← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1189–1228 · переход к 1194.

стр. 1189

وَمِنْ بَابِ: إِذَا لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ فِيهِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ ﵁ (١). قَوْلُهُ: (مَا صَلَّيْتُ) أَيْ: صَلَاةً كَامِلَةً، وَسَمَّى الصَّلَاةَ فِطْرَةً لِأَنَّهَا أَكْبَرُ عُرَى الإِيمَانِ. قيلَ: نَفَى الفِعْلَ عَنْهُ بِمَا انْتَفَى عَنْهُ مِنْ شَرْطِ الإِيمَانِ. وَمِنْ بَابِ: اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ فِي الرَّكُوعِ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ ﵁ (٢). قَوْلُهُ: (ثُمَّ [هَصَرَ] (٣) ظَهْرَهُ)، قِيلَ: هَصَرْتَ الشَّيْءَ: إِذَا جَذَبْتَهُ، وَكَسَرْتَهُ إِلَيْكَ مِنْ غَيْرِ بَيْنُونَةٍ. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): هَصَرَ الأَسَدُ فَرِيسَتَهُ: [كَسَرَهَا] (٥). وَقِيلَ: الهَصْرُ: عَطْفُكَ الشَّيْءَ الرَّطْبَ كَالغُصْنِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: سُمِّيَ الأَسَدُ هَصُورًا، لأَنَّهُ يَهْصُرُ الفَرِيسَةَ، أَيْ: يَعُضُّهَا. وَفِي حَدِيثِ البَرَاءِ: (أَنَّ رُكُوعَ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودَهُ [وَ] (٦) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ

стр. 1190

إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ مَا خَلَا القِيَامَ وَالقُعُودَ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ) (١). قِيلَ: هَذِهِ الصِّفَةُ أَكْمَلُ صِفَاتِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّجُلِ وَحْدَهُ فَلَهُ أَنْ يُطَوِّلَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَضْعَافَ مَا يُطَوِّلُ فِي القِيَامِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَبَيْنَ الرَّكْعَةِ وَالسَّجْدَةِ، وَأَمَّا أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ، فَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: (إِذَا أَمْكَنَ الرَّجُلُ يَدَيْهِ مِنْ رُكَبَتَيْهِ فَقَدْ أَجْزَأهُ) (٢). وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى (٣): (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَكَعَ لَوْ صُبَّ بَيْنَ كَتِفَيْهِ لَاسْتَقَرّ). وَمِنْ بَابِ: أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ بِالْإِعَادَةِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: (ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) (٤). قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَرْضٌ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ وَيَعْتَدِلْ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ صُلْبَهُ، لِقَوْلِهِ: (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)، ثُمَّ عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ، وَأَمَرَهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ (٥)، وَالشَّافِعِي (٦)، وَأَحْمَدَ (٧)، وَإِسْحَاقَ (٨).

стр. 1191

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا الرَّجُلَ حِينَ لَمْ يُكْمِلِ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ بِالإِعَادَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِكْمَالَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَرْضٌ. وَمِنْ بَابِ: الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵁ (٢). قَالَ الطَّحَاوِيُّ (٣): اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَا يَدْعُو بِهِ الرَّجُلُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ فِي ذَلِكَ بِمَا أَحَبَّ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ، قَالُوا: وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَا، مِنْهَا: حَدِيثُ عَلَيٍّ: (اللَّهُمَ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ … ) (٤)، إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ، وَمِنْهَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ … ) (٥) إِلَى آخِرِهِ. = وَكَرِهَ مَالِكُ الدُّعَاءَ فِي الرُّكُوعِ، وَلَمْ يَكْرَهُهُ فِي السُّجُودِ (٦)، وَاقْتَصَرَ فِي

стр. 1192

[الرُّكُوعِ] (١) عَلَى تَعْظِيمِ اللهِ ، ذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ [ابن عَبَّاسٍ] (٢) ﵁: (أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ فِي الدُّعَاءِ) (٣). وَقَالَ النَّخَعِيُّ (٤): كَانَ يُقَالُ إِذَا بَدَأَ الرَّجُلُ بِالثَّنَاءِ قَبْلَ الدُّعَاءِ اسْتَوْجَبَ، وَإِذَا بَدَأَ بِالدُّعَاءِ قَبْلَ الثَّنَاءِ كَانَ عَلَى الرَّجَاءِ. وَقَالَ قَوْمٌ (٥): يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ" ثَلَاثًا، وَفِي سُجُودِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى" ثَلَاثًا، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ إِيَاسِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ (٦). وَرُوِيَ مَرَّةً: إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ عَلِيٍّ بن أَبِي طَالِب ﵁ (٧).

стр. 1193

وَقَوْلُهُ: (اللَّهُمَ اغْفِرْ لِي)، يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ يَعْنِي: قَوَلَه تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (١) حِينَ أَعْلَمَهُ اللهُ بِانْقِضَاءِ أَجَلِهِ. وَقَوْلُهُ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَ وَبِحَمْدِكَ) أَيْ: وَبِحَمْدِكَ سَبَّحْتُكَ. وَمَعْنَى سُبْحَانَ اللهِ: سَبَّحْتُ الله، وَنَصْبُهُ عَلَى المَصْدَرِ. وَمِنْ بَابِ: القِرَاءَةِ فِي الرَّكُوعِ وَالسُّجُودِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (٢). وَلَمْ يُدْخِلِ البُخَارِيُّ فِي البَابِ حَدِيثًا بِجَوَازِ ذَلِكَ وَلَا بِمَنْعِهِ، وَأَجَازَ جَمَاعَةٌ القِرَاءَةَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنْهُمْ: عُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ، وَالرَّبِيعُ بِنُ خُثَيْمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (٣)، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغُهُمُ الحَدِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ بَلَغَهُمْ فَلَمْ يَرَوْهُ صَحِيحًا، وَرَأَوا قِرَاءَةَ القُرْآنِ حَسَنةً فِي كُلِّ حَالٍ. وَالحَدِيثُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ، فَلَا يَنْبَغِي لِمُصَلٍّ أَنْ يَقْرَأَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِ. وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَا يَقُولُ الإِمَامُ وَمَنْ خَلْفَهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ: فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى الْأَخْذِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَقَالُوا: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" يَجْمَعُهُمَا جَمِيعًا.

стр. 1194

قَالَ الشَّافِعِيُّ (١): وَيَقُولُ الْمَأْمُومُ: [سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ] (٢) رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ سَوَاءً كَالإِمَامِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ (٣): يَقُولُ [المَأْمُومُ] (٤): رَبَّنَا وَلَكَ [الحَمْدُ] (٥) خَاصَّةً. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَقُولُ [الإِمَامُ] (٦) سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ دُونَ الْمَأْمُومِ، [وَيَقُولُ المَأْمُومُ] (٧): رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ (٨)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٩)، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) (١٠). قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ (١١): أَفْرَدَ الإِمَامَ بِغَيْرِ مَا أَفْرَدَ بِهِ الْمَأْمُومِينَ، وَلَوْ

стр. 1195

كَانَ الإِمَامُ يَجْمَعُ الأَمْرَيْنِ لَقَالَ الله ﷺ : إِذَا قَالَ الإِمَامُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، فَقُولُوا: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، حَتَّى يَكُونَ ابْتِدَاءُ قَوْلِهِمْ بَعْدَ انْتِهَاءِ قَوْلِهِ، كَمَا قَالَ: (وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) (١)، وَلَمْ يَكُنْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَعْنًى. وَحَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ قَاضٍ عَلَى حَدِيثِ الْمَقْبُرِيِّ وَمُبَيِّنٌ لَهُ (٢). وَقَوْلُ الإِمَامِ (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ): اسْتِجَابَةٌ لِدُعَاءِ دَاعٍ. وَقَوْلُ الْمَأْمُومِ (٣): (رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) عَلَى وَجْهِ الْمُقَابَلَةِ، لِأَنَّهُ لَا حَامِدَ لَهُ غَيْرُ الْمُؤْتَمِّ بِهِ فِي هَذِهِ الحَالِ، فَلَا يُشْرِكُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الأُولَى بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ يَفْرَعُ مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ [مِنَ القِرَاءَةِ] (٤) وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ، يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، اللَّهُمَّ أَنْج الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ … ) الحديث (٥). وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ (٦).

стр. 1196

وَمِنْ بَابٍ: فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ وَمِنْ بَابِ: القُنُوتِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة (١). وَفِيهِ: أَنَّ القُنُوتَ كَانَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَصَلَاةِ العِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ تُرِكَ فِي الظَّهْرِ وَالعِشَاءِ. وَفِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ (٢)، [ثَوَابُ] (٣) التَّحْمِيدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالذَّكْرِ لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٤). وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ رَفْعِ المُذَكِّرِ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ فِي الْمَسَاجِدِ الكَثِيرَةِ الجَمْعِ لِيُسْمِعَ النَّاسَ. وَمِنْ بَابِ: الطُّمَأْنِينَةِ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكُوعِ * فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُبالِغُونَ فِي الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ وَلَا بَيْنَ السَّجْدَتَينِ مِثْلَمَا ذُكِرَ فِي الحَدِيثِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ أَنَسٌ (٥)، وَمَالِكُ بن الحُوَيْرِثِ (٦) إِنَّ صَلَاتَكُمُ الَّتِي تَقْصُرُونَ فِيهَا عَنْ بُلُوغِ هَذَا الحَدِّ مِنَ

стр. 1197

الطُّمَأْنِينَةِ لَا تَجُوزُ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ أَفْضَلَ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَقَدْ كَانَ أَبُو يَزِيدَ يَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ، فَدَلَّ أَنَّ الَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَهُ عَلَى [خِلَافِ] (١) هَذِهِ الآثَارِ [جَائِزٌ] (٢)، إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى صِفَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا وَهِيَ جَائِزَةٌ. وَمِنْ بَابِ: يَهْوِي بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٣). قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتُهُ): (إِنْ) هَا هُنَا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَالْمَعْنَى: إِنَّهُ كَانَتْ هَذِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي وَضْعِ اليَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ: فَذَهَبَ مَالِكُ (٤) إِلَى مَا رُوِيَ (٥) فِي ذَلِكَ عَنِ ابن عُمَرَ ﵁ (٦). قِيلَ: وَهُوَ أَحْسَنُ فِي سَكِينَةِ الصَّلَاةِ وَوَقَارِهَا، وَالحُجَّةُ لَهُ رِوَايَةُ أَبِي الزِّنَادِ

стр. 1198

عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ البَعِيرِ) (١). وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ (٢): يَضَعُ أَيَّهُمَا شَاءَ قَبْلَ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ وَاسِعٌ. وَقَالَ الكُوفِيُّونَ (٣): يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥). وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ وَائِلِ بن حُجْرٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَدَأَ فَوَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ) (٦).

стр. 1199

وَمِنْ بَابِ: فَضْلِ السُّجُودِ * فِيهِ حَدِيثُ: أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الطَّوِيلُ (١). قَوْلُهُ ﷺ : (وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ) فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ لِمَا فِيهَا مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ إِذَا سَجَدَ) (٢). وَقَوْلُهُ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٣)، وَلَعَنَ اللهُ إِبْلِيسَ لإِبَائِهِ عَنِ السُّجُودِ لَعْنَةً أَبْلَسَهُ بِهَا، وَأَيْأَسَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَفِي الحَدِيثِ: إِثْبَاتُ الرُّؤْيَةِ لِلهِ تَعَالَى نَصًّا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٤) أَيْ: مُبْصِرَةٌ. وَقَوْلُهُ: (فِيهَا مُنَافِقُوهَا) يَدُلُّ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يَتَّبِعُونَ مُحَمَّدًا ﷺ لِمَا انْكَشَفَ لَهُمْ مِنَ الحَقِيقَةِ رَجَاءً مِنْهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ، حَتَّى تُبَيِّنَهُمُ الغُرَرُ وَالتَّحْجِيلُ مِنْ

стр. 1200

أَثَرِ الوُضُوءِ عِنْدَ الحَوْضِ، فَيَتَبَيَّنُ حِينَئِذٍ المُنَافِقُ، إِذْ لَا غُرَّةَ لَهُ وَلَا تَحْجِيلَ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فِي جُمْلَةِ مَنِ ارْتَدَّ بَعْدَهُ ﷺ ، فَيُقَالُ: (إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ). وَقَوْلُهُ: (فِيهِمُ المُوبِقُ بِعَمَلِهِ) وَبَقَ الرَّجُلُ بِعَمَلِهِ إِذَا هَلَكَ بِذُنُوبِهِ (١). وَقَوْلُهُ (وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ)، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): خَرْدَلْتُ اللَّحْمَ: قَطَّعْتُهُ وَفَصَّلْتُهُ، وَقِيلَ: خَرْدَلْتُ الطَّعَامَ أَكَلْتُ خِيَارَهُ. وَقَوْلُهُ: (وَقَدِ امْتُحِشُوا): الْمَحْشُ: إِحْرَاقُ الجِلْدِ. وَقَوْلُهُ: (قَشَبَنِي رِيحُهَا) أَيْ: مَلأَ خَيَاشِيمِي رِيحُهَا، وَقِيلَ: سَمَّنِي رِيحُهَا، يُقَالُ لِكُلِّ مَسْمُومٍ: قَشِيبٌ، وَقَشَّبَتْنَا الدُّنْيَا أَيْ: فَتَنتْنَا، فَصَارَ حُبُّهَا كَالسُّمِّ الضَّارِّ. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: (أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ فَوَجَدَ رِيحَ طِيبٍ، فَقَالَ: مَنْ قَشَّبَنَا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَة ﵁: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةً فَطَيَّبَتْنِي) (٣).

стр. 1201

قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (١): قَوْلُهُ: (مَنْ قَشَّبَنَا)؟ أَرَادَ أَنَّ رِيحَ الطِّيبِ فِي حَالِ الإِحْرَامِ قَشَبٌ، كَمَا أَنَّ رِيحَ النَّتْنِ فَشَبٌ، وَيُقَالُ: مَا أَقْشَبَ بَيْنَهُمْ، أَيْ: مَا أَقْذَرَهُ، وَالقَشْبُ: خَلْطُ السُّمِّ بِالطَّعَامِ، وَاسْمُ السُّمِّ: القِشْبُ بِكَسْرِ القَافِ، وَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِبَعْضَ بَنِيهِ: (قَشَّبَكَ الْمَالُ) (٢) أَيْ: ذَهَبَ بِعَقْلِكِ. وَمِنْ بَابِ: يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ * فيه حَدِيثُ ابن بُحَيْنَة (٣). وَقَالَ أَحْمَرُ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ : (إِنْ كُنَّا لَنَأْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) (٤).

стр. 1202

قَوْلُهُ (آوِي) أَيْ: أَرِقُّ لَهُ، وَأَرْحَمُهُ، يُقَالُ: أَوَيْتُ لَهُ مَأْوِيَةً. قَالَ النَّخَعِيُّ (١): إِذَا سَجَدَ فَلْيُفَرِّجْ بَيْنَ فَخِذَيْهِ. وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ ﵁: هُيِّئَتْ عِظَامُ ابْنِ آدَمَ لِلسُّجُودِ فَاسْجُدُوا حَتَّى بِالْمَرَافِقِ (٢). وَقَالَ قَيْسُ بنُ سَكَنٍ (٣): كُلَّ ذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ: يَنْضَمُّونَ وَيَتَجَافَوْنَ، كَانَ بَعْضُهُمْ يَنْضَمُّ، وَبَعْضُهُمْ يَتَجَافَى. قيل (٤): إِنَّمَا كَانَ يَتَجَافَى ﷺ ، وَيُفَرِّجُ يَدَيْهِ لِيَخِفَّ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا يَثْقُلَ عَلَيْهَا. قَالَ عَطَاءٌ (٥): خِفُّوا عَلَى الْأَرْضِ. وَالْمَعْنَى (٦): لَا تُرْسِلْ نَفْسَكَ عَلَى الأَرْضِ فِي السُّجُودِ إِرْسَالًا ثَقِيلًا.

стр. 1203

وَرَأَى ابن عُمَرَ رَجُلًا قَدْ أَثَّرَ السُّجُودُ فِي [جَبْهَتِهِ] (١) فَقَالَ: (لَا يَشِينَنَّ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ) (٢). وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ (٣): رَأَيْتُ أَصْحَابَ عَلِيٍّ ﵁، وَأَصْحَابَ عَبْدِ اللهِ وَآثَارُ السُّجودِ فِي جِبَاهِهِمْ وَأُنُوفِهِمْ. وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٤) هُوَ التُّرَابُ، وَنَدَى الطَّهور (٥). وَقَوْلُهُ: (وَيُبْدِي ضَبْعَيْهِ) الضَّبْعُ: العَضُدُ بِسُكُونِ البَاءِ، وَالضَّبْعَانِ تَثْنِيَةٌ، وَقَالَ الشَّاعِرُ (٦): [مِنَ الطَّوِيلِ] ........................ … وَلَا صُلْحَ حَتَّى تَضْبَعُونَا وَنَضْبَعًا أَيْ: حَتَّى تَمُدُّونَ أَضْبَاعَكُمْ إِلَيْنَا، وَنَمُدُّ أَضْبَاعَنَا. وَالاضْطِبَاعُ بِالثَّوْبِ: أَنْ تَمُدَّهُ عَلَى ضَبْعَيْكَ أَيْ: عَلَى عَضُدَيْكَ.

стр. 1204

وَمِنْ بَابِ: يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ * فِيهِ أَبو حُمَيْدٍ (١). لا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَفِي اسْتِحَبَابِ أَنْ يَسْتَقبِلَ السَّاجِدُ بِأَنَامِلِ يَدَيْهِ القِبْلَةَ. وَمِنْ بَابِ: السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ (٢)، وَحَدِيثُ البَرَاءِ (٣). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَا يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَيْهِ مِنَ الآرَابِ السَّبْعَةِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الوَجْهِ فَرِيضَةٌ (٤): فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ أَجْزَأهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُوسَ، وَالحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالقَاسِمِ (٥)، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ (٦)، وَالْمُسَتَحَبُّ عِنْدَهُمْ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى أَنْفِهِ مَعَ جَبْهِتِهِ.

стр. 1205

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): يُجْزِئُهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهِ، وَأَوْجَبَ قَوْمٌ السُّجُودَ عَلَى الأَنْفِ وَالجَبْهَةِ جَمِيعًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَعِيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (٢)، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ (٣). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: (مَنْ لَمْ يَضَعْ أَنْفَهُ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يُصَلِّ) (٤). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُجْزِئهُ إِنْ تَرَكَ السُّجُودَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ (٥)، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٦)، وَإِسْحَاقُ (٧)، وَكَأَنَّ البُخَارِي مَالَ إِلَى هَذَا القَوْلِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَا يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى بَعْضِهَا إِلَّا بِدِلَالَةٍ. وَحُجَّة مَنْ أَوْجَبَ السُّجُودَ عَلَى الجَبْهَةِ وَالأَنْفِ جَمِيعًا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الحَدِيثِ: (أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءِ مِنْهَا الوَجْهُ) (٨)، فَلَا

стр. 1206

يَخْتَصُّ بِالجَبْهَةِ دُونَ الأَنْفِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: ذِكْرُ الوَجْهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَيُّ شَيْءٍ وَضَعَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ، فَإِذَنْ جَازَ الاقْتِصَارُ عَلَى الأَنْفِ دُونَ الجَبْهَةِ، لأَنَّهُ إِذَا سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ فَقَدْ سَجَدَ عَلَى وَجْهِهِ، كَمَا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى جَبْهَتِهِ. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: (حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ المَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ وَأَرْنَبَتِهِ) (١)، وَهُوَ فِي البَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَوْجَبَ السُّجُودَ عَلَى الأَنْفِ وَالجَبْهَةِ، وَقَالُوا: هَذَا الحَدِيثُ مُفَسِّرٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁. وَحُجَّةُ القَوْلِ الأَوَّلِ: أَنَّ الأَحَادِيثَ إِنَّمَا ذُكِرَ فِيهَا الجَبْهَةُ وَلَمْ يُذْكَرِ الأَنْفُ، فَدَلَّ أَنَّ الجَبْهَةَ تُجْزِئُ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٢): وَجَدْنَا التَّابِعِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ السُّجُودَ عَلَى الجَبْهَةِ وَالأَنْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الاقْتِصَارَ عَلَى الجَبْهَةِ، فَمَنْ جَوَّزَ الاقْتِصَارَ عَلَى الأَنْفِ دُونَ الجَبْهَةِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ إِجْمَاعِهِمْ. وَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ: (مَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الْأَرْضِ) (٣)، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ:

стр. 1207

(أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكُلَّ وَاجِبٌ، قِيلَ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يؤمَرَ بِشَيْءٍ وَيَكُونَ بَعْضُهُ مَفْرُوضًا، وَبَعْضُهُ مَسْنُونًا، وَالحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِدَلَائِلِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَفِي حَدِيثِهِ (وَلَا أَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا) دِلَالَةٌ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِلْمَرْءِ أَنْ يُصَلِّيَ عَاقِصًا شَعَرَهُ، أَوْ كَافًّا ثَوْبَهُ، يَرْفَعُ أَسَافِلَهُ مِنَ الْأَرْضِ، أَوْ يُشَمِّرُ أَكْمَامَهُ، فَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا إعَادَةَ (١). وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ لِرَجُلٍ رَآهُ يَسْجُدُ مَعْقُوصًا شَعَرُهُ: (أَرْسِلْهُ يَسْجُدُ مَعَكَ) (٢). وَقَالَ الفُقَهَاءُ: إِنَّهُ يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَى اليَدَيْنِ فِي الثِّيَابِ، قَالَ الحَسَنُ: (كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَسْجُدُونَ وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ) (٣).

стр. 1208

وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ السُّجُودِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ مَسْتُورَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا أَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا) يَعْنِي: وَلَا أَضُمَّهُمَا. وَرُوِيَ: (وَلَا أَكْفِتَ) يُقَالُ: كَفَتَهُ يَكْفِتُهُ إِذَا ضَمَّهُ، وَفِي الحَدِيثِ: (اكْفُتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ فَحْمَةِ العِشَاءِ، فَإِنَّ لِلشَّيْطَانِ انْتِشَارًا وَخَطَفَةً بِاللَّيلِ) (١)، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (٢). وَمِنْ بَابِ: المُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَبَابِ: لَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ * حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ ﵁ (٣). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٤): يَحِقُّ عَلَى المُصَلِّي أَنْ يُجَافِيَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَيَرْفَعَ صَدْرَهُ عَنِ الْأَرْضِ، وَلَا يَفْتَرِسُ ذِرَاعَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا افْتَرَشَهُمَا لَمْ يَبْدُ وَضَحُ إِبْطَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: (لَا يَبْسُطُ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلَبِ) (٥)، انْبَسَطَ بِمَعْنَى بَسَطَ، كَقَوْلِهِمْ قَطَعَ وَاقْتَطَعَ.

стр. 1209

وَمِنْ بَابِ مَنِ اسْتَوَى قَاعِدًا فِي وِتْرِ صَلَاتِهِ ثُمَّ نَهَضَ قَالَ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ: إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الْآخِرَةِ مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى وَالرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ يَنْهَضُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، وَلَا يَجْلِسُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابن مَسْعُودٍ، وَابنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ (١)، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣)، وَالكُوفِيُّونَ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)، وَإِسْحَاقُ (٦). وَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ الأَحَادِيثِ عَلَى هَذَا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٧) إِلَى حَدِيثِ مَالِكِ بن الحُوَيْرِثِ، وَقَالَ: يَقْعُدُ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ يَنْهَضُ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٨): لَمَّا خَالَفَ حَدِيثُ مَالِكِ بن الحُوَيْرِثِ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ

стр. 1210

سَعْدٍ، وَأَبِي أُسَيْدٍ، وَأَبِي حُمَيْدٍ مِنَ (١) الأَنْصَارِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ الله ﷺ فِيهِ لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِهِ فَقَعَدَ مِنْ أَجْلِهَا، لَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ (٢). كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: (إِنَّ رِجْلَيَّ لَا تَحْمِلَانِي) (٣). وَمِنْ بَابِ: كَيْفَ يَعْتَمِدُ عَلَى الْأَرْضِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ؟ * حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ (٤). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي اعْتِمَادِ الرَّجُلِ عَلَى يَدَيْهِ عِنْدَ القِيَامِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا أَرَادَ القِيَامَ (٥)، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مَكْحُولٍ، وَعَطَاءٍ، وَمَسْرُوقٍ، وَالحَسَنِ (٦)، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي (٧)، وَأَحْمَدَ (٨)، وَالحُجَّةُ

стр. 1211

لَهُمْ هَذَا الحَدِيثُ. وَقَالَ طَائِفَةٌ: لَا يَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا، أَوْ مَرِيضًا، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (١)، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣). وَفِي البَابِ حَدِيثُ عَمْرِو بن سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ. وَمِنْ بَابِ: يُكَبِّرُ وَهُوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ (٤)، وَعِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ (٥) ﵄. مَذْهَبُ أَكْثَرِ العُلَمَاءِ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي القِيَامِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٦): إِنْ كَبَّرَ بَعْدَ اسْتِوَائِهِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ القِيَامَ إِلَى الثِّنْتَيْنِ البَاقِيَتَيْنِ بِالقِيَامِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ، وَالآثَارُ تَشْهَدُ لِمَا تَقَدَّمَ.

стр. 1212

وَمِنْ بَابٍ: سُنَّةِ الجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ * وَفِيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ (١)، وَأَبِي حُمَيْدٍ (٢). ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالُوا: سُنَّةُ الجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَنْصِبَ رِجْلَهُ اليُمْنَى، وَيُثْنِيَ اليُسْرَى، وَيَقْعُدَ عَلَى وِرْكِهِ الْأَيْسَرِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، وَقَالُوا: أَمَّا القُعُودُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ فَلِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الجِلْسَةَ الآخِرَةَ مُتَقَارِبَةٌ لِمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ الله ﵁. وَأَمَّا القُعُودُ فِي الجِلْسَةِ الأُولَى؛ فَعَلَى الرَّجْلِ اليُسْرَى عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِي (٣)، وَأَحْمَدَ (٤). وَذَهَبَ الكُوفِيُّونَ (٥) فِي الجُلُوسِ كُلِّهِ إِلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى مَبْسُوطَةً تَحْتَهُ، وَيَنْصِبَ قَدَمَهُ اليُمْنَى. وَقَالَ ابن عُمَرَ: إِنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ الصَّلَاةِ، وَالصَّحَابِيُّ إِذَا ذَكَرَ السُّنَّةَ، فَلَا تَكُونُ

стр. 1213

إِلَّا سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ إِمَّا بِقَوْلٍ، أَوْ بِفِعْلٍ شَاهَدَهُ. وَقَالَ الآخَرُونُ: لَمْ يُنْكِرِ الصَّحَابَةُ عَلَى أَبِي حُمَيْدٍ فِعْلَهُ ذَلِكَ، فَدَلَّ أَنَّ فِعْلَهُ سُنَّةٌ. وَاحْتَجَّ الكُوفِيُّونَ بِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ فَرَش رِجْلَهُ اليُسْرَى، ثُمَّ قَعَدَ عَلَيْهَا) (١). وَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ (كَانَ يَقْعُدُ مُتَرَبِّعًا) (٢)؛ فَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: (لأَنْ أُصَلِّيَ عَلَى رَضْفَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَرَبَّعَ فِي الصَّلَاةِ) (٣). وَأَجَازَهُ الحَسَنُ (٤) فِي النَّافِلَةِ.

стр. 1214

وَأَمَّا جُلُوسُ الْمَرْأَةِ فِي الصَّلَاةِ: فَرَأَتْ طَائِفَةٌ أَنْ تَقْعُدَ قُعُودَ الرَّجُلِ كَفِعْلِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ (١). وَقَالَ بَعْضُهُمْ (٢): (كُنَّ يُؤْمَرْنَ أَنْ يَتَرَبَّعْنَ إِذَا جَلَسْنَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَجْلِسْنَ جُلُوسَ الرِّجَالِ عَلَى أَوْرَاكِهِنَّ). وَمِنْ بَابِ: مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأَوَلَ وَاجِبًا * فِيهِ حَدِيثُ ابن بُحَيْنَةَ (٣). أَجْمَعَ فُقَهَاءُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِلَّا أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ وَاجِبٌ (٤)، وَحُجَّتُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَشَهَّدَ وَعَلَّمَهُمُ التَّشَهُّدَ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ لَمْ يَتَشَهَّدُ فَلَا صَلَاةَ لَهُ) (٥).

стр. 1215

قِيلَ فِيهِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ الجِلْسَةَ الأُولَى سُنَّةٌ، لأَنَّ سُجُودَهُ ﵇ لِلسَّهْوِ نَابَ عَنِ التَّشَهُّدِ وَعَنِ الجُلُوسِ. وَالتَّشَهُّدُ سُنَّةٌ، فَكَذَلِكَ الجُلُوسُ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَتُبْ مَنَابَهُ سُجُودُ السَّهو. وَمِنْ بَابِ: التَّشَهُّدِ فِي الجِلْسَةِ الأَخِيرَةِ * فِيهِ حَدِيثُ ابن مَسْعُودٍ (١) ﵁. قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣): هُوَ فَرْضٌ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ: (فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ اللهِ … ) (٤) وَأَمْرُهُ عَلَى الوُجُوبُ. وَقَالَ مَالِكٌ (٥)، وَالكُوفِيُّونَ (٦): لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَقَالُوا: لَيْسَ كُلُّ أَمْرِهِ ﷺ [عَلَى الوُجُوبِ] (٧)، لأَنَّ التَّكْبِيرَ فِي غَيْرِ الإِحْرَامِ، وَالتَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ

стр. 1216

لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ ﷺ وَفَعَلَهُ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (١)، قَالَ: (اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ) (٢). وَعِنْدَ العُلَمَاءِ هَذَا الأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ، وَقَدْ يَأْمُرُ النَّبِيُّ ﷺ بِالسُّنَنِ كَمَا يَأْمُرُ بِالفَرَائِضِ، فَإِنْ قِيلَ: الجِلْسَةُ الأَخِيرَةُ فَرِيضَةٌ فَكَذَلِكَ ذِكْرُهَا، قِيلَ: إِنَّمَا هِيَ لِلسَّلَامِ لَيْسَ لِلذِّكْرِ. وَقَالَ الشَّافِعِي (٣): مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ وَقَبْلَ السَّلَامِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ. وَقَالَ الآخَرُونَ: لَيْسَ فِي تَشَهُّدِ ابن مَسْعُودٍ ﵁ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَأَكْثَرُ أَهْلِ الحَدِيثِ عَلَى تَشَهُّدِ ابن مَسْعُودٍ كَأَحْمَدَ (٤)، وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمَا (٥). وَذَهَبَ مَالِكٌ (٦) إِلَى تَشَهُّدِ عُمَرَ ﵁، وَهُوَ: (التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ

стр. 1217

الطَّيِّبَاتُ اللهِ) (١). وَكُلُّهَا قَرِيبَةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَ (التَّحِيَةُ): المُلْكُ. وَ (الصَّلَواتُ): هِيَ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ. وَ (الطَّيِّبَاتُ): هِيَ الأَعْمَالُ الزَّاكِيَةُ. وَمِنْ بَابِ: الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَام فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٢). قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤)، وَجَمَاعَةٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِمَا يُوجَدُ فِي القُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَطَاوُسَ (٦). وَالحُجَّةُ لَهُمْ قَوْلُهُ ﷺ : (إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ

стр. 1218

الآدَمِيِّينَ، إِنَّمَا هِيَ تَسْبِيحٌ وَقِرَاءَةٌ) (١)، أَيْ: مَا يَتَخَاطَبُونَ بِهِ فِي العَادَةِ، فَأَمَّا أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فَجَائِزٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (ثُمَّ لِيَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ) (٢)؛ لَمْ يَخُصَّ دُعَاء فِي القُرْآنِ مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ عَمَّ جَمِيعَ الدُّعَاءِ (٣). وَاسْتَعَاذَ ﷺ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي القُرْآنِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي لأَدْعُو فِي صَلَاتِي حَتَّى بِشَعِيرِ حِمَارِي، وَمِلْحِ بَيْنِي) (٤). وَمِنْ بَابٍ: مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ حَتَّى صَلَّى قَالَ البُخَارِيُّ: "رَأَيْتُ الحُمَيْدِيَّ يَحْتَجُّ بِهَذَا الحَدِيثِ" يَعْنِي: حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ (٥) أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ الجَبْهَةَ فِي الصَّلَاةِ. الْمُسْتَحَبُّ تَرْكُ مَسْحِ الوَجْهِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، لأَنَّهُ مِنَ التَّوَاضُع الله . وَمِنْ بَابِ: التَّسْلِيمِ * فِيهِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ (٦).

стр. 1219

اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ التَّسْلِيمِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ أَنَّ التَّسْلِيمَ فَرْضٌ لَا يَصِحُّ الخُرُوجُ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا بِهِ، وَمِمَّنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ: ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: (مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَانْقِضَاؤُهَا التَّسْلِيمُ) (١)، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣). وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤) وَالثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّ السَّلَامَ سُنَّةٌ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ يَصِحُّ الخُرُوجُ مِنْهَا بِغَيرِ سَلَامٍ. وَاحْتَجُّوا بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ: (فَإِذَا فَعَلْتَ ذلكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ) (٥).

стр. 1220

قِيلَ: مَعْنَاهُ: فَقَدْ قَارَبَتِ التَّمَامَ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (١) أَيْ: قَارَبْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ. وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ السَّلَام، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ (٢)، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ (٣)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٤)، وَالشَّافِعِي (٥)، وَأَحْمَدَ (٦). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ ﵃ (٧)، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ (٨)، وَاللَّيْثِ، وَالأَوْزَاعِي (٩). قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ (١٠): قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ)

стр. 1221

يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ سَلَامٍ يُتَحَلَّلُ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكِ (١): لَمَّا كَانَ السَّلَامُ تَحَلُّلًا مِنَ الصَّلَاةِ وَعَلَمًا عَلَى فَرَاغِهَا دَلَّتِ التَّسْلِيمَةُ الوَاحِدَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ كَمَالٌ، وَقَدْ مَضَى العَمَلُ بِالْمَدِينَةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى تَسْلِيمَةٍ، فَلَا يَجِبُ مُخَالَفَةُ ذَلِكَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ (٢): وَرَدَ الخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَسْلِيمَةٍ وَتَسْلِيمَتَينِ، فَالْأَئِمَّةُ مخَيَّرُونَ فِي العَمَلِ بِأَيِّ ذَلِكَ شَاؤُوا، وَجُلُوسِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى قَدَمِهِ اليُسْرَى، وَنَصْبِهِ اليُمْنَى فِيهَا مَرَّةً، وَإِفْضَائِهِ بِأَلْيَتِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَإِدْخَالِهِ قَدَمَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ اليُمْنَى [فِي أَشْبَاهٍ] (٣) لِهَذَا كَثِيرَةٍ. وَمِنْ بَابٍ: يُسَلِّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الإِمَامُ * فيهِ حَدِيثُ عِتْبَانَ بن مَالِكٍ ﵁ (٤). وَالكَلَامُ فِي سَلَامِ (٥) الإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ كَالكَلَامِ فِي إِحْرَامِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَ الإِمَامِ لِأَنَّهُ تَحْلِيلٌ، هَذَا حَقُّ الائْتِمَام فِي اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ [الْمَأْمُومِ] (٦) تَالِيًا لِفِعْلِ الْإِمَامِ.

стр. 1222

وَمِنْ بَابٍ: [مَنْ] (١) لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ عَلَى الْإِمَامِ * فِيهِ حَدِيثُ عِتْبَانَ بن مَالِكِ (٢). قَالَ عَمَّارُ بنُ أَبِي عَمَّارٍ: (كَانَ مَسْجِدُ الْمُهَاجِرِينِ يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، وَكَانَ مَسْجِدُ الأَنْصَارِ يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَتَينِ) (٣)، فَالْمُهَاجِرُونَ لَمْ يَكُونُوا يَرُدُّونَ عَلَى الإمام. وَقَالَ النَّخَعِيُّ (٤): لَا أَعْلَمُ عَلَيْهِ بَأْسًا إِنْ رَدَّ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ. وَقَالَ مَالِكٌ (٥): يُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الإِمَامِ، فَإِنْ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ رَدَّ عَلَيْهِ. قِيلَ: إِنَّ الإِمَامَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ؛ فَلَزِمَهُمُ الرَّدُّ عَلَيْهِ كَسَائِرِ السَّلَامِ. وَمَنْ قَالَ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ يَجْعَلُونَ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ رَدًّا عَلَى الإِمَامِ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ سُنَّةٌ، وَالأُولَى هِيَ الفَرِيضَةُ الَّتِي بِهَا يُخْرَجُ مِنَ الصَّلَاةِ. وَمِنْ بَابِ: الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عَبَّاس (٦)، وَأَبِي هُرَيْرَةَ (٧)، وَالْمُغِيرَةِ (٨).

стр. 1223

قَالَ ابن حَبِيبٍ (١): يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ فِي العَسَاكِرِ وَالثُّغُورِ إِثْرَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالعِشَاءِ تَكْبِيرًا عَالِيًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ قَدِيمٌ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ. وَفِي قَوْلِ ابن عَبَّاسٍ ﵁: (كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ حِينَ حَدَّثَ ابْنُ عَبَّاسٍ (٢) بِهَذَا الحَدِيثِ، رَأَوا أَنَّ [ذَلِكَ] (٣) لَيْسَ بِلَازِمٍ فَتَرَكُوهُ خَشْيَةَ أَنْ يَظُنَّ مَنْ قَصُرَ عِلْمُهُ أَنَّهُ مِمَّا لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِ. وَفِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ فَضْلُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ رَغَائِبِ الخَيْرِ، وَسَبِيلِ الصَّالِحِينَ. وَالحَدِيثُ دَلِيلٌ أَنَّ العَالِمَ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ يَقَعُ فِيهَا الخِلَافُ بَيْنَ الأُمَّةِ أَنْ يُجِيبَ بِمَا يُلْحَقُ بِهِ الْمَفْضُولُ بِدَرَجَةِ الفَاضِلِ، وَلَا يُجِيبُهُ بِنَفْسِ التَّفَاضُلِ خَوْفَ وُقُوعَ الخِلَافِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدَّ مِنْكَ الْجَدُّ) (الجَدُّ): بِفَتْحِ الجِيمِ: الحظُّ وَالبَخْتُ، أَيْ: مَنْ كَانَ لَهُ جَدُّ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَنْفَعْ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ. وَمِنْ بَابِ: يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ * فِيهِ حَدِيثُ سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةَ الغَدَاةِ أَقْبَلَ عَلَيْنَا) (٤)، وَفِيهِ:

стр. 1224

زَيْدُ بنُ خَالِدٍ (١)، وَأَنَسٌ (٢). قِيلَ: اسْتِقْبَالُ النَّبِيِّ ﷺ بِوَجْهِهِ هُوَ عِوَضٌ عَنْ قِيَامِهِ مِنْ مُصَلَّاهُ، لِأَنَّ قِيَامَهُ إِنَّمَا هُوَ لِيُعْلِمَ النَّاسَ الفَرَاغَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَرُوِيَ: (أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ إِذَا صَلَّى اسْتَقْبَلَ القَوْمَ بِوَجهِهِ) (٣)، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ إِذَا سَلَّمَ انْحَرَفَ وَاسْتَقْبَلَ القَوْمَ (٤). وَمِنْ بَاب: مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ فِيهِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الفَرِيضَةَ (٥)، وَفَعَلَهُ القَاسِمُ (٦)، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعُهُ: (لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ) (٧)، وَلَا يَصِحُّ.

стр. 1225

* فِيهِ: أُمُّ سَلَمَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَنَرَى وَاللهُ أَعْلَمُ لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ) (١). قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الفَرِيضَةَ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: ([لَا] (٢) يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ حَتَّى يَتَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، أَوْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِكَلامٍ) (٣). وَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ لِلْإِمَامِ، وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا لِغَيْرِهِ (٤)، وَرُوِيَ عَنِ القَاسِمِ أن الإِمَامَ إِذَا سَلَّمَ فَوَاسِعٌ لَهُ أَنْ [يَنْتَفِلَ فِي] (٥) مَكَانِهِ (٦). وَأَمَّا مُكْثُ الإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ السَّلَامِ: فَقَدْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ إِذَا كَانَ إِمَامًا رَاتِبًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُكْثُهُ لِعِلَّةٍ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَجْلِ انْصِرَافِ النِّسَاءِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ الرِّجَالُ، هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِي (٧)، وَأَحْمَدَ (٨).

стр. 1226

وَقَالَ مَالِكٌ (١): يَقُومُ وَلَا يَقْعُدُ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا إِذَا كَانَ إِمَامَ مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): كُلُّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا نَافِلَةٌ فَإِنَّهُ يَقُومُ لَهَا، وَمَا لَا نَافِلَةَ بَعْدَهَا كَالعَصْرِ وَالفَجْرِ فَإِنْ شَاءَ قَامَ، وَإِنْ شَاءَ قَعَدَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ (٣): يَنْتَقِلُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِيَتَحَقَّقَ الْمَأْمُومُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ مِنْ سُجُودِ سَهْرٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ) (٤). وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ ﵁: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ انْفَتَلَ سَرِيعًا، فَإِمَّا أَنْ يَقُومَ، وَإِمَّا أَنْ يَنْحَرِفَ) (٥). وَقَالَ قَتَادَةُ: (كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا سَلَّمَ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَنْهَضَ) (٦). وَقَالَ ابن عُمَرَ: (الإِمَامُ إِذَا سَلَّمَ [قَامَ] (٧)) (٨).

стр. 1227

قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ عُمَرُ: (جُلُوسُ الإِمَامِ بَعْدَ السَّلَامِ بِدْعَةٌ) (١). قَالَ الزُّهْرِيُّ: (لَا يَنْصَرِفُ المَأْمُومُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الإِمَامُ)، أَوْ قَالَ: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ) (٢)، وَجَمَاعَةُ العُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ. قَالَ ابن مَسْعُودٍ ﵁: (إِذَا فَرَغَ الإِمَامُ وَلَمْ يَقُمْ وَلَمْ يَنْحَرِفْ وَكَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ، فَاذْهَبْ وَدَعْهُ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ) (٣). وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ مِنَ الفِقْهِ: أَنَّ خُرُوجَ النِّسَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَبْلَ خُرُوجِ الرِّجَالِ. وَمِنْ بَاب: مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكَرَ حَاجَةً * فِيهِ عُقْبَةُ: (فَقَالَ: ذَكَرْتُ [شَيْئًا] (٤) مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ) (٥). فِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْصَرِفَ إِنْ شَاءَ قَبْلَ انْصِرَافِ النَّاسِ.

стр. 1228

وَفِيهِ أَنَّ التَّخَطِّيَ لِمَا لَا غِنَى لِلْإِنْسَانِ عَنْهُ مُبَاحٌ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَبَسَ صَدَقَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ وَصِيَّةٍ، أَوْ زَكَاةٍ، أَوْ غَيْرِهَا أَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْبَسَ بِهَا يَومَ القِيَامَةِ فِي المَوْقِفِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : (كَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي). وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فَرْضٌ كَانَ الْأَفْضَلُ لَهُ مُبَادَرَتَهُ. وَمِنْ بَابِ: الانْفِتَالِ وَالانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ * فِيهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁: (أَنَّهُ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهَ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَيَعِيبُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَتَوَخَّى أَوْ يَتَعَمَّدُ الانْفِتَالَ [عَنْ يَمِينِهِ] (١)) (٢). الانْصِرَافُ عَنِ اليَمِينِ وَالشِّمَالِ جَائِزٌ عِنْدَ العُلَمَاءِ لَا يَكَرَهُونَهُ لِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا البَابِ، وَإِنْ كَانَ انْصِرَافُهُ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ أَكْثَرَ، لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ (٣). وَإِنَّمَا نَهَى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الْتِزَامِ الانْصِرَافِ مِنْ جِهَةِ اليَمِينِ خَشْيَةَ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنَ اللَّازِمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ. وَقَالَ عَلِيٌّ ﵀: (إِذَا قَضَيْتَ الصَّلَاةَ وَأَنْتَ تُرِيدُ حَاجَتَكَ [فَإِنْ كَانَتْ حَاجَتُكَ] (٤) عَنْ يَمِينِكَ أَوْ عَنْ يَسَارِكَ
следующие страницы →