← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1364–1403 · переход к 1369.

стр. 1364

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (١): أَرَادَ لِيَذْهَبْ فَزَعُكَ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تُحَاذِرُ. وَقَالَ أَبُو الهَيْثَم (٢): أَفْرِخْ رُوعَكَ بِضَمِّ الرَّاءِ، قَالَ: وَالرُّوْعُ: مَوْضِعُ الرَّوْع، وَالمَعْنَى: خَرَجَ الرَّوْعُ عَنْ قَلْبِهِ، يُقَالُ: أَفْرَخَتِ البَيْضَةُ إِذَا خَرَجَ الفَرْجُ عَنْهَا. قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٣): تَفَرَّدَ أَبُو الهَيْثَمِ بِهَذَا القَوْلِ، وَالْأَئِمَّةُ عَلَى خِلَافِهِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (٤): أَفْرَخَ الرُّوعُ: سَكَنَ، وَيُقَالُ فِي قَوْلِهِمْ: لِيُفْرِخ رُوْعُكَ، أَيْ: لِيَخْرُجْ عَنْكَ رَوْعُكَ كَمَا يَخْرُجُ الفَرْخُ عَنِ البَيْضَةِ. * وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ لِيَدِيَ قَوْمًا قَتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَأَعْطَاهُمْ مِيلَغَةَ الكَلْبِ، ثُمَّ أَعْطَاهُمْ بِرَوْعَةِ الخَيْلِ) (٥) أَيْ: بِمَا رَاعَتِ الخَيْلُ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ، فَأَعْطَاهُمْ شَيْئًا لِمَا أَصَابَهُمْ مِنْ هَذِهِ الرَّوْعَةِ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلُ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ يُنْجِي مِنَ النَّارِ، وَرُوِيَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمَانَ ﵇ قَالَتْ لِسُلَيْمَانَ: (يَا بُنَيَّ، لَا تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَإِنَّ كَثرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ تَدَعُ الرَّجُلَ فَقِيرًا يَوْمَ القِيَامَةِ) (٦).

стр. 1365

وَمِنْ بَابِ: طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (١). أَمَّا طُولُ سُجُودِهِ ﷺ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ فَلاجْتِهَادِهِ فِيهِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ أَحْوَالِ التَّوَاضُعِ وَالتَّذَلُّلِ للهِ تَعَالَى، وَهُوَ الَّذِي أَبَاهُ إِبْلِيسُ فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ اللَّعْنَةَ. وَفِيهِ: الأَسْوَةُ الحَسَنَةُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يُفْعَلُ بِهِ أَنْ يَمْتَثِلَ فِعْلَهُ ﷺ فِي صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ، وَجَمِيعِ أَفْعَالِهِ، وَيَلْجَأُ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي سُؤَالِ العَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ (٢): كَانَ ابن الزُّبَيْرِ يَسْجُدُ حَتَّى تَنْزِلَ العَصَافِيرُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَمَا تَحْسِبُهُ إِلَّا جُذْمَ حَائِطٍ.

стр. 1366

وَمِنْ بَابِ: تَرْكِ القِيَامِ لِلْمَرِيضِ * فِيهِ حَدِيثُ جُنْدُبٍ ﵁. فِي قَوْلِهِ : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١) وَقَوْلِهِ: (اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ) (٢). رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَنْ كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ العِبَادَةِ فَمَنَعَهُ اللهُ مِنْهَا بِمَرَضٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَهَبُ لَهُ ثَوَابَهَا. وَرُوِيَ: (إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا) (٣). قِيلَ (٤): مَنْ لَمْ يُرْزَأْ فِي جِسْمِهِ فَلْيَظُنَّ أَنَّ الله قَدْ قَلَاهُ. وَمِنْ بَابِ: تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ * فِيهِ حَدِيثُ طُرُوقِ النَّبِيِّ ﷺ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا (٥)، وَفِيهِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ (٦). قيلَ: فِي إِيقَاظِ النَّبِيِّ ﷺ عَلِيًّا وَابْنَتَهُ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ حَثٌّ مِنْهُ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُشَدِّدَ فِي النَّوَافِلِ.

стр. 1367

وَقَوْلُهُ: (أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ) كَقَوْلِ بِلَالٍ: (أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ) (١)، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (٢)، أَيْ: إِنَّ نَفْسَ النَّائِمِ مُمْسَكَةٌ بِيَدِ اللَّهِ، وَأَنَّهَا فِي اليَقَظَةِ مُرْسَلَةٌ إِلَى جَسَدِهَا، وَقَدْ قَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا العُذْرِ فِي النَّافِلَةِ، وَلَا يَقْنَعُ بِمِثْلِ هَذَا فِي الفَرِيضَةِ. وَقَوْلُهُ: (مَاذَا أَنْزَلَ اللهُ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ وَمَاذَا أَنْزَلَ مِنَ الخَزَائِنِ) أَعْلَمَهُ اللهُ بِالوَحْيِ أَنَّهُ يَفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ الخَزَائِنَ، وَعَرَّفَهُ أَنَّ الْفِتَنَ مَقْرُونَةٌ بِهَا، مَخُوفَةٌ عَلَى مَنْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ أَثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ القِلَّةَ عَلَى الغِنَى وَالثَّرْوَةِ خَوْفَ التَعَرُّضِ لِفِتْنَةِ المَالِ، وَقَدِ اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ. وَقَوْلُهُ: (مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ) يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ، أَيْ: مَنْ يُوقِظُهُنَّ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تُنَجِّي مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ، وَيُعْتَصَمُ بِهَا مِنَ الْمِحَنِ. وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: (يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ) زَجْرٌ عَنْ لِبَاسِ رَقِيقِ الثِّيَابِ. * وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ دَلِيلٌ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ بِإِمَامٍ وَمَأْمُومِينَ سُنَّةٌ، لأَنَّهُ ﷺ ائتَمَّ بِهِ نَاسٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهَا سُنَّةُ عُمَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ أَفْرَادًا؛ فَأَرَادَ عُمَرُ ﵁ التَّخْفِيفَ عَنْهُمْ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ يَكْفِيهِمُ القِرَاءَةَ، وَيُفَرِّغُهُمْ لِلتَّدَبُّرِ.

стр. 1368

قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ السَّائِبِ (١): كُنتُ أُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي رَمَضَانَ، فَبَيْنَا أَنَا أُصَلِّي إِذْ سَمِعْتُ تَكْبِيرَ عُمَرَ ﵁ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ قَدِمَ مُعْتَمِرًا، فَدَخَلَ فَصَلَّى خَلْفِي. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٢): كَانَ جَابِرٌ يُصَلِّيهَا فِي جَمَاعَةٍ. وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٣): أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ عَنْ قِيَامِ رَمَضَانَ، فَصَارَ هَذَا القِيَامُ فَرْضًا عَلَى الكِفَايَةِ فَمَنْ فَعَلَهُ فِي الجَمَاعَةِ كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنِ انْفَرَدَ بِهِ كَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ (٤): الأَفْضَلُ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى القِيَامِ بِنَفْسِهِ حُضُورُ المَسْجِدِ، لِيُقِيمَ السُّنَّةَ، وَيَسْمَعَ القُرْآنَ. وَمِنْ بَابِ: قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ - (حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ) (٥) مُسْتَقْبَلُ وَرِمَتْ. وَقَوْلُهُ: (حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ) (٦)، أَيْ: تَشَقَّقَ قَدَمَاهُ.

стр. 1369

وفي الحَدِيثِ: أَخُذُ الإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّدَّةِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالرُّخْصَةِ، وَيُكَلِّفَ نَفْسَهُ مَا سَمَحَتْ بِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) دَلَالَةٌ أَنَّ الأَخْذَ بِالشِّدَّةِ أَفْضَلُ، لأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ النَّارَ أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا أَلْزَمَ الأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ أَنْفُسَهُمْ شِدَّةَ الخَوْفِ وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَمِنُوا، لِعِلْمِهِمْ بَعَظيم نِعَم الله تَعَالَى عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ بِهَا قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا، فَبَذَلُوا مَجْهُودَهُمْ فِي شُكْرِهِ. قَالَ طَلْقُ بنُ حَبِيبٍ (١): حُقُوقُ اللهِ تَعَالَى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَقُومَ بِهَا العِبَادَةُ، وَنِعَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلَكِنْ أَصْبَحُوا تَائِبِينَ، وَأَمْسَوا تَائِبِينَ. وَمِنْ بَاب: مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ * فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو (٢)، وَعَائِشَةَ (٣) ﵄. قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ المَغْرِبِ (٤): هَذَا الحَدِيثُ يَدُلُّ أَنَّ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يُجِمُّ نَفْسَهُ بِنَوْمِ أَوَّلِ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ فِي الوَقْتِ الَّذِي يُنَادِي فِيهِ الرَّبُّ : هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ ثُمَّ يَسْتَدْرِكُ مِنَ النَّوْمِ مَا يَسْتَرِيحُ فِيهِ مِنْ نَصَبِ القِيَامِ فِي بَقِيَّةِ اللَّيْلِ.

стр. 1370

وَإِنَّمَا صَارَ ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ أَجْلِ الْأَخْذِ بِالرِّفْقِ عَلَى النُّفُوسِ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا السَّآمَةَ وَالمَلَلَ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ إِلَى تَرْكِ العِبَادَةِ، وَاللهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُدِيمَ فَضْلَهُ، وَيُوَالِي إِحْسَانَهُ. وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂: (كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ) يَعْنِي حُلُولَ ثُلُثِ اللَّيْلِ (١) لِيَتَحَرَّى وَقْتَ النُّزُولِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الاضْطِجَاعِ لِلرَّاحَةِ مِنْ نَصَبِ القِيَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَتْ: (مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا) (٢) أَيْ: مَا وَجَدَهُ، وَالهَاءُ ضَمِيرُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مَفْعُولٌ، وَالسَّحَرُ: فَاعِلٌ، وَهَذَا كَانَ يَفْعَلُهُ فِي اللَّيَالِي الطِّوَالِ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ تَسَحَّرَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ * فِيهِ: حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٣). فِي هَذَا الحَدِيثِ تَأْخِيرُ السُّحُورِ. وَقَوْلُهُ: (كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سُحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟) يُرِيدُ صَلَاةَ الصُّبْح، وَفِي قَدْرِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي تُقَدَّرُ بِخَمْسِينَ آيَةً صَلَّى رَكْعَتَي الفَجْرِ، ثُمَّ قَعَدَ يَنْتَظِرُ صَلَاةَ الصُّبْحِ.

стр. 1371

وَمِنْ بَاب: طُولِ القِيَامِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ * فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ (١)، وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ (٢). وَفِي قَوْلِهِ: (هَمَمْتُ بِأَمْرِ سُوءٍ) دَلَالَةٌ أَنَّ مُخَالَفَةَ الإِمَامِ أَمْرُ سُوءٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ) (٣)، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا خَالَفَ الإِمَامَ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَيِّئِ الأَعْمَالِ. * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ دَلِيلٌ عَلَى طُولِ القِيَامِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، لأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَّ بِالقُعُودِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِطُولِ القِيَامِ. وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ هَلِ الأَفْضَلُ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ طُولُ القِيَامِ أَوْ كَثرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؟ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ لَا يُطِيلُ القِيَامَ وَيُكْثِرُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ رَكَعَ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَةً رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً) (٤).

стр. 1372

وَرُوِيَ عَنِ ابن عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ رَأَى فَتًى يُصَلِّي قَدْ أَطَالَ صَلَاتَهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَنْ يَعْرِفُ هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ كُنْتُ أَعْرِفُهُ لِأَمَرْتُهُ أَنْ يُطِيلَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (إِذَا قَامَ العَبْدُ يُصَلِّي أُتِيَ بِذُنُوبِهِ، فَجُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ [وَعَاتِقَيْهِ] (١) فَكُلَّمَا رَكَعَ وَسَجَدَ تَسَاقَطَتْ عَنْهُ) (٢). وَقَالَ يَحْيَى بْنُ رَافِعٍ (٣) (٤): كَانَ يُقَالُ: لَا تُطِلِ القِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَعْرِضَ لَكَ الشَّيْطَانُ فَيُمَنِّيكَ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ طُولُ القِيَام أَفْضَلُ، فَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ القُنُوتِ) (٥)، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (٦).

стр. 1373

وَقَالَ أَشْهَبُ (١): هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ لِكَثْرَةِ القِرَاءَةِ. وَقَوْلُهُ: (يَشُوصُ فَاهُ بِالسَّوَاكِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): شَاصَ أَيْ: غَسَلَ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الشَّوْصُ: الاسْتِياكُ، وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ السِّوَاكَ مَرْغُوبٌ فِيهِ، وَهُوَ مِنَ الفِطْرَةِ. وَمِنْ بَابِ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ وَكَمْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ؟ * فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ ﵁ (٣)، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ (٤) اللَّهُ عَنْهَا -. ذَهَبَ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، وَقَالُوا: قَوْلُهُ: (مَثْنَى مَثْنَى) يُفيدُ التَّسْلِيمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِيَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ أَرْبَعٍ، وَإِلَّا فَلَا يُفيدُ هَذَا الكَلَامُ، لأَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيرِ تَكُونُ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالعِشَاءِ مَثْنَى مَثْنَى. وَأَمَّا عَدَدُ صَلَاتِهِ ﷺ بِاللَّيْلِ فَإِنَّ الآثَارَ اخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 1374

وَعَائِشَةَ ﵄. فَرَوَى أَبُو جَمْرَةَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً (١). وَرَوَى كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢) أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً (٣). وَرَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ (٤). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٥): رُوَاةُ هَذَا الحَدِيثِ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ، فَيُقَالُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَدُلُّ عَلَى التَّوْسِعَةِ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ. وَقِيلَ: الصَّحِيحُ مِنْهَا إِحْدَى عَشْرَةَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: (مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزِيدُ (٦) فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) (٧)، وَهِيَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَفْعَالِهِ ﷺ لِشِدَّةِ مُرَاعَاتِهَا لَهُ، وَإِنَّمَا رَمَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﷺ صَلَاتَهُ مَرَّةً، فَيَكُونُ مَا خَالَفَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَهَمًا، لأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ عَدُّوا رَكْعَتَي الفَجْرِ مَعَ الإِحْدَى عَشْرَةَ، فَتَمَّتْ بِذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا: رَكْعَتَا الْفَجْرِ.

стр. 1375

وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [يُصَلِّي] (١) فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى الفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَيَسْجُدُ سَجْدَةً قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذَّنُ مِنْ أَذَانِ الفَجْرِ وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهِ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ) (٢). وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابن مَسْعُودٍ ﵁: (لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرِنُ بِهَا، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) (٣)، فَدَلَّ أَنَّ حِزْبَهُ بِاللَّيْلِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ. وَقِيلَ: الَّذِي تَأْتِلِفُ عَلَيْهِ هَذِهِ الأَحَادِيثُ وَيَنْفِي التَّعَارُضَ عَنْهَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرِكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) (٤)، فَمَنْ جَعَلَ صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ وَالوِتْرَ وَاحِدَةً لَمْ يَعْتَدَّ بِهَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي صَلَاتِهِ، وَمَنْ عَدَّهُمَا جَعَلَهَا ثَلَاثَ عَشَرَةَ رَكْعَةً سِوَى رَكْعَتَي الفَجْرِ. وَرُوِيَ: سَبْعٌ وَتِسْعٌ فِي صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ. رُوِيَ: (فَلَمَّا أَسَنَّ؛ صَلَّى بَعْدَ السَّبْعِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، وَبَعْدَ التِّسْعِ

стр. 1376

كَذَلِكَ) (١). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٢): إِنَّمَا كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ حِينَ يُفَاجِئُهُ الفَجْرُ، وَأَمَّا إِذَا اتَّسَعَ لَهُ اللَّيْلُ فَمَا كَانَ يَنْقُصُ مِنْ عَشْرِ رَكَعَاتٍ. وَمِنْ بَابِ: قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ [مِنْ] (٣) نَوْمِهِ * فيه أنسٌ ﵁ (٤). قَالَ العُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ (٥) أَقْوَالٌ: قِيلَ: هُوَ نَدْبٌ وَحَضٌّ. وَقِيلَ: هُوَ حَتْمٌ وَفَرْضٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَحْدَهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ (٦). وَقِيلَ: كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ (٧)، رُوِيَ مَعْنَى هَذَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (٨).

стр. 1377

وَقَالَ الحَسَنُ (١) وَابْنُ سِيرِينَ (٢): صَلَاةُ اللَّيْلِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَلَوْ قَدْرَ حَلْبٍ شَاةٍ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ بنُ إِسْحَاقَ (٣): أَحْسِبُهُمَا قَالَا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (٤). قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٥): وَجَدْنَا سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ تَدُلُّ [أَنْ لَا وَاجِبَ] (٦) مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا الخَمْسُ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٧): قَوْلُهُ ﴿نِصْفَهُ﴾ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا، عَلِمَ أَنَّ هَذَا القَلِيلَ يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي تَقْدِيرِهِ عَلَى قَدْرِ أَفهَامِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ عَلَى القِيَامِ، فَقَالَ: أَوِ انْقُصْ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، بَعْدَ

стр. 1378

إِسْقَاطِ ذَلِكَ القَلِيلِ قَلِيلًا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ (١)، وَكَانَ هَذَا تَخْيِيرًا مِنَ اللَّهِ أَرَادَهُ لِلرَّفْقِ بِخَلْقِهِ، وَالتَوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ. ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٢) أَيْ: اقْرَأَهُ عَلَى تَرَسُّلٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (٣) أَيْ: العَمَلُ بِهِ، عَنِ الحَسَنِ (٤). وَقِيلَ: حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ، عَنْ مُجَاهِدٍ (٥). وَ ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ (٦) بَعْدَ النَّوْمِ، أَيْ: ابْتِدَاءَ عَمَلِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَهُوَ مَنْ نَشَأَ إِذَا ابْتَدَأَ. وَقِيلَ: هِيَ اللَّيْلُ كُلُّهُ. وَقَوْلُهُ ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ (٧) أَيْ: تُوَاطِيءُ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالقَلْبَ (٨). ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (٩) أَيْ: أَثْبَتُ لِلْقِرَاءَةِ. قِيلَ: وَلِهَذَا الْمَعْنَى أَمَرَ اللهُ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ إِرَادَةَ التَّنْبِيهِ عَلَى فَهُم القُرْآنِ،

стр. 1379

وَتَدَبُرِهِ وَالعَمَلِ بِالقَلْبِ. وَمِنْ بَاب: عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (١). قِيلَ (٢): قَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مَعْنَى العَقْدِ بِقَوْلِهِ: (عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ) فَكَأَنَّهُ يَقُولُهَا إِذَا أَرَادَ النَّائِمُ الاسْتِيقَاظَ إِلَى حِزْبِهِ، فَيَعتَقِدُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ بَقِيَتْ مِنَ اللَّيْلِ بَقِيَّةٌ طَوِيلَةٌ حَتَّى يُفَوَّتَ حِزْبَهُ. (فَإِذَا ذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) أَيْ: عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ مَرَّ مِنَ اللَّيْلِ طَوِيلٌ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا القَلِيلُ، فَإِذَا قَامَ وَتَوَضَأَّ اسْتَبَانَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا، فَانْحَلَّ مَا عَقَدَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الغُرُورِ، فَإِذَا صَلَّى وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الثَّالِثَةُ، لأَنَّهُ لَمْ يُصْغَ إِلَى قَوْلِهِ، وَيَئِسَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ. وَالقَافِيَةُ: مُؤَخَّرُ (٣) الرَّأْسِ، وَهُوَ مَوْضِعُ التَّذَكُّرِ وَالتَّفَهُّم، فَعَقْدُهُ فِيهِ: إِثْبَاتُهُ فِي فَهْمِهِ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ لَيْلٌ طَوِيلٌ. وَقَوْلُهُ: (فَأَصْبِحَ نَشِيطًا طَيَّبَ النَّفْسِ) أَيْ: مَسْرُورًا بِمَا قَدَّمَ، مُسْتَبْشِرًا بِمَا وَعَدَهُ اللهُ مِنَ الثَّوَابِ، وَإِذَا لَمْ يُصَلَّ (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ) أَيْ: مَهْمُومًا بِكَيْدِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ.

стр. 1380

(كَسْلَانَ) بِتَثْبِيطِ الشَّيْطَانِ لَهُ عَمَّا كَانَ اعْتَادَهُ أَوْ نَوَاهُ مِنْ فِعْلِ الخَيْرِ. * وَحَدِيثُ سَمُرَةَ: (يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ) (١) أَيْ: يَتْرُكُ حِفْظَهُ، وَالعَمَلَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: (يُثلَغُ رَأْسَهُ)، أَيْ: يُشْدَخُ. وَقَوْلُهُ: (يَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ)، يَعْنِي: لِخُرُوجِ وَقْتِهَا وَفَوَاتِهِ، قِيلَ: يَعْنِي بِذَلِكَ تَضْيِيعَ صَلَاةِ الصُّبْحِ لأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَبْطُلُ بِالنَّوْمِ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ * حَدِيثُ عَبدِ الله ﵁ (٢). قَوْلُهُ: (بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ) يَعْنِي: عَقدَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِالنَّوْمِ الطَّوِيلِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: (كَفَى لامْرِيءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَبُولَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيه) (٣). وَمِنْ بَابِ: الدُّعَاءِ بِالصَّلَاةِ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ .. " (٤). جَحَدَ أَهْلُ البِدَعِ هَذَا الحَدِيثَ، وَقَالُوا: ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ، وَلَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا صَحِيحًا، وَقَدْ وَرَدَ القُرْآنُ بِمِثْلِ مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿وَجَاءَ

стр. 1381

رَبُّكَ﴾ (١)، وقولُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ (٢)، وسُئل الأَوزَاعيُّ عَن معنَى هَذَا الحَدِيثِ فَقالَ (٣): يفعل اللهُ ما يَشَاءُ. * وَفِي حَديثِ أبي هُريرَةَ أن آخِرَ اللَّيل أفضَلُ للدُّعاء والاستِغفَارِ، قال اللهُ ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤). وروى مُحاربُ بن دِثَارٍ عن عَمِّهِ: أَنَّهُ كَانَ يَأتِي المَسجِدَ في السَّحَرِ [فَيمُرُّ] (٥) بدَارِ عَبدِ الله بن مَسعُودٍ فَيَسمعُهُ بَقُولُ (اللَّهُمَّ إنَّكَ أمَرتَني فَأطَعتُ، وَدَعَوتَني فأجَبتُ، وهذا السَّحرُ فاغفِر لي، فسُئل ابن مَسعُودٍ عن ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّ يَعقُوبَ ﵇ أخَّر بَينهِ إلى السَّحَرِ بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٦) (٧).

стр. 1382

ومِن بَابٍ: مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَى آخِرَهُ * فِيهِ حَدِيثُ سَلْمَانَ (١)، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ (٢) ﵄. * وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ دَلِيلٌ أَنَّهُ فِي رُجُوعِهِ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَى فِرَاشِهِ قَدْ كَانَ يَطَأُ وَيُصْبِحُ جُنُبًا، وَقَدْ كَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَمِنْ بَابِ: قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٣). رَوَى الحَكَمُ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالوِتْرَ) (٤)، وَرُوِيَ مِثْلُهُ ....

стр. 1383

عَنْ عُمَرَ (١)، وَعَلِيٍّ (٢) ﵄ القِيَامُ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً فِي رَمَضَانَ (٣). وَأَمَّا الحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ أَجْلِ إِبْرَاهِيمَ بن عُثْمَانَ (٤). وَقَالَ عَطَاءُ (٥): أَدْرَكْتُ النَّاسَ يُصَلُّونَ ثَلاثًا وَعِشْرِينَ رَكْعَةً، وَالوِتْرَ مِنْهَا ثلاثًا. وَمِنْ بَابِ: فَضْلِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الطُّهُورِ * فِيهِ [١٤٤] حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٦). وَفِيهُ: دَلِيلٌ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُجَازَاةِ عَلَى مَا سَتَر العَبْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَكَانَ فِعْلُ بِلَالٍ ﵁ خَبِيئَةً [بَيْنَهُ] (٧) وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى، لَمْ يَعْلَمْهَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى سَأَلَهُ عَنْهَا.

стр. 1384

وَقَوْلُهُ: (سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): دَفَّ الطَائِرُ: إِذَا حَرَّكَ جَنَاحَيْهِ، وَرِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَل (٢): الدَّفِيفُ: سَيْرٌ فِي لِينِ. وَمِنْ بَاب: مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي العِبَادَةِ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ (٣)، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ (٤). إِنَّمَا يُكْرَهُ التَّشْدِيدَ فِي العِبَادَةِ مَخَافَةَ الفُتُورِ وَالْمَلَلِ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ ﷺ : (خَيْرُ العَمَل مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ). قِيلَ: كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ الإِفْرَاطَ فِي العِبَادَةِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ الْمَرْءُ عَنْهَا، فَيَكُونُ كَأَنَّهُ رُجُوعٌ فِيمَا بَذَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَتَطَوَّعَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: (لَا، حُلُوهُ) لَا: حَرِفُ نَفْيٍ، وَحُلُوهُ أَمْرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ حَلَّ العَقْدَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَرْفُ نَهْيِ، وَالْمَعْنَى: لَا تَفْعَلُوا حُلُوهُ، وَعَلَى مَعْنَى النَّفْيِ فَمَعْنَاهُ: لَيْسَ هَذَا. وَقَوْلُهُ: (فَإِنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) أَيْ: أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْطَعُ الثَّوَابَ عَنْكُمْ حَتَّى تَقْطَعُوا أَنْتُمُ العَمَلَ بِالْمَلَلِ الَّذِي يَنَالُكُمْ.

стр. 1385

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي التَّعَلُّقِ بِالحَبْلِ فِي النَّافِلَةِ عِنْدَ الفُتُورِ وَالكَسَلِ: فَرُوِيَ عَنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ مَوْلَاتَهُ كَانَتْ فِي الصُّفَّةِ، قَالَتْ: (وَكَانَتْ لَنَا حِبَالٌ نَتَعَلَّقُ بِهَا إِذَا فَتَرْنَا وَنَعَسْنَا فِي الصَّلَاةِ، فَأَتَانَا أَبُو بَكْرِ ﵁ فَقَالَ: اقْطَعُوا هَذِهِ الحِبَالَ) (١). وَقَالَ حُذَيْفَةُ (٢): إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ اليَهُودُ. وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ آخَرُونُ، قَالَ عِرَاكُ بنُ مَالِكٍ (٣): أَدْرَكْتُ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ وَلَهُمْ حِبَالٌ يَسْتَمْسِكُونَ بِهَا مِنْ طُولِ القِيَامِ. وَمِنْ بَابِ: مَا يُكْرَهُ مِنْ تَرْكِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ كَانَ يَقُومُهُ * فِيهِ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو ﵁ (٤). قَوْلُهُ: (إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) يَعْنِي: مَا جَعَلَ اللهُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الرَّاحَةِ الْمُبَاحَةِ، وَاللَّذَّةِ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ. وَحَقُّ الأَهْلِ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُوَفِّيَهُمْ حُقُوقَ الزَّوْحِيَةِ، وَأَنْ يَنْظُرَ لَهُمْ فِيمَا لَابُدَّ لَهُمْ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ: (هَجَمَتْ عَيْنُكَ) أَيْ: غَارَتْ.

стр. 1386

وَقَوْلُهُ: (نَفِهَتْ) أَيْ: أَعْيَتْ، يُقَالَ لِلْمُعْيِي: نَافِةٌ وَمُنَفَّهٌ. قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (١): يُقَالُ: نَفِهَتْ نَفْسِي إِذَا أَعْيَتْ وَكَلَّتْ، وَالنَّافِهُ: الكَالُ الْمُعْيِي. فَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَقَطَعَهَا فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ، وَقَدْ عَابَ اللهُ تَعَالَى قَوْمًا بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (٢) فَاسْتَحَقُوا الذَّمَّ حِينَ لَمْ يَفُوا للَّهِ بِمَا تَطَوَّعُوا بِهِ، وَلَا رَعَوْهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ، فَصَارَ رُجُوعًا مِنْهُمْ عَنْهُ. فَأَمَّا إِذَا قُطِعَ العَمَلُ بِمَرَضٍ أَوْ شُغْلٍ وَضَعُفَ عَنْهُ، فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ، بَلْ يُرْجَى لَهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ لَا يُقْطَعَ أَجْرُهُ. وَمِنْ بَاب: مَنْ تَعَارَّ بِاللَّيْلِ * فِيهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ (٣) ﵁، وَحَدِيثُ ابن عُمَرَ (٤). * وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ مَا وَعَدَ اللهُ تَعَالَى عَلَى التَّيَقُّظِ مِنْ نَوْمِهِمْ، وَالذِّكْرِ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ لَهُ، وَالاعْتِرَافِ لَهُ بِالحَمْدِ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى، وَالإِقْرَارِ لَهُ بِالقُدْرَةِ الَّتِي لَا تَتَنَاهَى. وَقَوْلُهُ: (إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ) وَذَكَرَ قَوْلَ ابن رَوَاحَةَ، فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ

стр. 1387

الشِّعْرَ مَحْمُودُ إِذَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ البَاطِلُ وَمَا لَا يَجُوزُ. * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ دَلِيلٌ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ يُنْجِي مِنَ النَّارِ. وَقَوْلُهُ: (تَعَارَّ)، قَالَ صَاحِبُ العَيْنِ (١): التَّعَارُ: السَّهَرُ وَالتَّقَلُّبُ عَلَى الفِرَاشِ لَيْلًا مَعَ كَلَامٍ، أُخِذَ مِنْ عِرَارِ الظَّلِيمِ وَهُوَ صَوْتُهُ. وَمِنْ بَابِ: المُدَاوَمَةِ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْر * فِيهِ عَائِشَةُ ﵂ (٢). هَذَا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ رَكْعَتَي الفَجْرِ، وَأَنَّهُمَا مِنْ أَشْرَفِ التَّطَوُّعِ، لِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَيْهِمَا. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: (مَا رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يُسْرِعُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ إِسْرَاعَهُ إِلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ) (٣). وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: (لَا تَدَعْ رَكْعَتَي الفَجْرِ وَلَوْ طَرَقَتْكَ الخَيْلُ) (٤). وَمِنْ بَابِ: الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَي الفَجْرِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٥).

стр. 1388

وَمِمَّنْ كَانَ يَفْعَلُهَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، وَرَافِعُ بنُ خَدِيجٍ (١). قالَ العُلَمَاءُ (٢): هَذِهِ الضِّجْعَةُ إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهَا ﷺ لِلرَّاحَةِ مِنْ تَعَبِ القِيَام. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٣): اضْطِجَاعُهُ ﵇ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ إِنَّمَا كَانَ أَحْيَانًا. وَمِنْ بَابِ: [مَنْ] (٤) تَحَدَّثَ بَعْدَ رَكْعَتَي الفَجْرِ وَلَمْ يَضْطَجِعُ * حَدِيثُ [١٤٥] عَائِشَةَ ﵂: (إِنْ كُنْتُ (٥) مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤَذَّنَ بِالصَّلَاةِ) (٦). هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الضِّجْعَةَ إِنَّمَا كَانَت لِلرَّاحَةِ، فَمَنْ شَاءَ فَعَلَهَا، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهَا، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهَا ﷺ إِذَا عَدِمَ التَّحَدُّثَ مَعَهَا لِيَسْتَرِيحَ مِنْ تَعَبِ القِيَامِ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الكَلَامِ بَعْدَ رَكْعَتَي الفَجْرِ: فَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ رُبَّمَا تَكَلَّمَ بَعْدَ رَكْعَتَي الفَجْرِ (٧)، [وَكَرِهَ الكُوفِيُّونَ الكَلَامَ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ] (٨) إِلَّا بِخَيْرٍ. وَكَانَ مَالِكٌ يَتَكَلَّمُ فِي العِلْمِ بَعْدَ رَكْعَتَي الفَجْرِ، فَإِذَا سَلَّمَ مِنَ الصُّبْحِ لَمْ يَتَكَلَّمْ

стр. 1389

مَعَ أَحَدٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (رَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ رَجُلًا يُكلَّم آخَرَ بَعْدَ رَكْعَتَي الفَجْرِ، فَقَالَ: (إِمَّا أَنْ تَذْكُرَ اللَّهَ، وَإِمَّا أَنْ تَسْكُتَ) (١). وَاخْتَلَفُوا فِي التَّنَفُّلِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ: فَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ الصَّلَاةَ بَعْدَ الفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَي الفَجْرِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ (٢)، وَرُوِي عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَي الفَجْرِ) (٣). وَمِنْ بَابِ: مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى * فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ (٤)، .......................................

стр. 1390

وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ (١)، وَأَنَسٍ (٢). اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَيْفَ هُوَ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ مَثْنَى مَثْنَى، وَهَذَا قَوْلُ ابْن أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٍ (٣)، وَاللَّيْثِ (٤)، وَالشَّافِعِيِّ (٥). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٦): أَمَّا صَلَاةُ اللَّيْلِ فَإِنْ شِئْتَ صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شِئْتَ أَرْبَعًا، وَإِنْ شِئْتَ ثَمَانِيًا، وَكَرِهَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ (٧): أَمَّا صَلَاةُ النَّهَارِ، فَإِنْ شِئْتَ صَلَّيْتَ بِتَكبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ رَكْعَتَينِ، وَإِنْ شِئْتَ أَرْبعًا، وَكَرِهُوا أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا. وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْل أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ أَرْبَعًا، ثُمَّ ثَلَاثًا) (٨).

стр. 1391

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: قَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ) (١). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: لَمْ نَجِدْ عَنْهُ أَنَّهُ أَبَاحَ أَنْ يُصَلَّى بِاللَّيْلِ بِتَكْبِيرَةٍ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَأَمَّا صَلَاةُ النَّهَارِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ لَا يُسَلِّمُ فِيهِنَّ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) (٢).

стр. 1392

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): وَمَا أَثْبَتَهُ البُخَارِيُّ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاتِهِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ يَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ إِذَا دَخَلَ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَفِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ المَسَاجِدَ لِلتَّنَفُّلِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ تَفْسِيرُ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ﵁، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ اتِّصَالَهُنَّ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، لَا أَنَّهُ لَا سَلَامَ بَيْنَهُنَّ. وَمِنْ بَابِ: الحَدِيثِ بَعْدَ رَكْعَتَي الفَجْرِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٢). قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): إِنَّهُمَا سُنَّةٌ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ (٤): لَيْسَنَا بِسُنَّةٍ، وَقَدْ عَمِلَ بِهَا المُسْلِمُونَ، وَلَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا. وَحُجَّةُ مَنْ جَعَلَهَا سُنَّةٌ: مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِمَا، وَشِدَّهُ تَعَاهُدِهِ لَهَمَا، وَأَنَّ النَّوَافِلَ تَصِيرُ سُنَّةً بِذَلِكَ، وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُسَمِّهَا سُنَّةً قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂: (لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَيْهِمَا) (٥)، فَجَعَلَتْهُمَا مِنْ جُمْلَةِ النَّوَافِلِ.

стр. 1393

وَمِنْ بَابِ: مَا يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَي الفَجْرِ * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (١). قَالَ قَوْمٌ: يُخَفِّفُ القِرَاءَةَ فِي رَكْعَتَي الفَجْرِ، يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٢): لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ مَعَ أُمِّ القُرْآنِ سُورَةً قَصِيرَةً، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٣). وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ (٤): لَا بَأْسَ أَنْ يُطِيلَ القِرَاءَةَ فِيهِمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): رُبَّمَا قَرَأْتُ فِي رَكْعَتَي الفَجْرِ حِزْبَيْنِ مِنَ القُرْآنِ. وَمِنْ بَابِ: التَّطَوُّعِ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ ﵁ (٦). قَوْلُهُ: (سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ) أَرَادَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنِ الرُّكُوعِ بِالسُّجُودِ، وَفِي حَدِيثِ الكُسُوفِ: (رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ) (٧)، أَيْ: فِي رَكْعَةٍ.

стр. 1394

وَتَطَوُّعُهُ بِهَذِهِ النَّوَافِلِ قَبْلَ الفَرَائِضِ وَبَعْدَهَا، لِأَنَّ أَفْضَلَ الْأَوْقَاتِ أَوْقَاتُ صَلَوَاتِ الفَرِيضَةِ، وَفِيهَا تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيُقْبَلُ العَمَلُ الصَّالِحُ. وَأَمَّا التَّنَفُّلُ قَبْلَ العَصْرِ، فَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُصَلِّي أَرْبَعًا، ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (١). وَبَعْضُهُمْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (٢): كَانُوا يَرْكَعُونَ الرَّكْعَتَينِ قَبْلَ العَصْرِ، وَلَا يَرَوْنَهَا مِنَ السُّنَّةِ. وَمِمَّنْ كَانَ لَا يُصَلِّي قَبْلَهَا شَيْئًا سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وَقَتَادَةُ (٣). وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٤): الفَضْلُ فِي التَّنْفُّلِ قَبْلَ العَصْرِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، لِحَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ (٥).

стр. 1395

وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: (فَأَمَّا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فَفِي بَيْتِهِ) (١)، رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ السَّلَفِ كَانُوا يَرْكَعُونَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بُيُوتِهِمْ. وَقَالَ العَبَّاسُ بنُ سَهْلِ بن سَعْدٍ (٢): (أَدْرَكْتُ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، وَإِنَّهُ يُسَلِّمُ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَمَا أَرَى رَجُلًا وَاحِدًا يُصَلِّيهِمَا فِي المَسْجِدِ، كَانُوا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ). وَقَالَ مَالِكٌ (٣): التَّنَفُّلُ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ شَأْنُ النَّاسِ فِي النَّهَارِ، وَبِاللَّيْلِ فِي بُيُوتِهِمْ. قِيلَ (٤): إِنَّمَا كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يَرَى جَاهِلٌ عَالِمًا يُصَلِّيهَا فِيهِ، فَيَرَاهَا فَرِيضَةً، أَوْ كَرَاهَةَ أَنْ يُخْلِيَ مَنْزِلَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، أَوْ حَذَرًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ رِيَاءٍ، فَإِذَا سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي المَسْجِدِ حَسَنَةٌ. وَمِنْ بَاب: مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ * فِيه (٥) حَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ (٦). السُّنَّةُ عِنْدَ جَمِيع الصَّلَوَاتِ تَرْكُ التَّنَفُّلِ، قِيلَ: أَرَادَ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَ أُمَّتَهُ أَنَّ التَّطَوُّعَ لَيْسَ بِلَازِمٍ لَا يَسَعُ تَرَكُهُ.

стр. 1396

وَمِنْ بَاب: صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَر * فِيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ ﵁ (١). رَوَاهُ مُوَرِّقٌ (٢)، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ هَذَا البَابِ، وَإِنَّمَا يَلِيقُ بِالبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى (٣) فَلَا حُجَّةَ فِيهِ تَرُدُّ [مَا] (٤) رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى وَأَمَرَ بِصَلَاتِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ عِلْمُ مِثْلِ هَذَا عَنْ كَثِيرٍ وَيُوجَدَ عِنْدَ الأَقَلِّ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي السَّفَرِ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ) (٥)، فَإِذَا جَازَتْ فِي السَّفَرِ فَالحَضَرُ أَوْلَى بِذَلِكَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي عَدَدِ صَلَاةِ الضُّحَى أَحَادِيثُ لَيْسَ مِنْهَا حَدِيثٌ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ، لِأَنَّ مَنْ رَوَى أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا رَآهُ فِي حَالٍ فَعَلَ ذَلِكَ، وَرَاهُ غَيْرُهُ فِي حَالٍ أُخْرَى صَلَّى رَكْعَتَينِ، وَرَاهُ آخَرُ فِي حَالٍ أُخْرَى صَلَّاهَا ثَمَانِيًا، وَسَمِعَهُ آخَرُ يَحُثُ عَلَى

стр. 1397

أَنْ تُصَلَّى سِتًّا، وَآخَرُ عَلَى عَشْرٍ، وَآخَرُ عَلَى اثْنَي عَشَرَ، فَأَخْبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَمَّا رَأَى وَسَمِعَ (١). يَدُلُّ عَلَى صِحَةِ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا كُتِبَ مِنَ العَابِدِينَ، وَمَنْ صَلَّى سِتًّا لَمْ يَلْحَقْهُ ذَلِكَ اليَوْمَ ذَنْبٌ، وَمَنْ صَلَّى ثَمَانِيًا كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، وَمَنْ صَلَّى ثِنْتَي عَشْرَةَ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ) (٢). وَقَالَ مُجَاهِدٌ (٣): صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا الضُّحَى رَكْعَتَينِ، ثُمَّ يَوْمًا أَرْبَعًا، ثُمَّ يَوْمًا سِتًّا، ثُمَّ يَوْمًا ثَمَانِيًا، ثُمَّ تَرَكَ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ صَلَّى مَنْ أَرَادَ مَا أَرَادَ مِنَ العَدَدِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (٤): سَأَلَ رَجُلٌ الْأَسْوَدَ كَمْ أُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: كَمْ شِئْتَ.

стр. 1398

بَابُ: مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ (١)، وَحَدِيثُ مُوَرِّقٍ (٢) الْمَذْكُورِ فِي البَابِ قَبْلَ هَذَا، مَوْضِعُهُ هَا هُنَا. وَأَخَذَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَرَوا صَلَاةَ الضُّحَى، وَقَالَ ابن عُمَرَ (٣): (مَا ابْتَدَعَ الْمُسْلِمُونَ بِدْعَةٌ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى). وَسُئِلَ أَنَسٌ عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى فَقَالَ (٤): (الصَّلَوَاتُ خَمْسٌ). وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ [الَّتِي] (٥) صَلَّاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ أَجْلِ الفَتْحِ، وَهِيَ سُنَّةُ الفَتْحِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ (٦): لَمَّا فَتَحَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ ﵁[الحِيرَةَ] (٧) صَلَّى صَلَاةَ الفَتْح

стр. 1399

ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَمْ يُسَلِّمْ فِيهِنَّ، ثُمَّ انْصَرَفَ. وَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا يَدْفَعُ صَلَاةَ الضُّحَى لِتَوَاتُرِ الرِّوَايَاتِ بِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِعْلِ السَّلَفِ بَعْدَهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي (١): كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُحَافِظُوا عَلَيْهَا كَالمَكْتُوبَةِ، فَيُصَلُّون وَيَدَعُونَ. وَقَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ (٢): إِنِّي أَدَعُ صَلَاةَ الضُّحَى وَأَنَا أَشْتَهِيهَا مَخَافَةَ أَنْ أَرَاهَا حَتْمًا عَلَيَّ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِ مَنْ نَفَى صَلَاةَ الضُّحَى، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى) (٣) حُجَّةٌ، لأَنَّهَا أَخْبَرَتْ بِمَا عَلِمَتْ، وَصَدَقَتْ، وَأَخْبَرَ غَيْرُهَا بِمَا عَلِمَ فَصَدَقَ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمُضَادٍّ لِمَا خَالَفَهُ، لأَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَمْ أُصَلِّهَا وَلَا أُصَلِّيهَا، وَإِذَا أَمْكَنَ الجَمْعُ بَيْنَ أَحَادِيثِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا، بِحَمْلِ قَوْلِهَا: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى) (٤) يَعْنِي: مُعْلِنًا بِهَا، لأَنَّهُ [يَجُوزُ] (٥) أَنْ يُصَلِّيهَا بِحَيْثُ لَا تَرَاهُ، وَكَانَ

стр. 1400

مَذْهَبُ السَّلَفِ الاسْتِتَارَ بِهَا، وَتَرْكَ إِظْهَارِهَا لِلْعَامَّةِ لِئَلَّا يَرَوْهَا وَاجِبَةً. وَفِي قَوْلِهَا: (وَإِنَّنِي لأُسَبِّحُهَا) دَلِيلٌ أَنَّهَا صَلَاةٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، مَرْغُوبٌ فِيهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: (لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مِنْ قَبْرِهِمَا مَا تَرَكْتُهَا) (١) فَالْتِزَامُهَا لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ عِنْدَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِنْ بَاب: صَلَاةِ الضُّحَى فِي الحَضَرِ * فيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢)، وَأَنَسٍ (٣). فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّرْغِيبُ فِي صَلَاةِ الضُّحَى، وَالحَضُّ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَا يُوصِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى عَمَلٍ إِلَّا وَلَهُ فِي فِعْلِهِ جَزِيلُ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ.

стр. 1401

وَمِنْ بَابِ: الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ (١)، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ (٢) ﵂. اخْتَلَفَتِ الأَحَادِيثُ فِي التَّنَفُّل قَبْلَ الظُّهْرِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ رَكَعَ أَرْبَعًا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ (٣): مِنَ السُّنَّةِ أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا. وَكِلَا الخَبَرَيْنِ صَحِيحٌ، فَمَنْ رَوَى أَرْبَعًا رَاهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِهِ. وَرَآهُ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَكُلٌّ حَسَنٌ. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ * فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ (٤)، وَعُقْبَةَ بن عَامِرٍ (٥). اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي التَّنَفُّلِ قَبْلَ المَغْرِبِ، فَأَجَازَتْهُ طَائِفَةٌ، وَكَرِهَتْهُ طَائِفَةٌ. قَالَ أَنَسٌ: (رَأَيْتُهُمْ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِي فَيُصَلُّونَ) (٦). وَكَانَ الحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ يَرْكَعَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ (٧)، ................

стр. 1402

وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ (١) وَإِسْحَاقَ (٢). وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (٣): لَمْ يُصَلِّ الرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ، وَلَا عُثْمَانُ ﵃. وَمِنْ بَاب: صَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً * فِيهِ حَدِيثُ عِتْبَانَ بن مَالِكٍ (٤). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٥): حَدِيثُ عِتْبَانَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً. وَمِنْ بَابِ: التَّطَوُّعِ فِي البَيْتِ * فيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) (٦). شَبَّهَ البَيْتَ الَّذِي لَا يُصَلَّى فِيهِ بِالقَبْرِ الَّذِي لَا يُتَعَبَّدُ فِيهِ، وَشَبَّهَ النَّائِمَ اللَّيْلَ

стр. 1403

كُلَّهُ بِالْمَيِّتِ الَّذِي انْقَطَعَ مِنْهُ فِعْلُ الخَيْرِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): وَرَدَ الحَدِيثُ فِي النَّافِلَةِ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي البَيْتِ، كَانَ أَبْرَأَ مِنَ الرِّيَاءِ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ (مِنْ) زَائِدَةً، كَأَنَّهُ قَالَ: اجْعَلُوا صَلَاتَكُمُ النَّافِلَةَ فِي بُيُوتِكُمْ. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ لَا يَتَطَوَّعُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الجَمَاعَةِ لِجَمَاعَةٍ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّةَ الجَمَاعَةَ وَفَضْلَهَا. رُوِيَ (٢) أَنَّ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَعَلِيّ بنَ المَدِينِي اجْتَمَعُوا فِي دَارِ أَحْمَدَ، فَسَمِعُوا النِّدَاءَ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اخْرُجْ بِنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: خُرُوجُنَا إِلَى المَسْجِدِ إِنَّمَا هُوَ لِلْجَمَاعَةِ، وَنَحْنُ فِي جَمَاعَةٍ، فَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَصَلَّوا فِي البَيْتِ. وَمِنْ بَاب: فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ (٣)، وَأَبِي هُرَيْرَةَ (٤). الحَدِيثُ فِي النَّهْي عَنْ إِعْمَالِ الْمُطِيِّ، إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ العُلَمَاءِ فِيمَنْ نَذَرَ صَلَاةً [فِي مَسْجِدٍ] (٥) لَا يَصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِرَاحِلَةٍ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي بَلَدِهِ، إِلَّا أَنْ يَنْذِرَ ذَلِكَ
следующие страницы →