← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1329–1368 · переход к 1334.

стр. 1329

شِهَابٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الجَهْرَ مَا يَرُدُّ رِوَايَةَ ابْنِ نَمِرٍ بِالجَهْرِ، فَيَبْقَى سُلَيْمَانُ بنُ كَثِيرٍ (١)، وَسُفْيَانُ بنُ حُسَيْنٍ (٢)، وَلَيْسَا بِحُجَّةٍ فِي الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ عَارَضَهُمَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَمُرَةَ. فَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: فَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي سَلَمَةَ [عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ] (٣) عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: (فَحَرَزْتُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ البَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِي بِسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) (٤). وَأَمَّا حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ ﵁: فَرَوَاهُ ابن لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بن أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، وَفِيهِ: (فَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ حَرْفًا) (٥).

стр. 1330

وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ: فَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الكُسُوفِ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوتًا) (١). وَفِي قَوْلِ عُرْوَةَ: (أَخْطَأَ السُّنَّةَ) حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ السُّنَّةَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٢): لَوْ تَعَارَضَتِ الأَحَادِيثُ لَبَقِيَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، وَهُوَ حُجَّةٌ. وَمِنْ بَابِ: مَا جَاءَ فِي سُجُودِ القُرْآنِ وَسُنَّتِهَا * فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: (قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ النَّجْمَ بِمَكَّةَ) (٣).

стр. 1331

اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي سُجُودِ النَّجْمِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ (١)، وَعُثْمَانَ (٢)، وَعَلِيٍّ (٣)، وَابْنِ عُمَرَ (٤) ﵃ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْجُدُونَ فِي النَّجْمِ وَالْمُفَصَّلِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٥)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٦). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا سُجُودَ فِي النَّجْمِ، وَلَا فِي الْمُفَصَّلِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيٍّ بْنِ كَعْبٍ (٧)، وَابْنِ عَبَّاسٍ (٨)،

стр. 1332

وَأَنَسٍ (١). وَقَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ (٢): أَدْرَكْتُ القُرَّاءَ لَا يَسْجُدُونَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: (سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ فِي الْمُفَصَّلِ، فَلَمَّا هَاجَرَ تَرَكَ) (٣). وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (لَمْ يَسْجُدْ فِي ﴿وَالنَّجْمِ﴾) (٤)، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَسْجُدْ فِيهَا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ سُجُودَ القُرْآنِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٥): يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَرَأَهَا فِي وَقْتٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ السُّجُودُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى فَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا)، فَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ مَنْ خَالَفَ النَّبِيَّ ﷺ اسْتِهْزَاءً بِهِ كَافِرٌ، يُعَاقَبُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦)، وَلِذَلِكَ أَصَابَ

стр. 1333

هَذَا الشَّيْخَ فِتْنَةٌ وَكُفْرٌ، وَيُصِيبُهُ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ أَلِيمٌ. قِيلَ (١): إِنَّهُ الوَلِيدُ بنُ الْمُغِيرَةِ. وَمِنْ بَاب: سَجْدَةِ ص * فِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: (ص لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ) (٢). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي السُّجُودِ فِي ص؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا سُجُودَ فِيهَا، قَالَ ابن مَسْعُودٍ: (هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ) (٣)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِالسُّجُودِ فِيهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (٥)، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٦)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٧)، وَالثَّوْرِيُّ (٨).

стр. 1334

وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁: (أَأَسْجُدُ فِي ص؟ فَقَالَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ (١) حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢)، فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ مِمَّنْ أَمَرَ أَنْ يُقتَدَى بِهِمْ) (٣). قيلَ: احْتِجَاجُ ابْنِ عَبَّاسِ بِالقُرْآنِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ: (ص لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ). وَاخْتَلَفُوا فِي عَزَائِمِ السُّجُودِ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: (عَزَائِمُ السُّجُودِ خَمْسَةٌ: الأَعْرَافُ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ، وَالنَّجْمُ، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (٤). وَقَالَ مَالِكٌ (٥): عَزَائِمُ السُّجُودِ إِحْدَى عَشْرَةَ، لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَيْسَ فِيهَا الثَّانِيَةُ مِنَ الحَجِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٦): أَرْبَعَ عَشْرَةَ، لَيْسَ فِيهَا الأُولَى مِنَ الحَجِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٧): أَرْبَعَ عَشْرَةَ، لَيْسَ فِيهَا سَجْدَةُ ص، وَفِي الحَجِّ سَجْدَتَانِ عندَهُ.

стр. 1335

وَمِنْ بَابِ: سُجُودِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ * فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ (١). وَقَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْجُدُ عَلَى وُضُوءٍ) (٢) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضُ النُّسَخِ (عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) (٣)، وَالصَّوَابُ: إِثْبَاتُ غَيْرِ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ قَالَ: (كَانَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ عُمَرَ ﵁ يَنْزِلُ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَيُهْرِيقُ المَاءَ، ثُمَّ يَرْكَبُ فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ، فَيَسْجُدُ وَمَا يَتَوَضَّأُ) (٤). وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ إِلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ إِلَّا عَلَى وُضُوءٍ، وَأَمَّا سُجُودُ المُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ العِبَادَةِ للَّهِ، وَالتَّعْظِيمِ لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ لِمَا أَلْقَى (٥) الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ، فَسَجَدُوا لَمَّا سَمِعُوا مِنْ تَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ ذَلِكَ حَزِنَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى تَسْلِيَةً لَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٦) أَيْ: إِلَّا إِذَا تَلَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي تِلَاوَتِهِ.

стр. 1336

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): لَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ سُجُودِ الْمُشْرِكِينَ جَوَازُ السُّجُودِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، لأَنَّ الْمُشْرِكَ (٢) نَجِسٌ لَا يَصِحُّ لَهُ وُضُوءٌ وَلَا سُجُودٌ. وَقِيلَ: أَرَادَ البُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ الْمُشْرِكُ نَجِسٌ [لَيْسَ] (٣) لَهُ وُضُوءٌ، رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ: يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. وَمِنْ بَاب: مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا * فِيهِ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ: أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿الم﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا) (٤). وَهَذَا الحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: سُجُودُ القُرْآنِ سُنَّةٌ (٥)، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا كَمَا زَعَمَ الكُوفِيُّونَ (٦) لَمْ يَتْرُكْ زَيْدُ السُّجُودَ، وَلَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ بُعِثَ مُعَلَّمًا.

стр. 1337

وَفِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي النَّجْمِ) (١) دَلِيلٌ أَنَّ ذَلِكَ إِعْلَامٌ مِنْهُ أَنَّ قَارِئَ السَّجْدَةِ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ سَجَدَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَسْجُدْ، وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁: (أَنَّهُ سَجَدَ فِي النَّحْلِ مَرَّةً، وَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا أُخْرَى) (٢). وَمِنْ بَاب: سَجْدَةِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٣) * فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: (أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ فِيهَا) (٤). احْتَجَّ بِهَذَا الحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِالسُّجُودِ فِي المُفَصَّلِ، وَقَالُوا: هَذَا الحَدِيثُ يَرُدُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ فِي المُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ) (٥). وَمِنْ بَاب: مَنْ سَجَدَ لِسُجُودِ القَارِئِ * فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ (٦):

стр. 1338

أَجْمَعُوا أَنَّ التَّالِيَ إِذَا سَجَدَ فِي تِلَاوَتِهِ لَزِمَ الجَالِسَ المُسْتَمِعَ إِلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ بِسُجُودِهِ. وَفِي قَوْلِهُ: (وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ) فِيهِ الحِرْصُ عَلَى فِعْلِ الخَيْرِ، وَالمُسَابَقَةِ إِلَيْهِ. وَفِيهِ لُزُومُ مُتَابَعَةِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِنْ بَاب: مَنْ رَأَى أَنَّ الله لَمْ يُوجب السُّجُودَ * فِيهِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ (١)، وَفِيهِ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵄ (٢). سُجُودُ القُرْآنِ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِي (٣)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): هُوَ وَاجِبٌ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُهُ لِوُجُوبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٥)، قَالُوا: وَالدَّمُ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِتَرْكِ الوَاجِبَاتِ.

стр. 1339

قِيلَ (١): الذَّمُّ هَا هُنَا لِلْكُفَّارِ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ، فَعَلَّقَ الذَّمَّ بِتَرْكِ الجَمِيعِ وَلَمْ يَخْتَصَّ السُّجُودَ. وَفِيمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ تَرْكِهِمُ السُّجُودَ حُجَّةٌ لِمَنْ لَا يُوجِبُهُ، لأَنَّ الفَرْضَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ مِنْ أَشَدَّ النَّاسِ تَعْلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَجِبُّ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ السُّنَنِ وَالفَرَائِضِ. وَمِنْ بَاب: مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ فِيهَا * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢). وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى الصُّبْحَ فَقَرَأَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ ? فَسَجَدَ فِيهَا (٣)، وَقَرَأَ مَرَّةً فِي الصُّبْحِ الحَجَّ فَسَجَدَ فِيهَا سَجْدَتَينِ (٤). * وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ دَلِيلٌ كَافٍ يَقْضِي بِصِحَّةِ قَوْلِ الجَمَاعَةِ. وَمِنْ أَبْوَابِ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ بَابُ: مَا جَاءَ فِي تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ؟ * فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: (أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ،

стр. 1340

فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا) (١). قِيلَ (٢): إِنَّمَا أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ لأَنَّهُ كَانَ مُحَاصِرًا الطَّائِفَ أَوْ حَرْبَ هَوَازِنٍ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ هَذِهِ الْمُدَّةَ حَدًّا بَيْنَ التَّقْصِيرِ وَالإِتمَامِ. وَالفُقَهَاءُ لَا يَتَأَوَّلُونَ هَذَا الحَدِيثَ كَمَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ فِي هَذِهِ المُدَّةِ عَلَى الاسْتِقْرَارِ، لأَنَّهُ كَانَ يَنتَظِرُ أَنْ يَفْتَحَ ثُمَّ يَرْحَلَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يُرَاعٍ نِيَّتَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ لَيْلَةً) (٣). وَالعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى هَذَا لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَتَأَوَّلَ الفُقَهَاءُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ (٤) أَنَّ إِقَامَتَهُ بِمَكَّةَ لَمْ تَكُنْ اسْتِيطَانًا لَهَا، لِئَلَّا يَكُونَ رُجُوعًا فِي الهِجْرَةِ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَعَلَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَدًّا لِلتَّقْصِيرِ فَهُوَ مَذْهَبٌ

стр. 1341

لَهُ انْفَرَدَ بِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الفُقَهَاءِ سَبْعَةَ عَشَرَ إِلَّا مَا حُكِي عَنِ الشَّافِعِيِّ (١): مَنْ أَقَامَ بِدَارِ الحَرْبِ خَاصَّةً سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأَمَّا مَا رَوَى البُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَتِسْعَ عَشْرَة (٢). وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْفُقَهَاءِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁، وَإِقَامَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرًا إِنَّمَا كَانَتْ بِنِيَّةِ الرَّحِيلِ، وَكَانَتِ العَوَائِقُ تَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، فَمَا كَانَ عَلَى نِيَّةِ الرَّحِيلِ فَإِنَّهُ يُقْصَرُ فِيهِ، وَإِنْ أَقَامَ مُدَّةً طَوِيلَةً. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ بِمِنًى * فيه ابن عُمَرَ (٣)، وَحَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ (٤). اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الحَاجَ القَادِمَ مَكَّةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ بِهَا وَبِمِنى وَسَائِرِ المَشَاهِدِ، لأَنَّهُ عِنْدَهُمْ فِي سَفَرٍ (٥)، إِذْ لَيْسَتْ مَكَّةُ دَارَ إِقَامَةٍ إِلَّا لِأَهْلِهَا، أَوْ لِمَنْ أَرَادَ الإِقَامَةَ بِهَا، وَكَانَ المُهَاجِرُونَ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ، وَكَذِلِكَ لَمْ

стр. 1342

يَنْوِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الإِقَامَةَ بِمَكَّةَ وَلَا بِمِنًى. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): إِنَّ عُثْمَانَ (٢)، وَعَائِشَةَ (٣) ﵄ إِنَّمَا أَتَمَّا فِي السَّفَرِ لأَنَّهُمَا اعْتَقَدَا فِي قَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا خُيِّرَ بَيْنَ القَصْرِ وَالإِتمَامِ اخْتَارَ الأَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أُمَتِّهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا) (٤). فَأَخَذَتْ هِيَ وَعُثْمَانُ ﵄ فِي أَنْفُسِهِمَا بِالشِّدَّةِ، وَتَرْكِ الرُّخصَةِ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا لَهُمَا فِي حُكْمِ التَخْيِيرِ فِيمَا أَذِنَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِنْكَارُ (٥) ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ الإِتمَامَ عَلَى عُثْمَانَ، ثُمَّ صَلَّى خَلْفَهُ، فَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: (الخِلَافُ شَرٌّ) (٦)، وَلَوْ كَانَ القَصْرُ فَرْضًا لَمْ يَخْفَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُتِمَّ، وَلَا أَتَمَّ خَلْفَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَلَا جَمَاعَةُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَإِنَّمَا جَازَ لَهُمُ اتِّبَاعَهُ لِعِلْمِهِمْ

стр. 1343

أَنَّهُ فَعَلَ مُبَاحًا جَائِزًا. وَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: (الخِلافُ شَرٌّ)، لأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الخِلَافَ عَلَى الإِمَام [فِيمَا] (١) سَبِيلُهُ التَّخْيِيرُ وَالإِبَاحَةُ شَرٌ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَعِيدَ بنَ الْمُسَيِّبِ سُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: ([إِنْ شِئْتَ رَكْعَتَيْنِ] (٢) وَإِنْ شِئْتَ أَرْبَعًا) (٣). وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ (٤): إِنْ صَلَّيْتَ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَالسُّنَّةَ، وَإِنْ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا فَالسُّنة. وَمِنْ بَابِ: كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ * فيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بالحَجِّ … ) (٥). وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي: بَابُ: إِقَامَةِ [الْمُهَاجِرِ] (٦) بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ. فِيهِ حَدِيثُ العَلَاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (ثَلَاثٌ لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدْرِ) (٧).

стр. 1344

قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ (١): قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، فَأَقَامَ اليَوْمَ الرَّابِعَ وَالخَامِسَ وَالسَادِسَ وَالسَّابِعَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلَّهِ يُقْصَرُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِلَى مِنى، وَهُوَ اليَوْمُ الثَّامِنُ، فَلَمْ يَزَلْ مُسَافِرًا فِي الْمَنَاسِكِ إِلَى أَنْ تَمَّ حَجَّهُ. فَجَعَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ يُقْصُرُ فِيهَا الصَّلَاةَ إِذَا نَوَى إِقَامَتَهَا، وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ حَضَرٌ يُتِمُّ فِيهِ الصَّلَاةَ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاس ﵁ (٢). وَذَهَبَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤) إِلَى أَنَّهُ مَنْ عَزَمَ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا أَنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ وَلَا يَقْصُرُ. وَبَيَانُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِي حَدِيثِ ابن عَبَّاسٍ مَعَ الحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ كَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَفِي ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ مُقَامَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ فِي حَجَّتِهِ كَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ كَمَا قَالَ أَنَسٌ ﵁ فِي حَدِيثِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ يَوْمِ الأَحَدِ، وَاسْتَهَلَّ ذُو الحِجَّةِ ذَلِكَ العَامَ لَيْلَةَ الخَمِيسِ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَحَدِ وَالاثْنَينِ وَالثَّلَاثَاءِ وَالأَرْبِعَاءِ، وَلَيْلَةَ الخَمِيسِ، ثُمَّ نَهَضَ يَوْمَ الخَمِيسِ [ضَحْوَةً إِلَى مِنى، فَأَقَامَ بِهَا بَاقِيَ نَهَارِهِ وَلَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ نَهَضَ] (٥)

стр. 1345

يَوْمَ الجُمُعَةِ (١) إِلَى عَرَفَاتٍ فَبَقِيَ بِهَا نَهَارَهُ، وَدَفَعَ مِنْهَا [بَعْدَ غُرُوبِ] (٢) الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ السَّبْتِ إِلَى المُزْدَلِفَةَ، فَأَقَامَ بِهَا بَاقِيَ لَيْلَتِهِ، ثُمَّ نَهَضَ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ السَّبْتِ، وَهُوَ يَوْمُ الأَضْحَى إِلَى مِني، فَرَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ ضَحْوَةً، ثُمَّ نَهَضَ إِلَى مَكَّةَ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَطَافَ بِالبَيْتِ قَبْلَ الظُّهْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ إِلَى مِنى، فَأَقَامَ بِهَا بَاقِي السَّبْتِ وَيَوْمَ الأَحَدِ وَيَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثَّلَاثَاءِ، ثُمَّ نَهَضَ بَعْدَ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ الثَّلَاثَاءِ وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إِلَى الْمُحَصَّبِ (٣)، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَبَاتَ فِيهِ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ، وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ اعْتَمَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ مِنَ التَّنْعِيمِ لَيْلًا، ثُمَّ طَافَ النَّبِيُّ ﷺ طَوَافَ الوَدَاعِ سَحَرًا قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، وَهِيَ صَبِيحَةُ رَابِعَةَ عَشَرَةَ، [فَأَقَامَ عَشَرَةَ] (٤) أَيَّامٍ كَمَا قَالَ أَنَسٌ ﵁ فِي حَدِيثِهِ، ثُمَّ نَهَضَ إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَ خُرُوجُهُ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى حَجَّةِ الوَدَاعِ يَوْمَ السَّبْتِ لأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القِعْدَةِ، وَصَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ (٥) وَأَحْرَمَ. وَهَذَا كُلُّهُ مُسْتَنبَطٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَالحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ كَانَ يَوْمَ الجُمُعَة (٦).

стр. 1346

وَمِنْ بَابِ: فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ؟ وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ (١) السَّفَرَ يَوْمًا وَلَيْلَةً (٢) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا (٣). وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ (٤): يَقْصُرُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، وَقَالَ: يَقْصُرُ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهِيَ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعُونَ مِيلًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٥) فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ (٦). وَمِنْ بَاب: تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَخَرَجَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَصَرَ وَهُوَ يَرَى البُيُوتَ، فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الكُوفَةُ، قَالَ: لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا (٧).

стр. 1347

وَقَصَرَ النَّبِيُّ ﷺ العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ (١). وَإِنَّمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَوجِّهًا إِلَى مَكَّةَ، لَا أَنَّهُ كَانَ سَفَرُهُ إِلَى ذِي الحُلَيْفَةِ فَقَطِ، وَبَيْنَ المَدِينَةِ وَذِي الحُلَيْفَةِ مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ إِلَى سَبْعَةٍ، فَلَا حُجَّةَ لِمَنْ أَجَازَ القَصْرَ فِي قَلِيلِ السَّفَرِ وَلِمَنْ خَرَجَ إِلَى بُسْتَانِهِ (٢)، لأَنَّ الحُجَّةَ فِي السُّنَّةِ لا فِيمَا خَالَفَهَا. وَمِنْ بَابِ: يُصَلِّي المَغْرِبَ ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ * فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ (٣). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٤): [لَمْ] (٥) تُقْصَرِ الْمَغْرِبُ فِي السَّفَرِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ.

стр. 1348

وَمِنْ بَاب: صَلَاةِ التَّطَوُّع عَلَى الدَّابَّةِ * فِيهِ حَدِيثُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ (١)، وَابْنِ عُمَرَ (٢). وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ تَخُصُّ قَوْلَهُ ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣) وَتُبَيِّنُ أَنَّ مَعْنَاهُ فِي المَكْتُوبَاتِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ? (٤) فِي النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ. وَمِنْ بَابِ: الإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ [سُنَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ] (٥) الإِيمَاءُ، وَيَكُونُ السُّجُودُ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٦): إِذَا تَنَفَّلَ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَنْحَرِفْ إِلَى جِهَةِ القِبْلَةِ، وَلِيَتَوَجَّهُ لِوَجْهِ دَابَّتِهِ. وَلَهُ إِمْسَاكُ عِنانِهَا، وَضَرْبُهَا، وَتَحرِيكُ رِجْلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَلْتَفِتُ، وَلَا يَسْجُدُ الرَّاكِبُ عَلَى قَرَبُوس (٧) سَرْجِهِ، وَلَكِنْ يُومِئُ. وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أَنْ يَفْتَتِحَ الصَّلَاةَ فِي تَوَجُّهِهِ إِلَى القِبْلَةِ، ثُمَّ لَا

стр. 1349

يُبَالِي حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ (١). وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ الجَارُودِ بن أَبِي سَبْرَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ القِبْلَةَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ) (٢). وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (٣)، وَعَامِرِ بن رَبِيعَةَ (٤)، وَجَابِرٍ (٥) اسْتقبَالُ القِبْلَةِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ (٦) وَهِيَ [أَصَحُ] (٧) مِنْ حَدِيثِ الجَارُودِ. وَمِنْ بَابِ: يَنْزِلُ لِلْمَكْتُوبَةِ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الفَرِيضَةِ عَلَى الدَّابَّةِ [مِنْ غَيْرِ عُذرٍ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ القِبْلَةِ إِلَّا فِي شِدَّةِ الخَوْفِ.

стр. 1350

وَفِي النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ عَلَى الدَّابَّةِ] (١) رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى [لِعِبَادِهِ] (٢) وَرِفْقًا بِهِمْ، فَاسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ فَرْضٌ فِي الفَرَائِضِ الحَضَرِ وَالسَّفَرِ. وَمِنْ بَاب: مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ * فيه حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ [فِي السَّفَرِ] (٣)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤) (٥). يُرِيدُ: لَمْ أَرَهُ يَتَطَوَّعُ فِي السَّفَرِ يَعْنِي: بِالْأَرْضِ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا تَتَضَادُّ الأَخْبَارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁. وَمِنْ بَاب: مَنْ تَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ * فِيهِ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ (٦) وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ (٧). وَرُوِيَ عَنِ البَرَاءِ بن عَازِبٍ ﵁ قَالَ: (سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَفْرَةً فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ الرَّكْعَتَينِ قَبْلَ الظُّهْرِ) (٨)، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ

стр. 1351

التَنفُّلِ فِي السَّفَرِ بِالأَرْضِ (١). وَمِنْ بَابِ: الجَمْعِ [فِي السَّفَرِ] (٢) بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ * فِيهِ ابْنُ عُمَرَ (٣)، وَابْنُ عَبَّاس ﵄ (٤). وَذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ (٥) يَجُوزُ لَهُ الجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَبَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (٦)، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٧)، وَمَالِكِ (٨)، ....

стр. 1352

وَأَحْمَدَ (١). وَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ لِلْمُسَافِرِ الجَمْعَ إِلَّا بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة (٢) وَأَصْحَابُهُ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ قَدْ صَحَّتْ، فَلَا تُتْرَكُ لِأَخْبَارِ الآحَادِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٣): قَدْ تَظَاهَرَتِ الأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، فَظَاهِرُهَا أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ، فَهَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ أَنْكَرَ الجَمْعَ بِعَرَفَةَ والْمُزْدَلِفَةِ، وَأَجَازَهُ فِي السَّفَرِ بِالأَخْبَارِ الوَارِدَةِ عَنْهُ ﷺ فَرْقٌ؟ [قَالُوا: وَلَوْ] (٤) لَمْ يَأْتِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ جَمَعَ إِلَّا بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ فَقَط، لَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الجَمْعِ لِلْمُسَافِرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ (٥): سَأَلْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَلَا تَرَى إِلَى صَلَاةِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ.

стр. 1353

وَمِنْ بَاب: هَلْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ * فيه قَوْلُ سَالِمٍ: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُقِيمُ الْمَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمَ، ثُمَّ يُقِيمُ العِشَاءَ فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ) (١). قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ (٢): يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ، فَإِنْ أَقَامَ وَلَمْ يُؤَذِّنُ أَجْزَاهُ، وَإِنْ تَرَكَ الأَذَانَ وَالإِقَامَةَ فَقَدْ أَسَاءَ. وَمِنْ بَابِ: يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى العَصْرِ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ (٣). العَصْرِ. أَجْمَعَ العُلَمَاءُ أَنَّهُ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيعَ الشَّمْسُ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى العَصْرِ. وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ الجَمْعِ: فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا، هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ (٤) وَسَالِمٍ (٥)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٦). قَالُوا: إِنْ شَاءَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي [وَقْتِ الأُولَى] (٧)، وَإِنْ شَاءَ جَمَعَ فِي

стр. 1354

[وَقْتِ] (١) الآخِرَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا أَرَادَ الْمُسَافِرُ الجَمْعَ أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ العِشَاءَ، رُوِيَ هَذَا عَنْ سَعْدٍ (٢)، وَابْنِ عُمَرَ ﵄ (٣)، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٤)، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حنبلٍ (٥). قَالَ: وَجْهُ الجَمْعِ: أَنْ يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ العَصْرِ، ثُمَّ يَنْزِلَ فَيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرَ المَغْرِبَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَدَّمَ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٦): يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، ثُمَّ يَمْكُثُ قَلِيلًا، وَلَا يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا إِلَّا بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ. وَحُجَّةُ الشَّافِعِيُّ: حَدِيثُ أَنَسٍ (٧). وَقَوْلُ الكُوفِيِّينَ خِلافُ الآثَارِ.

стр. 1355

وَمِنْ بَابِ: إِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَمَا زَاغَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَرَكِبَ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ (١). وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ تَقْدِيمُ العَصْرِ إِلَى الظُّهْرِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاودَ فِي كِتَابِهِ (٢).

стр. 1356

وَمِنْ بَاب: صَلَاةِ القَاعِدِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ (١)، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (٢). (وَكَانَ عِمْرَانُ مَبْسُورًا) أَيْ: بِهِ عِلَّةُ البَوَاسِيرِ. * وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ دَلِيلٌ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى القِيَامِ فِي صَلَاةِ الفَرِيضَةِ لِعِلَّةٍ نَزَلَتْ بِهِ، فَإِنَّ فَرْضَهُ الجُلُوسُ لِقَوْلِهَا: (وَهُوَ شَاكٍ) أَيْ: مَرِيضٌ، وَلِقَوْلِ أَنَسٍ: (سَقَطَ مِنَ الفَرَسِ فَخُدِشَ أَوْ فَجُحِشَ شِقُّهُ فَصَلَّى جَالِسًا) (٣). أَرَادَ البُخَارِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ أَنَّ الفَرِيضَةَ لَا يُصَلِّيهَا أَحَدٌ جَالِسًا إِلَّا مِنْ شَكْوَى تَمْنَعُهُ مِنَ القِيَام. وَقَوْلُهُ: (جُحِش) قَالَ أَبُو عُبَيدٍ (٤): هُوَ أَنْ يُصِيبَهُ كَالخَدْشِ فَيَنْسَحِجَ مِنْهُ جِلْدُهُ، أَيْ: يَتَقَشَّرَ. وَأَمَا حَدِيثُ عِمْرَانَ فَإِنَّمَا وَرَدَ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ فَرْضَهُ جَالِسًا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُطِيقًا لِلْقِيَامِ أَوْ عَاجِزًا عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُطِيقًا وَصَلَّى جَالِسًا، فَلَا

стр. 1357

يُجْزِئُهُ، وَعَلَيْهِ إِعَادَتُهَا، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ نِصْفُ أَجْرٍ صَلَاةِ القَائِمِ؟! فَإِذَا عَجَزَ عَنِ القِيَام فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ القِيَامِ، وَانْتَقَلَ فَرْضُهُ إِلَى الجُلُوسِ، فَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَلَيْسَ المُصَلِّي قَائِمًا أَفْضَلَ مِنْهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ) فَلَا يَصِحُّ مَعْنَاهُ، لأَنَّ النَّافِلَةَ لَا يُصَلِّيهَا القَادِرُ عَلَى القِيَامِ إِيمَاءً، وَإِنَّمَا دَخَلَ الوَهَمُ عَلَى نَاقِلِ هَذَا الحَدِيثِ، فَأَدْخَلَ مَعْنَى الفَرْضِ فِي مَعْنَى النَّافِلَةِ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ: (كَانَ مَبْسُورًا) وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا أَدَّى بِهِ فَرْضَهُ، وَهَذِهِ صِفَةُ صَلَاةِ الفَرْضِ. وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْوَارِثِ وَرَوْحٍ عَنْ حُسَيْنٍ (١) تُخَالِفُ الأُصُولَ، وَالَّذِي يُوَافِقُ الأُصُولَ رِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ (٢). قِيلَ: (٣): غَلِطَ النَّسَائِيُّ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، فَقَالَ في التَّرْجَمَةِ (وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا) (٤)، وَإِنَّمَا هُوَ: وَمَنْ صَلَّى بِإِيمَاءِ، لأَنَّ النَّائِمَ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ (٥)، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: (نَائِمًا): مُضْطَجِعًا، يُقَالُ: نَامَ إِذَا اضْطَجَعَ. قَالَ أَهْلُ العِلْمِ (٦): [الصَّلَاةُ] (٧) لَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:

стр. 1358

القِيَامُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَالقُعُودُ، ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنِ القُعُودِ فَالإِيمَاءُ وَلَيْسَ النَّوْمُ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا لَمْ يُطِقْ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبٍ * فِيهِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ (١). قَالَ العُلَمَاءُ (٢) فِي صَلَاةِ الفَرِيضَةِ يُصَلِّيهَا كَمَا يَقْدِرُ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِ الْأَمْرُ إِلَى الإِيمَاءِ عَلَى جَنْبِهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ كَانَ وَجْهُهُ إِلَى القِبْلَةِ عَلَى حَسَبِ دَفْنِ الْمَيِّتِ. وَإِنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ كَانَتْ رِجْلَاهُ فِي قِبْلَتِهِ، وَيُؤْمِئُ بِرَأْسِهِ إِيمَاءٌ، وَلَمْ يَذْكُرُ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ). وَمِنْ بَابِ: إِذَا صَلَّى قَاعِدًا ثُمَّ صَحَّ أَوْ وَجَدَ خِفَّةً يُتِمُّ مَا بَقِيَ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ (٣). التَّرْجَمَةُ فِي صَلَاةِ الفَرِيضَةِ، وَالحَدِيثُ إِنَّمَا هُوَ فِي النَّافِلَةِ. وَلَعَلَّ البُخَارِيَّ أَرَادَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِي النَّافِلَةِ القُعُودُ لِغَيْرِ عِلَّةٍ مَانِعَةٍ مِنَ القِيَامِ، وَكَانَ ﵇ يَقُومُ فِيهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ، كَانَتِ الفَرِيضَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ القُعُودُ فِيهَا إلَّا بِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى القِيَام أَوْلَى أَنْ يَلْزَمَ القِيَامُ فِيهَا إِذَا ارْتَفَعَتِ العِلَّةُ الْمَانِعَةُ مِنْهَا.

стр. 1359

وَمِنْ بَابِ: التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ * فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ (١). التَّهَجُّدُ عِنْدَ العَرَبِ (٢): التَيَقُّظُ وَالسَّهَرُ بَعْدَ نَوْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَالهُجُودُ: النَّوْمُ، يُقَالُ: هَجَدَ إِذَا نَامَ وَتَهَجَّدَ إِذَا سَهِرَ. وَقَوْلُهُ ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ (٣) أَيْ: فَضْلًا لَكَ عَنْ فَرَائِضِكَ. قِيلَ: إِنَّمَا خُصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ لأَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ فَرِيضَةً، وَلِغَيْرِهِ تَطَوعًا. قَالَ مُجَاهِدٌ (٤): إِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ ذَلِكَ يُكَفِّرُ عَنْهُ شِيئًا مِنَ الذُّنُوبِ، لأَنَّ الله تَعَالَى كَانَ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَكَانَ لَهُ نَافِلَةَ فَضْلٍ وَزِيَادَةً، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ نَافِلَةٌ.

стр. 1360

وَقَوْلُ ابن عَبَّاسٍ ﵁ أَصْوَبُ (١)، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كَانَ خَصَّهُ اللهُ بِمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ دُونَ سَائِرِ أُمَّتِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ (٢): ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ تَطَوُّعًا وَفَضِيلَةً. * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ بَيَانُ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَدْعُو عِنْدَ قِيَامِهِ، وَيُخْلِصُ الثَّنَاءَ عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَالإِقْرَارُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ. وَفِيهِ الأَسْوَةُ الحَسَنَةُ. وَقَوْلُهُ: (أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ، يُقَالُ: قَيَّامٌ، وقيُّومٌ، وَقَيِّمٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ (٣): القَيُّومُ: القَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَقَوْلُهُ: (أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أَيْ: بِنُورِكَ يَهْتَدِي مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.

стр. 1361

وَقَوْلُهُ: (أَنْتَ الحَقُّ) الحَقُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَقَوْلُكَ الحَقُّ) أَيْ: الصِّدْقُ وَالعَدْلُ. وَقَوْلُهُ: (وَوَعْدُكَ حَقٌّ) أَيْ: لَا خُلْفَ فِيهِ، تَجْزِي الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا، وَتَجْزِي الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى، وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ (١) القُرْآنِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ (٢) مُحَمَّدٌ ﷺ وَذِكْرُ مُحَمَّدٍ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٣) أَيْ: بِالأَمْرِ الحَقِّ البَيِّنِ الفَصْلِ. وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (٤) أَيْ: بِالْمَوْتِ. وَقَوْلُهُ: (لَكَ أَسْلَمْتُ) أَيْ: اسْتَسْلَمْتُ، وَانْقَدْتُ لِحُكْمِكَ. (وَبِكَ آمَنْتُ): صَدَّقْتُ. (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أَيْ: تَبَرَّأْتُ مِنَ الحَوْلِ وَالقُوَّةِ. (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) أَيْ: أَقْبَلْتُ بِقَلْبِي إِلَيْكَ وَأَطَعْتُ أَمْرَكَ. (وَبِكَ خَاصَمْتُ) أَيْ: وَبِبَرَاهِينِكَ احْتَجَجْتُ. (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) أَيْ: احْتَكَمْتُ مَعَ كُلِّ مَنْ أَبَى قَبُولَ الحَقِّ.

стр. 1362

وَقَوْلُهُ: (اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَرْتُ) أُمِرَ الأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا الله وَيَدْعُوا وَإِنْ كَانُوا قَدْ غُفِرَ لَهُمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّقْصِيرِ فَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ مِنْ عَمْدِي وَخَطَئِي [وَجَهْلِي] (١) وَظُلْمِي وَكُلِّ ذَلِكَ عِنْدِي) (٢)، وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ: (اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) (٣). قَالَ الدَّارَوَرْدِي وَبِهَذَا رَفَعَ اللَّهُ رُسُلَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ؛ أَنَّهُمْ يَجْتَهِدُونَ فِي الْأَعْمَالِ لِعِلْمِهِمْ بِعَظَمَةِ مَنْ يَعْبُدُونَهُ، فَأُمَّتُهُمْ أَحْرَى بِذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٤) فِي قَوْلِهِ: (أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) بَيَانُهُ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ) (٥) وَقِيلَ: قَدَّمَهُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ ﵇ يَوْمَ القِيَامَةِ بِالشَّفَاعَةِ. وَمِنْ بَابِ: فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ ﵁ (٦). قِيلَ (٧): إِنَّمَا فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الرُّؤْيَا فِي قِيَامِ اللَّيْلِ

стр. 1363

- وَاللهُ أَعْلَمُ - مِنْ أَجْلِ قَوْلِ الْمَلَكِ الآخَرِ: (لَمْ تُرَعْ) أَيْ: لَمْ تُعْرَضَ عَلَيْكَ لِأَنَّكَ مُسْتَحِقُّهَا، إِنَّمَا ذُكَّرْتَ بِهَا، ثُمَ نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَحْوَالِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَغْفَلُ عَنْهُ مِنَ الفَرَائِضِ فَيُذَكَّرُ بِالنَّارِ، وَعَلِمَ مَبِيتَهُ فِي المَسْجِدِ فَعَبَّرَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ مُنَبه عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ فِيهِ بِالقُرْآنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى الَّذِي عَلَّمَهُ القُرْآنَ وَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ يُشْدَخُ رَأْسُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ (١). وَقَوْلُهُ: (لَمْ تُرَعْ) أَيْ: لَا رَوْعَ عَلَيْكَ وَلَا فَزَعَ، وَفِي الحَدِيثِ: (لَنْ تُراعُوا) (٢) يُقَالُ: رِيعَ فُلَانٌ إِذَا فَزِعَ. * وَفِي حَدِيثِ ابن عَبَّاسٍ ﵁: (إِذَا شَمِطَ الإِنْسَانُ فِي عَارِضَيْهِ فَذَلِكَ الرَّوْعُ) (٣) أَيْ: الإِنْذارُ بِالمَوْتِ، قَالَ رُؤْبَةُ (٤): رَاعَكَ، وَالشِّيبُ قِنَاعُ المَوْتِ. وَالقِنَاعُ: مَا يُسْتَرُ بِهِ الشَّيْءُ. وَفِي القُرْآنِ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ (٥) يَعْنِي الفَزَعَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَأْكُلُوا مِنَ العِجْل. وَكَتَبَ مُعَاوِيَة ﵁ إِلَى زِيَادٍ: (أَفْرِخْ رُوعَكَ أَبَا المُغِيرَةِ) (٦)، يَقُولُ: لَا تَفْزَعْ،

стр. 1364

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (١): أَرَادَ لِيَذْهَبْ فَزَعُكَ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تُحَاذِرُ. وَقَالَ أَبُو الهَيْثَم (٢): أَفْرِخْ رُوعَكَ بِضَمِّ الرَّاءِ، قَالَ: وَالرُّوْعُ: مَوْضِعُ الرَّوْع، وَالمَعْنَى: خَرَجَ الرَّوْعُ عَنْ قَلْبِهِ، يُقَالُ: أَفْرَخَتِ البَيْضَةُ إِذَا خَرَجَ الفَرْجُ عَنْهَا. قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٣): تَفَرَّدَ أَبُو الهَيْثَمِ بِهَذَا القَوْلِ، وَالْأَئِمَّةُ عَلَى خِلَافِهِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٤): أَفْرَخَ الرُّوعُ: سَكَنَ، وَيُقَالُ فِي قَوْلِهِمْ: لِيُفْرِخ رُوْعُكَ، أَيْ: لِيَخْرُجْ عَنْكَ رَوْعُكَ كَمَا يَخْرُجُ الفَرْخُ عَنِ البَيْضَةِ. * وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ لِيَدِيَ قَوْمًا قَتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَأَعْطَاهُمْ مِيلَغَةَ الكَلْبِ، ثُمَّ أَعْطَاهُمْ بِرَوْعَةِ الخَيْلِ) (٥) أَيْ: بِمَا رَاعَتِ الخَيْلُ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ، فَأَعْطَاهُمْ شَيْئًا لِمَا أَصَابَهُمْ مِنْ هَذِهِ الرَّوْعَةِ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلُ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ يُنْجِي مِنَ النَّارِ، وَرُوِيَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمَانَ ﵇ قَالَتْ لِسُلَيْمَانَ: (يَا بُنَيَّ، لَا تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَإِنَّ كَثرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ تَدَعُ الرَّجُلَ فَقِيرًا يَوْمَ القِيَامَةِ) (٦).

стр. 1365

وَمِنْ بَابِ: طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (١). أَمَّا طُولُ سُجُودِهِ ﷺ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ فَلاجْتِهَادِهِ فِيهِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ أَحْوَالِ التَّوَاضُعِ وَالتَّذَلُّلِ للهِ تَعَالَى، وَهُوَ الَّذِي أَبَاهُ إِبْلِيسُ فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ اللَّعْنَةَ. وَفِيهِ: الأَسْوَةُ الحَسَنَةُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يُفْعَلُ بِهِ أَنْ يَمْتَثِلَ فِعْلَهُ ﷺ فِي صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ، وَجَمِيعِ أَفْعَالِهِ، وَيَلْجَأُ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي سُؤَالِ العَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ (٢): كَانَ ابن الزُّبَيْرِ يَسْجُدُ حَتَّى تَنْزِلَ العَصَافِيرُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَمَا تَحْسِبُهُ إِلَّا جُذْمَ حَائِطٍ.

стр. 1366

وَمِنْ بَابِ: تَرْكِ القِيَامِ لِلْمَرِيضِ * فِيهِ حَدِيثُ جُنْدُبٍ ﵁. فِي قَوْلِهِ : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١) وَقَوْلِهِ: (اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ) (٢). رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَنْ كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ العِبَادَةِ فَمَنَعَهُ اللهُ مِنْهَا بِمَرَضٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَهَبُ لَهُ ثَوَابَهَا. وَرُوِيَ: (إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا) (٣). قِيلَ (٤): مَنْ لَمْ يُرْزَأْ فِي جِسْمِهِ فَلْيَظُنَّ أَنَّ الله قَدْ قَلَاهُ. وَمِنْ بَابِ: تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ * فِيهِ حَدِيثُ طُرُوقِ النَّبِيِّ ﷺ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا (٥)، وَفِيهِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ (٦). قيلَ: فِي إِيقَاظِ النَّبِيِّ ﷺ عَلِيًّا وَابْنَتَهُ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ حَثٌّ مِنْهُ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُشَدِّدَ فِي النَّوَافِلِ.

стр. 1367

وَقَوْلُهُ: (أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ) كَقَوْلِ بِلَالٍ: (أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ) (١)، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (٢)، أَيْ: إِنَّ نَفْسَ النَّائِمِ مُمْسَكَةٌ بِيَدِ اللَّهِ، وَأَنَّهَا فِي اليَقَظَةِ مُرْسَلَةٌ إِلَى جَسَدِهَا، وَقَدْ قَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا العُذْرِ فِي النَّافِلَةِ، وَلَا يَقْنَعُ بِمِثْلِ هَذَا فِي الفَرِيضَةِ. وَقَوْلُهُ: (مَاذَا أَنْزَلَ اللهُ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ وَمَاذَا أَنْزَلَ مِنَ الخَزَائِنِ) أَعْلَمَهُ اللهُ بِالوَحْيِ أَنَّهُ يَفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ الخَزَائِنَ، وَعَرَّفَهُ أَنَّ الْفِتَنَ مَقْرُونَةٌ بِهَا، مَخُوفَةٌ عَلَى مَنْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ أَثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ القِلَّةَ عَلَى الغِنَى وَالثَّرْوَةِ خَوْفَ التَعَرُّضِ لِفِتْنَةِ المَالِ، وَقَدِ اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ. وَقَوْلُهُ: (مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ) يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ، أَيْ: مَنْ يُوقِظُهُنَّ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تُنَجِّي مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ، وَيُعْتَصَمُ بِهَا مِنَ الْمِحَنِ. وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: (يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ) زَجْرٌ عَنْ لِبَاسِ رَقِيقِ الثِّيَابِ. * وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ دَلِيلٌ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ بِإِمَامٍ وَمَأْمُومِينَ سُنَّةٌ، لأَنَّهُ ﷺ ائتَمَّ بِهِ نَاسٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهَا سُنَّةُ عُمَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ أَفْرَادًا؛ فَأَرَادَ عُمَرُ ﵁ التَّخْفِيفَ عَنْهُمْ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ يَكْفِيهِمُ القِرَاءَةَ، وَيُفَرِّغُهُمْ لِلتَّدَبُّرِ.

стр. 1368

قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ السَّائِبِ (١): كُنتُ أُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي رَمَضَانَ، فَبَيْنَا أَنَا أُصَلِّي إِذْ سَمِعْتُ تَكْبِيرَ عُمَرَ ﵁ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ قَدِمَ مُعْتَمِرًا، فَدَخَلَ فَصَلَّى خَلْفِي. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٢): كَانَ جَابِرٌ يُصَلِّيهَا فِي جَمَاعَةٍ. وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٣): أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ عَنْ قِيَامِ رَمَضَانَ، فَصَارَ هَذَا القِيَامُ فَرْضًا عَلَى الكِفَايَةِ فَمَنْ فَعَلَهُ فِي الجَمَاعَةِ كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنِ انْفَرَدَ بِهِ كَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ (٤): الأَفْضَلُ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى القِيَامِ بِنَفْسِهِ حُضُورُ المَسْجِدِ، لِيُقِيمَ السُّنَّةَ، وَيَسْمَعَ القُرْآنَ. وَمِنْ بَابِ: قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ - (حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ) (٥) مُسْتَقْبَلُ وَرِمَتْ. وَقَوْلُهُ: (حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ) (٦)، أَيْ: تَشَقَّقَ قَدَمَاهُ.
следующие страницы →