهُمْ فَهِمُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِبَاحَةَ التَّطْوِيلِ وَالتَّقْصِيرِ فِي قِرَاءَةِ الإِبَاحَةَ الفَجْرِ، وَأَنَّهُ لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ لَا [يَجُوزُ] (٧) تَعَدِّيهِ.

стр. 1178

قِيلَ: حَمَلَهُمْ حِرْصُ مَنْ خَلْفَهُمْ عَلَى التَّطْوِيلِ، فَأَمَّا اليَوْمَ فَيَنْبَغِي الْتِزَامُ التَّخْفِيفِ، لأَنَّ فِي النَّاسِ السَّقِيمَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: (إِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ) (١)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ. وَمِنْ بَابِ: الجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ * فيه حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵁: (انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ) (٢). الجَهْرُ فِي الفَجْرِ هُوَ السُّنَّةُ، فَإِنْ قِيلَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّهُبَ إِنَّمَا رُمِيَتْ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِ اسْتِرَاقِ الشَّيَاطِينِ السَّمْعَ؟ قيل: الرَّمْيُ بِالشُّهُبِ لَمْ يَزَلْ قَبْلَ الإِسْلَام، يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ : (مَا كُنتُمْ تَقُولُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ عَظِيمٌ، قَالَ: فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ) (٣). قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ: أَوَ كَانَ يُرْمَى بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (٤)؟ قَالَ: شُدِّدَ أَمْرُهَا حِيَن بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ (٥).

стр. 1179

وَمِنْ بَابِ: الجَمْع بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَالْقِرَاءَةِ بِالخَوَاتِيمِ * فِيهِ حَدِيثُ ابن مَسْعُودٍ ﵁: (لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ) (١). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي جَمْعِ السُّورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِثَلَاثِ سُوَرٍ فِي رَكْعَةٍ (٢). وَقَرَأَ عُثْمَانُ ﵁ وَتَمِيمُ الدَّارِيُّ القُرْآنَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ (٣). وَكَانَ عَطَاء يَقْرَأُ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ، أَوْ سُورَةٌ فِي رَكْعَتَينِ مِنَ المَكْتُوبَةِ (٤). وَقَالَ مَالِكٌ (٥): لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَتَيْنِ وَثَلَاثًا فِي رَكْعَةٍ، وَسُورَةٌ أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَلَا يَقْرَأُ سُورَةً فِي رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ. وَكَرِة (٦) جَمَاعَةٌ الجَمْعَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ، مِنْهُمْ: أَبُو العَالِيَةَ، وَأَبُو

стр. 1180

عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي، وَقَالَ: وَأَعْطِ كُلَّ سُورَةٍ حَظَّهَا مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (١). وَالقَوْلُ الأَوَّلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَ سُوَرِ المُفَصَّلِ فِي رَكْعَةٍ) (٢). قَالَ الطَّحَاوِيُّ (٣): الأَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ مَا أُطِيلَتْ فِيهِ القِرَاءَةُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِالجَمْعِ بَيْنَ السُّوَرِ الكَثِيرَةِ فِي رَكْعَةٍ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ ﵃ وَالتَّابِعُونَ. وَأَمَا القِرَاءَةُ بِالخَوَاتِيمِ وَبِأَوَّلِ السُّورَةِ، فَقَدْ كَانَ بِلَالٌ ﵁ يَقْرَأُ مِنْ غَيْرِ سُورَةٍ (٤)، وَقَدْ قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤْمِنِينِ فِي الصُّبْحِ، فَأَخَذَتْهُ سُعْلَةٌ فِي ذِكْرِ عِيسَى، فَرَكَعَ (٥). وَقَرَأَ ابن مَسْعُودٍ ﵁ بِأَرْبَعِينِ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ (٦).

стр. 1181

وَأَمَّا قِرَاءَةُ سُورَةٍ: فَقَالَ مَالِكٌ (١): لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ قَبْلَ الَّتِي قَرأَ فِي الأُولَى، وَقِرَاءَةُ الَّتِي بَعْدَهَا أَحَبُّ إِلَيْنَا. وَأَمَّا إِنْكَارُ ابن مَسْعُودٍ عَلَى الرَّجُلِ قِراءَةَ الْمُفَصَّلِ فِي رَكْعَةٍ، فَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَحُضَّهُ عَلَى تَدَبُّرِ القُرْآنِ، لَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ قِرَاءَةُ الْمُفَصَّلِ فِي رَكْعَةٍ (٢). وَقَوْلُ ابن مَسْعُودٍ ﵁: (لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً [مِنَ المُفَصَّل] (٣)) (٤)، وَدَلَّ أَنَّ صَلَاتَهُ مِنَ اللَّيل (٥) كَانَتْ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَكَانَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ. وَقَوْلُهُ: (قَرَأَ عُمْرُ بِسُورَةٍ مِنَ المَثَانِي) (٦)، قِيلَ (٧): الْمَثَانِي: مَا لَمْ يَبْلُغْ مِائَةَ آَيةٍ. وَقَالَ طَلْحَةُ بنُ مُصَرِّفٍ: الْمَثَانِي عِشْرُونَ سُورَةً، وَالْمِنُونَ: إِحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: إِنَّمَا سُمِّيتْ مَثَانِي لأَنَّهَا ثَنَتِ الْمِنِينَ أَيْ: أَتَتْ بَعْدَهَا،

стр. 1182

وَالْمُفَصَّلُ سُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الفُصُولِ بِهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ يَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ (١) * حَدِيثُ أَبِي قَتَادَة (٢). وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ إِنْ شَاءَ لَمْ يَقْرَأْ فِيهِمَا، لأَنَّ فِيهِ: (قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَقَالَ: كَانَ يُسْمِعُهُمُ الآيَةَ أَحْيَانًا). وَمِنْ بَابِ: جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٣)، وَفِيهِ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ (٤) (يُنَادِي الإِمَامَ: لَا تَفُتْنِي بِآمِينَ) (٥). قَالَ مَالِكٌ (٦): الإِمَامُ يَقُولُ آمِينَ كَالْمَأْمُومِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَقُولُ الإِمَامُ آمِينَ، وَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ خَلْفَهُ، وَاحْتَجُّوا

стр. 1183

بِقَوْلِهِ ﷺ : (إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١) فَقُولُوا آمِينَ) (٢)، فَلَوْ كَانَ الإِمَامُ يَقُولُ آمِينَ لَقَالَ: إِذَا قَالَ الإِمَامُ آمِينَ، فَقُولُوا آمِينَ، قَالُوا: وَلِأَنَّ فَاتِحَةَ الكِتَابِ [دُعَاءُ] (٣)، فَالإِمَامُ دَاعٍ، وَالمَأْمُومُ مُؤَمِّنٌ، وَجَرَتِ العَادَةُ أَنْ يَدْعُوَ وَاحِدٌ وَيُؤَمِّنَ الْمُسْتَمِعُ، هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٤). وَحُجَّةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ ﷺ : (إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا) (٥)، وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّ الإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ (٦)، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ لِلْإِمَامِ: (لَا تَسْبِقْنِي بآمِينَ) (٧). وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: آمين) (٨). وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنَى آمِينَ: اسْتَجِبْ. وَاخْتَلَفُوا فِي الجَهْرِ بِهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٩)، وَأَحْمَدُ (١٠) إِلَى الجَهْرِ بِهَا.

стр. 1184

وَقَالَ الكُوفِيُّونَ (١)، وَمَالِكٌ (٢): يُسِرُّ بِهَا. وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ يَجْهَرُ بِهَا قَوْلُهُ: (إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا)، فَلَو أَنَّ الإِمَامَ يُسِرُّ بِهَا لَمْ يَعْلَمِ المَأْمُومُ بِتَأْمِينه. وَقَالَ عَطَاءٌ (٣): كُنْتُ أَسْمَعُ الأَئِمَّةَ يَقُولُونَ عَلَى إِثْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ آمِينَ هُمْ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ. وَقَالَ ابن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ (٤): لَمْ أَسْمَعْ فِي الجَهْرِ بِالتَّأْمِينِ لِلْإِمَامِ إِلَّا حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ، وَلَمْ أَرَهُ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٥): اللَّجَّةُ: اخْتِلَاطُ الأَصْوَاتِ، وَأَلَجَّ القَوْمُ: إِذَا سُمِعَتَ لَهُمْ لُجَّةٌ، أَيْ: صَوْتٌ. وَمِنْ بَابِ: فَضْلِ التَّأْمِينِ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: (فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) (٦).

стр. 1185

قِيلَ: المُوَافَقَةُ هَا هُنَا: أَنْ تَقُولَ الْمَلَائِكَةُ آمِينَ كَمَا يَقُولُ الْمُصَلُّونَ، وَسَوَاءٌ قَالَهُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا يَأْجُرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى الاتفاقِ فِي القَوْلِ وَالنِّيَّةِ، لَا عَلَى وُقُوعِ الكَلَامِ فِي زَمَنِ وَاحِدٍ. وَمِنْ بَابِ: جَهْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة (١). وَقَوْلُهُ: (قُولُوا آمِينَ) خِطَابٌ لِلْمَأْمُومِينَ. قيل (٢): لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: (فَقُولُوا آمِينَ) مَا يَقْتَضِي الجَهْرَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الإِمَامُ يَجْهَرُ بِالتَّأْمِينِ، وَكَانَ الْمَأْمُومُونَ مَأْمُورِينَ بِاتِّبَاعِ الإِمَامِ، وَجَبَ عَلَيْهِم الجَهْرُ بِهَا كَمَا جَهَرَ بِهَا الإِمَامُ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ (٣). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَنْ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ: فَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بن ثَابِتٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّهُمَا رَكَعَا دُونَ الصَّفِّ، وَمَشَيَا إِلَى الصُّفُوفِ رُكُوعًا (٤)، وَفَعَلَهُ سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، وَعُرْوَةُ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَعَطَاءٌ (٥).

стр. 1186

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) وَالثَّوْرِيُّ (٢): يُكْرَهُ لِلْوَاحِدِ أَنْ يَرْكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ يَتَقَدَّمَ. وَأَجَازَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤) صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ دُونَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ (٥): لَا يَجْبُذْ إِلَيْهِ رَجُلًا. وَقَالَ أَحْمَدُ (٦)، وَإِسْحَاقُ (٧): إِنْ رَكَعَ وَحْدَهُ دُونَ الصَّفِّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ (٨). وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (لَا تُكَبِّرْ حَتَّى تَأْخُذَ مَقَامَكَ مِنَ الصَّفِّ) (٩). وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (لَا تَعُدْ) قِيلَ: لَا تَعُدْ أَنْ تَرْكَعَ دُونَ الصَّفِّ حَتَّى تَقُومَ فِي الصَّفِّ.

стр. 1187

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا تَعُدْ أَنْ تَسْعَى إِلَى الصَّلَاةِ سَعْيًا يُحَفِّزُكَ فِيهِ النَّفَسُ. وَمِنْ بَابِ: إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرَّكُوعِ وَبَابِ: إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي السُّجُودِ وَبَابِ: التَّكْبِيرِ إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ * الأَحَادِيثُ الَّتِي فِي هَذِهِ الأَبْوَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَقَدْ كَانَ تَرَكَهُ جَمَاعَةٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ عِمْرَانُ: (ذَكَّرَنَا عَلِيٌّ ﵁ صَلَاةَ رَسُولِ الله ﷺ ) (١)، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ (٢)، وَأَنْكَرَ عِكْرِمَةُ عَلَى الَّذِي كَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، وَنَسَبَهُ إِلَى الحُمْقِ (٣). فَمِمَّنْ كَانَ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ وَلَا يُنْقِصُهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ: أَبُو بَكْرٍ، [وَعُمَرُ] (٤)، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ (٥)، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٦)، وَالكُوفِيِّينَ (٧) وَالشَّافِعِيِّ (٨) وَجُمْهُورِ العُلَمَاءِ.

стр. 1188

وَفِي تَكْبِيرِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ مِنَ الفِقْهِ: أَنَّ التَّكْبِيرَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الخَفْضِ وَالرَّفْعِ مَعَ الفِعْلِ سَوَاءٌ، لَا يَتَقَدَّمُهُ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ. وَمِنْ بَابٍ: وَضْعِ الأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرَّكُوعِ * فِيهِ حَدِيثُ سَعْد ﵁ (١). اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ عَلَى القَوْلِ بِهَذَا الحَدِيثِ (٢). قَالَ العُلَمَاءُ (٣): حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ سَعْدٍ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ: (كُنَّا نَفْعَلُهُ، فَنُهِينَا عَنْهُ) دَلَّ أَنَّ التَّطْبِيقَ مَنْسُوخٌ (٤) * * *

стр. 1189

وَمِنْ بَابِ: إِذَا لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ فِيهِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ ﵁ (١). قَوْلُهُ: (مَا صَلَّيْتُ) أَيْ: صَلَاةً كَامِلَةً، وَسَمَّى الصَّلَاةَ فِطْرَةً لِأَنَّهَا أَكْبَرُ عُرَى الإِيمَانِ. قيلَ: نَفَى الفِعْلَ عَنْهُ بِمَا انْتَفَى عَنْهُ مِنْ شَرْطِ الإِيمَانِ. وَمِنْ بَابِ: اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ فِي الرَّكُوعِ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ ﵁ (٢). قَوْلُهُ: (ثُمَّ [هَصَرَ] (٣) ظَهْرَهُ)، قِيلَ: هَصَرْتَ الشَّيْءَ: إِذَا جَذَبْتَهُ، وَكَسَرْتَهُ إِلَيْكَ مِنْ غَيْرِ بَيْنُونَةٍ. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): هَصَرَ الأَسَدُ فَرِيسَتَهُ: [كَسَرَهَا] (٥). وَقِيلَ: الهَصْرُ: عَطْفُكَ الشَّيْءَ الرَّطْبَ كَالغُصْنِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: سُمِّيَ الأَسَدُ هَصُورًا، لأَنَّهُ يَهْصُرُ الفَرِيسَةَ، أَيْ: يَعُضُّهَا. وَفِي حَدِيثِ البَرَاءِ: (أَنَّ رُكُوعَ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودَهُ [وَ] (٦) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ

стр. 1190

إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ مَا خَلَا القِيَامَ وَالقُعُودَ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ) (١). قِيلَ: هَذِهِ الصِّفَةُ أَكْمَلُ صِفَاتِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّجُلِ وَحْدَهُ فَلَهُ أَنْ يُطَوِّلَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَضْعَافَ مَا يُطَوِّلُ فِي القِيَامِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَبَيْنَ الرَّكْعَةِ وَالسَّجْدَةِ، وَأَمَّا أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ، فَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: (إِذَا أَمْكَنَ الرَّجُلُ يَدَيْهِ مِنْ رُكَبَتَيْهِ فَقَدْ أَجْزَأهُ) (٢). وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى (٣): (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَكَعَ لَوْ صُبَّ بَيْنَ كَتِفَيْهِ لَاسْتَقَرّ). وَمِنْ بَابِ: أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ بِالْإِعَادَةِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: (ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) (٤). قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَرْضٌ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ وَيَعْتَدِلْ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ صُلْبَهُ، لِقَوْلِهِ: (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)، ثُمَّ عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ، وَأَمَرَهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ (٥)، وَالشَّافِعِي (٦)، وَأَحْمَدَ (٧)، وَإِسْحَاقَ (٨).

стр. 1191

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا الرَّجُلَ حِينَ لَمْ يُكْمِلِ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ بِالإِعَادَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِكْمَالَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَرْضٌ. وَمِنْ بَابِ: الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵁ (٢). قَالَ الطَّحَاوِيُّ (٣): اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَا يَدْعُو بِهِ الرَّجُلُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ فِي ذَلِكَ بِمَا أَحَبَّ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ، قَالُوا: وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَا، مِنْهَا: حَدِيثُ عَلَيٍّ: (اللَّهُمَ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ … ) (٤)، إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ، وَمِنْهَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ … ) (٥) إِلَى آخِرِهِ. = وَكَرِهَ مَالِكُ الدُّعَاءَ فِي الرُّكُوعِ، وَلَمْ يَكْرَهُهُ فِي السُّجُودِ (٦)، وَاقْتَصَرَ فِي

стр. 1192

[الرُّكُوعِ] (١) عَلَى تَعْظِيمِ اللهِ ، ذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ [ابن عَبَّاسٍ] (٢) ﵁: (أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ فِي الدُّعَاءِ) (٣). وَقَالَ النَّخَعِيُّ (٤): كَانَ يُقَالُ إِذَا بَدَأَ الرَّجُلُ بِالثَّنَاءِ قَبْلَ الدُّعَاءِ اسْتَوْجَبَ، وَإِذَا بَدَأَ بِالدُّعَاءِ قَبْلَ الثَّنَاءِ كَانَ عَلَى الرَّجَاءِ. وَقَالَ قَوْمٌ (٥): يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ" ثَلَاثًا، وَفِي سُجُودِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى" ثَلَاثًا، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ إِيَاسِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ (٦). وَرُوِيَ مَرَّةً: إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ عَلِيٍّ بن أَبِي طَالِب ﵁ (٧).

стр. 1193

وَقَوْلُهُ: (اللَّهُمَ اغْفِرْ لِي)، يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ يَعْنِي: قَوَلَه تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (١) حِينَ أَعْلَمَهُ اللهُ بِانْقِضَاءِ أَجَلِهِ. وَقَوْلُهُ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَ وَبِحَمْدِكَ) أَيْ: وَبِحَمْدِكَ سَبَّحْتُكَ. وَمَعْنَى سُبْحَانَ اللهِ: سَبَّحْتُ الله، وَنَصْبُهُ عَلَى المَصْدَرِ. وَمِنْ بَابِ: القِرَاءَةِ فِي الرَّكُوعِ وَالسُّجُودِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (٢). وَلَمْ يُدْخِلِ البُخَارِيُّ فِي البَابِ حَدِيثًا بِجَوَازِ ذَلِكَ وَلَا بِمَنْعِهِ، وَأَجَازَ جَمَاعَةٌ القِرَاءَةَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنْهُمْ: عُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ، وَالرَّبِيعُ بِنُ خُثَيْمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (٣)، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغُهُمُ الحَدِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ بَلَغَهُمْ فَلَمْ يَرَوْهُ صَحِيحًا، وَرَأَوا قِرَاءَةَ القُرْآنِ حَسَنةً فِي كُلِّ حَالٍ. وَالحَدِيثُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ، فَلَا يَنْبَغِي لِمُصَلٍّ أَنْ يَقْرَأَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِ. وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَا يَقُولُ الإِمَامُ وَمَنْ خَلْفَهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ: فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى الْأَخْذِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَقَالُوا: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" يَجْمَعُهُمَا جَمِيعًا.
следующие страницы →