← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1399–1438 · переход к 1404.

стр. 1399

ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَمْ يُسَلِّمْ فِيهِنَّ، ثُمَّ انْصَرَفَ. وَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا يَدْفَعُ صَلَاةَ الضُّحَى لِتَوَاتُرِ الرِّوَايَاتِ بِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِعْلِ السَّلَفِ بَعْدَهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي (١): كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُحَافِظُوا عَلَيْهَا كَالمَكْتُوبَةِ، فَيُصَلُّون وَيَدَعُونَ. وَقَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ (٢): إِنِّي أَدَعُ صَلَاةَ الضُّحَى وَأَنَا أَشْتَهِيهَا مَخَافَةَ أَنْ أَرَاهَا حَتْمًا عَلَيَّ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِ مَنْ نَفَى صَلَاةَ الضُّحَى، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى) (٣) حُجَّةٌ، لأَنَّهَا أَخْبَرَتْ بِمَا عَلِمَتْ، وَصَدَقَتْ، وَأَخْبَرَ غَيْرُهَا بِمَا عَلِمَ فَصَدَقَ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمُضَادٍّ لِمَا خَالَفَهُ، لأَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَمْ أُصَلِّهَا وَلَا أُصَلِّيهَا، وَإِذَا أَمْكَنَ الجَمْعُ بَيْنَ أَحَادِيثِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا، بِحَمْلِ قَوْلِهَا: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى) (٤) يَعْنِي: مُعْلِنًا بِهَا، لأَنَّهُ [يَجُوزُ] (٥) أَنْ يُصَلِّيهَا بِحَيْثُ لَا تَرَاهُ، وَكَانَ

стр. 1400

مَذْهَبُ السَّلَفِ الاسْتِتَارَ بِهَا، وَتَرْكَ إِظْهَارِهَا لِلْعَامَّةِ لِئَلَّا يَرَوْهَا وَاجِبَةً. وَفِي قَوْلِهَا: (وَإِنَّنِي لأُسَبِّحُهَا) دَلِيلٌ أَنَّهَا صَلَاةٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، مَرْغُوبٌ فِيهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: (لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مِنْ قَبْرِهِمَا مَا تَرَكْتُهَا) (١) فَالْتِزَامُهَا لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ عِنْدَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِنْ بَاب: صَلَاةِ الضُّحَى فِي الحَضَرِ * فيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢)، وَأَنَسٍ (٣). فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّرْغِيبُ فِي صَلَاةِ الضُّحَى، وَالحَضُّ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَا يُوصِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى عَمَلٍ إِلَّا وَلَهُ فِي فِعْلِهِ جَزِيلُ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ.

стр. 1401

وَمِنْ بَابِ: الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ (١)، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ (٢) ﵂. اخْتَلَفَتِ الأَحَادِيثُ فِي التَّنَفُّل قَبْلَ الظُّهْرِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ رَكَعَ أَرْبَعًا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ (٣): مِنَ السُّنَّةِ أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا. وَكِلَا الخَبَرَيْنِ صَحِيحٌ، فَمَنْ رَوَى أَرْبَعًا رَاهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِهِ. وَرَآهُ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَكُلٌّ حَسَنٌ. وَمِنْ بَابِ: الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ * فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ (٤)، وَعُقْبَةَ بن عَامِرٍ (٥). اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي التَّنَفُّلِ قَبْلَ المَغْرِبِ، فَأَجَازَتْهُ طَائِفَةٌ، وَكَرِهَتْهُ طَائِفَةٌ. قَالَ أَنَسٌ: (رَأَيْتُهُمْ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِي فَيُصَلُّونَ) (٦). وَكَانَ الحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ يَرْكَعَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ (٧)، ................

стр. 1402

وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ (١) وَإِسْحَاقَ (٢). وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (٣): لَمْ يُصَلِّ الرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ، وَلَا عُثْمَانُ ﵃. وَمِنْ بَاب: صَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً * فِيهِ حَدِيثُ عِتْبَانَ بن مَالِكٍ (٤). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٥): حَدِيثُ عِتْبَانَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً. وَمِنْ بَابِ: التَّطَوُّعِ فِي البَيْتِ * فيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) (٦). شَبَّهَ البَيْتَ الَّذِي لَا يُصَلَّى فِيهِ بِالقَبْرِ الَّذِي لَا يُتَعَبَّدُ فِيهِ، وَشَبَّهَ النَّائِمَ اللَّيْلَ

стр. 1403

كُلَّهُ بِالْمَيِّتِ الَّذِي انْقَطَعَ مِنْهُ فِعْلُ الخَيْرِ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): وَرَدَ الحَدِيثُ فِي النَّافِلَةِ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي البَيْتِ، كَانَ أَبْرَأَ مِنَ الرِّيَاءِ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ (مِنْ) زَائِدَةً، كَأَنَّهُ قَالَ: اجْعَلُوا صَلَاتَكُمُ النَّافِلَةَ فِي بُيُوتِكُمْ. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ لَا يَتَطَوَّعُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الجَمَاعَةِ لِجَمَاعَةٍ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّةَ الجَمَاعَةَ وَفَضْلَهَا. رُوِيَ (٢) أَنَّ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَعَلِيّ بنَ المَدِينِي اجْتَمَعُوا فِي دَارِ أَحْمَدَ، فَسَمِعُوا النِّدَاءَ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اخْرُجْ بِنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: خُرُوجُنَا إِلَى المَسْجِدِ إِنَّمَا هُوَ لِلْجَمَاعَةِ، وَنَحْنُ فِي جَمَاعَةٍ، فَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَصَلَّوا فِي البَيْتِ. وَمِنْ بَاب: فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ (٣)، وَأَبِي هُرَيْرَةَ (٤). الحَدِيثُ فِي النَّهْي عَنْ إِعْمَالِ الْمُطِيِّ، إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ العُلَمَاءِ فِيمَنْ نَذَرَ صَلَاةً [فِي مَسْجِدٍ] (٥) لَا يَصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِرَاحِلَةٍ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي بَلَدِهِ، إِلَّا أَنْ يَنْذِرَ ذَلِكَ

стр. 1404

فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَعَلَيْهِ السَّيْرُ إِلَيْهَا. وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ فِي مَسَاجِدِ الصَّالِحِينَ وَالتَّبَرُّكَ بِهَا مُتَطَوِّعًا بِذَلِكَ (١)، فَمُبَاحٌ لَهُ قَصْدُهَا بِإِعْمَالِ الْمُطِيِّ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ بَصْرَةَ بْنِ أَبِي بَصْرَة (٢)، فَإِنَّمَا أَنْكَرَ بَصْرَةُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ خُرُوجَهُ إِلَى الطُّورِ، لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّتِي فِيهَا أَحَدُ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي أُمِرَ بِإِعْمَالِ المُطِيِّ إِلَيْهَا، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَمَسْجِدُهُ أَوْلَى بِالإِتْيَانِ. وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مُتَطَوِّعًا إِلَيْهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَنْ كَانَ بِالمَدِينَةِ فَنَذَرَ المَشْيَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ: فَقَالَ مَالِكٌ (٣): يَمْشِي وَيَرْكَبُ.

стр. 1405

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ المَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلِذَلِكَ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): يَمْشِي إِلَى مَسْجِدِ المَدِينَةِ وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِذَا نَذَرَ ذَلِكَ، وَلَا يَتَبَيَّنُ لِي وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، لأَنَّ البِرَّ بِإِتْيَانِ بَيْتِ [الله] (٣) فَرْضٌ، وَالبِرَّ بِإِتْيَانِ هَذَيْنِ نَافِلَةٌ. وَقَالَ ابن الْمُنْذِرِ (٤): مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَالْمَسْجِدِ الحَرَامِ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الوَفَاءَ بِهِ طَاعَةٌ. وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ مَشَى إِلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ مَشَى إِلَى الْمَسْجِدِ الحَرَامِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّي فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، قَالَ: صَلِّ هَا هنا) (٥).

стр. 1406

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ فَصَلَّى فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يُجْزِئْهُ، لِأَنَّهُ صَلَّى فِي مَكَانٍ لَيْسَ لَهُ مِنَ الفَضْلِ مَا لِلْمَكَانِ الَّذِي أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ الصَّلَاةَ. وَمِنْ بَاب: مَسْجِدِ قُبَاءَ * فِيهِ حَدِيثُ ابن عُمَرَ (١): (قُبَاءَ): إِنْ جَعَلْتَهُ اسْمَ مَوْضِعٍ انْصَرَفَ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ اسْمَ بُقْعَةٍ لَا يَنْصَرِفُ. قيلَ (٢): إِتْيَانُ النَّبِيِّ ﷺ مَسْجِدَ قُبَاءَ يَدُلُّ أَنَّهَا مِنَ المَسَاجِدِ الَّتِي لَا بَأْسَ أَنْ تُؤْتَى مَاشِيًا وَرَاكِبًا، وَلَا يَكُونُ فِيهِ مَا نُهِيَ أَنْ تُعْمَلَ الْمُطِيُّ إِلَيْهِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى (٣): فَقِيلَ: هُوَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ

стр. 1407

مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ. وَمِنْ بَاب: فَضْلِ مَا بَيْنَ القَبْرِ وَالْمِنْبَرِ * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن زَيْدٍ: (مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ) (١). قيل (٢): يَعْنِي الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ ﷺ ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِذَا قَالَ قَائِلٌ: فُلَانٌ فِي بَيْتِهِ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ بَيْتَهُ الَّذِي يَسْكُنُهُ. وَقِيلَ: بَيْتُهُ فِي هَذَا الحَدِيثِ هُوَ قَبْرُهُ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ: (مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي) (٣).

стр. 1408

وَإِذَا كَانَ قَبْرُهُ فِي بَيْتِهِ فَالرِّوَايَةُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا صَحِيحَةٌ، لأَنَّ مَعَانِيهَا مُتَّفِقَةٌ، وَبَيْتُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بَيْتُهُ الَّذِي فِيهِ قَبْرُهُ، وَحُجْرَتُهُ الَّتِي فِيهَا قَبْرُهُ، وَقَدْ رُوِيَ: (مَا بَيْنَ حُجْرَتِي وَمِنْبَرِي) (١). وَالرَّوْضَةُ فِي كَلَامِ العَرَبِ: الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ، فِيهِ النَّبْتُ وَالعُشْبُ. وَإِنَّمَا عَنَى ﵇ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لِلْمُصَلِّي فِيهِ وَالذَّاكِرِ اللَّهَ عِنْدَهُ، وَالعَامِلِ بِطَاعَتِهِ كَالعَامِلِ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَقُودُ إِلَى الجَنَّةِ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ يُسْمَعُ فِيهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ يَقُودُ إِلَيْهَا أَيْضًا، كَمَا قَالَ ﷺ : (ارْتَعُوا فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ) (٢)، جَعَلَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فِي شَرَفِهَا وَفَضْلِهَا بِمَنْزِلَةِ

стр. 1409

رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَجَعَلَ الذَّاكِرَ الله فِيهَا كَالرَّاتِعَ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ. وَكَمَا قَالَ: (الجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ) (١)، أَيْ: إِنَّهُ عَمَلٌ يُوصِلُ إِلَى الجَنَّةِ، وَكَمَا قَالَ ﷺ : (الأُمُّ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ) (٢)، أَيْ: إِنَّ بِرَّهُ بِهَا وَدُعَاءَهَا لَهُ يُوصِلُهُ إِلَى الجَنَّةِ، وَتَسْمِيَةُ الشَّيْء بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ، وَيَتَوَلَّدُ عَنْهُ مَعْرُوفٌ فِي لِسَانِ العَرَب. وَقَوْلُهُ: (وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي)، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللهُ يُعِيدُ ذَلِكَ الْمِنْبَرَ بِعَيْنِهِ فَيَكُونُ عَلَى حَوْضِهِ، وَيَحْتَمِلُ: وَلِي أَيْضًا مِنْبَرُ عَلَى حَوْضِي أَدْعُو النَّاسَ عَلَيْهِ إِلَى الحَوْضِ.

стр. 1410

وَمِنْ بَابِ: اسْتِعَانَةِ اليَدِ فِي الصَّلَاةِ هَذَا البَابُ هُوَ مِنْ بَابِ العَمَلِ فِي الصَّلَاةِ، وَيَسِيرُهُ مَعْفُوٌّ [عَنْهُ] (١) عِنْدَ العُلَمَاء. وَالاسْتِعَانَةُ بِاليَدِ فِي الصَّلَاةِ فِي هَذَا الحَدِيثِ (٢) هِيَ وَضْعُ النَّبِيِّ ﷺ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وَفَتْلُهُ أُذُنَهُ، فَاسْتَنبَطَ البُخَارِيُّ مِنْهُ اسْتِعَانَةَ الْمُصَلِّي بِمَا يَتَقَوَّى [به] (٣) عَلَى صَلَاتِه. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الاعْتِمَادِ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّوَكُّؤِ عَلَى الشَّيْءِ، فَذَكَرَ البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَسْتَعِينَ فِي الصَّلَاةِ بِمَا شَاءَ مِنْ جَسَدِهِ. وَقَالَ عَطَاءُ (٤): كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَتَوَكَّؤُونَ عَلَى العِصِيِّ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ الحَسَنُ (٥): لَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الحَائِطِ فِي المَكْتُوبَةِ إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ، وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا فِي النَّافِلَةِ (٦).

стр. 1411

وَقَالَ مُجَاهِدٌ (١): إِذَا تَوَكَّأَ عَلَى الحَائِطِ يَنْقُصُ مِنْ صَلَاتِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ. وَقَوْلُ (٢) البُخَارِيِّ: (إِلَّا أَنْ يَحُكَّ جِلْدًا، أَوْ يُصْلِحَ ثَوبًا) يَعْنِي أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ. وَمِنْ بَابِ: مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ الكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ * حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ ﵁ (٣)، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (٤). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٥): الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ، [فَوَاجِبٌ] (٦) عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقْطَعَ مُنَاجَاتَهُ بِكَلَام، وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَى رَبَّهُ وَيَلْزَمَ الخُشُوعَ، وَيُعْرِضَ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: (إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا) (٧). وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٨)، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: القُنُوتُ: الطَّاعَةُ وَالخُشُوعُ للهِ ، وَالكَلَامُ مُنَافٍ لِلْخُشُوعِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ.

стр. 1412

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (١): تَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ أَنَّ قُدُومَ ابن مَسْعُودٍ ﵁ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ لَمْ يَرُدَّ ﵇، وَقَالَ لَهُ: (إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغلًا) كَانَ بِمَكَّةَ، وَقِصَةُ ذِي اليَدَيْنِ رَوَاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ (٢)، وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَكَيْفَ يَنْسَخُ الأَوَّلُ الآخر؟ فَإِنْ قِيلَ: فَحَدِيثُ زَيْدِ بن أَرْقَمَ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَمْ يَصْحَبِ النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، وَسُورَةُ البَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ؟ قِيلَ: لَا تَارِيخَ عِنْدَنَا يُعْلَمُ بِهِ أَيُّ الحَدِيثَيْنِ كَانَ قَبْلَ صَاحِبِهِ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ؛ لَمْ يُقْضَ بِالنَّسْخِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَقَوْلُهُ: (كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ) يَدُلُّ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الكَلَامِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ دُونَ مَا كَانَ مِنَ الكَلَامِ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ وَمَصْلَحَتِهَا، هَذَا حُجَّةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَالُوا: ثَبَتَ بِحَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ جَوَازُ الكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ لِمَصْلَحَتِهَا. وَمِنْ بَابِ: مَا يَجُوزُ مِنَ التَّسْبِيحَ وَالحَمْدِ فِي الصَّلَاةِ لِلرِّجَالِ * فِيهِ حَدِيثُ سَهْل بن سَعْدٍ (٣). فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَإِنْ غَابَ الإِمَامُ الفَاضِلُ، فَإِنْ مُبَادَرَتَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَاسْتِخْلَافَهُمْ أَوْلَى مِنِ انْتِظَارِ الْإِمَامِ الْفَاضِلِ.

стр. 1413

وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ جَمَاعَةً لِصَلَاةٍ وَلَا غَيْرِهَا إِلَّا عَنْ رِضَى الجَمَاعَةِ، لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁: (نَعَمْ إِنْ شِئْتُمْ)، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ بَعْدَ رَسُولِ الله ﷺ . وَفِيهِ: أَنَّ الإِقَامَةَ إِلَى الْمُؤَذِّنِ، وَهُوَ أَوْلَى بِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالكُوفِيُّونَ (٢): لَا بَأْسَ بِأَذَانِ الْمُؤَذِّنِ وَإِقَامَةِ غَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: (مَا لِي أَرَاكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ)، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ جَائِزٌ عِنْدَمَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ حَاجَةٍ تَنُوبُهُمْ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَمَالِكٌ (٤) أَنَّ مَنْ سَبَّحَ فِي صَلَاتِهِ لِشَيْءٍ يَنُوبُهُ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): إِنْ سَبَّحَ أَوْ حَمِدَ الله جَوَابًا لإِنْسَانٍ فَهُوَ كَلَامٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ ابْتِدَاءً لَمْ يَقْطَعْ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، لَيْسَ بِكَلَامٍ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : (إِذَا سَبَّحَ الْتَفَتَ إِلَيْهِ)، فَهِمَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ

стр. 1414

أَنَّهُمْ إِذَا سَبَّحُوا بِالإِمَامِ وَلَمْ يَفْهَمْ عَنْهُمْ أَنْ يُكْثِرُوا ذَلِكَ حَتَّى يَفْهَمَ، وَلَوْ لَمَ يَكُنِ التَّسْبِيحُ عَلَى نِيَّةِ إِعْلَامِ السَّاهِي، مَا رَدَّدُوهُ حَتَّى فَهِمَ. وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَجْلِ التَّسْبِيحِ. وَفِيهِ: أَنَّ الالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ [لَا يَقْطَعُهَا] (١). وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْمَشْيِ إِلَى الصَّفِ الأَوَّلِ لِمَنْ يَصْلُحُ أَنْ يُلَقِّنَ الإِمَامَ مَا تَعَايَا (٢) عَلَيْهِ مِنَ القِرَاءَةِ، وَمَنْ يَصْلُحُ لِلاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاةِ. وَفِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الفَتْحِ عَلَى الإِمَامِ، وَتَلْقِينِهِ إِذَا أَخْطَأَ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَمَالِكٌ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٦): إِنْ كَانَ التَّسْبِيحُ جَوَابًا قَطَعَ الصَّلَاةَ، قَالُوا: لِأَنَّ التَّلْقِينَ كَلَامٌ، فَإِنْ كَانَ مِنْ مُرُورٍ إِنْسَانٍ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمْ يَقْطَعْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ (٧): لَا يَقْطَعُ وَإِنْ كَانَ جَوَابًا.

стр. 1415

قَالَ الطَّحَاوِيُّ (١): لَمَّا كَانَ التَّسْبِيحُ لِمَا يَنُوبُهُ فِي صَلَاتِهِ مُبَاحًا، فَفَتْحُهُ عَلَى الإِمَامِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا. وَقَالَ الكُوفِيُّونَ (٢): التَّلْقِينُ كَلَامٌ؛ لَا قِرَاءَةٌ لِلْقُرْآنِ. وَقَوْلُهُ: (فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيح): التَّصْفِيقِ، وَمِنْهُ الْمُصَافَحَةُ فِي السَّلَامِ، وَصَفْحَةُ الوَجْهٍ: أَحَدُ جَانِبَيْهِ. وَأَصْلُ التَّصْفِيقِ: الضَّرْبُ، وَفِي الحَدِيثِ: (أَنَّ أَكْبَرَ الكَبَائِرِ أَنْ تُقَاتِلَ أَهْلَ صَفْقَتِكَ) (٣)، وَفِي الحَدِيثِ: (صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ رِبًا) (٤)، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْبَيْعَةِ صَفْقَةٌ لِضَرْبِ اليَدِ عَلَى اليَدِ عِنْدَ عَقْدِ البَيْعِ. وَقَوْلُهُ: (أَهْلُ صَفْقَتِكَ) يَعْنِي: بَيْعَةَ الإِمَامِ.

стр. 1416

قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ (١): صَفْقَا العُنُقِ جَانِبَاهُ، وَكُلُّ نَاحِيَةٍ صَفْقٌ، وَانْصَفَقَ الشَّيْءُ: اضْطَرَبَ، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ. وَقَالَ (٢): صَفَحُ الشَّيْء: عُرْضُهُ، وَصَفْحَنَا السَّيْفِ: وَجْهَاهُ، وَالصُّفَّاحُ: الحَجَرُ العَرِيضُ، وَصَفْحَا كُلِّ شَيْءٍ: جَانِبَاهُ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ سَمَّى قَوْمًا، أَوْ سَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ * فِيهِ حَدِيثُ ابن مَسْعُودٍ ﵁ (٣). مَعْنَى هَذَا البَابِ أَنَّهُ يَجُوزُ الكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مِنْ شَأْنِهَا، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ: (اللَّهُمَّ أَنْج المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فَهُوَ مِنَ الكَلَامِ الَّذِي يُرْجَى نَفْعُهُ. وَقَوْلُ البُخَارِيِّ: (مَنْ سَمَّى قَوْمًا) يُرِيدُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ أَوَّلًا مِنْ مُوَاجَهَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَمُخَاطَبَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا التَّشَهُّدِ، أَرَادَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِإِعَادَةِ تِلْكَ الصَّلَاةِ، عُلِمَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا جَاهِلا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ) أَيْ: لَا يَعلَمُ الْمُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْمَعُ السَّلَامَ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٤): لَمَّا كَانَ خِطَابُ النَّبِيِّ ﷺ حَيًّا وَمَيِّتًا مِنْ بَابِ

стр. 1417

الخُشُوعِ، وَمِنْ أَسْبَابِ الصَّلَاةِ المَرْجُوِّ بَرَكَتُهَا، لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكَ)، كَخِطَابِ الْمُصَلِّي لِغَيْرِهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ تَسْمِيتَهُمْ لِلنَّاسِ بِأَسْمَائِهِمْ، لأَنَّ ذَلِكَ يَطُولُ عَلَى الْمُصَلِّي، هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الكَلَامَ عَمْدًا فِي أَسْبَابِ الصَّلَاةِ جَائِزٌ (١). وَمِنْ بَابِ: التَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢)، وَسَهْلٍ (٣). قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: أَدَبُ الْمَرْأَةِ فِي الصَّلَاةِ التَّصْفِيقُ، وَأَدَبُ الرَّجُلِ التَّسْبِيحُ، عَلَى ظَاهِرِ الحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٤)، وَأَحْمَدَ (٥). وَقَالَ مَالِكٌ (٦): التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيُّ (٧): إِنَّمَا كُرِهَ التَّسْبِيحُ لِلنِّسَاءِ لأَنَّ صَوْتَ الْمَرْأَةِ فِتْنَةٌ، وَلِهَذَا مُنِعَتْ مِنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ وَالجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ.

стр. 1418

قَالَ أَهْلُ الفِقْهِ: التَّصْفِيقُ ضَرْبُ اليَدِ عَلَى اليَدِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: صَفَقْتَ يَدَهُ بِالبَيْعَةِ: إِذَا ضَرَبْتَ يَدَكَ عَلَى يَدِهِ، وَصَفَقَ الطَّائِرُ بِجَنَاحَيْهِ: ضَرَبَ بِهِمَا. وَمِنْ بَاب: مَنْ رَجَعَ القَهْقَرَى فِي صَلَاتِهِ * فِيهِ حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (١). وَهَذَا البَابُ أَيْضًا مِنْ بَابِ العَمَلِ اليَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ. وَفِيهِ: أَنَّ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخَّرَ جَائِزٌ لِمَا يَنْزِلُ بِالْمُصَلِّي، وَجَوَازُ اسْتِمَاعِ الْمُصَلِّي إِلَى مَنْ يُخْبِرُهُ بِهِ لَمَّا أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ: أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا دَعَتِ الأُمُّ وَلَدَهَا فِي الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ جُرَيْجٍ (٢). البَابُوسُ: الصَّبِيُّ الرَّضِيعُ بِالفَارِسِيَّةِ (٣)، وَقَدْ وَرَدَ فِي الشِّعْرِ هَذِهِ الكَلِمَةُ. [مِنَ البَسِيط] حَنَّتْ قُلُوصِي إِلَى بَابُوسِهَا جَزَعًا (٤) … ....................

стр. 1419

في هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ مَمْنُوعًا عَنْهُ فِي شَرِيعَةِ جُرَيْجٍ، فَلَمَّا لَمْ يُجْبِهَا اسْتُجِيبَ دُعَاءُ أَمِّهِ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ الكَلَامُ فِي شَرِيعَتِنَا مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١). قِيلَ: لَا يَجُوزُ بَعْدَ نَسْحَ الكَلَامِ إِذَا دَعَتْهُ أُمُّهُ أَنْ يُجِيبَهَا وَيَقْطَعَ صَلَاتَهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ : (لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ) (٢)، وَحَقُّ اللهِ فِيمَا شَرَعَ أَلْزَمُ مِنْ حَقِّ الأَبَوَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ العُلَمَاءَ يَسْتَحِبُّونَ لَهُ أَنْ يُخَفِّفَ صَلَاتَهُ، وَيُجِيبَ أَبَوَيْهِ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ مَنْ أَخَذَ بِالشِّدَّةِ فِي أَمْرِ العِبَادَاتِ كَانَ أَفْضَلَ إِذَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ جُرَيْجًا رَعَى حَقَّ اللهِ فِي الْتِزَامِ الخُشُوعِ لَهُ فِي صَلَاتِهِ، وَفَضَّلَهُ عَلَى الاسْتِجَابَةِ لأُمِّهِ، فَعَاقَبَهُ اللهُ عَلَى مَا تَرَكَ مِنَ الاسْتِجَابَةِ لَهَا بِمَا ابْتَلَاهُ بِهِ مِنِ ادِّعَاءِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرَاهُ فَضْلَ مَا آثَرَهُ مِنِ الْتِزَامِ الخُشُوعِ أَنْ جَعَلَ لَهُ آيَةً فِي كَلَام الطَّفْل، فَخَلَّصَهُ بِهَا مِنْ مِحْنَةِ دَعْوَةِ أُمِّهِ عَلَيْهِ. وَفِي هَذَا الحَدِيثِ: إِجَابَةُ دَعْوَةِ الوَالِدَةِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.

стр. 1420

وَقَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي): [سَأَلَهُ] (١) أَنْ يُلْقِيَ فِي قَلْبِهِ الْأَفْضَلَ، فَحَمَلَهُ عَلَى أَوْلَى الْأَمْرَيْنِ بِهِ، حَمَلَهُ عَلَى الْتِزَامِ مُرَاعَاةِ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى حَقِّ أُمِّهِ. قِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جُريْجُ نَبِيًّا، لأَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنٍ يُمْكِنُهُ فِيهِ النُّبُوَّةُ. قَالَ ابن السِّكِّيتِ (٢): الْمُومِسَةُ: البَغِيُّ، وَالْمَيَامِسُ: جَمْعٌ. وَمِنْ بَابِ: مَسْحِ الحَصَى فِي الصَّلَاةِ قَوْلُهُ: (إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً) (٣) يُرِيدُ تَقْلِيلَ العَمَلِ فِي الصَّلَاةِ، وَكَلَ الأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَمَانَةِ المُصَلِّي. قَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ (٤): مَسْحُ الحَصَى مَرَّةً وَاحِدَةً، وَتَرْكُها خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ. وَمِنْ بَاب: بَسْطِ التَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ لِلسُّجُودِ أَمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالإِبْرَادِ مِنْ أَجْلِ الحَرِّ، وَلِئَلَّا يَلَحْقَ النَّاسَ مَشَقَّةٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَتَمَكَّنَ مِنَ السُّجُودِ وَلَا الْمُبَالَغَةِ فِيهِ لِشِدَّةِ حَرِّ الحِجَارَةِ، إِلَّا أَنْ يَتَّقِيَهُ بِثَوْبِهِ.

стр. 1421

وَمِنْ بَابِ: مَا يَجُوزُ مِنَ العَمَلِ فِي الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (١). قَوْلُهُ: (فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ فَدَعَتُّهُ) كَذَا فِي النُّسْخَةِ بِالدَّالِ غَيْرِ الْمَنْقُوطَةِ. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): فَذَعَتُهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: خَنَقْتُهُ. وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: كَانَ عِنْدَنَا رَجُلٌ يَشْتُمُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَرَأَى عُمَرَ فِي المَنَامِ فَذَعَّتَهُ ذَعْتَةً فَلَوَّثَ ثِيَابَهُ. وَقِيلَ: الذَّعْتُ: التَّمْرِيغُ فِي التُّرَابِ، وَكَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ بِالدَّالِ جَعَلَهُ مِنْ: دَعَعْتُهُ، ثُمَّ أَدْغَمَ العَيْنَ فِي التَّاءِ، فَقَالَ: دَعَتُّهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (٣) أَيْ: يَدْفَعُهُ بِعُنْفٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ (٤) أَيْ: يُدْفَعُونَ إِلَيْهَا بِعُنْفٍ، وَالصَّحِيحُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا انْفَلَتَتِ الدَّابَّةُ فِي الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ (٥)، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٦). قَالَ العُلَمَاءُ (٧): مَن انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَتْبَعُهَا.

стр. 1422

وَقَالَ مَالِكٌ (١) فِي مُسَافِرٍ انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ وَخَافَ عَلَيْهَا، أَوْ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ أَعْمَى أَنْ يَقَعَ فِي بِئْرٍ، أَوْ نَارٍ، أَوْ ذَكَرَ مَتَاعًا يَخَافُ أَنْ يَتْلَفَ، فَذَلِكَ عُذْرٌ يُبيحُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، وَلَا يُفْسِدُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ شَيْئًا. وَقَوْلُ أَبِي بَرْزَةَ لِلَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهِ: (شَهِدْتُ تَيْسِيرَ النَّبِيِّ ﷺ ، يَعْنِي تَيْسِيرَهُ عَلَى أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا مِنْ رَأْيِهِ دُونَ أَنْ يُشَاهِدَهُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ . وَقَوْلُهُ: (إِنِّي كُنْتُ أَرْجِعُ مَعَ دَابَّتِي) أَخْبَرَ أَنَّ قَطْعَهُ لِلصَّلَاةِ وَاتِّبَاعَهُ لِدَابَّتِهِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهَا تَرْجِعُ إِلَى مَكَانِ عَلْفِهَا، وَمَوْضِعِهَا فِي دَارِهِ، فَكَيْفَ إِنْ خَشِيَ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى دَارِهِ؟ فَهَذَا أَشَدُّ لِقَطْعِهِ لِلصَّلَاةِ وَاتِّبَاعِهِ لَهَا، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَشِيَ أَنْ يَتْلَفَ لَهُ حَالٌ أَوْ مَتَاعٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الصَّلَاةِ وَطَلَبُهُ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: (وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ) دَلَّ أَنَّ مَشْيَهُ إِلَى دَابَّتِهِ خُطى يَسِيرَةً نَحْوَ تَقَدُّمِهِ ﷺ إِلَى القِطْفِ. وَالقِطْفُ: بِالكَسْرِ: العُنْقُودُ، وَبِالفَتْح: مَصْدَرُ قَطَفْتُ، وَأَقْطَفَ الكَرْمُ: دَنَا قِطَافُهُ. وَ (عَمْرُو بنُ لُحَيٍّ) بِضَمِّ اللَّامِ، كَأَنَّهُ تَصْغِيرٌ لَحْيٌ، وَاللَّحِيُّ: عَظِيمُ الذَّقْنِ. وَفِي رِوَايَةٍ (٢): (ابن قَمَعَةٌ) بِفَتْحِ القَافِ وَالمِيمِ.

стр. 1423

وَقَوْلُهُ: (سَيَّبَ السَّوَائِبَ)، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ (١). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): سَيَّبْتُ الدَّابَّةَ: تَرَكْتُهَا تَسِيبُ حَيْثُ تَشَاءُ، وَالسَّائِبَةُ: العَبْدُ يُعْتَقُ وَلَا يَكُونُ وَلَاؤُهُ لِمُعْتِقِهِ، وَيَضَعُ (٣) مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ، وَ [هُوَ] (٤) الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّهْيُّ. وَ (مَأْلِفَهَا): حَيْثُ تَأْلَفُ مِنِ اصْطَبْلٍ وَغَيْرِهِ. وَفِي النُّسْخَةِ: (عَلَى جُرُفِ نَهْرٍ) فَهُوَ بِالجِيمِ الْمَضْمُومَةِ، وَالجُرُفُ: الْمَكَانُ يَأْكُلُهُ السَّيْلُ، وَالجُرُفُ بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْضًا. وَأَمَّا الحَرْفُ بِالحَاءِ فَمْعَنَاهُ الجَانِبُ. وَ (الحَرُورِيَّةُ) الخَوَارِجُ، نَزَلُوا مَوْضِعًا يُقَالُ لَهُ حَرُورَاءُ (٥) وَنُسِبُوا إِلَيْهِ. وَمِنْ بَابِ: مَا يَجُوزُ مِنَ البُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو (٦)،

стр. 1424

وَعَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ ﵄ (١). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي النَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ: فَكَرِهَتْهُ طَائِفَةٌ، وَلَمْ تُوجِبْ عَلَى مَنْ نَفَخَ إِعَادَةَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ (٢). وَقَالَ مَالِكٌ (٣): هُوَ بِمَنْزِلَةِ الكَلَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ يُسْمَعُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الكَلَامِ، وَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ (٤). قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٥): يَجُوزُ التَّنَخُّمُ وَالبُصَاقُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِي النَّفْخِ مِنَ النُّطْقِ بِالفَاءِ وَالأَلِفِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي البُصَاقِ بِالتَّاءِ وَالفَاءِ، وَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ [البُصَاقِ] (٦) فِي الصَّلَاةِ جَازَ النَّفْخُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ البُخَارِيُّ حَدِيثَ البُصَاقِ

стр. 1425

فِي هَذَا البَابِ، لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ النَّفْخِ. وَأَمَّا البُصَاقُ اليَسِيرُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ عَلَى اليَسَارِ أَوْ تَحْتَ القَدَمِ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ في الصَّلَاةِ كَمَا فِي الحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ نُطْقٍ بِحَرْفٍ مِثْلِ التَّاءِ وَالفَّاءِ اللَّتَيْنِ تُفْهَمَانِ مِنْ رَمْيِ البُصَاقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ النُّطْقِ، وَهُوَ خِلَافُ الخُشُوعِ. وَمِنْ بَابِ: إِذَا قِيلَ لَلْمُصَلِّي تَقَدَّمْ قِيلَ (١): التَّقَدُّمُ فِي هَذَا الحَدِيثِ هُوَ تَقَدُّمُ الرِّجَالِ بِالسُّجُودِ، لأَنَّ النِّسَاءَ إِذَا لَمَ يَرْفَعْنَ رُؤُوسَهُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا فَقَدْ تَقَدَمَهُنَّ الرِّجَالُ، وَصِرْنَ مُنتَظِرَاتٍ لَهُمْ. وَفِي هَذَا مِنَ الفِقْهِ جَوَازُ وُقُوعِ فِعْلِ الْمَأْمُومِ بَعْدَ الإِمَامِ بِمُدَّةٍ. وَفِيهِ جَوَازُ سَبْقِ المَأْمُومِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي الْأَفْعَالِ. وَقَوْلُهُ: (عَاقِدِي أُزُرِهِمُ) كَذَا فِي الأَصْلِ بِاليَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ: عَاقِدُو أُزُرِهُمْ بالوَاوِ. وَمِنْ بَابِ: لَا يَرُدُّ السَّلَامُ فِي الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ (٢). أَجْمَعَ العُلَمَاءُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَرُدُّ السَّلَامَ مُتَكَلِّمًا (٣)، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَرُدُّ

стр. 1426

بِالإِشَارَةِ؟ فَكَرِهَتْهُ طَائِفَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي (١)، وَأَحْمَدَ (٢). وَقَدْ ثَبَتَتِ الإِشَارَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ فِي آثَارٍ كَثِيرَةٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي السَّلَامِ عَلَى المُصَلِّي، فَكَرِهَهُ قَوْمٌ، وَرَخَّصَ فِيهِ قَوْمٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٣)، وَفَعَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٤). وَمِنْ بَابِ: رَفْعِ الأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ لِأَمْرِ يَنْزِلُ * فيهِ حَدِيثُ سَهْلِ بن سَعْدٍ: (فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ) (٥) بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ. وَمِنْ بَابِ: الخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا) (٦). قِيلَ: هُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خَاصِرَتَيْهِ، قَالَ ابن عُمَرَ: (هَذَا الصَّلْبُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهُ) (٧).

стр. 1427

وَقَالَ حُمَيدُ بنُ هِلَالٍ (١): إِنَّمَا كُرِهَ التَّخَصُّرُ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّ إِبْلِيسَ أُهْبِطَ مختصرًا. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٢) إِنَّمَا [كُرِهَ] (٣) الخَصْرُ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ فِعْلُ الْمُخْتَالِينَ، وَفِيهِ مَعْنَى الكِبْرِ. وَمِنْ بَابِ: تَفَكُّرِ الرَّجُلِ فِي الشَّيْءِ * فِيهِ حَدِيثُ عُقْبَةَ بن الحَارِثِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ تِبرًا عِنْدَنَا) (٤). الفِكْرُ فِي الصَّلَاةِ أَمْرٌ غَالِبٌ لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ لِمَا جَعَلَ اللهُ لِلشَّيْطَانِ مِنَ السَّبِيلِ إِلَى مَا يَشْغَلُ بِهِ المَرْءَ عَنْ صَلَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (لَا أَدْرِي بِمَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٥)، يَدُلُّ أَنَّهُ كَانَ مُفَكِّرًا فِي صَلَاتِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْرِ مَا قَرَأَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .

стр. 1428

وَمِنْ بَابِ: مَا جَاءَ فِي السَّهْو إِذَا قَامَ مِنْ رَكْعَتَي الفَرْضِ * فِيهِ ابن بُحَيْنَةَ (١). قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ سَاهِيًا لَا يَرْجِعُ [إِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا] (٢)، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِ قَائِمًا رَجَعَ. وَقَالَ قَوْمٌ (٣): يَقْعُدُ وَإِنْ كَانَ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَعِيِّ. وَفِي قَوْلِ أَكْثَرِ العُلَمَاءِ إِنَّ مَنْ تَرَكَ الجِلْسَةَ الأُولَى عَامِدًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَعَلَيْهِ إِعَادَتُهَا، وَهِيَ سُنَّةٌ، وَحُكْمُ تَرْكِهَا عَمْدًا حُكْمُ الفَرَائِض. وَمِنْ بَابِ: السَّهْوِ فِي الفَرْضِ وَالتَّطَوُّع * فيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ) (٤). جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ يُوجِبُونَ سُجُودَ السَّهْوِ فِي التَّطَوُّعِ إِلَّا ابْنَ سِيرِينَ وَقَتَادَةَ (٥)،

стр. 1429

فَإِنَّهُمَا قَالَا: لَا سُجُودَ عَلَيْهِ. وَالحُجَّةُ لِلْجَمَاعَةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (إِذَا قَامَ يُصَلِّي) [يَدْخُلُ] (١) فِيهِ جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا، فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يُسَمَّى صَلَاةٌ، وَقَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ عَلَى السَّاهِي، وَالسُّنَّةُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهَا. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ (٢): إِذَا كَانَ الشَّيْطَانُ هُوَ الَّذِي يُلَبِّسُ عَلَيْهِ حَتَّى يُنْسِيَهُ فَلْيُرْغِمْ أَنْفَهُ بِالسُّجُودِ لِيَرْجِعَ رَاغِمَ الْأَنْفِ خَاسِئًا. وَمِنْ بَابِ: إِذَا كُلِّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَأَشَارَ بِيَدِهِ * فِيهِ كُرَيْبٌ: (أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ .. ) (٣). اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الإِشَارَةِ الَّتِي تُفْهِمُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٤) وَالشَّافِعِيُّ (٥): لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ.

стр. 1430

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): تَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الكَلَامِ. وَقَدْ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَشَارَ فِي الصَّلَاةِ إِشَارَةً مَفْهُومَةً، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي غَطَفَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢)، وَلِأَنَّ الإِشَارَةَ إِنَّمَا هِيَ حَرَكَةُ العُضْوِ، وَقَدْ رَأَيْنَا حَرَكَةَ سَائِرِ الأَعْضَاءِ غَيْرَ اليَدِ فِي الصَّلَاةِ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ، فَكَذَلكَ حَرَكَةُ اليَد. وَمِنْ بَابِ: الإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ * فِيهِ حَدِيثُ سَهْلِ بن سَعْدٍ (٣)، وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ (٤). فِيهِ جَوَازُ اسْتِفْهَامِ الْمُصَلِّي، وَرَدُّ الجَوَابِ بِاليَدِ وَالرَّأْسِ خِلَافًا لِقَوْلِ الكُوفِيِّينَ (٥). * * *

стр. 1431

كِتَابُ الجَنَائِزِ * * * بَابُ: مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ * قِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: (أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِفْتَاحُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فَتَحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يَفْتَحْ لك) (١). أَرَادَ بِأَسْنَانِ المَفَاتِيحِ القَوَاعِدَ الَّتِي بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَيْهَا، الَّتِي هِيَ كَمَالُ الدِّينِ وَدَعَائِمُهُ، خِلَافَ قَوْلِ الجَهْمِيَّةِ (٢) الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ الفَرَائِضَ لَيْسَتْ إِيمَانًا، وَقَدْ سَمَّاهَا اللهُ إِيمَانًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٣)، أَيْ: صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

стр. 1432

* وَفِي البَابِ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ (١) وَعَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُودٍ (٢). وَقَدْ ذَكَرَ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ ﵁ (٣)، وَقَالَ فِيهِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ [قَالَ] (٤): (مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ - هُوَ البُخَارِيُّ -: (هَذَا عِنْدَ المَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ وَنَدِمَ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ غُفِرَ لَهُ)، فَدَلَّ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَإِنْ بَعُدَ قَوْلُهُ لَهَا عَنْ وَقْتِ مَوْتِهِ ثُمَّ مَاتَ عَلَى اعْتِقَادِهَا أَنَّهُ مِمَّنْ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَدَاخِلٌ فِي مَعْنَى مَا وَضَعَ البُخَارِيُّ البَابَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَقُلْ بَعْدَهَا خِلَافَهَا حَتَّى مَاتَ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ أَنَّهُ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَمَاتَ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَلَكِنْ بَعْدَ الفَصْلِ بَيْنَ العِبَادِ وَرَدِّ المَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا (٥). * وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁، وَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ رَدٌّ عَلَى الرَّافِضَةِ (٦)

стр. 1433

وَالخَوَارِج الَّذِينَ يَقُولُونَ: أَصْحَابُ الكَبَائِرِ يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ بِذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِهِمْ، قَالَ الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٢)، وَتَرْكُ المَثُوبَةِ عَلَى الإِحْسَانِ ظَلْمُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَالتَّخْلِيدُ فِي العَذَابِ يَمْنَعُ مِنْ ثَوَابِ الأَعْمَالِ، وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (وَقُلْتُ أَنَا … ) أَصْلٌ فِي القَوْلِ بِدَلِيلِ الخِطَابِ. وَمِنْ بَابِ: الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ * وَفَيهِ حَدِيثُ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ … ) (٣). اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ وَدَفْنُهَا (٤) وَالصَّلَاةُ عَلَيْهَا مِنْ فَرْضِ الكِفَايَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرْضَى نَدْبٌ وَفَضِيلَةٌ، وَإِجَابَةُ الدَّاعِي إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَةُ إِلَى وَلِيمَةِ النِّكَاحِ فَوَاجِبٌ، وَأَمَّا إِلَى غَيْرِ الوَلِيمَةِ فَنَدْبٌ (٥)، وَهُوَ مِنْ بَابِ حُسْنِ الصُّحْبَةِ وَاجْتِمَاعِ الْأُلْفَةِ. وَنَصْرُ الْمَظْلُومِ فَرْضٌ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيُطَاعُ أَمْرُهُ. وَإِبْرَارُ القَسَمِ نَدْبٌ إِذَا أَقْسَمَ الرَّجُلُ عَلَى أَخِيهِ فِي أَمْرٍ لَا مَكْرُوهَ فِيهِ وَلَا

стр. 1434

مَشَقَّةَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبُرَّ قَسَمَهُ، وَذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَرَدُّ السَّلَامِ فَرْضٌ عَلَى الكِفَايَةِ، وَقَالَ الكُوفِيُّونَ (١): هُوَ فَرْضٌ مُعَيَّنٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الجَمَاعَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ وَاجِبٌ وُجُوبَ سُنَّةٍ. وَالشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الفِضَّةِ وَاسْتِعْمَالُهَا حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ آنِيَةُ الذَّهَبِ. وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ خَاصَّةٌ، مُبَاحٌ لِلنِّسَاءِ. وَالحَرِيرُ الْمُصْمَتُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ لِبَاسُهُ لِلرِّجَالِ، وَأَمَّا فِي حَالِ الحَرْب، وَحَالِ التَّدَاوِي لِلْجَرَبِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ العُلَمَاءِ، وَهُوَ لِلنِّسَاءِ حَلَالٌ. وَأَمَّا الخَصْلَةُ السَّابِعَةُ فَرُكُوبُ الْمَيَاثِرِ، وَقَدْ سَقَطَ مِنَ الْكِتَابِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الكَرَجِيُّ (٢) بِقَزْوِينَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ زَاذَانَ (٣)، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السُّنِّيُّ (٤)، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ

стр. 1435

شُعَيْبِ النَّسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ البَلْخِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ح؛ قَالَ النَّسَائِيُّ (١): وَحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ هَنَّادٌ: قَالَ البَرَاءُ بِنُ عَازِبٍ قَالَ: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِبْرَارِ القَسَمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ، وَعَنْ آنِيَةِ الفِضَّةِ، وَعَنِ المَيَاثِرِ، وَالقَسِيَّةِ، وَالاسْتَبْرَقِ، وَالحَرِيرِ، وَالدِّيباج). (المَيَاثِرُ) جَمْعُ الْمِيثَرَةِ، وَفِي بَعْضِ الحَدِيثِ: (وَعَنْ مِيثَرَةِ الأُرْجُوَانِ) (٢)، وَالْمِيثَرَةُ مِرْفَقَةٌ تُتَّخَذُ كَصُفّةِ السَّرْجِ، وَكَانُوا يُحَمِّرُونَهَا. وَ (الأَرْجُوَانُ) صِبْغُ أَحْمَرٌ. وَفِي كِتَابِ البُخَارِيِّ (القَسِيُّ) بِلَا هَاءٍ، قِيلَ: هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ [لَهُ] (٣): قَس، بِتَشْدِيدِ السِّينِ وَفَتْحِ القَافِ بِنَوَاحِي مِصْرَ (٤)، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الحَرِيرِ. وَ (الاسْتَبْرَقُ) نَوْعٌ مِنَ الدِّيبَاجِ.

стр. 1436

وَالهَاءُ فِي (القَسِيَّةِ) دَخَلَتْ لِلتَّأْنِيثِ، وَشُدِّدَتِ اليَاءُ لِلنِّسْبَةِ، وَالْمَعْنَى: (وَالثِّيَابُ القِسِيَّةُ). وَقَوْلُهُ: (حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ) أَيْ: حَقُّ الحُرْمَةِ وَالصُّحْبَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا فِي الحَدِيثِ كَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، كَقَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (حَقٌّ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَغْتَسِلَ كُلَّ جُمُعَةٍ وَأَنْ يَسْتَاكَ وَيَمَسَّ مِنْ طِيبٍ أَهْلِهِ) (١)، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَرْضًا. وَمِنْ بَابِ: الدُّخُولِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِذَا أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ * فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ (٢). (مُسَجًّى) أَيْ: مُغَطَّى. وَ (السُّنْحُ) بِضَمِّ السِّينِ: مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ. وَ (بُرْدِ حِبَرَةٍ): نَوْعٌ مِنْ بُرُدِ الْيَمَنِ، وَهُوَ بُرْدٌ حَسَنٌ. وَ (أُدْرِجَ) أَيْ: طُوِيَ وَلُفَّ. في الحَدِيثِ جَوَازُ تَقْبِيلِ المَيِّتِ عِنْدَ وَدَاعِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ البُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ.

стр. 1437

وَفِي قَوْلِهِ: (تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ): إِبَاحَةُ البُكَاءِ. وَقَوْلُهُ: (لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ)، إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (إِنَّ الله سَيَبْعَثُ نَبِيَّهُ، فَيَقْطَعُ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ)، أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا كَقَوْلِهِ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ (١). وَفِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ ﵁ أَعْلَمُ مِنْ عُمَرَ، وَهَذِهِ إِحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا فَضْلُ عِلْمٍ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَرَجَاحَةُ رَأيهِ. وَفِي قَوْلِهِ: (فَمَالَ النَّاسُ إِلَيْهِ) دَلَالَةٌ عَلَى عَظِيمٍ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَقَدْ أَقَرَ بِذَلِكَ عُمَرُ ﵁ حِينَ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: (وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِ أَحَدٍ إِلَّا بِمِثْلِ عَمَلِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي شَعْرةٌ فِي صَدْرِ أَبِي بَكْرٍ) (٢). * وَفِي حَدِيثِ أُمِّ العَلَاءِ (٣): دَلَالَةٌ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ بَجنَّةٍ وَلَا نَارٍ، وَلَكِنْ يُرْجَى لِلمُحْسِنِ، وَيُخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ (٤)

стр. 1438

فَصْلٌ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الكَرْخِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بن زَادَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بن إِسْحَاقَ السُّنِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ (١)، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بنُ يَحْيَى عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ خَالَتِهَا عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَبِيٍّ مِنْ صِبْيَانِ الأَنْصَارِ فَصَلَّى عَلَيْهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَقُلْتُ: طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا وَلَمْ يُدْرِكْهُ، قَالَ: (أَوَ غَيْرَ ذَلِكِ يَا عَائِشَةُ، خَلَقَ الله الجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ النَّارَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ). [قَالَ] (٢): أَخْبَرَنَا النَّسَائِيُّ (٣) أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - هُوَ
следующие страницы →