Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1539–1578 · переход к 1544.
стр. 1539
وَتَعَجُّبَهُمْ مِنْ حَالِهِ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: (إِنْ شِئْتَ تَنَجَّيْتَ) أَيْ: إِنْ كُنْتَ تَخْشَى وُقُوعَ فِتْنَةٍ أَوْ شُبْهِةٍ فَاسْكُنْ مَكَانًا قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ، فَنَزَلَ الرَّبْذَةَ، ثُمَّ قَالَ: (وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ)، أَخْبَرَ أَنَّ طَاعَةَ الخُلَفَاءِ وَالأُمَرَاءِ وَاجِبَةٌ، حَتَّى لَوْ أَمَّرَ الخَلِيفَةُ حَبَشِيًا كَانَ [عَلَى] (١) الرَّعِيَّةِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ.
* * *
* وَقَالَ فِي حَدِيثِ الأَحْنَفِ بن قَيْسٍ: (جَلَسْتُ إِلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ، حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: لَا أُرَى الْقَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ. قَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا؟ قَالَ لِي خَلِيلِي ﷺ قَالَ: قُلْتُ: وَمَنْ خَلِيلُكَ؟ [قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ ] (٢): (يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟) قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: (مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحْدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ) وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينِ حَتَّى أَلْقَى الله) (٣).
قَوْلُهُ: (إِلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ) أَيْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ. стр. 1540
وَ (الهَيْئَةُ) الصِّفَةُ الحَالَةُ.
وَ (الكَانِزُ) فَاعِلٌ مِنْ كَنَزَ المَالَ، فَإِذَا كَثُرَ هَذَا الفِعْلُ مِنْهُ فَهُو كَنَّازٌ.
وَالكَنْزُ فِي اللُّغَةِ (١): الجَمْعُ، وَنَاقَةٌ كِنَازُ اللَّحْمِ أَيْ: مُجْتَمِعَتُهُ، وَكُلُّ مُجْتَمِعٍ مُكْتَنَزٌ، وَكَنَزْتُ الثَّمْرَ فِي وِعَائِهِ أَكْنِزُهُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ ذَهَبَ فِي تَفْسِيرِ الآيَةِ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللُّغَةِ.
قَالَ ابْنُ دَاوُدَ وَأَصْحَابُ الظَّاهِرِ (٢): الكَنْزُ فِي اللُّغَةِ المَالُ المَدْفُونُ سَوَاءٌ أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ أَمْ لَا.
فَفِي قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ ﵁: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا) (٣) دَلِيلٌ أَنَّ الكَنْزَ عِنْدَهُ جَمْعُ المَالِ.
وَفِي قَوْلِهِ: (بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ) (٤) دَلِيلٌ عِنْدَهُ أَيْضًا أَنَّ الوَعِيدَ فِي الآيَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ يَجْمَعُ المَالَ، أَوْ يَدْفِنُ المَالَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (كُلُّ مَالٍ لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ لَمْ يُدْفَنْ، وَكُلُّ مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ دُفِنَ) (٥)، стр. 1541
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ) يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (١)، أَيْ: مَا فَضَلَ عَنِ الْكِفَايَةِ كَانَ فَرْضًا عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ، فَلَمَّا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ نُسِخَ هَذَا المَعْنَى، فَكَانَ مَنْ أَدَّى زَكَاتَهُ خَرَجَ مِنْ عُهْدَةِ هَذَا الوَعِيدِ.
وَقَوْلُهُ: (بِرَضْفٍ) أَيْ: بِحَجَرٍ يُحْمَى.
وَقَوْلُهُ: (عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): الحَلَمَةُ: الهُنيَّةُ الشَّاخِصَةُ مِنَ الثَّدْيِ، وَالهُنيَّةُ: تَصْغِيرُ الهَنَّةِ، وَالهَنَّةُ الشَّيْءُ الصَّغِيرُ الحَقِيرُ.
قَالَ صَاحِبُ المُجْمَلِ (٣): حَلَمَنَا الثَّدْي: النَاتِئَتَانِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ (مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ) يَعْنِي خَاتَمَ النُّبُوَّةِ. стр. 1542
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَل (١): "النَّاغِضُ: غُضْرُوفُ الكَتِفِ وَالأُذُنِ، وَالنَّغَضَانُ: تَحَرُّكُ الأَسْنَانِ، وَالإِنْغَاصُ: تَحْرِيكُ رَأْسِكَ نَحْوَ صَاحِبِكَ كَالمُتَعَجِّبِ".
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِير فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ (٢)، أَيْ: يُحَرِّكُونَهَا عَلَى سَبِيلِ الهُزُء. وَقَوْلُهُ: (يَتَزَلْزَلُ) أَيْ: يَتَحَرَّكُ وَيَضْطَرِبُ، وَفَاعِلُ يَتَزَلْزَلُ هُوَ الرَّضَفُ.
وَ (السَّارِيَةُ): الأُسْطُوَانَةُ.
وَقَوْلُهُ (قَالَ: قُلْتُ: وَمَنْ خَلِيلُكَ؟) سَقَطَتْ كَلِمَةٌ مِنَ الكِتَابِ، وَهِيَ: فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: النَّبِيُّ ﷺ .
وَقَوْلُهُ: (يَا أَبَا ذَرٍّ) تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (قَالَ لِي خَلِيلِي).
وَقَوْلُهُ: (مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ؟) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ؟
وَقَوْلُهُ: (نَعَمْ) جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: (أَتَبْصِرُ أُحُدًا؟).
وَقَوْلُهُ: (أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا) قَوْلُهُ: (ذَهَبًا) نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ.
(إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ) نُصِبَ عَلَى الاسْتِثْنَاءِ، يَعْنِي: دَنَانِيرَ كَانَ يُعِدُّهَا لِدَيْنِ عَلَيْهِ.
(لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا) يَعْنِي: لَا أَطْمَعُ فِي دُنْيَاهُمْ.
(وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينِ) أَيْ: وَلَا أَسْأَلُهُمْ عَنْ أَحْكَامِ الدِّينِ، أَيْ: أَقْنَعُ стр. 1543
بِالبُلْغَةِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَرْضَى بِمَا سَمِعْتُ مِنَ العِلْمِ، يَكْفِينِي مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَا تَعَلَّمْتُهُ فِي أَيَّامٍ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄.
كَانَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ اللهُ أَمَّارًا بِالْمَعْرُوفِ، زَاهِدًا عَنِ الدُّنْيَا، يَقُولُ الحَقَّ وَلَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ.
وَمِنْ بَابِ: إِنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ
* وَقَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْن … ) (١).
(الحَسَدُ) هُنَا بِمَعْنَى الغِبْطَةِ، أَيْ: لَا مَوْضِعَ لِلْغِبْطَةِ إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): غَبَطْتُهُ، أَيْ: تَمَنَّيْتُ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ مَا لَهُ، أَيْ: لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ مَا لِصَاحِبِهِ إِلَّا فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ، فَفِيهِمَا مَوْضِعُ التَّنَافُسِ، وَمَا سِوَى هَذَيْنِ فَلَا مَوْضِعَ لِلتَّنَافُسِ فِيهِ.
وَمِنْ بَابِ: الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
* قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ … ) الحَدِيثَ (٣).
(العِدْلُ): مَا عَادَلَ الشَّيْء مِنْ جِنْسِهِ، وَالعَدْلُ: مَا عَادَلَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. стр. 1544
تَقُولُ: عِنْدِي عِدْلُ دَرَاهِمِكَ مِنَ الدَّرَاهِمِ، وَعِنْدِي عَدْلُ دَرَاهِمِكَ مِنَ الثِّيَابِ.
وَقَالَ البَصْرِيُّونَ: العِدْلُ وَالعَدْلُ لُغَتَانِ، وَقِيلَ: العَدْلُ: القِيمَةُ.
وَقَوْلُهُ: (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ) الفُلُوُّ: المُهْرُ حِيْنَ يُفْطَمُ.
وَمِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِ
* حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبُّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى? يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لَا أَرَبَ لِي) (١).
قَوْلُهُ: (فَيَفِيض) يُقَالُ: فَاضَ الإِنَاءُ إِذَا امْتَلأَ، وَأَفَاضَهُ: مَلأَهُ حَتَّى يَفِيضَ.
وَقَوْلُهُ (حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ) (رَبَّ المالِ): مَفْعُولُ يُهِمَّ، وَ (مَنْ يَقْبَلُ) فَاعِلَ يَهِمَّ.
يُقَالُ: هَمَّهُ أَيْ حَزَنَهُ.
وَيَحْتَملُ: (حَتَّى يُهِمَّ) بِضَمِّ اليَاءِ، يُقَالُ: أَهَمَّنِي الأَمْرُ: أَقْلَقَنِي، وَالمَعْنَى: حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ بِقَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنْهُ، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، لَمَّا كَانَ حُزْنُهُ بِسَبَبِهِ جُعِلَ كَأَنَّهُ هُوَ المُفْلِقُ لَهُ، وَأَنَّهُ الَّذِي يُحْزِنِهُ.
وَقَوْلُهُ: (لَا أَرَبَ لِي) أَيْ: لَا حَاجَةَ لِي، المَعْنَى: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، كَأَنَّهُ سَقَطَ قَوْلُهُ: (فِيهِ) مِنَ الكِتَابِ. стр. 1545
وَقَدْ وُجِدَتْ هَذِهِ الحَالُ فِي أَيَّامِ الصَّحَابَةِ ﵃، كَانَ يُعْرَضُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ فَيَأْبَوْنَ قَبُولَهَا.
* * *
* وَقَالَ فِي حَدِيثِ عَدِي بْنِ حَاتِمٍ ﵁: (فَجَاءَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ وَالْآخَرُ يَشْكُو قَطَّعَ السَّبِيلِ … ) الحَدِيثَ (١).
(العَيْلَةُ): الفَقْرُ.
وَ (قَطْعُ السَّبِيلِ): فَسَادُ السُّرَّاقِ وَاللُّصُوصِ، فَقَالَ ﷺ : (أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ الْعِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ).
(العِيرُ): القَافِلَةُ، يَعْنِي: تَخْرُجُ العِيرُ مِنَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): (الخَفِيرُ): الَّذِي يَكُونُ القَوْمُ فِي ضَمَانِهِ وَخَفَارَتِهِ، أَيْ: ذِمَّتِهِ.
* وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي خُفْرَةِ اللَّهِ) (٣) стр. 1546
أَيْ: فِي ذِمَّتِهِ وَجِوَارِهِ.
وَالخُفْرَةُ وَالخَفَارَةُ سَوَاءٌ.
* * *
* وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ) (١).
قَوْلُهُ: (يَلُذْنَ بِهِ) يُقَالُ: لَاذَ بِهِ أَيْ اسْتَتَرَ بِهِ، وَقِيلَ: لَاذَ بِهِ أَيْ: اسْتَغَاثَ بِهِ.
وَالْمَعْنَى: يَلْتَجِئْنَ إِلَيْهِ وَيَرْغَبْنَ فِيهِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): لَاذَ لِيَاذًا، وَلَاوَذَ لِوَاذًا، فَتَصِحُّ الوَاوُ فِي فَاعَلَ، وَتَعْتَلُّ فِي فَعَلَ، مِثْلَ: قَامَ قِيَامًا، وَقَاوَمَ قِوَامًا.
وَمِنْ بَابِ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ
* حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ هُوَ الأَنْصَارِيُّ: (لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا: مُرَائِي) (٣).
(نُحَامِلُ) أَيْ نَحْمِلُ الحِمْلَ بِأَجْرَةٍ، يُقَالُ: حَامَلْتُهُ كَمَا تَقُولُ: زَارَعْتُهُ، وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ: (فَتَحَامَلَ، فَيُصِيبُ المُدَّ) أَي فَيَكْرِي نَفْسَهُ وَيُؤَاجِرُهَا بِمُدٍّ يَأْخُذُهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) يَصِفُ شِدَّةَ الزَّمَانِ فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَثْرَةَ الفُتُوح، وَكَثْرَةَ الْمَالِ فِي أَيَّامِ الصَّحَابَةِ (٤)، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ стр. 1547
يَمْلِكُ مِائَةَ أَلْفٍ.
قَوْلُهُ: (لَمِائَةَ أَلْفٍ) نَصْبُ اسْمِ إِنَّ، (وَلِبَعْضِهِمْ) خَبَرُ إِنَّ، (اليَوْمَ) نُصِبَ عَلَى الظُّرْفِ.
وَالظَّرْفُ ظَرْفَانِ: ظَرْفُ مَكَانٍ، وَظَرْفُ زَمَانٍ، فَظَرْفُ الزَّمَانِ قَوْلُهُمْ: القِتَالُ اليَوْمُ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ، وَظَرْفُ المَكَانِ: زَيْدٌ عِنْدَكَ.
وَالظَّرْفُ فِي اللُّغَةِ: كُلُّ مَا حَوَى شَيْئًا كَالجَرَّةِ وَالكُوزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَسُمِّيَ الزَّمَانُ [وَالمَكَانُ] (١) ظَرْفَيْنِ لاحْتِوَائِهِمَا عَلَى الشَّيْءِ.
وَمِنْ بَاب: فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ
* حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟) (٢) (أَيُّ): ابْتَدَاءٌ، (وَأَعْظَمُ أَجْرًا): خَبَرُهُ، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ.
قَالَ أَهْلُ النَّحْو: (أَيُّ) اسْمٌ لِلْبَعْضِ مِنَ الكُلِّ، وَهُوَ مُعْرَبٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يُبْنَ لِلُزُومِ الإِضَافَةِ لَهُ، وَالإِضَافَةُ وَالبِنَاءُ يَتَدَافَعَانِ، لِأَنَّ الإِضَافَةَ مِنْ أَمَارَاتِ التَّمَكُّنِ.
وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ بَعْضَ الْمَرَضِ يُقَصِرُ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ بَعْضٍ مُلْكِهِ، وَلِذَلِكَ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ المُتَصَدِّقُ صَحِيحَ البَدَنِ، شَحِيحًا بِالمَالِ، يَجِدُ لَهُ وَقْعًا فِي قَلْبِهِ، لِمَا يَأْمُلُهُ مِنْ طُولِ العُمُرِ، وَيَخَافُهُ مِنْ حُدُوثِ الفَقْرِ. стр. 1548
وَقَوْلُهُ: (لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا) يَعْنِي: المُوصَى لَهُ بِالمَالِ.
وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) يَعْنِي لِلْوَارِثِ، لِأَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَبْطَلَهُ وَلَمْ يُجِزْهُ.
وَقَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ) (١) يَعْنِي النَّفْسَ، وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ، وَلَكِنَّ المُرَادَ مِنْهُ مَفهومٌ.
* * *
* وَقَالَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: (إِنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا [به] (٢)، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ) (٣).
قَوْلُهُ: (قُلْنَ لِبَعْضٍ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ نِسَاءٌ، كَمَا أَنَّ كُلَّهُنَّ نِسَاءٌ.
وَقَوْلُهُ: (أَيُّنَا أَسْرَعُ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَ (لُحُوقًا) نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَكَذَلِكَ (يَدًا).
(أَطْوَلُكُنَّ) رَفْعُ خَبَرٍ مُبْتَدَأَ مَحْذُوفٍ، أَيْ: أَسْرَعُكُنَّ بِي لُحُوقًا أَطْوَلُكُنَّ يَدًا.
وَ (القَصَبَةُ): وَاحِدَةُ القَصَبِ. стр. 1549
وَ (يَذْرَعُونَهَا) أَيْ: يُقَدِّرُونَهَا بِذِرَاعٍ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَيُّهَا أَطْوَلُ.
وَقَوْلُهُ: (فَأَخَذُوا)، وَقَوْلُهُ: (يَذْرَعُونَهَا) الضَّمِيرُ لِمَعْنَى الجَمْعِ، لَا لِلَفْظِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ.
وَقَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ) [الصَّدَقَةُ] (١) رَفْعُ اسْمِ كَانَ، وَ (طُولَ يَدِهَا): نَصْبُ خَبَرِ كَانَ.
وَمَعْنَى طُولِ اليَدِ هَا هُنَا: كَثرَةُ الصَّدَقَةِ، نَظَرُوا إِلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ (٢)، فَلَمَّا مَاتَتْ سَوْدَةُ عَلِمُوا أَنَّ المُرَادَ بِطُولِ اليَدِ كَثْرَةُ الصَّدَقَةِ.
وَقَوْلُهُ: (فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا) كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا مِنْ طَرِيقِ الْمِسَاحَةِ، وَأَطْوَلَهُنَّ يَدًا مِنْ طَرِيقِ الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا مَاتَتْ سَوْدَةُ ﵂ عَلِمُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كَثْرَةُ العَطَاءِ وَالصَّدَقَةِ.
وَمِنْ بَاب: صَدَقَةِ السِّرِّ وَمِنْ بَابِ: إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، وَإِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
* حَدِيثُ أَبِي الجُوَيْرِيَةِ (٣) أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ قَالَ: (بَايِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ، فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ стр. 1550
بِهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ) (١).
(خَطَبَ عَلَيَّ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: خُطِبَتْ المَرْأَةُ إِلَى فَلَانٍ خِطْبَةً، فَكَأَنَّ قَوْلَهُمْ: (إِلَى فُلَانٍ) إِذَا أَرَادَهَا لِنَفْسِهِ، (وَخَطَبَهَا عَلَيَّ فُلَانٌ) إِذَا أَرَادَهَا لِغَيْرِهِ، كَأَنَّ قَوْلَهُ: (خَطَبَ عَلَيَّ) أَيْ: طَلَبَ مِنْ وَلِيٍّ الْمَرْأَةِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنِّي.
فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: (فَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ فَأَفْلَجَنِي) (٢)، يَعْنِي: حَكَمَ لِي، أَيْ: أَظْفَرَنِي بِمُرَادِي، يُقَالُ: فُلِجَ الرَّجُلُ عَلَى خَصْمِهِ إِذَا ظَفِرَ بِهِ، وَأَفْلَجَهُ فُلَانٌ عَلَى خَصْمِهِ، أَيْ: مَكَّنَهُ مِنَ الظَّفَر عَلَيْهِ.
قَالَ صَاحِبُ المُجْمَلِ (٣): فُلِجَ الرَّجُلُ عَلَى خَصْمِهِ إِذَا غَلَبَهُ.
وَقَوْلُهُ: (لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ) كَانَ يَزِيدُ نَوَى أَنْ تُصْرَفَ تِلْكَ الدَّنَانِيرُ إِلَى المَسَاكِينِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَأْخُذَهَا ابْنُهُ، وَكَانَ الابْنُ مُحْتَاجًا فَأَخَذَهَا.
(مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ) مِنْ أَجْرِ الصَّدَقَةِ، لِأَنَّكَ نَوَيْتَ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَابْنُكَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا، (وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ) لِأَنَّكَ أَخَذْتَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا. стр. 1551
* وَفِي حَدِيثِ حَارِثَةَ: (لَوْ جِئْتَ [بِهَا] (١) بِالأَمْسِ) (٢): الكَسْرَةُ فِي السِّينِ كَسْرَةُ إِعْرَابٍ.
وَقَوْلُهُ: (فَأَمَّا اليَوْمَ) (أَمَّا) حَرْفٌ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الجَزَاءِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ جَوَابٍ بالفَاءِ، وَجَوَابُهُ هَا هُنَا: (فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا).
* * *
* وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا … ) الحَدِيثَ (٣).
قَالَ الخَطَّابِيُّ (٤): مَخْرَجُ هَذَا الكَلَامِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى العُرْفِ الجَارِي فِي إِطْلَاقِ رَبِّ البَيْتِ لِزَوْجَتِهِ إِطْعَامَ الضَّيْفِ، وَالتَّصَدُّقَ عَلَى السَّائِلِ، فَنَدَبَ رَبَّةَ البَيْتِ إِلَى ذَلِكَ، وَرَغَّبَهَا فِي الفِعْلِ الجَمِيلِ، وَتَرْكِ الضِّنَّةِ وَالإِمْسَاكِ، وَأَمَرَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الإِصْلَاح مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ وَلَا إِسْرَافٍ، وَكَذَلِكَ الخَازِنُ، لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا تَحْتَ يَدِهِ، فَحَضَ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى التَّعَاوُنِ وَاسْتِيفَاءِ الحَظِّ مِنْ ذَلِكَ، وَحِيَازَةِ الأَجْرِ فِيهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ السَّرَّاجُ (٥)، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ (٦) بْنُ الحَسَنِ стр. 1552
الأَزْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ الإِسْفِرَاينِي (١)، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَجَاءٍ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَفٍ (٢)، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عَوَانَةَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ.
وَحَدَّثَنَا وَالِدِي مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْل (٤) - وَلَفْظُ الحَدِيثِ لَهُ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ (٥)، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا الفَرَبْرِيُّ [حَدَّثَنَا البُخَارِيُّ] (٦)، حَدَّثَنَا стр. 1553
مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي خَبِيب (١) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَة ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) (٢).
وَفِي هَذَا الحَدِيثِ فَضْلُ العَدْلِ، وَفَضِيلَةُ الإِمَامِ العَادِلِ، وَفَضِيلَةُ الشَّابِّ الَّذِي يَصْرِفُ أَيَّامَهُ إِلَى الخَيْرِ وَالعِبَادَةِ، وَلَا يُضِيِّعُهَا، وَفَضْلُ الْمُصَلِّي فِي المَسْجِدِ وَالْمُسَارِعِ إِلَيْهِ، وَفَضْلُ الْمَحَبَّةِ فِي اللهِ، وَفَضْلُ العِفَّةِ.
وَفي رِوَايَةٍ: (دَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا).
وَ (المَنْصِبُ): الأَصْلُ وَالشَّرَفُ.
وَفِيهِ فَضِيلَةُ كِتْمَانِ الصَّدَقَةِ، وَاسْتِحْبَابُ إِعْطَاءِ الصَّدَقَةِ بِاليَمِينِ، وَاسْتِحْبَابُ ذِكْرِ اللهِ فِي الخُلْوَةِ وَفَضْلُ البُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الخِصَالِ كَانَ بَعْض دَلِيل خَيْرِهِ، وَمَنْ وَفَّقَهُ لِخَصْلَةٍ مِنْهَا يُرْجَى لَهُ نَيْلُ البُغْيَةِ وَالأَمْن فِي القِيَامَةِ مِنَ الشَّدَائِدِ.
وَقَوْلُهُ: (وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ) أَيْ: هِمَّتُهُ فِي لُزُومِ المَسَاجِدِ стр. 1554
وَالاشْتِغَالِ بِالعِبَادَةِ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ([قَالَ] (١) رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ) وَذَكَرَ الحَدِيثَ (٢).
فِي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الله يَجْزِي العَبْدَ عَلَى حَسْبِ نِيَّتِهِ فِي الخَيْرِ، لأَنَّ هَذَا الْمُتَصَدِّقَ لَمَّا قَصَدَ بِصَدَقَتِهِ وَجْهَ اللهِ قُبِلَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يَضُرَّهُ وَضْعُهَا عِنْدَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَكَانَ فِي ذَلِكَ اعْتِبَارٌ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَتَحَوَّلَ [إِلَى] (٣) الحَالِ الْمَحْمُودَةِ، فَيَسْتَعِفَّ السَّارِقُ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَالزَّانِيَةُ عَنْ زِنَاهَا، وَالغَنِيُّ يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ.
وَمِنْ بَاب: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنَى
* قَالَ البُخَارِيُّ: (وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ، أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ، أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْتَضَى مِنَ الصَّدَقَةِ وَالعِتْقِ وَالهِبَةِ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ).
هَذَا البَابُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنَّ الأَفْضَلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يَفْضُلُ عَنْهُ، وَأَنْ يُمْسِكَ قَدْرَ الكَفَافِ، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا يَفْضُلُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَصَرَفَهُ إِلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ وَالعِتْقِ وَالهَدِيَّة فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ، أَيْ: لَيْسَ بِمَقْبُولٍ عَنْهُ، لِأَنَّ قضَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ، وَالصَّدَقَةَ تَطَوُّعٌ. стр. 1555
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا) (١) أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَنْ أَخَذَ دَيْنًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، وَلَا يَجِدُ مَا يَقْتَضِي بِهِ الدَّيْنَ، فَقَدْ دَخَلَ تَحْتَ هَذَا الوَعِيدِ.
وَقَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ، فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَيَبْقَى مُحْتَاجًا، ثُمَّ لَا يَصْبِرُ عَلَى الفَقْرِ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَقْدِرُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى الفَقْرِ، فَلَمْ يَنْهَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَعَرَفَ مِنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَلَى الفَاقَةِ وَالحَاجَةِ فَقَالَ: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ) (٢).
وَفِي حَدِيثِهِ: (الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى) (٣) فَضْلُ الْمُعْطِى عَلَى الْآخِذِ.
وَفِي قَوْلِهِ: (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) بِالهَمْزِ، وَتَرْكِ الهَمْزِ، وَمَعْنَاهُ: ابْدَأْ بِمَنْ تَمُونُ، أَيْ: بِمَنْ بِيَدِكَ مُؤْنَتُهُ، يُقَالُ: عَالَ العِيَالَ إِذَا مَانَهُمْ.
وقَوْلُهُ: (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ) شَرْطٌ وَجَزَاءٌ، وَكَذَلِكَ: (وَمَنْ يَسْتَغْن يُغْنِهِ اللهُ) وَعَلَامَةُ الجَزْمِ فِيهِ: حَذْفُ اليَاءِ، وَالفَتْحُ فِي (يَعِفَّهُ اللَّهُ) أَيْ: مَنْ يَطْلُّبِ الغِنَى مِنَ اللهِ يُعْطِهِ الغِنَى، وَمَنْ طَلَبَ العَفَافَ - وَهُوَ تَرْكُ المَسْأَلَة - يُعْطِهِ اللهُ العَفَافَ. стр. 1556
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ (١)، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ (٢): أَيْ يَتَصَبَّرْ، وَالاسْتِعفَافُ: الصَّبْرُ، وَقَدِ اسْتَعَفَّ وَتَعَفَّفَ.
قَالَ جَرِيرٌ (٣): [مِنَ الطَّوِيلِ]
وَقَائِلَةٍ: مَا لِلْفَرَرْدَقِ لَا يُرَى … عَلَى السِّنِّ يَسْتَغْنِي، وَلَا يَتَعَفَّفُ
أَيْ: لِمَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى النِّكَاحِ مُسْتَغْنِيًا عَنِ السِّفَاحِ مَعَ كِبَرِ سِنِّهِ.
وَالاسْتِغْنَاءُ: طَلَبُ الغِنَى، وَالاسْتِعفَافُ: طَلَبُ العَفَافِ.
وَمِنْ بَاب: مَنْ أَحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا
* قَالَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : ([صَلَّى العَصْرَ] (٤) فَأَسْرَعَ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ فَقَسَمْتُهُ) (٥).
(التِّبْرُ) مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: مَا كَانَ غَيْرَ مَضْرُوبٍ.
وَقَوْلُهُ: (أَنْ أُبَيِّتَهُ) يُقَالُ: بَاتَ الرَّجُلُ أَيْ: دَخَلَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ.
وَبَيَّتُهُ: تَرَكَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ. стр. 1557
وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الخَيْرَ يُبَادَرُ بِهِ، فَإِنَّ الْآفَاتِ تَعْرِضُ، وَالمَوَانِعَ تَمْنَعُ، وَالمَوْتَ لَا يُؤْمَنُ، وَالتَّسْوِيفَ غَيْرُ مَحْمُودٍ.
وَمِنْ بَابِ: التَّحْرِيض عَلَى الصَّدَقَةِ
* حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُلْبَ وَالْخُرْصَ) (١).
(القُلْبُ): السِّوَارُ، وَ (الخُرْصُ): الحَلَقَةُ.
* * *
* وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ (٢) نَبِيِّهِ مَا شَاءَ) (٣).
مَبْنَى البَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ: التَّحْرِيضُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالشَّفَاعَةِ، حَرَّضَ عَلَى الشَّفَاعَةِ بِقَوْلِهِ (اشْفَعُوا) أَيْ: لِيَشْفَعْ بَعْضُكُمْ فِي بَعْضِ يَكُنْ لَكُمُ الْأَجْرُ فِي ذَلِكَ.
(وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ) أَيْ: إِنَّكُمْ إِذَا شَفَعْتُمْ إِلَيَّ فِي حَقِّ طَالِبِ الحَاجَةِ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهُ بِمَا يَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مِنْ تَحْصِيلِ حَاجَتِهِ ونَيْلِ بُغْيَتَهِ، حَصَلَ للسَّائِلِ المَقْصُودُ، وَلَكُمُ الأَجْرُ.
* * * стр. 1558
* وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ) (١).
يُقَالُ: أَوْكَى سِقَاءَهُ: إِذَا شَدَّ فَمَهُ، وَالوِكَاءُ: خَيْطٌ يُشَدُّ بِهِ الجِرَابُ وَغَيْرُهُ.
وَالمُرَادُ مِنَ الحَدِيثِ النَّهْيُّ عَنِ الإِمْسَاكِ وَالبُخْلِ، وَجَمْعِ المَتَاعِ فِي الوِعَاءِ، وَسَدِّهِ وَتَرْكِ الإِنْفَاقِ (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ: (لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ) (٣)، وَفِي رِوَايَةٍ: (لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكَ) (٤) نَصْبُ لِأَنَّه جَوَابُ النَّهْيِ بِالْفَاءِ، وَكَذَلِكَ: (فَيُحْصِيَ اللَّهُ).
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٥): أَوْعَيْتُ الْمَتَاعَ فِي الوِعَاءِ: أَيْ: جَعَلْتُهُ فِيهِ.
وَقَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ (٦) أَيْ: بِمَا يَجْمَعُونَ فِي صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ وَالإِثْمِ.
وَفِي الحَدِيثِ: (ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ) (٧)، الرَّضْحُ: العَطَاءُ لَيْسَ بِالكَثِيرِ: وَالأَلِفُ فِي (ارضَخِي) أَلِفُ وَصْلٍ. стр. 1559
وَقَوْلُهُ: (مَا اسْتَطَعْتِ) أَيْ: مَا دُمْتِ مُستَطِيعَةً قَادِرَةً عَلَى الرَّضْخ (١).
* وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: (إِنِّي أَمَرْتُ لَهُمْ بِرَضْخٍ) (٢).
وَمِنْ بَابِ: الصَّدَقَةِ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ
* حَدِيثُ حُذَيْفَةَ ﵁ (٣).
قَوْلُهُ: (قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ)، أَيْ: إِنَّكَ كُنْتَ كَثِيرَ السُّؤَالِ عَنِ الفِتْنَةِ فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَنْتَ اليَوْمَ جَرِيءٌ عَلَى ذِكْرِهِ، عَالِمٌ (٤) عَلَى ذِكْرِهِ، عَالِمٌ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: (قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ، فَإِنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا) أَشَارَ حُذَيْفَةُ بِهَذَا إِلَى قَتْلِ عُمَرَ ﵁، وَأَشَارَ عُمَرُ ﵁ بِقَوْلِهِ: (لَمْ يُغْلَقُ أَبَدًا) أَنَّهُ إِذَا قُتِلَ ظَهَرَتِ الفِتَنُ فَلَا تَسْكُنُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَكَانَ كَمَا قَالَ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ شَدِيدًا، وَبَابًا دُونَ الفِتْنَةِ، فَلَمَّا قُتِلَ كَثْرَتِ الفِتْنَةُ.
عَلِمَ عُمَرُ ﵁ أَنَّهُ البَابُ، فَقَالَ: (أَمْ يُفْتَحُ؟) إِشَارَةٌ إِلَى مَوْتِهِ مِنْ دُونِ القَتْلِ.
كَانَ يَرْجُو أَنَّ الفِتْنَةَ وَإِنْ بَدَتْ تَسْكُنُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ مَوْتِهِ دُونَ قَتْلِهِ، فَأَمَّا أَنْ تَظْهَرَ بِسَبَبٍ قَتْلِهِ فَلَا تَسْكُنَ أَبَدًا. стр. 1560
وَقَوْلُهُ: (كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً) نَصْبُ اسْمِ إِنَّ، وَ (دُونَ غَدٍ) خَبَرُهُ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ عُمَرَ عَلِمَ أَنِّي عَنَيْتُ بِالبَابِ نَفْسَهُ، كَمَا عَلِمَ أَنَّهُ مَا لَمْ تَنْقَضِ لَيْلَةُ اليَوْمِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ وَلَا يَأْتِي الغَدُ، أَيْ: كَمَا لَا يَشُكُّ أَنَّ اليَوْمَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ يَسْبِقُ اللَّيْلَةَ الَّتِي تَسْتَقْبِلُكَ، وَاللَّيْلَةَ الَّتي تَسْتَقبِلُكَ وَتَسْبِقُ الغَدَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهَا، (وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) يَعْنِي: حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ وَاضِحٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، مِنْ مَعْدِنِ الصِّدْقِ، وَمِنْ رَأْسِ العِلْمِ) (١).
وَقَوْلُهُ: (فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ (٢)): قَالَ أَبُو وَائِلٍ.
وَكَانَ حُذَيْفَةُ ﵁ مَهِيبًا، فَهَابَ أَصْحَابُهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنِ البَابِ، فَقَالُوا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ، وَكَانَ مَسْرُوقٌ أَجْرَأَ عَلَى سُؤَالِهِ لِكَفْرَةِ عِلْمِهِ، وَعُلُوِّ مَنْزِلِتِهِ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: عُمَرُ، أَيْ: هُوَ عُمَرُ، أَيْ: البَابُ، كِنَايَةٌ عَنْ عُمَرَ، ثُمَّ قَالُوا: (وَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي) بِالبَابِ، عَلِمَ أَنَّهُ هُوَ البَابُ؟ قَالَ: نَعَمْ، عِلْمًا لَا شَكَّ فِيهِ.
وَمِنْ بَاب: مَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ
* حَدِيثُ حَكِيمِ بن حِزَامٍ ﵁ قَالَ: (قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةِ) (٣).
(أَتَحَنَّثُ) أَيْ: أَتَعَبَّدُ، يُقَالُ: تَحَنَّثَ فُلَانٌ أَيْ: أَلْقَى الحِنْثَ عَنْ نَفْسِهِ يَعْنِي: стр. 1561
الإِثْمَ، وَتَأَثَّمَ: أَلْقَى الإِثْمَ عَنْ نَفْسِهِ، وَتَحَرَّجَ: أَلْقَى الحَرَجَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقِيلَ: الحِنْثُ: الذَّنْبُ العَظِيمُ، وَقِيلَ: الحِنْتُ: الحِمْلُ الثَّقِيلُ، وَيُقَالُ: بَلَغَ الغُلَامُ الحِنْثَ: أَيِ الحَدَّ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ القَلَمُ بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ.
وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ: (أَتَحَنَّثُ بِهَا) أَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ.
وَقَوْلُهُ: (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرِ) أَيْ: عَلَى اكْتِسَابِ مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ، أَوْ عَلَى احْتِسَابِ مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ.
وَرُوِيَ أَنَّ حَسَنَاتِ الكَافِرِ إِذَا خُتِمَ لَهُ بِالإِسْلَامِ مَقَبُولَةٌ أَوْ مُحْتَسَبَةٌ، فَإِنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ بَطْلَ عَمَلُهُ.
وَمِنْ بَاب أَجْر الخَادِم إذَا تَصَدَّقَ بأَمْرِ صَاحِبِهِ غَيْرُ مُفْسِدٍ:
* حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ﵁: (الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِذُ وَرُبَّمَا قَالَ يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبًا بِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ) (١).
فِي هَذَا الحَدِيثِ فَضْلُ الأَمَانَةِ، وَسَخَاوَةُ النَّفْسِ وَطِيبُهَا فِي فِعْلِ الخَيْرِ.
وَقَوْلُهُ: (أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنَ) قِيلَ: الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِهِ مِنْ مَالِهِ يَكُونُ أَجْرُهُ مُضَاعَفًا، وَالَّذِي يُنْفِذُهُ يَكُونُ أَجْرُهُ غَيْرَ مُضَاعَفٍ، يَكُونُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَلِلْمُتَصَدِّقِ بِهِ مِنْ مَالِهِ أَضْعَافٌ كَثِيرَةٌ (٢). стр. 1562
وَرُوِيَ: (طَيِّبَةٌ بِهِ نَفْسُهُ) عَلَى أَنْ يَكُونَ حَالَّا لِلْخَازِنِ وَصِفَةٌ لِلنَّفْسِ، وَ (نَفْسُهُ) رُفِعَ بِقَوْلِهِ: (طَيِّبَةٌ) لِأَنَّ اسْمَ الفَاعِلِ يَرْفَعُ، كَمَا أَنَّ الفِعْلَ يَرْفَعُ (١).
* * *
* وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: (إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، فَلَهَا أَجْرُهَا) (٢).
قَوْلُهُ: (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ) أَيْ: غَيْرَ مُسْرِفَةٍ أَوْ مُنْفِقَةٍ فِي وَجْهٍ لَا يَحِلُّ.
(وَلِلزَّوْجِ بِمَا اكْتَسَبَ) أَيْ: بِمَا جَمَعَ وَحَصَّلَ.
(وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ) بِمَا حَفِظَ وَنَفَذَ.
وَمِنْ بَاب: مَثَلِ الْمُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ
* حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) (٣)، وَفِي رِوَايَةِ [ابْنِ] (٤) هُرْمُزٍ وَحَنْظَلَةَ: (جُنَّتَانِ) (٥) بِالنُّونِ.
مَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّ السَّخِيَّ إِذَا هَمَّ بِالنَّفَقَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ اتَّسَعَتْ نَفْسُهُ بِبَذْلِ النَّفَقَةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ عَلَيْهِ جُبَّةُ حَدِيدٍ، فَإِذَا أَنْفَقَ (سَبَغَتْ) عَلَيْهِ الجُبَّةُ وَسَتَرَتْهُ، стр. 1563
يَعْنِي: أَنَّ المُنْفِقَ إِذَا أَنْفَقَ وَتَصَدَّقَ كَفَّرَتِ الصَّدَقَةُ ذَنْبَهُ وَمَحَتْهُ، كَمَا أَنَّ الجُبَّةَ والجُنَّةَ إِذَا سَبَغَت عَلَيْهِ سَتَرتْهُ وَوَقَتْهُ.
وَقَوْلُهُ: (مِنْ ثُدِيِّهِمَا): جَمْعُ ثَدْيٍ.
وَ (تَرَاقِيهِمَا): جَمْعُ: تُرْقُوةٍ.
وَ (سَبَغَتْ): تَمَّتْ وَكَمُلَتْ، وَكَذَلِكَ: (وَفَرَتْ): بِالتَّخْفِيفِ.
(حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ) أَيْ: تَسْتُرَ أَصَابِعَهُ.
وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الصَّحِيحِ: (حَتَّى تَجِنَّ) (١) وَمَعْنَاهُ تُخْفِيَ أَيْضًا.
(وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ): عَفَا: لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، يُقَالُ: عَفَا الشَّيْءُ، وَعَفَوْتُهُ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): عَفَتِ الدَّارُ تَعْفُو عَفْوًا إِذَا غَطَّاهَا التُّرَابُ.
وَقَالَ أَهْلُ التَّفْسِير فِي قَوْلِهِ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ (٣) مِنْ قَوْلِكَ: عَفَتِ الرِّيحُ الأَثَرَ، وَالعَفْرُ: مَحْوُ الذَّنْبِ.
فَقَوْلُهُ: (وَتَعْفُو أَثَرَهُ) بِنَصْبِ الرَّاءِ، أَيْ: تَسْتُرُ أَثَرَهُ، أَيْ: حَتَّى لَا يَبْدُوَ أَثَرُهُ، وَالفِعْلُ لِلْجُبَّةِ. стр. 1564
وَقَوْلُهُ فِي البَخِيلِ (فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ) أَيْ: لَا تُطَاوِعُهُ نَفْسُهُ عَلَى البَذْلِ، فَيَبْقَى مِنْ بَدَنِهِ مَا لَا تَسْتُرُهُ الجُنَّةُ، فَيَكُونَ بِمَعْرِضِ الآفَاتِ، وَيَبْقَى غَيْرَ مُكَفَّرٍ عَنْهُ الآثَامَ.
وَمِنْ بَاب: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ
* حَدِيثُ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفِ) (١) المَظْلُومِ الْمُسْتَغِيثِ، وَتَلَهَّفَ عَلَى الشَّيْءِ: حَزِنَ وَتَحَسَّرَ.
وَمِنْ بَاب: قَدْرِ كُمْ يُعْطِي مِنَ الزَّكَاةِ
* في حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَ: (بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ، فَقَالَ: هَاتِ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) (٢).
يَعْنِي أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى نُسَيْبَةَ صَدَقَةً، وَمِنْ نُسَيْبَةَ إِلَيْنَا هَدِيَّةً، وَالهَدِيَّةُ لَنا حَلَالٌ.
(فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلُّهَا) أَيْ: مَوْضِعَ الحَلَالِ.
* * * стр. 1565
وَمِنْ بَابِ العَرْضِ فِي الزَّكَاةِ
* قَالَ طَاوُوسٌ: قَالَ مُعَاذٌ لِأَهْلِ اليَمَنِ: (ائْتُونِي بِعَرْضِ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيس فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ) (١).
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وَأَمَّا خَالِدٌ، فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْبُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (٢).
قَوْلُهُ: (بِعَرْضِ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٣): الْعَرْضُ بِسُكُونِ الرَّاءِ: مَا خَالَفَ الْعَيْنَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِم، الَّتِي هِيَ قِيمُ الْأَشْيَاءِ، وَجَمْعُهَا عُرُوضٌ.
[والعَرَضُ بِفَتْح الرَّاءِ] (٤) مَا يَعْرِضُ لَكَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، فَكُلَّ عَرْضٍ دَاخِلٌ فِي العَرَضِ، وَلَيْسَ كُلُّ عَرَضٍ عَرْضًا.
وَرُوِيَ: (إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهَا البَرُّ وَالفَاجِرُ) (٥). стр. 1566
وَقَوْلُهُ: (خَمِيصٍ) بِالصَّادِ، وَكَأَنَّهُ جَمْعُ خَمِيصَةٍ، يُقَالُ: خَمِيصَةٌ وَخَمِيصٌ وخَمَائِصُ وَهِيَ ثِيَّابُ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ مُعَلَّمَةٌ كَانُوا يلبسونها (١).
وَفِي الْحَدِيثِ: (تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ) (٢).
وَالْمَشْهُورُ: (ائْتُونِي بِخَمِيسٍ) بِالسِّينِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٣): الْخَمِيسُ: الثَّوْبُ الَّذِي طُولُهُ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ، وَيُقَالُ لَهُ: مَخْمُوسٌ أَيضًا.
وَقِيلَ: هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى مَلِك بِالْيَمَنِ هُوَ أَوَّلُ مَنْ عَملَهُ.
وَ (لَبِيس) أَيْ: مَلْبُوسٍ، فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. стр. 1567
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ (١): لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُعَاذُ ﵁ أَخَذَ مِنْهُمُ الشَّعِيرَ وَالذُّرَةَ، ثُمَّ اشْتَرَى بِالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ مِنْهُمُ الثِّيَابَ، وَرَأَى أَنَّ تِلْكَ أَرْفَقُ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَأَى أَنَّ مُؤْنَةَ النَّقْلِ ثَقِيلَةٌ فَرَأَى التَّخْفِيفَ فِي ذَلِكَ.
وَدَلِيلُ مَا (٢) ذَكَرْنَاهُ: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (رَأَى فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ [نَاقَةً] (٣) كَوْمَاءَ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقَالَ الْمُصَدِّقُ: إِنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِإِبِلٍ، فَسَكَتَ) (٤). стр. 1568
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (١): الارْتِجَاعُ أَنْ يَقْدُمَ الرَّجُلُ الْمِصْرَ بِإِبِلِهِ، فَيَبِيعَهَا، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا غَيْرَهَا، فَتِلْكَ هِيَ الرَّجْعَةُ التِي ذَكَرَهَا الْكُمَيْتُ وَهُوَ يَصِفُ الْأَثَافِيَ (٢):
[من الْمُنسَرِحُ]
جُرْدٌ جِلَادٌ مُعَطَّفَاتٌ عَلَى ال … أَوْرَقِ لَا رَجْعَة وَلَا جَلَبُ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٣): وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الصَّدَقَةِ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَسْنَانٌ مِنَ الْإِبِلِ، فَأَخَذَ الْمُصَدِّقُ مَكَانَهَا أَسْنَانًا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا: فَتِلْكَ رِجْعَةٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَأَمَّا خَالِدٌ، فَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ) (٤): الاحْتِبَاسُ هَا هُنَا: الوَقْفُ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ، وَاللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ: أَحْبَسَ.
قَالَ صَاحِبُ الفَصِيح: أَحْبَسْتُ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ مُحْبَسٌ وَحَبِيسٌ (٥).
وَ (الْأَدْرَاعُ): جَمْعُ الدِّرْعِ.
وَ (أَعْبُدَهُ) جَمْعُ عَبْدٍ، وَرُوِيَ: (أَعْتُدَهُ) جَمْعُ عَتَادٍ، وَالْعَتَادُ: الْمُعَدُّ الثَّابِتُ اللَّازِمُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ (٦) أَيْ: جَعَلْنَاهَا عَتَادًا لَهُمْ، стр. 1569
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ (١) أَيْ: هَذَا مَا كَتَبْتُهُ مِنْ عَمَلِكَ مُعَدٌّ، وَقَوْلُهُ: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٢) أَيْ: مُعَدٌّ حَاضِرٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ: (إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ جَعَلَ رَقِيقَهُ وَأَعْتُدَهُ حُبْسًا فِي سَبِيلِ اللهِ) (٣).
الحُبُسُ: جَمْعُ الْحَبِيسِ وَهُوَ الْوَقْفُ.
وَ (الْأَعْتُدُ): جَمْعُ الْعَتَادِ، وَهُوَ مَا أَعَدَّهُ الرَّجُلُ مِنَ السِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ وَالآلَةِ لِلْحَرْبِ.
* وَفِي حَدِيثِ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁[كَتَبَ لَهُ] (٤) الَّتِي أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ: (وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ … ) (٥).
ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الحَدِيثَ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الكِتَابِ، فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بَعْضًا مِنَ الحَدِيثِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ البَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ شَرْحَ جَمِيعِ ذَلِكَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَنَبْدَأُ بِالحَدِيثِ ذَكَرَهُ فِي بَابِ زَكَاةِ الغَنَمِ فَإِنَّهُ أَتُمُّ.
قَالَ أَنَسٌ: (هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ: فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الْغَنَمِ، مِنْ стр. 1570
كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى) (١).
هَذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي هَذَا البَابِ، وَقَدْ بَدَأَ الشَّافِعِيُّ ﵀ كِتَابَ الزَّكَاةِ بِهَذَا الحَدِيثِ (٢)، قِيلَ إِنَّمَا بَدَأَ بِذِكْرِ الإِبِلِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا غَالِبُ أَمْوَالِهِمْ، فَبَدَأَ بِهَا لِعُمُومِ الحَاجَةِ إِلَيْهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَعْدَادَ نُصُبِهَا وأَسْنَانَ الوَاجِبِ فِيهَا يَصْعُبُ ضَبْطُهُ، فَبَدَأَ بِذِكْرِهِ لِتَقَعَ العِنَايَةُ بِمَعْرِفَتِهِ.
قِيلَ فِي ابْتِدَاءِ الكِتَابِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ إِثْبَاتِ التَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَاءِ الكُتُبِ.
وَقَوْلُهُ: (هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ) دَلِيلٌ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيْ: قَدَّرَ رَسُولُ اللَّهِ، يُقَالُ: فَرَضَ القَاضِي النَّفَقَةَ أَيْ: قَدَّرَهَا، يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: (وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسَولَهُ).
فَكَانَ فِي ذَلِكَ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ الله أَوْجَبَهَا، وَرَسُولُ اللَّهِ قَدَّرَهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ضِمَامِ بن ثَعْلَبَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ: (آللهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا؟ قَالَ: نَعَمْ) (٣). стр. 1571
وَقَوْلُهُ: (فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا) أَيْ: مَنْ سَأَلَكُمْ مِنَ الزَّكَاةِ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي قَدَّرْتُهُ فَأَعْطُوهُ.
(وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا) أَيْ: فَوْقَ الفَرِيضَةِ الْمُقَدَّرَةِ فَلَا يُعْطِ.
ثُمَّ ابْتَدَأَ صَلَّى اللهُ [عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (١) بِذِكْرِ الإِبِلِ وَقَالَ: (فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الغَنَمُ) وَفِي نُسْخَةِ البُخَارِيِّ زِيَادَةُ: (مِنَ) وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ بَعْضِ الكَتَبَةِ (٢).
وَقَوْلُهُ: (مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ) الْمَشْهُورُ: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ.
قَالَ الفُقَهَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فِي أَرْبَع وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الغَنَمُ) تَفْسِيرٌ مِنْ وَجْهٍ، وَإِجْمَالٌ مِنْ وَجْهٍ، فَالتَّفْسِيرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ فَمَا دُونَهَا إِلَّا الغَنَمُ، وَالإجْمَالُ: أَنَّهُ لَا يُدْرَى قَدْرُ الوَاجِبِ فِيهَا (٣).
ثُمَّ قَالَ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ مُفَسِّرًا لِهَذَا الإِجْمَالِ: (فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ)، فَكَانَ هَذَا بَيَانًا لابْتِدَاءِ النِّصَابِ وَقَدْرِ الوَاجِبِ فِيهِ.
فَأَوَّلُ نِصَابِ الإِبِلِ خَمْسٌ؛ وَالوَاجِبُ فِيهَا شَاةٌ، فَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ خَمْسٍ فَلَا شَيْءٍ فِيهَا، ثُمَّ إِذَا بَلَغَتْ عَشْرًا فَفِيهَا شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثٌ، وَفِي عِشْرِينَ: أَرْبَعٌ، إِلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَهِيَ غَايَةُ العَدَدِ الَّتِي تَجِبُ فِي فَرِيضَةِ الغَنَمِ، стр. 1572
فَإِذَا صَارَتِ الإِبلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ انْتَقَلَ الفَرْضُ مِنَ الغَنَمِ إِلَى الإِبِلِ، فَوَجَبَ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ؛ وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ كَامِلَةٌ، وَقَدْ دَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِنْتَ مَخَاضٍ لِأَنَّ أُمَّهَا قَدَ مَخَضَتْ بِغَيْرِهَا أَيْ: حَمَلَتْ، وَالمَاخِضُ: الحَامِلُ، وَهَذَا السِّنُّ هُوَ أَوَّلُ الانْتِفَاعِ بِالإِبِلِ، لأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا انْتِفَاعَ بِهِ فِي الْغَالِبٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي إِبِلِهِ ابْنَةُ مَخَاضٍ وَكَانَ فِي مَالِهِ ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، أُخِذَ ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ مَعَ وُجُودِ بِنْتِ مَخَاضٍ.
وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى) وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا وَضَعَتْ وَدُرَّ لَبَنُهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ شَرْطًا فِيهَا وَلَا فِي بِنْتِ مَخَاضٍ، بَلِ الاسْمُ وَاقِعُ عَلَيْهِمَا وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الأُمُّ مَاخِضَا وَلَا لَبُونًا.
وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ) والحِقَّةُ هِيَ الَّتِي لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ، وَسُمِّيتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ يَطْرُقَهَا الفَحْلُ، وَهِيَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (طَرُوقَةُ الجَمَلِ).
(فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ)، وَالجَذَعَةُ: الَّتِي لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ، وَقَدْ دَخَلَتْ فِي الخَامِسَةِ، وَقَدْ خَرَجَتْ جَمِيعُ أَسْنَانِهَا.
قَالَ الأَصْمَعِيُّ (١): وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ جَذَعَةً لأَنَّ أَسْنَانَهَا لَمْ تَسْقُط، وَالجَذَعَةُ أَعْلَى الْأَسْنَانِ الْوَاجِبَةِ فِي الزَّكَاةِ. стр. 1573
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: الجَذَعُ هُوَ نِهَايَةُ الإِبِلِ فِي الحُسْنِ وَالدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَالقُوَّةِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ رُجُوعٌ لِلْكِبَرِ (١) وَالهَرَمِ.
وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا بَلَغَتْ سِرًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ).
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِل فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ نِصَابٍ خَمْسٌ، وَلَا شَيْء فِيمَا دُونَهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، [فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ] (٢) إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ) (شَاةٌ) رُفِعَ بِالابْتِدَاءِ، وَ (فِي صَدَقَةِ الغَنَمِ) فِي مَوضعِ الخَبَرِ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (شَاتَانِ)، وَالتَّقْدِيرُ: فِيهِمَا شَاتَانِ، لأَنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ، وَمَا قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ.
(فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) رُفِعَ بِالابْتِدَاءِ، وَ (فِي كُلِّ مِائَةٍ) خَبَرُ الابْتِدَاءِ.
قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٣): أَوَّلُ نِصَابِ الغَنَمِ أَرْبَعُونَ وَفِيهَا شَاةٌ، وَلَا شَيْء فِيمَا دُونَهَا، ثُمَّ لَا شَيْءٍ فِي زِيَادَتِهَا إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ فَفِيهَا شَاتَانِ، ثُمَّ لَا شَيْء فِي زِيَادَتِهَا إِلَى مِائَتَين، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَي شَاةٍ وَشَاةً. стр. 1574
وَقَوْلُهُ: (وَشَاةً) نَصْبٌ عُطِفَ عَلَى (مِائَتَي شَاةٍ) فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، ثُمَّ لَا شَيْء فِي زِيَادَتِهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمَائَةٍ؛ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَكُلَّمَا زَادَتْ مِائَةٌ كَامِلَةٌ فَفِيهَا شَاةٌ، وَلَا شَيْءٍ فِيمَا دُونَ المِائَةِ مِنَ الزِّيَادَةِ.
وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) قَدْ ذَكَرْنَا أَوَّلَ نِصَابِ الغَنَمِ أَرْبَعُونَ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، أَيْ: إِلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ، فَيُعْطِيَ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ.
وَ (السَّائِمَةُ): الرَّاعِيَةُ، يُقَالُ: سَامَتِ الإِبلُ وَالغَنَم تَسُومُ، وَأَسَمْتُهَا أَنا أُسِيمُهَا.
وَقَوْلُهُ: (وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ) الرِّقَةُ بِتَخْفِيفِ القَافِ: الوَرِقُ وَهُوَ الفِضَّةُ، وَأَوَّلُ نِصَابِ الوَرِقِ مِائَتَانِ.
وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً) فَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ.
وَمِنْ بَاب: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ
* فِيهِ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (١).
وَهُوَ بَعْضُ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، غَيْرَ أَنَّ البُخَارِيَّ ذَكَرَهُ فِي أَبْوَابٍ مِنْ كِتَابِهِ، فَقَدَّمَ هَذَا البَابَ عَلَى بَابِ زَكَاةِ الغَنَمِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٢): إِذَا كَانَتْ بَيْنَ نَفْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ عِشْرُونَ وَمِائَةُ شَاةٍ لَا يُؤْخَذُ стр. 1575
مِنْهَا إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، لأَنَّهُ إِنْ أَخَذَ شَاتَيْنِ ثُمَّ تَرَادًا كَانَ قَدْ صَارَ عَلَى صَاحِبِ الثَّمَانِينَ شَاةٌ وَثُلُثٌ، وَهَذَا خِلافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِذَا كَانَتْ مِلْكًا لِوَاحِدٍ شَاةٌ، وَهَؤُلَاءِ يَأْخُذُونَ مِنْ صَاحِبِ الثَّمَانِينَ شَاةٌ وَثُلُثًا، وَهَذَا فِي الْمُشاعِ وَالْمَقْسُومِ عِنْدِي سَوَاءٌ إِذَا كَانَا خَلِيطَيْنِ، [أَوْ كَانُوا خُلَطَاءَ] (١) فَهَذَا قَوْلُهُ: (لَا خِلَاطَ) (٢)، وَهُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ فِي الحَدِيثِ الْآخَرِ: (وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) (٣).
وَيُقَالُ: إِنَّ قَوْلَهُ: (لَا خِلَاطَ وَلَا وِرَاطَ) كَقَوْلِهِ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ.
قَالَ أَهْلُ العِلْمِ فِي قَوْلِهِ: (لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ مَخَافَةَ стр. 1576
الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ)، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الاجْتِمَاعَ وَالتَّفَرُّقَ فِي الْمَكَانِ حَقِيقَةٌ، وَهُوَ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ. يُقَالُ: جَمَعَ بَيْنَ كَذَا وَكَذَا إِذَا قَارَبَ بَيْنَهُمَا مَكَانًا، وَفَرَّقَ بَيْنَ كَذَا وَكَذَا إِذَا بَاعَدَ بَيْنَهُمَا مَكَانًا.
قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (١): فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَكَانِ فَقَدْ نَهَى ﷺ عَنِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُجَتَمَعِ فِي الْمَكَانِ مَخَافَةَ الصَّدَقَةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى أَصْلِنَا حَيْثُ نَقُولُ: إِنَّ المُجْتَمِعَ فِي الْمَكَانِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِذَا تَفَرَّقَ سَقَطَتْ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مُنْصَرِفًا إِلَى الْمَالِكِينَ مَخَافَةَ أَخْذِ الصَّدَقَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: (لَا يُجْمَعُ بَينَ مُتَفَرِّقٍ) يَكُونُ النَّهْيُّ عَنْ جَمْعِهِ مُنْصَرِفًا إِلَى السَّاعِي، لَا يُجْمَعُ إِذَا كَانَ مُتَفَرِّقًا لِيَأْخُذَ مِنْهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) مُنْصَرِفًا إِلَى السَّاعِي أَيْضًا، وَذَلِكَ فِي ثَمَانِينَ مِنَ الغَنَمِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا لِيَأْخُذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةً.
وَقَوْلُهُ: (وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي البَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا.
قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٢): فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَأْثِيرِ الخُلْطَةِ [أَخْذًا] (٣)، عَلَى стр. 1577
مَعْنَى أَنَّ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ الوَاجِبَ مِنَ المَالِ الَّذِي بَيْنَ الخَلِيطَيْنِ، وَيَجْعَلَ الجَمِيعَ بِمَنْزِلَةِ المَالِ الوَاحِدِ، ثُمَّ يُثْبِتَ بَيْنَهُمَا التَّرَاجُعَ عَلَى مَا يُوجِبُهُ أَصْلُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، هَذَا بَيَانُ تَأثِيرِ الخُلْطَةِ وُجُوبًا وَسُقوطًا.
وَمَعْنَى تَأْثِيرِ الخُلْطَةِ: أَنَّ الخَلِيطَيْنِ يُصَدِّقَانِ مَالَيْهِمَا صَدَقَةَ الْمَالِ الوَاحِدِ لِلْمَالِكِ الوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصًا عَنِ النِّصَابِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (١): لَا تَأْثِيرَ لِلْخُلْطَةِ أَصْلًا، وَحُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الخَلِيطَيْنِ بَعْدَ وُجُودِ الاخْتِلَاطِ مِثْلُ حُكْمِهِ حَالَةَ الانْفِرَادِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُلْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصًا لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ مُلْكُ أَحَدِهِمَا نَاقِصًا وَمُلْكُ الآخَرِ كَامِلًا يُعْتَبَرُ حَالُهُمَا بِحَالِهِمَا عِنْدَ الانْفِرَادِ فَيُعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ البُخَارِيُّ: وَقَالَ سُفْيَانُ: (لَا تَجِبُّ حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً، وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً) كَأَنَّهُ لَا يَرَى لِلْخُلْطَةِ تَأْثِيرًا كَمَا لَا يَرَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَمِنْ بَابٍ زَكَاةِ الإِبِلِ بَابُ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ
* حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي فَرِيضَةِ الصَّدَقَةِ: (مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَدَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَينِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا … ) وَذَكَرَ الحَدِيثَ (٢). стр. 1578
قَوْلُهُ: (إِنِ اسْتَيْسَرَتَا) يُقَالُ: اسْتَيْسَرَ وَتَيَسَّرَ بِمَعْنًى، كَمَا يُقَالُ اسْتَصْعَبَ وَتَصَعَّبَ.
قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (١): إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الفَرِيضَةُ وَكَانَتْ فِي مَالِهِ مَوجُودَةً فَلَيْسَ لَهُ العُدُولُ عَنْهَا إِلَى الصُّعُودِ فِي السِّنِّ وَالأَخْذِ، وَلَا النُّزُولِ فِيهَا وَالرَّدِّ، لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَرَطَ فِي جَوَازِ العُدُولِ عَنِ الفَرِيضَةِ عَدَمَهَا فِي الْمَالِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ جَذَعَةً وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَأَخَذَ المُصَدَّقُ مَعَهَا شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا).
وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الحِقَّةُ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ أُخِذَتْ مِنْهُ وَأَخَذَ مَعَهَا شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَالخِيَارُ إِلَيْهِ فِي دَفْعِ مَا اسْتَيْسَرَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّاتَيْنِ (٢) أَوِ العِشْرِينَ دِرْهَمًا.
وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِقَّةٌ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمُصَدِّقُ شَاتَينِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَلَهُ الخِيَارُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمَسَاكِينِ.
وَمِنْ بَاب: زَكَاة الإِبِلِ
* حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: (أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الهِجْرَةِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ الله لَنْ يَتْرُكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا) (٣). следующие страницы →