Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1504–1543 · переход к 1509.
стр. 1504
غَدًا؟ أَيْ: فِي حُجْرَةِ أَيِّ النِّسَاءِ أَكُونُ غَدًا.
(اسْتِبْطَاءً لِيَوْمٍ عَائِشَةَ) يَسْتَطِيلُ اليَوْمَ اشْتِياقًا إِلَيْهَا، وَإِلَى نَوْبَتِهَا.
وَقَوْلُهَا: (بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي) تُرِيدُ: بَيْنَ جَنْبِي وَصَدْرِي، فَالسَّحْرُ: الرِّئَةُ، وَتُرِيدُ بِهِ مَوَاضِعَ السَّحْرِ، وَالنَّحْرُ: الصَّدْرُ.
وَفِي ذَلِكَ فَضِيلَةٌ بَيِّنَةٌ لِعَائِشَةَ ﵂.
وَقَوْلُهُ: (لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (١) فِيهِ كَرَاهِيَةُ بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ.
قَالَ ﷺ : (لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي مَسْجِدًا) (٢) نَهْيٌ أَنْ يُصَلَّى إِلَيْهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَظَّمَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يُجْعَلَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا مَخَافَةَ الفِتْنَةِ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ.
وَقَوْلُهُ (لَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا) إِنْ رُوِيَ (خَشِيَ) بِالْفَتْحِ يَكُونُ مَعْنَاهُ: خَشِيَ النَّبِيُّ. стр. 1505
وَإِنْ رُوِيَ (خُشِيَ) بِالضَّمِّ فَمَعْنَاهُ: خَشِيَ الصَّحَابَةُ، وَذَلِكَ كَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ ﵂.
وَقَوْلُ هِلَالٍ: (كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي) هِلَالٌ هُوَ الوَزَّانُ، وَأَرَادَ البُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذَا اللَّفْظِ عُقَيْبَ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ إِثْبَاتَ لُقِيِّ هِلَالٍ عُرْوَةَ.
وَقَوْلُهُ (إِنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا)، قَوْلُهُ: (مُسَنَّمًا) أَيْ: مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): تَسَنَّمْتُ أَيْ: عَلَوْتُ، وَنَاقَةٌ سَنِمَةٌ: عَظِيمَةُ السَّنَامِ.
* وَفِي حَدِيثِ لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ: (يَهَبُ المِائَةَ البَكْرَةَ السَّنِمَةَ) (٢) أَيْ: العَظِيمَةَ السَّنَامِ، وَالبَكْرَةُ: الَّتِي لِمَ تُنْتِجْ.
قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٣): وَيُشْخَصُ القَبْرُ مِنَ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ الصَّحَّافُ فِي كِتَابِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ (٤) بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ هَانِئٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ стр. 1506
سَمِعَ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: (دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْتُ: اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ [مَبْطُوحَةٍ] (١) بِبَطْحَاءِ العَرْصَةِ الحَمَرَاءِ) (٢).
وَقَوْلُهُ (وَلَا لَاطِئَةٍ) أَيْ: وَلَا لَازِقَةٍ فِي الْأَرْضِ، يُقَالُ: لَطِئَ بِالْأَرْضِ يَلْطَأُ إِذَا لَصَقَ بِهَا.
فَفِي الحَدِيثِ: (كَانَ (٣) عُمَرُ ﵁ أَوَّلَ مَنْ بَطَحَ الْمَسْجِدَ - أَيْ: أَلْقَى فِيهِ الحَصَى -، وَ [قَالَ] (٤): أَبْطِحُوهُ مِنَ الوَادِي الْمُبَارَكِ) (٥).
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ (٦): بَطْحَاءُ الوَادِي وَأَبْطَحُهُ: الحَصَى اللَّيِّنُ فِي стр. 1507
بَطْنِ المَسِيلِ.
وَرُوِيَ: (كَانَ عِمَامُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بُطْحًا) (١) لَازِقَةً بِالرَّأْسِ، غَيْرَ ذَاهِبَةٍ في الهَوَاء.
وَالكِمَامُ: جَمْعُ الكُمَّةِ وَهِيَ القُلُنْسُوَّةُ المُدَوَّرَةُ.
قِيلَ: وَيُسَطَّحُ القَبْرُ وَيُوضَعُ عَلَيْهِ الحَصَى، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ العَرْصَةِ (٢).
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ (٣): الأَوْلَى فِي زَمَانِنَا أَنْ يُسَنَّمَ القَبْرُ، لأَنَّ التَّسْطِيحَ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ.
وَ (بَطْحَاءُ العَرْصَةِ) وَادٍ بِالمَدِينَةِ (٤)، وَفِي رِوَايَةٍ: (مَبْطُوحَةً بِبَطَحَاءِ стр. 1508
العَرْصَةِ) (١).
وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: (لَمَّا سَقَطَ الحَائِطُ فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ، فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَفَزِعُوا وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيُّ ﷺ ، [فَمَا] (٢) وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: لَا وَاللهِ مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ ، مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁) (٣).
فَفِي قَوْلِهِ (وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي القَبْرِ.
وَقَوْلُ عَائِشَةَ: (ادْفِنَّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالبَقِيعِ، لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا) فِيهِ: مَعَنَى التَّوَاضُعِ، وَكَرَاهَةِ التَّزْكِيَةِ، كَرِهَتْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا مَدْفُونَةٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَكُونَ فِي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهَا.
وَفِي قَوْلِ عُمَرَ ﵁: (ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أَدْفَنَ مَعَ صَاحِبِي) فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي أَفْضَلِ المَقَابِرِ، وَأَنْ يُخْتَارَ ذَلِكَ فِي جَوَارِ الصَّالِحِينَ.
وَرُوِيَ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَطْعُونٍ صَخْرَةً، وَقَالَ: أُعَلِّمُ عَلَى قَبْرٍ أَخِي، لِأَدْفَنَ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ [مِنْ أَهْلِي] (٤)، فَلَمَّا مَاتَتَ ابْنَتُهُ قَالَ: الْحَقِي سَلَفَنَا الصَّالِحَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ) (٥). стр. 1509
فَفِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ يُستَحَبُّ [دَفْنُ] (١) الْمَيِّتِ فِي أَفْضَلِ الْمَقَابِرِ، وَفِي جوَارِ الصَّالِحِينَ.
* * *
وَمِنْ بَقِيَّةِ الأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ:
مَنْ بَابِ: إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟
* فيهِ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢)) (٣).
قَالَ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ: هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ اللهُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ فَقَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٤)، فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِلْإِيمَانِ الْفِطْرِيِّ стр. 1510
فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ الْمُكْتَسَبُ بِالإِرَادَةِ وَالفِعْلِ، لأَنَّهُ مَعَ وُجُودِ الإِيمَانِ الفِطْرِيِّ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ أَبَوَيْهِ الكَافِرَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى فِطْرَتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا مِنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَعَلَى مَا سَبَقَ لَهُ مِنْ قَدَرِ اللهِ، وَتَقَدَّمَ مِنْ مَشِيئَتِهِ فِيهِ مِنْ كُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ، فكُلُّ صَائِرٌ فِي العَاقِبَةِ إِلَى مَا فُطِرَ عَلَيْهِ وَخُلِقَ لَهُ، وَعَامِلٌ فِي الدُّنْيَا بِالعَمَلِ الْمُشَاكِلِ لِفِطْرَتِهِ فِي السَّعَادَةِ أَوِ الشَّقَاءِ.
فَمِنْ أَمَارَاتِ الشَّقَاوَةِ لِلطِّفْلِ أَنْ يُولَدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ يَهُودِيَّيْنِ أَوْ نَصْرَانِيَّيْنِ، فَيَحْمِلَانِهِ عَلَى اعْتِقَادِ دِينِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَيُعلِّمَانِهِ اليَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ، فَيَصِفَ الدِّينَ، فَهُوَ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ وَالِدَيْهِ، إِذْ هُوَ فِي حُكْمِ الشَّرِيعَةِ تَبَعٌ لِوَالِدَيْهِ (١)، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ)، وَيَشْهَدُ لِهَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (طُوبَى لَهُ لَمْ يَعْمَلْ شَرًّا وَلَمْ يَدْرِ بِهِ) (٢)، وَحَدِيثُ أُبَيٍّ بن كَعْبٍ ﵁ (٣) في قَوْلِهِ ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ (٤)، قِيلَ: كَانَ طُبعَ كَافِرًا.
وَمِنْ بَاب: مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْأَعْرَابِيُّ: يُتَأَوَّلُ مَا كَانَ مِنْ تَكْفِينِ النَّبِيِّ ﷺ عَبْدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ стр. 1511
فِي قَمِيصِهِ (١) عَلَى وَجْهَيْنِ:
* أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ إِكْرَامَ ابْنِهِ، فَقَدْ كَانَ مُسْلِمًا بَرِيئًا مِنَ النِّفَاقِ.
* وَالثَّانِي: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ كَانَ كَسَا العَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَمِيصًا فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُكَافِئَهُ عَلَى ذَلِكَ، لِئَلَّا يَكُونَ لِمُنَافِقٍ عِنْدَهُ يَدٌ لَمْ يُجَازِهِ عَلَيْهَا.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِخْرَاجِ الْمَيِّتِ مِنَ القَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ لِعِلَّةٍ أَوْ سَببٍ.
فَصْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الكِتَابِ
* يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ إِدْخَالِهِ الْمَيِّتَ القَبْرَ: بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُهُ إِذَا أَدْخَلَ المَيِّتَ القَبْرَ (٢). стр. 1512
* وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْكُثَ عَلَى القَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَيَسْأَلَ الله التَّثْبِيتَ لِلْمَيِّتِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الرَّجُلِ يَقِفُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: (سَلُوا الله تَعَالَى لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ) (١).
* وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ عَلَى شَفِيرِ القَبْرِ أَنْ يَحْثُوَ فِي القَبْرِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنَ التُّرَابِ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَثَا فِي القَبْرِ ثَلَاثَ حَثِيَاتٍ (٢). стр. 1513
* وَيُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ القُبُورِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: (إِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَأْذَن لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ المَوْتَ) (١).
* وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَيَدْعُوَ لَهُمْ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ إِلَى البَقِيعِ، وَيَقُولُ: (اللَّهُمَ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ) (٢).
قِيلَ: قَوْلُهُ (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) لَيْسَ عَلَى مَعْنَى الاسْتِثْنَاءِ الَّذِي يَدْخُلُ الكَلَامَ لِشَكٍّ وَارْتِيَابٍ، وَلَكِنْ عَلَى عَادَةِ الْمُتَكَلِّم يُحَسِّنُ بِذَلِكَ كَلَامَهُ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: إِنَّكَ إِنْ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ شَكَرْتُكَ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَإِنْ ائْتَمَنْتَنِي لَمْ أَخُنْكَ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ بِهِ الشَّكَّ فِي كَلَامِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي اسْتِصْحَابِ الإِيمَانِ إِلَى الْمَوْتِ، لَا فِي стр. 1514
نَفْسِ الْمَوْتِ.
وَقَوْلُهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ)، سَمَّى الْمَقَابِرَ دَارًا، فَدَلَّ أَنَّ اسْمَ الدَّارِ يَقَعُ عَلَى العَامِرِ المَسْكُونِ وَعَلَى الخَرَابِ غَيْرِ الْمَسْكُونِ.
قَالَ الشَّاعِرُ (١): [مِنَ البَسِيطِ]
يَا دَارَ مَيَّةَ بِالعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَبَدِ
وَفِيهِ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الْمَوْتَى كَالسَّلَامِ عَلَى الْأَحْيَاءِ فِي تَقْدِيمِ الدُّعَاءِ عَلَى الاسْمِ، وَلَا يُقَدَّمُ الاسْمُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي كُلِّ دُعَاءِ بِخَيْرٍ، كَقَوْلِهِ ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٢)، وَقَالَ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ (٣)، وَقَالَ فِي خِلَافِ ذَلِكَ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤) فَقَدَّمَ الاسْمَ عَلَى الدُّعَاءِ.
فَصْلٌ
* وَلَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ القُبُورِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ) (٥). стр. 1515
* وَلَا يَجُوزُ الجُلُوسُ عَلَى القُبُورِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ [قَالَ] (١): (لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، حَتَّى تَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ) (٢).
* وَلَا يَدُوسُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
* وَيُكْرَهُ المَبِيتُ فِي المَقْبَرَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الوَحْشَةِ.
* وَتُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ) (٣). стр. 1516
* وَيُكْرَهُ الجُلُوسُ لِلتَّعْزِيَةِ لأَنَّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ.
стр. 1517
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ: بَابُ: وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللهِ : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١).
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ : (يَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) (٢).
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الزَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ.
يُقَالُ: زَكَا المَالُ إِذَا نَمَا وَزَادَ، وَزَكَا الزَّرْعُ إِذَا كَثُرَ رِيعُهُ، وَفُلَانٌ زَاكٍ إِذَا كَانَ كَثِيرَ الخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ.
قَالَ الشَّاعِرُ (٣):
[مِنَ الطَّوِيلِ]
قَبَائِلُنَا سَبْعٌ وَأَنْتُمْ ثَلَاثَةٌ … وَالسَّبْعُ أَزَكَّى مِنْ ثَلَاثٍ وَأَكْثَرُ
قَالَ عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ: الأَصْلُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ: الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ.
أَمَّا الكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ стр. 1518
حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١).
وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣).
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٤) صَرِيحٌ فِي الوُجُوبِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى الأَخْذِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ تَصْرِيحٌ فِي الأَخْدِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى الوُجُوبِ.
وَأَمَّا الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِهَا مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ: فَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ) وَذَكَرَ الحَدِيثَ (٥).
وَأَمَّا وُجُوبُهَا مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قُبِضَ؛ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ مَنِ امْتَنَعَ، هَمَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِقِتَالِهِمْ، وَاسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِيهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: كَيْفَ تُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى … ) (٦) الحَدِيثَ؟ стр. 1519
فَاتَّفَقُوا عَلَى قِتَالِهِمْ بَعْدَ مُخَالَفَتِهِمْ لَهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِهَا، فَثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ.
قَالَ البُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ فَقَالَ: (ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ) (١).
الصَّدَقَةُ فِي هَذَا الحَدِيثِ بِمَعْنَى الزَّكَاةِ.
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِير فِي قَوْلِهِ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ (٢) أَيْ: فَأُزَكِّيَ.
وَفي الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ زَكَاةَ بَلَدٍ لَا تُنْقَلُ إِلَى بَلَدٍ آخَرٍ، وَإِنَّمَا تُصْرَفُ إِلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ البَلْدَةِ الَّتِي بِهَا المَالُ لِقَوْلِهِ: (وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ).
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ إِذَا كَانَ غَنِيًّا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي مَالِهِ لِقَوْلِهِ (تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ)، كَمَا إِذَا كَانَ فَقِيرًا جَازَ لَهُ أَخْذُهَا.
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُعْطَى غَيْرُ الْمُسْلِمِ شَيْئًا مِنَ الصَّدَقَةِ.
وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمَدْفُوعَ إِلَيْهِ الصَّدَقَةَ - وَكَانَ غَنِيًّا يَوْمَ أَخْذِهَا - كَانَ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا. стр. 1520
* وَقَالَ: فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ اللهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : (أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ؟ قَالَ: مَا لَهُ مَا لَهُ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (أَرَبٌ مَا لَهُ تَعْبُدُ الله لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ) (١).
قَوْلُهُ: (يُدْخِلْنِي الجَنَّةَ) بِضَمِّ اللَّامِ فِي مَوْضِعِ الجَرِّ، صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (بِعَمَلٍ).
وَقَوْلُهُ (مَا لَهُ مَا لَهُ؟) اسْتِفْهَامٌ، وَتَكْرِيرُ الكَلِمَةِ يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ.
وَقَوْلُهُ: (أَرَبٌ مَا لَهُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَنْوِينِ البَاءِ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ (٢): حَاجَةٌ جَاءَتْ بِهِ، وَ (مَا) صِلَةٌ، كَأَنَّهُ اسْتَفْهَمَ أَوَّلًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: (أَرَبٌ مَا لَهُ).
وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقَالَ النَّاسُ: مَا لَهُ؟ مَا لَهُ؟)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرَبٌ مَا لَهُ) كَأَنَّ قَوْلَهُ (أَرَبٌ) مُبْتَدَأٌ، وَالخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: (لَهُ أَرَبٌ).
وَقَوْلُهُ (مَا لَهُ؟): اسْتِفْهَامٌ عَلَى طَرِيقِ الإِنْكَارِ عَلَى السَّائِلِ الَّذِي قَالَ: (مَا لَهُ؟)، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ (أَرَبٌ).
وَظَاهِرُ الكَلَامِ الدُّعاءُ، وَالْمَعْنَى: التَّعَجُّبُ مِنْ عَرْضِ السَّائِلِ، وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الصَّحِيحِ مُقَيَّدًا بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ البَاءِ، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ: يُقَالُ: أَرِبَ الرَّجُلُ فِي الأَمْرِ إِذَا بَلَغَ فِيهِ جُهْدَهُ.
وَقَالَ [ابن] (٣) الأَنْبَارِيِّ: مَعْنَاهُ: سَقَطَتْ آرَابُهُ، أَيْ: أَعْضَاؤُهُ. стр. 1521
قَالَ القُتَيْبِيُّ (١): هَذِهِ كَلِمَةٌ لَا يُرَادُ بِهَا وُقُوعُ الْأَمْرِ، كَمَا يُقَالُ: تَرِبَتْ يَدَاكَ، وَعَقْرَى حَلْقَى.
دَلِيلُهُ (٢): لَمَا رَأَى الرَّجُلَ يُزَاحِمُ وَيُدَافِعُ؛ دَعَا عَلَيْهِ دُعَاءً لَا يُسْتَجَابُ فِي الْمَدْعُوِّ.
هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ: (أَرَبٌ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَنْوينِ البَاءِ، وَرُوِيَ (أَرِبَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ البَاءِ وَهُوَ قَلِيلٌ.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ (٣): (أَرِبٌ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَنْوِينِ البَاءِ، وَقَالَ مَعْنَاهُ: هُوَ أَرِبٌ أَيْ: فَطِنٌ حَاذِقٌ، فَلَيسَ بِمَحْفُوطٍ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ، وَاسْتَشْهَدَ هَذَا القَائِلُ بِبَيْتِ الشَّاعِرِ (٤): [مِنَ مَجْزُوءِ الوَافِرِ]
يَلُفُّ طَوَائِفَ الفُرْسَا … نِ وَهْوَ بِلَفِّهِمْ أَرِبُ
* وَقَالَ فِي حَدِيثِ ابن عَبَّاسٍ ﵁: (قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّا هَذَا الْحَيُّ مِنْ رَبِيعَةَ قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي هَذَا الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. стр. 1522
قَالَ: آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ؛ الإِيمَانِ بِاللهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ) (١).
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي النُّعْمَانِ عَنْ حَمَّادٍ: (الإِيمَانُ بِاللهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) (٢) بِغَيْرِ الوَاوِ، فَعَلَى هَذَا الوَاوُ فِي الرِّوَايَةِ الأُولَى كَالْمُقْحَمَةِ يُقَالُ: فَلَانٌ حَسَنٌ وَجَمِيلٌ، أَيْ: حَسَنٌ جَمِيلٌ.
وَ (الوَفْدُ): القَوْمُ الَّذِينَ يَفِدُونَ عَلَى الْمُلُوكِ، أَيْ: يَتَقَدَّمُونَ قَوْمَهُمْ، وَيَتُوبُونَ عَنْهُمْ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَالوَافِدُ مِنَ الإِبِلِ: مَا سَبَقَ سَائِرَهَا.
وَ (عَبدُ القَيْسِ): قَبِيلَةٌ.
وَ (رَبِيعَةُ): بَطْنٌ مِنْهُمْ.
وَ (مُضَرُ): قُرَيْشُ.
وَقَوْلُهُ: (هَذَا الحَيُّ) رَفْعُ خَبَرِ إِنَّ، وَأَصْلُ (إِنَّا): إِنَّنَا، حُذِفَتْ مِنْهُ إِحْدَى النُّونَيْن تَخْفِيفًا.
وَ (الحَيُّ): القَبِيلَةُ.
و (حَالَتْ بَيْنَنَا) أَيْ: عَرَضَتْ.
(وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ) أَيْ: وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ. стр. 1523
وَقَوْلُهُ (إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ): كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يُقَاتِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَإِذَا كَانَ الشَّهْرُ الحَرَامُ كَفُّوا عَنِ القِتَالِ تَعْظِيمًا لِلشَّهْرِ، فَأَمِنَ النَّاسُ، وَجَاؤُوا وَذَهَبُوا.
وَقَوْلُهُ: (نَأْخُذُهُ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (بِشَيءٍ)، وَ (نَدْعُو إِلَيْهِ): عَطْفٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ وَرَاءَنَا) أَيْ: مَنْ خَلَّفْنَاهُمْ فِي القَبِيلَةِ، وَجِئْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ (١).
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: (أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بِإِدْغَامِ النُّونِ فِي اللَّامِ.
وَقَوْلُهُ: (وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا) أَيْ: كَمَا يَعْقِدُ الَّذِي يَعُدُّ وَاحِدَةً.
وَ (الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ): أَوْعِيَةٌ يُنْتَبَذُ فِيهَا وَظُرُوفٌ.
(فَالدُّبَّاءُ): القَرْعَةُ، وَ (الحَنْتَمُ) الجَرَّةُ الخَضْرَاءُ أَوِ الحَمْرَاءُ مِنَ الخَزَفِ.
وَ (النَّقِيرُ): أَصْلُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ فَيُتَّخَذُ مِنْهُ وِعَاءٌ يُنْتَبَذُ فِيهِ.
وَ (المُزَفَّتُ) السِّقَاءُ الَّذِي طُلِيَ بِالزَّفْتِ وَهُوَ شِبْهُ القِيرَ، وَكَذَلِكَ المَقِيرُ.
وَالنَّهْيُ عَنْ هَذِهِ الأَوْعِيَةِ لَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِ أَعْيَانِ هَذِهِ الأَوْعِيَةِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الأَوْعِيَةِ إِذَا انْتَبَذَ صَاحِبُهَا فِيهَا كَانَ عَلَى غُرُورٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الشَّرَابَ يَغْلِي فِيهَا وَيَصِيرُ مُسْكِرًا وَهُو لَا يَشْعُرُ بِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي نَهَيْتُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ، وَإِنَّ وِعَاءً لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرَّمُهُ، فَاشْرَبُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) (٢). стр. 1524
* وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (لَمَّا تُوفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، قَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ [النَّاسَ] (١) حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ)؟ فَقَالَ: (وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا)، قَالَ عُمَرُ ﵁: (فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) (٢).
قَوْلُهُ: (عَصَمَ) أَيْ: مَنَعَ.
وَقَوْلُهُ: (إِلَّا بِحَقِّهِ) أَيْ: بِحَقِّ هَذَا القَوْلِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (يَقُولُوا) يَدُلُّ عَلَى القَوْلِ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ العِصْمَةُ مِنَ اللهِ أَنْ يَدْفَعَ الشَّرَّ عَنْ عَبْدِهِ، وَاعْتَصَمَ فُلَانٌ بِاللهِ إِذَا امْتَنَعَ بِهِ مِنَ الشِّرِّ.
وَقَوْلُهُ: (عَنَاقًا) العَنَاقُ: الجَدْيُ الأُنْثَى، قَالَ الشَّاعِرُ (٣): [مِنَ الوَافِرِ] стр. 1525
حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا … وَمَا هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بِالعَنَاقِ
يَقُولُ: ظَنَنْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي صَوْتَ جَدْيٍ، فَجِئْتُهُ طَمَعًا فِي افْتِرَاسِهِ، وَمَا هِيَ بِعَنَاقٍ، (وَيْبَ غَيْرِكَ) أَيْ: وَيْلَ غَيْرِكَ.
وَقَوْلُهُ: (عَنَاقًا) عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مُقَامَهُ، يُرِيدُ: بُغَامَ عَنَاقٍ، وَ (البُغَامُ): صَوْتُ الإِبِلِ، وَهُوَ صَوْتٌ خَفِيٌّ.
قَالَ عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ: النَّاسُ فِي الزَّكَاةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
مِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا وَيُؤَدِّيهَا، فَيَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١).
وَمِنْهُمْ: مَنْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا وَلَا يُؤدِّيهَا، فَعَلَى الأَمِير (٢) أَنْ يُقَاتِلَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ حُكِمَ بِكُفْرِهِ، كَجَاحِدِ الصَّلَاةِ. أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: لَمَا ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ مَنِ ارْتَدَّ كَانُوا أَصْنَافًا:
فَصِنْفٌ: فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَأَقَرُّوا بِالصَّلَاةِ (٣)، وَأَنْكَرُوا فَرْضَ الزَّكَاةِ وَوُجُوبَ أَدَائِهَا إِلَى الإِمَامِ، وَكَانَ بَنُو يَرْبُوعٍ جَمَعُوا صَدَقَاتِهِمْ، وَأَرَادُوا أَنْ يَبْعَثُوا بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَمَنَعَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، стр. 1526
حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ (١): [مِنَ الطَّوِيلِ]
أَطَعْنَا رَسُولَ اللهِ مَا دَامَ بَيْنَا … فَيَا عَجَبًا مَا بَالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرِ
وَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوكُمُ فَمَنَعْتُمُ … لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى لَدَيْهِمْ مِنَ التَّمْرِ
سَنَمْنَعُهُمْ (٢) مَا دَامَ فِينَا بَقِيَّةٌ … كِرَامٌ عَلَى العَزَاءِ فِي سَاعِةِ (٣) العُسْرِ
فَنَاظَرَ عُمَرُ ﵁ أَبَا بَكْرٍ فِي هَؤُلَاءِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ … ) (٤).
قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: كَانَ هَذَا مِنْ عُمَرَ ﵁ مُعَلَّقًا بِظَاهِرِ الكَلَامِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: (لأَقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) (٥).
وَكَانَ قِتَالُ الْمُمْتَنِعِ مِنَ الصَّلَاةِ إِجْمَاعًا مِنَ الصَّحَابَةِ، فَرُدَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ إِلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَاحْتَجَّ عُمَرُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَأَبُو بَكْرٍ بِالقِيَاسِ، وَالعُمُومُ يُخَصُّ بِالقِيَاسِ (٦). стр. 1527
وَالحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطَيْنِ لَا يَجِبُ وَأَحَدُ الشَّرْطَينِ مَعْدُومٌ، بَلْ يَكُونُ مَا يَتَضَمَّنْهُ الخِطَابُ فِي الحُكْمِ مِنْ شَرْطٍ وَاسْتِثْنَاءِ مَرْعِيًّا وَمُعْتَبَرًا، فَكَمَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ: (إِلَّا بِحَقِّهِ)، لأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ حَقِّهِ الزَّكَاةُ.
وَقَوْلُهُ: (وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ) أَيْ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِيهُ الظَّاهِرُ، فَأَمَّا البَاطِنُ فَيَحْكُمُ اللهُ فِيهِ بِمَا يُرِيدُ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِنْدَ عُمَرَ ﵁ صِحَّةُ رَأْي أَبِي بَكْرٍ، وَبَانَ لَهُ صَوَابُهُ تَابَعَهُ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (فَواللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ) (١) يَعْنِي بِالحُجَّةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا.
وَفِي قَوْلِهِ: (لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا) دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي السِّخَالِ (٢) وَالفُصْلَانِ (٣) وَالعَجَاجِيلِ (٤)، وَأَنَّ وَاحِدَةً مِنْهَا تُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ فِي الْأَرْبَعِينَ مِنْهَا إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا صِغَارًا، وَلَا يُكَلَّفُ صَاحِبُهَا مُسِنَّةً، قَالَ ذَلِكَ الخَطَّابِيُّ (٥).
وَقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَوْلَ النِّتَاجِ حَوْلُ [الأَرْبَعِينَ] (٦) لِلْأُمَّهَاتِ، وَلَوْ стр. 1528
كَانَ يُسْتَأْنَفُ بِهَا الحَوْلُ، لَمْ يُوجَدِ السَّبِيلُ إِلَى أَخْذِ العَنَاقِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (١): فِي السِّخَالِ يُؤْخَذُ مِنْ أَرْبَعِينَ سَخْلَةً مِنْهَا.
وَقَالَ البُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: (وَالنُّصْح لِكُلِّ مُسْلِمٍ) (٢) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: نَصَحَ لَهُ، أَيْ: أَخْلَصَ لَهُ القَوْلَ.
قَالَ جَرِيرٌ (٣): [مِنَ الطَّوِيلِ]
تَرَكْتِ بِنَا لُوحًا وَلَوْ شِئْتِ جَادَنَا … بُعَيْدَ الكَرَى ثَلْجٌ بِكَرْمَانَ نَاصِحُ
(لُوحًا) أَيْ: عَطَشًا، وَ (نَاصِحُ) أَيْ: خَالِصٌ.
* * *
* وَقَالَ البُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : (تَأْتِي الْإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِـ[أَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا] (٤) تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، قَالَ: وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ، قَالَ: وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ
بَلَّغْتُ) (٥). стр. 1529
قَوْلُهُ: (عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) يَعْنِي أَسْمَنَهَا وَأَعْظَمَهَا، وَذَلِكَ أَشَدُّ لِوَطْئِهَا.
وَ (الخُفُّ) مِنَ الإِبِلِ بِمَنْزِلَةِ الظِّلْفِ مِنَ الغَنَمِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ) لَفْظُ خَبَرٍ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيُّ.
وَقَوْلُهُ: (وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ) حَقَّانِ: فَرْضٌ، وَغَيْرُ فَرْضٍ؛
فَالحَلْبُ عَلَى الْمَاءِ مِنَ الحُقُوقِ الَّتِي هِيَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الإِبِلَ لَهَا وِرْدٌ تَرِدُ الْمَاءَ وَقْتَ وِرْدِهَا، فَعَلَى صَاحِبِهَا أَنْ يَحْلُبَهَا عَلَى المَاءِ، فَيَسْقِيَ مِنْ لَبَنِهَا ابْنَ السَّبِيلِ وَالمُجْتَازَ وَالْمَسَاكِينَ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلَى الْمَاءِ.
وَ (اليُعَارُ): صَوْتُ الشَّاةِ، وَالصَّوْتُ عَامٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ.
وَبَابُ الأَصْوَاتِ أَنْ يَجِيءَ فِي الغَالِبِ عَلَى (فُعَالٍ) نَحْوَ: اليُعَارِ وَالثُّغَاءُ، وَيَجِيءَ عَلَى (فَعِيلٍ) كَالصَّهِيلِ وَالنَّهِيقِ، وَيَجِيءَ عَلَى (فَعْلَلَةٍ) كَالحَمْحَمَةِ، وَالجَرْجَرَةِ.
فَقَوْلُهُ (لَهَا يُعَارٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (ثُغَاءٌ): فَاليُعَارُ مِنْ قَوْلِهِ: يَعَرَتِ الشَّاةُ: إِذَا صَاحَتْ صِيَاحًا شَدِيدًا، وَ (الثُّغَاءُ) مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَغَتِ الشَّاةُ ثُغَاءً، وَأَمَّا الرُّغَاءُ فَلَا؛ بَلْ يُقَالُ: رَغَا البَعِيرُ رُغاءً.
وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الصَّهِيلِ وَالجَرْجَرَةِ وَالحَمْحَمَةِ فَقَدْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): صَهِلَ الفَرَسُ صَهِيلًا، وَحَمْحَمَ حَمْحَمَةً، وَالحَمْحَمَةُ دُونَ الصَّهِيلِ. стр. 1530
قَالَ (١): [مِنَ الطَّوِيلِ]
..................... … إِذَا مَا اشْتَكَى وَقْعَ الرِّمَاحِ تَحَمْحَمَا
وَجَرْجَرَ البَعِيرُ جَرْجَرَةً إِذَا رَدَّدَ الهَدِيرَ فِي لَهَاتِهِ، وَكَأَنَّ الحَمْحَمَةَ وَالجَرْجَرَةَ فِيهِمَا تَكْرِيرٌ وَتَطْوِيلٌ.
قَالَ الشَّاعِرُ (٢): [مِنَ الرَّجَزِ]
قَدْ جَرْجَرَ الْعَوْدُ فَزِدْهُ ثِقْلَا
وَ (العَوْدُ): الجَمَلُ الْمُسِنُّ أَيْ: يَجْزَعُ، (فَزِدْهُ فِي الثِّقَلِ)، يُقَالُ ذَلِكَ لِمَنْ شَكَا شَيْئًا أَيْ: زِدْ عَلَيْهِ فِيمَا يَشْكُوهُ.
* * *
* وَقَالَ البُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يَعْنِي: شِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ قَرَأَ: стр. 1531
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١) الآية) (٢).
(الشُّجَاعُ): الحَيَّةُ.
وَ (الأَقْرَعُ): الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ لِكَفْرَةِ سُمِّهِ.
وَ (زَبِيبَتَانِ): قِيلَ: نُقْطَتَانِ (٣)، وَقِيلَ: زَبْدَتَانِ.
وَقَوْلُهُ (يُطَوَّقُهُ): أَيْ: يُجْعَلُ طَوْقًا لَهُ، وَفَسَّرَ (اللَّهْزِمَةَ) بِالشِّدْقِ.
وَ (مُثِّلَ لَهُ) أَيْ: صُوِّرَ.
وَقَالَ بِإِسْنَادِهِ فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيده إلا الله عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْس أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْس ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) (٤): وَفِي نُسْخَةٍ: (خَمْسَةُ أَوْسُقِ).
قَالَ عُلَمَاءُ الأُمَّةِ: بِهَذَا أَخَذَتِ الأَئِمَّةُ فِي الْمِقْدَارِ الوَاجِبِ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَاتَّفَقُوا أَنَّ الوَرِقَ إِذَا كَانَ دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ فَلَا شَيْءٍ فِيهَا، وَأَنَّ الإِبِلَ إِذَا كَانَتْ دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ فَلَا شَيْءٍ فِيهَا، وَأَنَّ الثِّمَارَ وَالحُبُوبَ إِذَا كَانَتْ دُونَ خَمْسِ [أَوْسُقٍ] (٥) [فَلَا شَيْءٍ فِيهَا] (٦). стр. 1532
(الأُوقِيَةُ): أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، كُلُّ دِرْهَم مِنْهَا سِتَّةُ دَوَانِيقَ، وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ بِالْمِثْقَالِ، فَوَجَدُوا عَشَرَةً مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي أَحَدُهَا سِتَّةُ دَوَانِيقَ تُوَازِنُ سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ ذَهَبًا.
وَأَمَّا الذَّوْدُ فِي اللُّغَةِ: لِمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى العَشَرَةِ، وَأَصْلُ الذَّوْدِ فِي اللُّغَةِ: الطَّرْدُ والدَّفعُ (١).
وَفُلَانٌ يَذُودُ عَنْ حَرِيمِهِ، وَفِي الْمَثَلِ: (الذَّودُ إِلَى الذَّوْدِ إِبِلٌ) (٢)، أَيْ: إِذَا جَمَعَ القَلِيلَ إِلَى القَلِيلِ صَارَ كَثِيرًا، كَمَا يُقَالُ: التَّمْرَةُ [إِلَى التَّمْرَةِ] (٣) تَمْرٌ، وَكَمَا يُقَالُ مِنَ القَطْرِ تُمْلأُ الدَّلَاءُ.
وَقَوْلُهُ: (خَمْسِ ذَوْدٍ) بِحَذْفِ الهَاءِ مِنْ خَمْسٍ، لأَنَّ الذَّوْدَ مُؤَنَّثٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، إِنَّمَا يُقَالُ: نَاقَةٌ وَبَعِيرٌ، كَمَا يُقَالُ: نِسْوَةً، ثُمَّ يُقَالُ لِلْوَاحِدَةِ امْرَأَة، وَجَمْعُ الذَّوْدِ: أَزْوَادٌ.
قَالَ الشَّاعِرُ (٤): [مِنَ البَسِيطِ] стр. 1533
يَا صَاحِبِيَّ أَلَا لَا حَيَّ بِالوَادِي … إِلَّا عَبِيدٌ وَآمٍ بَيْنَ أَزْوَادِ
(آم): جَمْعُ أَمَةٍ.
وَقَالَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأَسَدِيُّ (١): [مِنَ الطَّوِيلِ]
فَإِنْ تَكُ أَذْوَادٌ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ … فَلَنْ تَذْهَبُوا فِرْغًا بِقَتْلِ حِبَالِ
عَشِيَّةَ غَادَرْتُ ابْنَ أَقْرَمَ ثَاوِيَا … وَعُكَاشَةُ الغَنْمِيُّ عِنْدَ مَجَالِ
(حِبَالُ): ابْنُ أَخِي طُلَيْحَةَ، وَكَانُوا قَتَلُوهُ وَأَخَذُوا أَمْوَالَ بَنِي أَسَدٍ، وَسَبُوا نِسَاءَهُمْ، فَقَتَلَ طُلَيْحَةُ بِابْنِ أَخِيهِ ابْنَ أَقْرَمَ الأَنْصَارِيَّ، وَاسْمُهُ ثَابِتٌ، وَعُكَاشَةُ أَحَدُ بَنِي غَنَمِ بْنِ ذَوْدٍ (٢).
قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ: (عُكَاشَةُ) بِتَخْفِيفِ الكَافِ، وَتَثْقِيلُهَا جَائِزٌ.
يَقُولُ: إِنْ أَصَبْتُمْ شَيْئًا وَإِبلًا فَذَهَبْتُمْ بِهَا وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْكُمْ مِثْلُهَا، فَمَا ذَهَبْتُمْ وَدَمُ حِبَالِ بَاطِلًا، لِأَنِّي قَتَلْتُ بِهِ. стр. 1534
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): (ذَهَبَ دَمُهُ فِرْغًا) أَيْ: بَاطِلًا هَدَرًا، وَ (غَادَرْتُ) تَرَكْتُ، وَ (الثَّاوِي) المُقِيمُ، وَ (المَجَالُ): مَجَالُ الخَيْلِ عِنْدَ القِتَالِ.
وَأَمَّا (الأَوْسُقُ): جَمْعُ الوَسَقِ، يُقَالُ: وَسَقٌ وَأَوْسُقٌ وَأَوْسَاقٌ، وَالوَسَقُ: سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَجُمْلَهُ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةِ صَاعٍ، يَعْنِي جُمْلَةَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَهِيَ عِشْرُونَ وَمِائَةُ مَكُّوكٍ.
وَالمَكَايِيلُ ثَمَانِيَةُ أَضْرُب: الصَّاعُ، وَالْمُدُّ، وَالفَرَقُ، وَالقِسْطُ، وَالْمُدْي، وَالْمَخْتُومُ، وَالفَفِيزُ، وَالْمُكُّوكُ.
إِلَّا أَنَّ مَدَارَ الحُكْمِ فِي الأَكْثَرِ عَلَى الصَّاعِ وَالْمُدَّ.
فَـ (الصَّاعُ) عِنْدَ عُلَمَائِنَا: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا (كَانَتْ تَغْتَسِلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ هُوَ الفَرَقُ) (٢).
وَ (الفَرَقُ): ثَلَاثَةٌ أَصُوعٍ، وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا؛ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، وَالرَّطْلُ: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَزْنُ سَبْعَةٍ.
وَ (القِسْطُ) نِصْفُ صَاعٍ.
وَ (الْمُدُّ) رُبْعُ صَاعٍ.
وَ (الْمُدْيُ) سَبْعَةُ أَصُوعٍ وَنِصْفٌ. стр. 1535
وَ (القَفِيزُ) مَعْرُوفٌ.
وَ (الْمَكُّوكُ) صَاعَانِ وَنِصْفٌ.
وَ (الْمَخْتُومُ) هُوَ الصَّاعُ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَخْتُومًا لِأَنَّ الأُمَرَاءَ جَعَلَتْ عَلَى أَعْلَاهُ خَاتَمًا مَطْبُوعًا لِئَلَّا يُزَادَ فِيهِ وَلَا يُنْتَقَصَ مِنْهُ.
قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (١): قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: قُلْ فَرَقٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَلَا تَقُلْ فَرْقٌ، قَالَ: وَالفَرَقُ اثْنَا عَشَرَ مُدًّا.
قَالَ أَبُو الهَيْثَمِ: هُوَ إِنَاءٌ يَأْخُذُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَصُوعٍ، وَفِي الحَدِيثِ: (مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ تَصَاحِب فَرَقِ الأَرُزِّ فَلْيَكُنْ مِثْلَهُ) (٢).
وَأَمَّا الوَسْقُ، فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَيْنِ (٣): الوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، فَالوَسْقُ عَلَى هَذَا الحِسَابِ: مِائَةٌ وَسِتُّونَ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الوَسْقُ: الحِمْلُ، وَكُلُّ شَيْءٍ حَمَلْتَهُ فَقَدْ وَسَقْتَهُ، تَقُولُ стр. 1536
العَرَبُ: لَا أَفْعَلُ هَذَا مَا وَسَقَتْ عَيْنُ المَاءَ، أَيْ: حَمَلَتْ.
وَقَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ (١)، أَيْ: وَمَا جَمَعَ، وَأَوْسَقَتِ البَعِيرَ حَمَّلَتُهُ حِمْلَهُ.
قَالَ الرَّاجِزُ (٢):
أَيْنَ الشِّظَاظَانِ وَأَيْنَ الْمِرْبَعَه … وَأَيْنَ وَسْقُ النَّاقَةِ المُطَبَّعَه
(الشِّظَاظَانِ): العُودَانِ اللَّذَانِ يُجْعَلَانِ فِي عُرَى الجَوَالِقِ، وَ (الْمِرْبَعَةُ): عَصَى يُرْفَعُ بِهَا الحِمْلُ عَلَى البَعِيرِ، وَ (الْمُطَبَّعَةُ): الْمُثْقَلَةُ.
وَمَنْ رَوَى خَمْسُ أَوْسُقٍ بِغَيْرِ هَاءٍ حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى، أَرَادَ بِذَلِكَ التَّأْنِيثَ.
وَمِنْ بَابِ: مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ
* رَوَى البُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ ﵁، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٣)) (٤). стр. 1537
هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: (مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ؛ جَعَلَهَا اللهُ طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ).
قَالَ أَهْلُ العِلْمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (١)، هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (٢) فِيهِ تَوَعُدٌ عَلَى كَنْزِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ.
وَالكَنْزُ مِنَ الأَمْوَالِ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٣): مَا لَمْ يُؤَدَّ [١٧] زَكَاتُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَدْفُونًا أَوْ ظَاهِرًا، وَمَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَيْرٍ سَوَاءٌ كَانَ مَدْفُونًا أَوْ ظَاهِرًا.
قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ فِي الآية: الكَنْزُ الْمَالُ الْمَدْفُونُ سَوَاءٌ أُدِّيَتَ زَكَاتُهُ أَمْ لَا، لأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ هَذَا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي حَقِّ مَنْ يَحُوزُ الأَمْوَالَ وَيَدْفِنُهَا دُونَ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ مِنْهَا.
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الشَّافِعِي ﵀ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (فَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ، أَنَا مَالُكَ) (٤). стр. 1538
* وَقَالَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بن وَهْبٍ: (مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ ﵁، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا؟ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ؛ فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، قَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁: نَزَلَتْ فِي أَهْل الكِتَابِ، فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ، فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ، وَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنَّ اقْدِم الْمَدِينَةَ، فَقَدِمْتُهَا، فَكَثْرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ ﵁، فَقَالَ لِي: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا، فَذَاكَ أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ) (٢).
قَوْلُ مُعَاوِيَةَ ﵁ (نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الكِتَابِ): نَظَرَ إِلَى سِيَاقِ الْآيَةِ، فَرَآهَا نَزَلَتْ فِي الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَلَا يَرَوْنَ وُجُوبَهَا، وَرَأَى هَذَا الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِهِمْ أَلْيَقَ.
وَنَظَرَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ إِلَى عُمُومِ الآيَةِ، وَأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِيهِمْ [فَكَذَلِكَ] (٣) مَنْ لَا يَرَى وُجُوبَ الزَّكَاةِ وَلَا يَرَى أَدَاءَهَا يَلْحَقُهُ هَذَا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ أَيْضًا، فَخَافَ مُعَاوِيَةُ ﵁ أَنْ يَقَعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ خِلَافٌ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ ﵁، وَكَانَ مُوَلًى بِالشَّامِ مِنْ قِبْلِهِ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ ﵁ إِلَى أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنِ اقْدِمِ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا قَدِمَهَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ عَنِ القِصَّةِ، وَمَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ ﵁ مِنَ الكَلَامِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو ذَرٍّ خَافَ أَنْ يُعَاتِبَهُ ﵁ فِي ذَلِكَ، فَذَكَرَ لَهُ كَثْرَةَ النَّاسِ عَلَيْهِ، стр. 1539
وَتَعَجُّبَهُمْ مِنْ حَالِهِ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: (إِنْ شِئْتَ تَنَجَّيْتَ) أَيْ: إِنْ كُنْتَ تَخْشَى وُقُوعَ فِتْنَةٍ أَوْ شُبْهِةٍ فَاسْكُنْ مَكَانًا قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ، فَنَزَلَ الرَّبْذَةَ، ثُمَّ قَالَ: (وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ)، أَخْبَرَ أَنَّ طَاعَةَ الخُلَفَاءِ وَالأُمَرَاءِ وَاجِبَةٌ، حَتَّى لَوْ أَمَّرَ الخَلِيفَةُ حَبَشِيًا كَانَ [عَلَى] (١) الرَّعِيَّةِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ.
* * *
* وَقَالَ فِي حَدِيثِ الأَحْنَفِ بن قَيْسٍ: (جَلَسْتُ إِلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ، حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: لَا أُرَى الْقَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ. قَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا؟ قَالَ لِي خَلِيلِي ﷺ قَالَ: قُلْتُ: وَمَنْ خَلِيلُكَ؟ [قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ ] (٢): (يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟) قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: (مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحْدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ) وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينِ حَتَّى أَلْقَى الله) (٣).
قَوْلُهُ: (إِلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ) أَيْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ. стр. 1540
وَ (الهَيْئَةُ) الصِّفَةُ الحَالَةُ.
وَ (الكَانِزُ) فَاعِلٌ مِنْ كَنَزَ المَالَ، فَإِذَا كَثُرَ هَذَا الفِعْلُ مِنْهُ فَهُو كَنَّازٌ.
وَالكَنْزُ فِي اللُّغَةِ (١): الجَمْعُ، وَنَاقَةٌ كِنَازُ اللَّحْمِ أَيْ: مُجْتَمِعَتُهُ، وَكُلُّ مُجْتَمِعٍ مُكْتَنَزٌ، وَكَنَزْتُ الثَّمْرَ فِي وِعَائِهِ أَكْنِزُهُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ ذَهَبَ فِي تَفْسِيرِ الآيَةِ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللُّغَةِ.
قَالَ ابْنُ دَاوُدَ وَأَصْحَابُ الظَّاهِرِ (٢): الكَنْزُ فِي اللُّغَةِ المَالُ المَدْفُونُ سَوَاءٌ أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ أَمْ لَا.
فَفِي قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ ﵁: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا) (٣) دَلِيلٌ أَنَّ الكَنْزَ عِنْدَهُ جَمْعُ المَالِ.
وَفِي قَوْلِهِ: (بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ) (٤) دَلِيلٌ عِنْدَهُ أَيْضًا أَنَّ الوَعِيدَ فِي الآيَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ يَجْمَعُ المَالَ، أَوْ يَدْفِنُ المَالَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (كُلُّ مَالٍ لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ لَمْ يُدْفَنْ، وَكُلُّ مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ دُفِنَ) (٥)، стр. 1541
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ) يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (١)، أَيْ: مَا فَضَلَ عَنِ الْكِفَايَةِ كَانَ فَرْضًا عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ، فَلَمَّا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ نُسِخَ هَذَا المَعْنَى، فَكَانَ مَنْ أَدَّى زَكَاتَهُ خَرَجَ مِنْ عُهْدَةِ هَذَا الوَعِيدِ.
وَقَوْلُهُ: (بِرَضْفٍ) أَيْ: بِحَجَرٍ يُحْمَى.
وَقَوْلُهُ: (عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): الحَلَمَةُ: الهُنيَّةُ الشَّاخِصَةُ مِنَ الثَّدْيِ، وَالهُنيَّةُ: تَصْغِيرُ الهَنَّةِ، وَالهَنَّةُ الشَّيْءُ الصَّغِيرُ الحَقِيرُ.
قَالَ صَاحِبُ المُجْمَلِ (٣): حَلَمَنَا الثَّدْي: النَاتِئَتَانِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ (مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ) يَعْنِي خَاتَمَ النُّبُوَّةِ. стр. 1542
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَل (١): "النَّاغِضُ: غُضْرُوفُ الكَتِفِ وَالأُذُنِ، وَالنَّغَضَانُ: تَحَرُّكُ الأَسْنَانِ، وَالإِنْغَاصُ: تَحْرِيكُ رَأْسِكَ نَحْوَ صَاحِبِكَ كَالمُتَعَجِّبِ".
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِير فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ (٢)، أَيْ: يُحَرِّكُونَهَا عَلَى سَبِيلِ الهُزُء. وَقَوْلُهُ: (يَتَزَلْزَلُ) أَيْ: يَتَحَرَّكُ وَيَضْطَرِبُ، وَفَاعِلُ يَتَزَلْزَلُ هُوَ الرَّضَفُ.
وَ (السَّارِيَةُ): الأُسْطُوَانَةُ.
وَقَوْلُهُ (قَالَ: قُلْتُ: وَمَنْ خَلِيلُكَ؟) سَقَطَتْ كَلِمَةٌ مِنَ الكِتَابِ، وَهِيَ: فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: النَّبِيُّ ﷺ .
وَقَوْلُهُ: (يَا أَبَا ذَرٍّ) تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (قَالَ لِي خَلِيلِي).
وَقَوْلُهُ: (مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ؟) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ؟
وَقَوْلُهُ: (نَعَمْ) جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: (أَتَبْصِرُ أُحُدًا؟).
وَقَوْلُهُ: (أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا) قَوْلُهُ: (ذَهَبًا) نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ.
(إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ) نُصِبَ عَلَى الاسْتِثْنَاءِ، يَعْنِي: دَنَانِيرَ كَانَ يُعِدُّهَا لِدَيْنِ عَلَيْهِ.
(لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا) يَعْنِي: لَا أَطْمَعُ فِي دُنْيَاهُمْ.
(وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينِ) أَيْ: وَلَا أَسْأَلُهُمْ عَنْ أَحْكَامِ الدِّينِ، أَيْ: أَقْنَعُ стр. 1543
بِالبُلْغَةِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَرْضَى بِمَا سَمِعْتُ مِنَ العِلْمِ، يَكْفِينِي مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَا تَعَلَّمْتُهُ فِي أَيَّامٍ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄.
كَانَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ اللهُ أَمَّارًا بِالْمَعْرُوفِ، زَاهِدًا عَنِ الدُّنْيَا، يَقُولُ الحَقَّ وَلَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ.
وَمِنْ بَابِ: إِنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ
* وَقَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْن … ) (١).
(الحَسَدُ) هُنَا بِمَعْنَى الغِبْطَةِ، أَيْ: لَا مَوْضِعَ لِلْغِبْطَةِ إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): غَبَطْتُهُ، أَيْ: تَمَنَّيْتُ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ مَا لَهُ، أَيْ: لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ مَا لِصَاحِبِهِ إِلَّا فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ، فَفِيهِمَا مَوْضِعُ التَّنَافُسِ، وَمَا سِوَى هَذَيْنِ فَلَا مَوْضِعَ لِلتَّنَافُسِ فِيهِ.
وَمِنْ بَابِ: الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
* قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ … ) الحَدِيثَ (٣).
(العِدْلُ): مَا عَادَلَ الشَّيْء مِنْ جِنْسِهِ، وَالعَدْلُ: مَا عَادَلَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. следующие страницы →