← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1261

شرح صحيح البخاري - الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (2 249 стр.). Показаны 1574–1613 · переход к 1579.

стр. 1574

وَقَوْلُهُ: (وَشَاةً) نَصْبٌ عُطِفَ عَلَى (مِائَتَي شَاةٍ) فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، ثُمَّ لَا شَيْء فِي زِيَادَتِهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمَائَةٍ؛ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَكُلَّمَا زَادَتْ مِائَةٌ كَامِلَةٌ فَفِيهَا شَاةٌ، وَلَا شَيْءٍ فِيمَا دُونَ المِائَةِ مِنَ الزِّيَادَةِ. وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) قَدْ ذَكَرْنَا أَوَّلَ نِصَابِ الغَنَمِ أَرْبَعُونَ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، أَيْ: إِلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ، فَيُعْطِيَ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ. وَ (السَّائِمَةُ): الرَّاعِيَةُ، يُقَالُ: سَامَتِ الإِبلُ وَالغَنَم تَسُومُ، وَأَسَمْتُهَا أَنا أُسِيمُهَا. وَقَوْلُهُ: (وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ) الرِّقَةُ بِتَخْفِيفِ القَافِ: الوَرِقُ وَهُوَ الفِضَّةُ، وَأَوَّلُ نِصَابِ الوَرِقِ مِائَتَانِ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً) فَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ. وَمِنْ بَاب: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ * فِيهِ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (١). وَهُوَ بَعْضُ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، غَيْرَ أَنَّ البُخَارِيَّ ذَكَرَهُ فِي أَبْوَابٍ مِنْ كِتَابِهِ، فَقَدَّمَ هَذَا البَابَ عَلَى بَابِ زَكَاةِ الغَنَمِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (٢): إِذَا كَانَتْ بَيْنَ نَفْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ عِشْرُونَ وَمِائَةُ شَاةٍ لَا يُؤْخَذُ

стр. 1575

مِنْهَا إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، لأَنَّهُ إِنْ أَخَذَ شَاتَيْنِ ثُمَّ تَرَادًا كَانَ قَدْ صَارَ عَلَى صَاحِبِ الثَّمَانِينَ شَاةٌ وَثُلُثٌ، وَهَذَا خِلافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِذَا كَانَتْ مِلْكًا لِوَاحِدٍ شَاةٌ، وَهَؤُلَاءِ يَأْخُذُونَ مِنْ صَاحِبِ الثَّمَانِينَ شَاةٌ وَثُلُثًا، وَهَذَا فِي الْمُشاعِ وَالْمَقْسُومِ عِنْدِي سَوَاءٌ إِذَا كَانَا خَلِيطَيْنِ، [أَوْ كَانُوا خُلَطَاءَ] (١) فَهَذَا قَوْلُهُ: (لَا خِلَاطَ) (٢)، وَهُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ فِي الحَدِيثِ الْآخَرِ: (وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) (٣). وَيُقَالُ: إِنَّ قَوْلَهُ: (لَا خِلَاطَ وَلَا وِرَاطَ) كَقَوْلِهِ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ. قَالَ أَهْلُ العِلْمِ فِي قَوْلِهِ: (لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ مَخَافَةَ

стр. 1576

الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ)، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الاجْتِمَاعَ وَالتَّفَرُّقَ فِي الْمَكَانِ حَقِيقَةٌ، وَهُوَ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ. يُقَالُ: جَمَعَ بَيْنَ كَذَا وَكَذَا إِذَا قَارَبَ بَيْنَهُمَا مَكَانًا، وَفَرَّقَ بَيْنَ كَذَا وَكَذَا إِذَا بَاعَدَ بَيْنَهُمَا مَكَانًا. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (١): فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَكَانِ فَقَدْ نَهَى ﷺ عَنِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُجَتَمَعِ فِي الْمَكَانِ مَخَافَةَ الصَّدَقَةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى أَصْلِنَا حَيْثُ نَقُولُ: إِنَّ المُجْتَمِعَ فِي الْمَكَانِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِذَا تَفَرَّقَ سَقَطَتْ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مُنْصَرِفًا إِلَى الْمَالِكِينَ مَخَافَةَ أَخْذِ الصَّدَقَةِ. وَفِي قَوْلِهِ: (لَا يُجْمَعُ بَينَ مُتَفَرِّقٍ) يَكُونُ النَّهْيُّ عَنْ جَمْعِهِ مُنْصَرِفًا إِلَى السَّاعِي، لَا يُجْمَعُ إِذَا كَانَ مُتَفَرِّقًا لِيَأْخُذَ مِنْهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) مُنْصَرِفًا إِلَى السَّاعِي أَيْضًا، وَذَلِكَ فِي ثَمَانِينَ مِنَ الغَنَمِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا لِيَأْخُذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةً. وَقَوْلُهُ: (وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي البَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٢): فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَأْثِيرِ الخُلْطَةِ [أَخْذًا] (٣)، عَلَى

стр. 1577

مَعْنَى أَنَّ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ الوَاجِبَ مِنَ المَالِ الَّذِي بَيْنَ الخَلِيطَيْنِ، وَيَجْعَلَ الجَمِيعَ بِمَنْزِلَةِ المَالِ الوَاحِدِ، ثُمَّ يُثْبِتَ بَيْنَهُمَا التَّرَاجُعَ عَلَى مَا يُوجِبُهُ أَصْلُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، هَذَا بَيَانُ تَأثِيرِ الخُلْطَةِ وُجُوبًا وَسُقوطًا. وَمَعْنَى تَأْثِيرِ الخُلْطَةِ: أَنَّ الخَلِيطَيْنِ يُصَدِّقَانِ مَالَيْهِمَا صَدَقَةَ الْمَالِ الوَاحِدِ لِلْمَالِكِ الوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصًا عَنِ النِّصَابِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (١): لَا تَأْثِيرَ لِلْخُلْطَةِ أَصْلًا، وَحُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الخَلِيطَيْنِ بَعْدَ وُجُودِ الاخْتِلَاطِ مِثْلُ حُكْمِهِ حَالَةَ الانْفِرَادِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُلْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصًا لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ مُلْكُ أَحَدِهِمَا نَاقِصًا وَمُلْكُ الآخَرِ كَامِلًا يُعْتَبَرُ حَالُهُمَا بِحَالِهِمَا عِنْدَ الانْفِرَادِ فَيُعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ البُخَارِيُّ: وَقَالَ سُفْيَانُ: (لَا تَجِبُّ حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً، وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً) كَأَنَّهُ لَا يَرَى لِلْخُلْطَةِ تَأْثِيرًا كَمَا لَا يَرَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَمِنْ بَابٍ زَكَاةِ الإِبِلِ بَابُ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ * حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي فَرِيضَةِ الصَّدَقَةِ: (مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَدَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَينِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا … ) وَذَكَرَ الحَدِيثَ (٢).

стр. 1578

قَوْلُهُ: (إِنِ اسْتَيْسَرَتَا) يُقَالُ: اسْتَيْسَرَ وَتَيَسَّرَ بِمَعْنًى، كَمَا يُقَالُ اسْتَصْعَبَ وَتَصَعَّبَ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (١): إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الفَرِيضَةُ وَكَانَتْ فِي مَالِهِ مَوجُودَةً فَلَيْسَ لَهُ العُدُولُ عَنْهَا إِلَى الصُّعُودِ فِي السِّنِّ وَالأَخْذِ، وَلَا النُّزُولِ فِيهَا وَالرَّدِّ، لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَرَطَ فِي جَوَازِ العُدُولِ عَنِ الفَرِيضَةِ عَدَمَهَا فِي الْمَالِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ جَذَعَةً وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَأَخَذَ المُصَدَّقُ مَعَهَا شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا). وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الحِقَّةُ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ أُخِذَتْ مِنْهُ وَأَخَذَ مَعَهَا شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَالخِيَارُ إِلَيْهِ فِي دَفْعِ مَا اسْتَيْسَرَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّاتَيْنِ (٢) أَوِ العِشْرِينَ دِرْهَمًا. وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِقَّةٌ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمُصَدِّقُ شَاتَينِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَلَهُ الخِيَارُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمَسَاكِينِ. وَمِنْ بَاب: زَكَاة الإِبِلِ * حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: (أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الهِجْرَةِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ الله لَنْ يَتْرُكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا) (٣).

стр. 1579

كَذَا فِي الكِتَابِ: (لَنْ يَتْرُكَ) عَلَى أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلَ تَرَكَ يَتْرُكُ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ (لَنْ يَتِرَكَ) بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ وَتِرَ يَتِرُ، وَمَعْنَاهُ: لَنْ يَنْقُصَكَ، وَفِي الْقُرْآنِ ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (١) أَيْ: لَنْ يَنْقُصَكُمْ شَيْئًا مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ. وَفِي الحَدِيثِ: (مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ العَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ) (٢) أَيْ: نَقَصَ. يُقَالُ وَتِرْتُهُ: أَيْ: نَقَصْتُهُ. وَمَعْنَى الحَدِيثِ أَنَّ القِيَامَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ شَدِيدٌ لَا يَسْتَطِيعُ كُلُّ أَحَدٍ القِيَامَ [بِهِ] (٣)، فَاعْمَلِ الخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَلَوْ كُنْتَ فِي أَبْعَدِ مَكَانٍ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ الله يَجْزِي بِالنِّيَّةِ، وَلَا يُضِيعُ شَيْئًا مِنْ عَمَلِكَ، بَلْ يُجَازِيكَ بِهِ، فَإِذَا أَدَّيْتَ حَقَّ مَالِكَ، وَقُمْتَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْكَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ، فَأَيْنَمَا كُنْتَ مُحْسِنًا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ إِحْسَانِكَ. وَمِنْ بَابِ: لا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ [عَوَارٍ] (٤) (الهَرِمَةُ) الكَبِيرَةُ السِّنِّ. (وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ) أَيْ: ذَاتُ عَيْبٍ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٥): العَوَارُ: العَيْبُ بِفَتْحِ العَيْنِ.

стр. 1580

وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ (١): [من الوافر] تُبَيِّنُ نِسبَة الْمَرْنِيِّ لُؤْمَا … كَمَا بَيَّنْتَ في الأَدَمِ (٢) العُوَارَا وَمِنْ بَاب: لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ * حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ؛ فَإِذَا عَرَفُوا الله فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ … ) الحَدِيثَ (٣). (بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ) أَيْ: وَلَّاهُ عَلَى أَهْلِهَا. وَقَوْلُهُ (أَوَّلَ) نَصْبُ خَبَرِ كَانَ، وَ (عِبَادَةُ اللَّهِ) رَفْعُ اسْمِ كَانَ. وَ (كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ) خِيَارَهَا، وَرُوِيَ الحَدِيثُ: (دَعِ الرُّبَى وَالْمَاخِصَ والأَكُولَة) (٤).

стр. 1581

الرُّبَى: الحَدِيثَةُ العَهْدِ بِالنَّتَاجِ، وَالْمَاخِصُ: الحَامِلُ، وَالأَكُولَةُ: الَّتِي تُسَمَّنُ لِلْأَكْلِ. وَمِنْ بَاب: زَكَاةِ البَقَرِ * قَالَ أَبُو حُمَيدٍ قَالَ النَّبِيُّ الله ﷺ : (لأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ) (١). كَذَا فِي الكِتابِ (لأَعْرِفَنَّ)، وَالأَشْهَرُ (لَا أَعْرِفَنَّ) (٢) بِهَمْزَةٍ قَبْلَ العَيْنِ، وَالْمُعْنَى: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا عَلَى هَذِهِ الحَالَةِ فَأَعْرِفَكُمْ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَرَاكُمْ عَلَيْهَا. وَعَلَى الوَجْهِ الآخَرِ: لأَرَيَنَّكُمْ غَدًا بِهَذِهِ الحَالَةِ، وَلأَعْرِفَنَّكُمْ بِهَا. وَ (مَا جَاءَ اللَّهَ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَ (مَا) فِي تَقْدِيرِ الْمَصْدَرِ أَيْ: (مَجِيءَ الله) يَعْنِي: مَجِيئَهُ الله وَ (الخُوَارُ): صَوْتُ البَقَرِ، وَقَالَ: وَيُقَالُ (٣) (جُؤَارٌ)، وَالجُؤَارُ لَا يَخْتَصُّ بِالبَقَرِ. * وفي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁: (إِلَّا أَتَى بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ) (٤)، (أَعْظَمَ) نُصِبَ عَلَى الحَالِ، وَ (أَسْمَنَهُ) عُطِفَ عَلَيْهِ، وَالهَاءُ فِي (وَأَسْمَنَهُ) ضَمِيرُ مَا.

стр. 1582

وَقَوْلُهُ: (كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا) أَيْ: مَرَّتْ. (رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا) أَيْ: صُرِفَتْ، وَالهَاءُ فِي (عَلَيْهِ) ضَمِيرُ الرَّجُلِ، أَيْ: يُعَاقَبُ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ إِلَى أَنْ يَفْرَغَ مِنَ الحِسَابِ. وَمِنْ بَابِ: الزَّكَاةُ عَلَى الْأَقَارِبِ * حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَا … ) (١). (مَالًا) نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَ (بَيْرُحَا) رَفْعُ اسْمِ كَانَ، وَ (أَحَبَّ أَمْوَالِهِ) خَبَرُهُ. وَيَجُوزُ: (وَكَانَ أَحَبُّ) بِالرَّفْعِ، وَبَيْرُحَا بِالنَّصْبِ، وَ (حَا) مَقْصُورٌ، كَذَا الْمَحْفُوظُ. وَيَجُوزُ الْمَدُّ فِي اللُّغَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ حَا وَحَاءٌ بِالقَصْرِ وَالْمَدِّ، وَقَدْ جَاءَ (حَا) في اسْمِ قَبِيلَةٍ، يُقَالُ: حَا وَحَكَمٌ (٢). وَ (بَيْرُحَا): بُسْتَانٌ، وَكَانَتْ بَسَاتِينُ الْمَدِينَةِ تُدْعَى بِالْآبَارِ الَّتِي فِيهَا، أَيْ: البُسْتَانُ الَّذِي فِيهِ بِئْرُ حَا، أُضِيفَ إِلَيْهِ إِلَى: حَا (٣).

стр. 1583

وَرُوِيَ: بَيْرَحَا بِفَتْحِ البَاءِ وَسُكُونِ اليَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَهُوَ اسْمٌ مَقْصُورٌ لَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ إِعْرَابٌ، فَعَلَى هَذَا (بَيْرُحَا) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: (وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَا) (١) فَعَلَى هَذَا مَحَلُّهُ رَفْعٌ، وَهُوَ اسْمُ لِلْبُسْتَانِ. وَقَوْلُهُ: (وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ) أَيْ مُقَابِلَةً مَسْجِدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَرِيبَةً مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: (بَخْ): بَخْ كَلِمَةً تَعَجُّبٍ، وَمَعْنَاهُ: تَعْظِيمُ الأَمْرِ وَتَفْخِيمُهُ، وَسُكِّنَتِ الخَاءُ فِيهِ، كَمَا سُكِّنَتِ اللَّامُ فِي هَلْ وَبَلْ، وَيُقَالُ: بَخْ بَخْ كَمَا يُقَالُ: صَهْ. وَقَوْلُهُ: (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بِالبَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بن يَحْيَى (٢)، وَإِسْمَاعِيلَ (٣): (رَائِحٌ) بِالْهَمْزِ بِيَاء عَلَيْهَا هَمْزَةٌ. وَقَوْلُهُ (رَابِحُ) أَيْ: ذُو رِبْحٍ فِيهِ صَاحِبُهُ، كَمَا يُقَالُ: لَابِنٌ، وَتَامِرٌ. وَمَنْ رَوَاهُ: (رَائِحٌ) فَهُوَ مِنَ الرَّوَاحِ الَّذِي هُوَ خِلافُ الغُدُوِّ، أَيْ: إِنَّهُ قَرِيبُ

стр. 1584

العَائِدَةِ، يَصِلُّ نَفْعُهُ إِلَى صَاحِبِهِ كُلَّ رَوَاحٍ، لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَتَكَلَّفَ فِيهِ الْمَشَقَّةَ وَالسَّيْرَ. * وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى) (١)، وَفِيهِ: (تَصَدَّقْنَ فَإِنِي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ). أَرِيتُهُ يَتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَةِ مَفَاعِيلَ مِنْهَا مَقَامُ الفَاعِلِ، وَهُوَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ (أُرِيتُ)، وَالكَافُ وَالنُّونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَكَذَلِكَ: أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ. وَقَوْلُهُ (وَبِمَ؟): اسْتِفْهَامٌ حُذِفَتْ مِنْهُ الأَلِفُ تَخْفِيفًا كَمَا حُذِفَتْ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢)، وَالمَعْنَى: بِأَيِّ شَيْءٍ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ) أَيْ: الشَّتْمَ. (وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ) أَي: الزَّوْجَ، أَيْ يَكْفُرْنَ الزَّوْجَ وَلَا يَعْتَرِفْنَ بِحَقِّهِ. و (الحَازِمُ): العَاقِلُ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الصَّدَقَةِ عَلَى الأَقَارِبِ. وَمِنْ بَاب: لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِي (٣): الأَمْوَالُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: مَالٌ نَامٍ بِنَفْسِهِ، وَمَالٌ مُرْصَدٌ لِلنَّمَاءِ، وَمَالٌ غَيْرُ نَامٍ بِنَفْسِهِ وَغَيْرُ مُرْصَدٍ لِلنَّمَاءِ.

стр. 1585

فَالنَّامِي بِنَفْسِهِ: مِثْلُ الْمَوَاشِي وَالزُّرُوعِ وَالتِّمَارِ. وَالْمُرْصَدُ لِلنَّمَاءِ: مِثْلُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَعُرُوضِ التِّجَارَاتِ. وَالَّذِي لَيْسَ بِنَامٍ فِي نَفْسِهِ وَلَا مُرْصَدٍ لِلنَّمَاءِ: فَهُوَ كُلُّ مَالٍ كَانَ مُعَدًّا لِلْقُنْيَةِ كَالعَبْدِ الْمُعَدِّ لِلْخِدْمَةِ، وَالدَّابَّةِ الْمُعَدَّةِ لِلرُّكُوبِ، وَالثَّوْبِ الْمُهَيَّأِ لِلْبْسِ. وَمِنْ بَاب: الصَّدَقَةِ عَلَى اليَتَامَى * حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا)، فَقَالَ رَجُلٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ … ) (١). قَوْلُهُ: (مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبِ اسْمِ إِنَّ، وَ (مِمَّا أَخَافُ) فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ إِنَّ. وَقَوْلُهُ: (أَوَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) أَيْ: تَصِيرُ النِّعْمَةُ عُقُوبَةٌ؟، أَيْ: إِنَّ زَهْرَةَ الدُّنْيَا نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَلَى الخَلْقِ أَتَعُودُ هَذِهِ النِّعْمَةُ وَبَالًا عَلَيْهِمْ؟ أَوْ يَصِيرُ هَذَا الخَيْرُ شَرًا؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ انْتِظَارًا لِلْوَحْيِ، فَلَامَ القَوْمُ هَذَا السَّائِلَ، وَقَالُوا لَهُ: (مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يُكَلِّمُكَ، فَرَأَيْنَا) أَيْ: فَظَنَنَّا أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ. قَالَ: (فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ): العَرَقَ، وَقَالَ: (أَيْنَ السَّائِلَ؟ وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ)، ظَنَ النَّاسُ أَن النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَ مَسْأَلَتَهُ فَعَاتَبُوهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ يَسْأَلُ عَنْهُ سُؤَالَ رَاضٍ

стр. 1586

عَلِمُوا أَنَّهُ حَمِدَهُ، فَقَالَ: (إِنَّهُ لَا يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ) أَيْ: إِنَّ مَا قَضَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا يَكُونُ خَيْرًا، وَمَا قَضَاهُ أَنْ يَكُونَ شَرًا يَكُونُ شَرًا، وَإِنَّ الَّذِي خِفْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ تَضْيِيعِكُمْ نِعْمَةَ اللهِ وَصَرْفِكُمْ إِيَّاهَا فِي غَيْرِ مَا أَمَرَ اللهُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِنَفْسِ النِّعْمَةِ وَلَا يُنْسَبُ إِلَيْهَا. ثُمَ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ) وَالتَّقْدِيرُ: مَا يَقْتُلُ، وَنَباتًا يَقْتُلُ، وَ (يُلِمُّ) يَعْنِي: أَوْ يَقْرُبُ مِنَ القَتْلِ. وَ (الخَضِرُ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ضَرْبٌ مِنَ الكَلأِ، وَاحِدَتُهَا: خَضِرَةٌ، قِيلَ: الخَضِرُ مِثْلُ النَّصِيِّ وَالصِّلِيَّانِ، وَهُمَا مِنْ أَفْضَلِ المَرَاعِي. وَرُوِيَ (آكِلَةُ الخُضَرِ) بِضَمِّ الخَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ جَمْعُ: خُضْرَةِ، وَالخَضِرُ بِفَتْحِ الخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ أَكْثَرُ. وَقَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا) الخَاصِرَةُ: الجَنْبُ، يَعْنِي حَتَّى إِذَا امْتَلاتُ شِبَعًا وعَظُمَ جَنْبَاهَا (اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ) أَيْ: اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، وَجَاءَتْ وَذَهَبَتْ. (فَثَلَطَتْ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (١): ثَلَطَتْ أَيْ: أَلْقَتِ السِّرْقِينَ. وَقَوْلُهُ: (إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) التَّأْنِيثُ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْمَالُ مِنْ أَنْوَاعِ زَهْرَاتِ الدُّنْيَا. وَالخُضْرَةُ: عِبَارَةٌ عَنِ الحُسْنِ، وَهِي مِنْ أَحْسَنِ الْأَلْوَانِ.

стр. 1587

وَمَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّ الإِنْسَانَ قَلَّ مَا يَبْطَرُ مَعَ الفَقْرِ؛ وَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ الأَشِرُ إِذَا فُتِحَتِ الدُّنْيَا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَنَالُ فِي الثَّرْوَةِ شَهَوَاتِ الْمَطْعَمِ وَالْمَنْكَحِ وَالْمَلْبَسِ، ثُمَّ إِذَا تَتَابَعَتْ عَلَيْهِ النَّعَمُ فَتَخَبَّطَ فِيهَا كَانَ كَاكِلَةِ الخَضِرِ فِي الرَّبِيعِ إِذَا رَعَتْ أَنْوَاعَ الكَلأ رُبَّمَا رَعَتْ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلتَّلَفِ، وَرُبَّمَا مَرِضَتْ عَنْهُ فَحَبِطَتْ بُطُونُهَا أَيْ انْتَفَخَتْ فَقَرُبَتْ مِنَ التَّلَفِ؛ فَشَبَّهَ مَا يُأْخَذُ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا تَرْعَاهُ الدَّوَابُّ، لِأَنَّهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِمَلَاذِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا رُبَّمَا رَكِبَ الشُّبُهَاتِ وَالحَرَامَ، فَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى الهَلَكَةِ وَدُخُولِ النَّارِ، ثُمَّ هُوَ إِذَا أَنْفَقَهُ فِي مَوْضِعِهِ وَأَخْرَجَ مِنْهُ حَقَّهُ سَلِمَ مِنْ تَبِعَتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ) (١) يَعْنِي: مَا أَنْفَقَهُ فِي هَذِهِ الوُجُوهِ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ (٢) وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ). (كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ): الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَنْجَعُ فِيهِ الطَّعَامُ، كُلَّمَا أَرَادَ أَكْلًا ازْدَادَ جُوعًا، يَعْنِي أَنَّ شِدَّةَ الحِرْصِ لَا يَزْدَادُ صَاحِبُهَا كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا حَاجَةً وَفَقْرًا، فَهُوَ أَبَدًا فِي مَحْلٍ وَاحْتِيَاجٍ. وَمِنْ بَابِ: الزَّكَاة عَلَى الزَّوْجِ وَالْأَيْتَامِ فِي الحَجْرِ قَوْلُهُ: (قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ) يَعْنِي الحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ عَلَى

стр. 1588

الأَقَارِبِ (١). حَمَلَ البُخَارِيُّ الصَّدَقَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَلَى الزَّكَاةِ، وَبَنَى البَابَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ نَظَرَ إِلَى قَوْلِهِ: (أَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي) (٢) أَنَّ الإِجْزَاءَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَرْضًا، وَحَمَلَ قَوْلَهُ: (وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي) عَلَى أَنَّ الإِضَافَةَ لَيْسَتْ إِضَافَةَ الوِلَادَةِ؛ إِنَّمَا هِيَ إِضَافَةُ التَّرْبِيَّةِ (٣). وَالحَدِيثُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ صَدَقَةُ التَطَوُّع، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ، حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ: (لَكِ مَا أَنفَقْتِ عَلَيْهِمْ) (٤). وَمِنْ بَابَ: قَوْلِ اللهِ : ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥). وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، وَيُعْطِي فِي الحَجِّ) (٦). وَقَوْلُ الحَسَنِ إِلَى آخِرِهِ (٧).

стр. 1589

هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالحَسَنِ، وَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ (١). وَحَدِيثُ أَبِي لَاسٍ: (حَمَلَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ) (٢) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمَّا رَآهُمْ مُحْتَاجِينَ أَعْطَاهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ مَا يَحُجُّونَ بِهِ، أَوْ يَصْرِفُونَهُ فِي وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْمَعِيشَة فَحَجُّوا عَلَيْهِ. * وَحَديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الله ﵁: (مَا يَنْقِمُ ابن جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ الله وَرَسُولُهُ) (٣). ابْنُ جَمِيلٍ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، أَيْ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الزَّكَاةَ وَقَدْ أَغْنَاهُ اللهُ، أَيْ: لَيْسَ هَذَا جَزَاءُ النِّعْمَةِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): نَقِمْتُ الأَمْرَ: أَنْكَرْتُهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ الأَعْبُدِ وَالأَعْتُدِ فِيمَا تَقَدَّمَ.

стр. 1590

وَقَوْلُهُ: (وَأَمَّا العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَفِي نُسْخَةٍ: (فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ فَهِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا)، وَفِي نُسْخَةٍ: (فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ)، وَفِي رِوَايَةٍ: (وَهِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا)، وَفِي رِوَايَةٍ خَارِجَ الصَّحِيحِ: (فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا) (١)، وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: (هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا) (٢)، وَفِي رِوَايَةٍ خَارِجَ الصَّحِيحِ: (فَهِيَ لَهُ وَمِثْلُهَا مَعَهَا) (٣). قَالَ الخَطَّابِي (٤): اعْتَذَرَ لِخَالِدٍ وَدَافَعَ عَنْهُ، يَقُولُ: إِذَا كَانَ خَالِدٌ قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهُ مَنْعُ الصَّدَقَةِ الوَاجِبَةِ عَلَيْهِ. وَفِي الحَدِيثِ بَيَانُ جَوَازِ إِحْبَاسِ آلَاتِ الحَرْبِ وَالسِّلَاحِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ: الثِّيَابُ وَالأَمْتِعَةُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ أَعْيَانِهَا. وَفِيهِ جَوَازُ إحْبَاسِ الحَيَوَانِ مِنَ الرَّقِيقِ وَالخَيْلِ وَالإِبِلِ وَنَحْوِهَا. وَقَوْلُهُ: (هِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا) هَذِهِ لَفْظَةٌ قَلَّ الْمُتَابِعُونَ فِيهَا لِشُعَيْبٍ.

стр. 1591

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ (هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا) (١) فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ قَالَ (٢): أَرَى وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ أَخَّرَ عَنْهُ الصَّدَقَةَ عَامَيْنِ، وَلَيْسَ وَجْهُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حَاجِةٍ بِالعَبَّاسِ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ قَدْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، ثُمَّ يَأْخُذَهَا مِنْهُ بَعْدُ. وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ قَالَ: (فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا) (٣) فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ كَانَ تَسَلَّفَ مِنْهُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ: صَدَقَةَ العَامِ الَّذِي شَكَاهُ العَامِلُ فِيهِ، وَصَدَقَةَ العَامِ قَبْلَهُ. وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْجِيل الصَّدَقَةِ قَبْلَ حُلُولِ الحَوْلِ عَلَى الْمَالِ. وَرِوَايَةٌ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (فَهِي لَهُ وَمِثْلُهَا مَعَهَا) (٤) مَحْمُولٌ عَلَى مُوَافَقَةِ سَائِرِ الأَخْبَارِ، وَيَكُونُ (لَهُ) بِمَعْنَى (عَلَيْهِ) كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ (٥). وَمِنْ بَابِ: الاسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ * حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي ﵁ (أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ

стр. 1592

خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءٌ خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ (١)) (٢). وَالادِّخَارُ: الافْتِعَالُ مِنَ الذُّخْرِ، وَأَصْلُ الكَلِمَةِ (إِذْ تَخَرَ)، قُلِبَتِ النَّاءُ دَالًا، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الذَّالُ فِي الدَّالِ فَصَارَ (ادَّخَرَ) وَمِثْلُهُ ادَّكَرَ، وَأَصْلُهُ (إِذْ تَكَرَ) فَفُعِلَ بِهِ [مَا فُعِلَ] (٣) بِادَّخَرَ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ البَعْضِ لِلْمَسْأَلَةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ حَتَّى يُغْنِيَهُ اللهُ، وَلَا يَسْتَعِفَّ حَتَّى يُعِفَّهُ اللهُ، وَأَنَّ مَنْ طَلَبَ الصَّبْرَ أَعْطَاهُ اللهُ الصَّبْرَ. وَفِيهِ فَضِيلَةُ الصَّبْرِ. وَ (أَحَدٌ) اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَ (عَطَاءً) مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَ (خَيْرًا) صِفَةٌ لِعَطَاءٍ، وَ (أَوْسَعَ) عَطْفٌ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا أَعْطَاهُمْ لِأَنَّهُ رَآهُمْ مُحْتَاجِينَ، ثُمَّ نَبَّهَهُمْ عَلَى مَوْضِعِ الفَضِيلَةِ، وَأَنَّ الفَضْلَ فِي تَرْكِ المَسْأَلَةِ.

стр. 1593

* وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظهره … ) (١). * وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ [عَنْهُ] (٢): (فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ) (٣). فِي هَذَا الحَدِيثِ فَضِيلَةُ الكَسْبِ، وَأَنَّ أَشْرَفَ الْمَكَاسِبِ كَسْبُ يَدِ العَامِلِ إِذَا نَصَحَ. وَخَصَّ الاحْتِطَابَ عَلَى الظَّهْرِ وَهُوَ حَمْلُ الحَطَبِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، يَقُولُ: إِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا هَذَا مِنَ الحِرَفِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ السُّؤَالِ. * وفي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁: (إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) (٤) أَيْ: إِنَّ صُورَةَ هَذَا الْمَالِ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، أَوْ يَكُونَ التَّأْنِيتُ لِلْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ جَامِعٌ لأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، فَجَازَ تَأْنِيثُهُ حَمْلًا عَلَى مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) عَلَى التَّذْكِيرِ، فَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى لَفْظِ الْمَالِ، وَفِي القُرْآنِ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (٥) الهَاءُ كِنَايَةٌ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى اللَّفْظِ.

стр. 1594

وَقَوْلُهُ: (بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ) أَيْ: بِطِيبٍ نَفْسٍ. السَّخَاءِ وَالسَّخَاوَةُ فِي اللُّغَةِ: الجُودُ وَسَعَةُ الصَّدْرِ، أَيْ: يَأْخُذُهَا مِنْ غَيْرِ حِرْصِ عَلَيْهَا وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَضِنَّ بِهَا، وَسَخِيَتْ نَفْسِي عَنْهُ، أَيْ: تَرَكَتْهُ. وَ (إِشْرَافُ النَّفْسِ): طَلَبُهَا بِحِرْصٍ، وَالشَّرَفُ فِي اللُّغَةِ (١): العُلُوُّ، وَشَيْءٌ مُشْرِفٌ: عَالٍ، وَهُوَ أَنْ تَتَطَلَّعَ نَفْسُهُ إِلَى الْأَخْذِ. وَقَوْلُهُ: (كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) يَعْنِي: مَنْ بِهِ الجُوعُ الكَاذِبُ، كُلَّمَا ازْدَادَ [أَكْلًا ازْدَادَ جُوعًا] (٢). يُقَالُ: رَزَأْتُ بِهِ خَيْرًا أَيْ: أَصَبْتُ مِنْهُ خَيْرًا. وَالرُّزْعُ: الْمُصِيبَةُ، وَالجَمْعُ: أَرْزَاءٌ. قَالَ الشَّاعِرُ (٣): [من الرُّمَل] وَأَرَى أَرْبَدَ قَد فَارَقَنِي * ومِنَ الأَرْزَاءِ رُزُءٌ ذُو جَلَل * وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: (إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ) (٤).

стр. 1595

في هَذَا الحَدِيثِ وَفِي حَدِيثِ حَكِيمٍ (١) أَنَّ الْمَالَ إِذَا أَتَى الإِنْسَانَ وَهُوَ غَيْرُ حَرِيصٌ عَلَيْهِ، وَلَا طَالِبٍ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وَلَا يَشْغَلُهُ ذَلِكَ عَمَّا يَلْزَمُهُ مِنَ عَمَلِ الآخِرَةِ فَهُوَ خَيْرٌ سِيقَ إِلَيْهِ، فَلْيَغْتَنِمْهُ، فَإِنْ رَغِبَ عَنْ أَخْذِهِ وَتَرَكَهُ لِلْمُسْلِمِينَ جَازَ. وَقَوْلُهُ: (وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) أَيْ: وَمَا جَاءَكَ مِنْ غَيرِ هَذَا الوَجْهِ فَلَا تتعرض لَهُ. وَمِنْ بَابِ: مَنْ سَأَلَ [النَّاسَ] (٢) تَكَثُّرًا أَيْ: يَسْتَكْثِرُ بِسُؤَالِهِ الْمَالَ، لَا يُرِيدُ بِهِ سَدَّ الخَلَّةِ. * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) (٣). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٤): مَا عَلَيْهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ بِضَمِّ الْمِيمِ، أَيْ: مَا عَلَيْهِ حَزَّةُ لَحْمٍ. وَيُقَالُ: مَا ذُقْتُ مُزْعَةَ لَحْمٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَا عَلَيْهِ لَحْمٌ فِي بَابِ النَّفْيِ. وَقالَ اللَّيْثُ (٥): الْمُزْعَةُ مِنَ الرِّيشِ وَالقُطْنِ كَالْمِزْقَةِ وَالبِتْكَةِ، وَجَمْعُهَا مِزَعٌ. وَمِزَاعَةُ الشَّيْءِ: سُقَاطَتُهُ، وَيُقَالُ: القَنَافِذُ تَمَزَعُ بِاللَّيْلِ مَرْعًا: إِذَا سَعَتْ فَأَسْرَعَتْ.

стр. 1596

قَالَ عَبْدَةُ بنُ الطَّبِيبِ (١): [من الكَامِل] قومٌ إذا دَمَسَ الظَّلَامُ عَلَيْهِمُ * حَدَجُوا فَنَافِذَ بِالنَّمِيمَةِ تَمْزَعُ يُضرَبُ مَثَلًا لِلنَّمَّامِ. فِي هَذَا الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى كَرَاهِيَّةِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا مُحَرَّمٌ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ غَنِيًّا فَسَأَلَ. وَمِنْهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُكْتَسِبًا فَسَأَلَ وَعِنْدَهُ دُونَ الكِفَايَةِ. وَمِنْهَا سُوَالٌ مُبَاحٌ، وَذَلِكَ عِنْدَ الحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ. رُوِيَ: (يَأْتِي الله يومَ القِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ كُلُّهُ) (٢)، وَقِيلَ: يَسْقُطُ لَحْمُ وَجْهِهِ لَيَفْتَضِحَ بِسُوءٍ فِعْلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. * وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأَكْلَةُ وَالأَكْلَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا) (٣). وَفِي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمَسْكَنَةَ إِنَّمَا تَحْصُلُ مَعَ العِفَّةِ عَن السُّؤَالِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الحَاجَةِ، فَإِذَا كَفَّ عَنِ السُّوَالِ وَصَبَرَ عَلَى الحَاجَةِ فَهُوَ الْمِسْكِينُ الْمَحْمُودُ.

стр. 1597

وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الحَياءِ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ. وَقِيلَ: الفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ يَشْتَرِكَانِ فِي مَعَنىً وَاحِدٍ، ثُمَّ يَخْتَصُّ الفَقْرُ بِمَعْنى عَلَى الانْفِرَادِ، وَهُوَ الزَّمَانَةُ (١) أَوْ عِلَّةٌ أُخْرَى. وَمِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ قَالَ (٢): الفَقِيرُ الَّذِي لَهُ البُلْغَةُ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْء لَهُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ (٣): [من البَسِيط] أَمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ العِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ وَ (يَسْتَحْيِي) مُسْتَقْبَلُ اسْتَحْيَى يَسْتَحْيِي. وَ (الإِلْحَافُ): الإِلْحَاحُ. * وفي حَدِيثِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁: (إِنَّ [الله] (٤) كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا: [قِيلَ] (٥) وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) (٦). قَوْلُهُ: (قِيلَ وَقَالَ) نَهْيٌ عَنِ الوُلُوعِ بِأَحَادِيثِ النَّاسِ وَنَقْلِهَا مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ فِيهَا، يَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا، وَقِيلَ لِفُلَانٍ كَذَا، مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ، وَهُوَ مِنْ

стр. 1598

بَابِ الْإِرْجَافِ وَبَابِ التَّحَسُّسِ. وَ (قِيلَ وَقَالَ) هَا هُنَا: فِعْلَانِ، قِيلَ: فِعَلُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَقَالَ: فِعْلٌ مَاضٍ، وَهُوَ فِعْلُ الأَصْلِ، وَقَدْ جَاءَ القِيلُ وَالقَالُ وَهُمَا اسْمَانِ، وَالتَّقْدِيرُ فِيهِ: قَوْلُكُمْ أَوْ حِكَايَتُكُمْ قِيلَ وَقَالَ. وَ (إِضَاعَةَ المَالِ): عَطْفٌ عَلَى هَذَا، وَالجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ (ثَلاثًا). وَإِضَاعَةُ الْمَالِ: الإِسْرَافُ فِي الإِنْفَاقِ، وَوَضْعُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَصَرْفُهُ عَنْ وَجْهِ الحَاجَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: إِضَاعَةُ الْمَالِ: تَسْلِيمُهُ إِلَى مَنْ لَيْسَ بِرَشِيدٍ. وَفِيهِ إِثْبَاتُ الحَجْرِ عَلَى الْمُفْسِدِ لِمَالِهِ. وَمِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ سُوءُ القِيَامِ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الْمَالِ كَالرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَنَحْوِهَا، إِذَا لَمْ يَتَعَهَّدْهَا ضَاعَتْ. وَ (كَثْرَةَ السُّؤَالِ) يَعْنِي: سُؤَالَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ سُؤَالُ الْمَرْءِ عَمَّا نُهِي عَنْهُ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَمْ يُكَلَّفِ الْمَرْءُ البَحْثَ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَالوُقُوفَ عَلَى كَيْفِيَّتِهِ. * * * * وَفي حَدِيثِ سَعْدِ بن أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: (أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، فَتَرَكَ رَجُلًا فِيهِمْ لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ … ) الحَدِيثَ (١).

стр. 1599

قيل: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: (أَوْ مُسْلِمًا) يُوجِبُ الفَرْقَ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الكَلَامَ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قَالُوا: إِنَّ الإِيمَانَ وَالإِسْلَامَ قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي مَوَاضِعَ، فَيُقَالُ لِلْمُسْلِمٍ مُؤْمِنٌ، وَلِلْمُؤْمِنِ مُسْلِمٌ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي مَوَاضِعَ، فَلَا يُقَالُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنٌ، وَيُقَالُ لِكُلِّ مُؤْمِن مُسْلِمٌ (١). فَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَتَّفِقَـ[ـانِ] (٢) فِيهِ هُوَ أَنْ يَسْتَوِي الظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي لَا يَتَّفِقَانِ فِيهِ: أَنْ لَا يَسْتَوِيَا، وَيُقَالُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ: مُسْلِمٌ أَيْ: مُسْتَسْلِمٌ، وَهُوَ مَعْنَى مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : (أَوْ مُسْلِمًا)، وَكَذَلِكَ مَعْنَى الآيَةِ فِي قَوْلِهِ : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٣) أَيْ: اسْتَسْلَمْنَا. وَفِي الإِسْلَامِ بِمَعْنَى الاِسْتِسْلَامِ: قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بن نُفَيْلٍ (٤): [مِنَ الْمُتَقَارِب] أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِمَنْ أَسْلَمَتْ * لَهُ الْأَرْضِ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالَا فَقَوْلُهُ: (أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ (٥): أَقْبِلْ بِقَطْعِ الأَلِفِ مِنَ الإِقْبَالِ،

стр. 1600

كَأَنَّهَ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ تَوَلَّى لِيَذْهَبَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (أَقْبِلْ)، لِيُبَيِّنَ لَهُ وَجْهَ الإِعْطَاء وَالْمَنْعِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: (اقْبَلْ) بِوَصْلِ الأَلِفِ مِنَ القَبُولِ أَيْ: اقْبَلْ مَا أَنَا قَائِلٌ [لَكَ] (١) وَلَا تَعْتَرِضْ عَلَيْهِ. وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ: (أَقِتالًا أَيْ سَعْدُ) (٢) عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرُ قَاتَلَ، وَهُوَ نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ: أَتُقَاتِلُ قِتَالًا، أَيْ: تُعَارِضُ فِيمَا أَقُولُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَأَنَّكَ تُقَاتِلُ (٣). وَقَوْلُهُ: (أَيْ سَعْدُ) هُوَ مُنَادَى مُفْرَدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضِّمِّ. وَ (أَيْ) حَرْفُ نِدَاءٍ، وَإِنَّمَا أَعْطَى الرَّجُلَ لِيَتَأَلَّفَهُ لِيَسْتَقِرَّ عَلَى الإِيمَانِ قَلْبُهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُعْطِهِ قَالَ قَولًا أَوْ فَعَلَ فِعْلًا دَخَلَ بِهِ النَّارَ، فَأَعْطَاهُ شَفَقَةً عَلَيْهِ، وَمَنَعَ الآخَرَ عِلْمًا مِنْهُ بِرُسُوخِ الإِيمَانِ فِي صَدْرِهِ، وَوُثُوقًا عَلَى صَبْرِهِ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ. كَرِهَ لِسَعْدٍ أَنْ يُطْلِقَ القَوْلَ فِي حَقِّهِ بِالإِيمَانِ، وَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا لِئَلَّا يَحْكُمَ بِإِيمَانِ الْمُؤْمِنِ لِمَا يَخَافُ عَلَيْهِ فِي العَاقِبَةِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحْكَمَ بِإِيمَانِ غَيْرِهِ، كَمَا حَكَمَ سَعْدٌ بِإِيمَانِ هَذَا، وَذَاكَ الغَيْرُ [المُؤْمِنِ] (٤) مُسْلِمٌ مُسْتَسْلِمُ، قَطَعَ مَادَّةَ الشَّهَادَةِ.

стр. 1601

وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ مُؤْمِنًا قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ)، وَثِقَ بِهَذَا، وَخَشِي عَلَى الْآخَرِ، فَعْلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لِرُسُوخِ إِيمَانِ هَذَا وَضَعْفِ إِيمَانِ ذَلِكَ. وَمِنْ بَاب: خَرْصِ التَّمْرِ * حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي ﵁ قَالَ: (غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تبوك، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةِ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: اخْرُصُوا؛ وَخَرَصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ) وَذَكَرَ الحَدِيثَ (١). (الخَرْصُ): حَرْزُ النَّخْلِ، يُقَالُ: خَرَضْتُ خَرْصًا بِالفَتْحِ، وَكَمْ خِرْصُ أَرْضِكَ بِالكَسْرِ، والخُرْصُ بِالضَّمِّ: الحَلَقَةُ، وَالخِرْصُ: الرُّمْحُ. وَقَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهَا: أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) الإِحْصَاءُ: العَدُّ، أَيْ: احْفَظِي قَدْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَدَدًا وَقَدْرًا. وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ) أَيْ: فَلْيَشُدَّهُ بِعِقَالٍ. قَالَ: (وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ) أَخْبَرَ عَمَّا سَيَكُونُ، وَكَانَ مَا أَخْبَرَ، وَذَلِكَ مِنْ دَلَائِل صحة النُّبُوَّة. وَقَوْلُهُ: (فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّءٍ) وَفِي نُسْخَةٍ: (بِجَبَلَيْ طَيٍّ) (٢) وَهُمَا "أَجَا" (٣)

стр. 1602

وَ"سَلْمَى" (١) جَبَلَانِ لَهُمْ، وَقَوْلُهُ: (وَكَتَبَ لَهُ بَحْرَهُمْ): البَحْرُ: البَلْدَةُ، وَالبَحْرَةُ أَيْضًا، كَأَنَّهُ أَقْطَعَ هَذَا المَلْكَ مِنْ بِلَادِهِ قَطَائِعَ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ: (بِبَحْرِهِمْ)، أَيْ: بِأَرْضِهِمْ وَبَلْدَتِهِمْ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذِهِ بَحْرَتْنا أَيْ: بَلْدَتُنَا، قَالَ الشَّاعِرُ (٣): [من الطويل] كَأَنَّ بَقَايَاهُ بِبَحْرَةِ مَالِك * بَقِيَّةُ سَحْقٍ مِنْ رِدَاءٍ مُحَبَّر وَقَوْلُهُ: (كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ؟) أَيْ: كَمْ كَانَ قَدْرُ تَمْرِ حَدِيقَتِكِ؟ (قَالَتْ: عَشْرَةُ أَوْسُقٍ) أَيْ: جَاءَتْ مِقْدَارَ عَشْرَةِ أَوْسُقٍ، (خَرْصَ رَسُولِ اللهِ)، يَكُونُ [بدلًا] (٤) مِنْ قَوْلِهِ: (عَشَرَةَ أَوْسُقٍ)، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ فِيهِمَا، الرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ: الحَاصِلُ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ، وَالنَّصْبُ عَلَى الحَالِ. وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا دَلِيلُ نُبُوَّتِهِ، إِذْ جَاءَ عَلَى وَفْقِ مَا قَالَ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ [ … ] (٥) وَالْمَعْرِفَةِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ فِي تَأْبِيرِ النَّخْلِ، قَالَ: وَكَانَ العَرَبُ بِخِلَافِهِ قَالَ: (عَلَيْكُمْ بِأَمرِ دُنْيَاكُمْ) (٦).

стр. 1603

وَقَوْلُهُ: (هَذِهِ طَابَةُ) يَعْنِي الْمَدِينَةَ، وَمَعْنَى طَابَةَ أَيْ: طَيِّبَةٍ، يُقَالُ: طَيِّبٌ وَطَابٌ، وَطَابَهُ لَا تَنْصَرِفْ لِلتَّأْنِيثِ وَالْمَعْرِفَةِ، قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (١): [من الرجز] مُبَارَكُ الأَعْرَاقِ فِي الطَّابِّ الطَابُ * بَيْنَ أَبِي العَاصِ وَآلِ الخَطَّابُ وَقَوْلُهُ: (أَحدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) قِيلَ: يُحِبُّنَا أَهْلُهُ وَنُحِبُّهُمْ، وَأَهْلُهُ الأَنْصَارُ سُكَّانُ المَدِينَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ: أَيْ: نَفْرَحُ بِرُؤْيَتِهِ وَقُرْبِهِ مِنَّا، وَيَفْرَحُ هُوَ بِرُؤْيَتِنَا وَقُرْبِنَا مِنْهُ، وَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا أَحَبَّ دِيَارَهُمْ وَأَمَاكِنَهُمْ، وَهَذَا مِنْ حُسْنِ العَهْدِ، فَيُعْطِي الله الْمَكَانَ تَمْيِيزًا يُقَابِلُ بِهِ مَنْ أَحَبَّهُ بِالْمَحَبَّةِ. وَقَوْلُهُ: (خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ) يَعْنِي القَبَائِلَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الدُّورَ، يَعْنِي الْمَحَلَّ. وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ البُخَارِيُّ: (كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهُوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ [لَمْ يُقَلْ] (٢) لَهُ حَدِيقَةٌ). قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٣) بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ [عَنْ عَتَّابِ بن

стр. 1604

أُسَيْدٍ] (١) أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي زَكَاةِ الكَرْمِ: (يُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، وَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا). قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٢): وَذَلِكَ إِذَا بَدَا فِي الثِّمَارِ الصَّلَاحُ، وَبُدُو الصَّلَاحِ أَنْ تَدُورَ فِيهَا الحَلَاوَةُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الإِمَامَ يَبْعَثُ خَرَّاصًا عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ يُخْرِصُ ثِمَارَهُمْ، فَيَجِيءُ الخَارِصُ فَيَطِيفُ بِالنَّخْلِ أَوِ الكَرْمِ وَيَقُولُ: فِيهَا كَذَا رُطَبًا وَعِنَبًا، ثُمَّ يَنْظُرُ كَمْ يَجِيءُ مِنْهُ، فَيَقُولُ: يَجِيءُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا وَسَقًا، ثُمَّ يُخَيِّرُهُ، فَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ ذَلِكَ لِلْفُقَرَاءِ، فَسُلِّمَ إِلَيْهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ، يَأْكُلُ وَيَبْيعُ وَغَيْرَ ذَلِكَ، [وَبَيْنَ

стр. 1605

حِفْظِهَا إِلَى وَقْتِ الجُذَاذِ وَالجَفَافِ] (١)، فَإِنْ تَخَيَّرَ ذَلِكَ كَانَ فِي يَدِهِ أَمَانَةً، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِأَكْلٍ أَوْ بَيْعٍ. وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ الحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَخَرَصَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرٍ، وَقَالَ: (إِنِّي إِنْ شِئْتُمْ [فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ] (٢) فَلِي، فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ بِهِ) (٣). [وَعَنْ] (٤) ابْنِ أَبِي حَكْمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْخَارِصِ: (إِذَا خَرَصْتُمْ فَدَعُوا

стр. 1606

الثُّلُثَ، فَإِنْ [لَمْ] (١) تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبعَ) (٢)، وَمَعْنَاهُ: إِذَا خَرَصْتُمْ فَدَعُوا لَهُمْ الثُّلُثَ وَالرُّبُعَ لِيَفْرِقُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ عَلَى جِيرَانِهِمْ وَمَنْ يَشَاؤُهُمْ وَيَبِيعُهُمْ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالخَرْصِ لِلثِّمَارِ إِذَا حَانَ وَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الثِّمَارَ مِنَ الرُّطَبِ وَالعِنَبِ إِذَا بَدَا صَلَاحُهَا فَالوَاجِبُ أَنْ يُنْفِذَ الإِمَامُ مَنْ يَخْرُصُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مَالَهُ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا رُطبًا كَمْ هُوَ؟ فَيُقَالُ كَذَا، ثُمَّ يَقُولُ: كَمْ يَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟ فَيُقَالُ: كَذَا، فَيُثْبِتُهَا السَّاعِي عَلَى رَبِّ الْمَالِ عَلَى مَا بَلَغَ خَرْصُهَا، ثُمَّ يُضَمِّنْهُ الزَّكَاةَ عَلَى مَبْلَعَهَا جَافَّةً بِالسَّنَةِ، وَيُخَلِّي بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَالِكِها. فَإِنْ وَافَقَتْهَا جَافَّةً عَلَى مَا وَقَعَ الخَرْصُ بِهِ أَخَذَ زَكَاتَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ وَجَدَهَا

стр. 1607

نَاقِصَةً عَلَى الخَرْصِ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلُ مِنْهَا شَيْئًا صُدِّقَ فِي قَوْلِهِ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاة عَلَى مَا حَصَلَتْ عَلَيْهِ الآنَ. وَمِنْ بَابِ العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَالْمَاءِ الجَارِي * رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: (فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْح نِصْفُ الْعُشْرِ) (١). قَالَ البُخَارِيُّ: "هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ، لأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْأَوَّلِ يَعْنِي حَدِيثَ ابن عُمَرَ ﵁، فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرَ، وَبَيَّنَ فِي هَذَا وَوَقَتَ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَم إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبْتِ كَمَا رَوَى الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ، وَقَالَ بِلال قَدْ صَلَّى فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ، وَتُرِكَ قَوْلُ الْفَضْلِ". أَرَادَ البُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: (هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ) الحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (لَيْسَ فِيمَا أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ)، وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي البَابَ الَّذِي يَلِي هَذَا، وَلَعَلَّ النَّاسِخَ قَدَّمَ كَلَامَ البُخَارِيِّ عَلَى البَابِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ غَلَطًا (٢).

стр. 1608

وَغَرَضُ البُخَارِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ: (فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ) مُبْهَمٌ يَقْتَضِي أَنْ يَجِبَ العُشُرُ فِي قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ كَانَ عَثَريًا) العَثَرِيُّ: هِيَ الأَشْجَارُ الَّتِي تَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ مُجْتَمِعٍ مِنَ المَطَرِ فِي الحُفَرِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّ المَاشِيَ يَتَعَمَّرُ فِيهِ (١). قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢): العَاثُورُ: شِبْهُ نَهْرٍ يُحْفَرُ فِي الْأَرْضِ يُسْقَى بِهِ البَعْلُ مِنَ النَّخِيلِ، يُقَالُ: وَقَعَ فُلَانٌ فِي عَاثُورِ شَرٌّ: إِذَا وَقَعَ فِي مَهْلَكَةٍ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِي ﵀ (٣): لَا تَجِبُّ الزَّكَاةُ فِي الحَبِّ وَلَا الثِّمَارِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَالوَسْقُ: سِتُونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ: أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، وَالْمُدُّ: رَطْلٌ وَثُلُثٌ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ أَلفًا وَسِتَّمِائَةِ رَطْلٍ وَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ بِهِ النِّصَابُ [ ..... ] (٤). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): تَجِبُ فِي القَلِيلِ وَالكَثِيرٍ، وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (مَا سَقَتِ

стр. 1609

السَّمَاءِ فَفِيهِ العُشْرُ)، وَقَوْلُهُ: (لَيْسَ فِيمَا أَقَلَّ)، (مَا) زَائِدَةٌ، وَ (أَقَلَّ) فِي مَوْضِعِ جَرٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ فَيَدْخُلَهُ الجَرُّ. وَقَوْلُهُ: (وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْح نِصْفُ العُشْرِ)، مَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ مَعْنَى: مَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي، لأَنَّ النَّوَاضِحَ [وَاحِدُهَا] (١) نَاضِحَةٌ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْأَنْصَارِ ﵃، وَقَدْ قَعَدُوا عَنْ تَلَقِّيهِ مُنْصَرَفَهُ مِنَ الحَجِّ: (مَا فَعَلَتِ النَّوَاضِحُ) (٢). وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي نِصْفُ العُشُرِ. وَمِنْ بَاب: أَخْذ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤْتَى [بِالتَّمْرِ] (٣) عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فَيَجِيءُ هَذَا بِثَمَرِهِ وَهَذَا مِنْ ثَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ) (٤). صِرَامُ النَّخْلِ: جُذَاذُهُ، وَقَدْ أَصْرَمَ النَّخْلُ أَيْ: جَاءَ وَقْتُ صِرَامِهِ أَيْ: قَطْعِ ثَمْرِهِ. وَقَوْلُهُ: (كَوْمًا) كَذَا فِي النُّسْخَةِ بِالنَّصْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: حَتَّى يَصِيرَ التَّمْرُ عِنْدَهُ كَوْمًا، الكُومُ: القِطْعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الشَّيْء.

стр. 1610

قَالَ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ: "الكُومُ: القِطْعَةُ مِنَ الإِبِلِ، وَالكُومَةُ: الصُّبْرَةُ" (١)، أَيْ: الشَّيْءُ الْمَجْمُوعُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ: (مَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ؟) مَا عَلِمْتَ؟: اسْتِفْهَامٌ بِغَيْرِ حَرْفِ اسْتِفْهَامٍ، وَالصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ﵇. وَمِنْ بَاب: مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ أَوْ نَخْلَهُ * فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا) (٢)، وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ: (عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ) (٣)، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: (عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ) (٤). قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٥): وَوَقْتُ الخَرْصِ إِذَا حَلَّ البَيْعُ، وَذَلِكَ حِينَ يُرَى فِي الحَائِطِ الحُمْرَةُ أَوِ الصُّفْرَةُ، وَذَلِكَ حِينَ يَتَمَوَّهُ العِنَبُ وَيُؤَخَذُ مِنْهُ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ (٦): حَتَّى يَحمَرَّ مَا يَحمَرُّ مِنَ التَّمْرَةِ، وَيَصْفَرَّ مَا يَصْفَرُّ، وَكَذَلِكَ العِنَبُ: يَسْوَدُّ أَسْوَدُهُ، وَيَتَمَوَّهُ أَبْيَضُهُ. وَالتَّمَوُّهُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَاءِ، أَيْ: يَدُورُ فِي المَاءِ الحُلْوِ.

стр. 1611

وَقَوْلُهُ: (حَتَّى تُزْهِي) يُقَالُ أَزْهَتِ الثَّمَرَةُ إِذَا احْمَرَّتْ أَوِ اصْفَرَّتْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: زَهَتِ التَّمْرَةُ تَزْهُو. وَمِنْ بَاب: هَلْ يَشْتَرِي صَدَقَتَهُ؟ * حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ (١): (تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْمَرَهُ، فَقَالَ: لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ). قَالَ البُخَارِيُّ (٢): وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَةَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا نَهَى الْمُتَصَدِّقَ خَاصَّةٌ عَن الشِّرَاءِ، وَلَمْ يَنْه غَيْرَهُ. قَوْلُهُ: (فَاسْتَأْمَرَهُ) أَيْ: اسْتَشَارَهُ. وَقَوْلُهُ: (لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ) أَيْ: إِنَّكَ إِذَا تَصَدَّقْتَ بِشَيْءٍ لِلَّهِ فَاقْطَعْ طَمَعَكَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ إِذَا تَبِعَتْهُ نَفْسُكَ وَرَغَبْتَ أَنْ يَكُونَ لَكَ لَرَخُصَ فِي ثَمَنِهِ، أَوْ لِمَعْنىً آخَرَ يُرْغَبُ فِيهِ؛ فَكَأَنَّكَ عُدْتَ فِي صَدَقَتِكَ، وَلَمْ تَقْطَعْ طَمَعَكَ مِنْهُ. وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا تصَدَّقَ بِهِ اشْتَرَاهُ لِيَتَصَدَّقَ بِهِ ثَانِيًا لا لِيَنْتَفِعَ بِهِ، فَيَكُونَ كَالعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ. وَقَوْلُهُ: (كَالعَائِدِ فِي قَيْنِهِ) (٣) فِيهِ تَقْبِيحُ صُورَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، أَيْ كَمَا يَقْبُحُ أَنْ يَقِيءَ ثُمَّ يَأْكُلَ فِيهِ، كَذَلِكَ يَقْبُحُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ اللَّهِ، ثُمَّ يَجُرَّهُ إِلَى نَفْسِهِ بِوَجْهٍ

стр. 1612

مِنَ الوُجُوه. وَقَوْلُهُ: (فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) أَيْ: يَبِيعُهُ بِوَكْسٍ، لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ قَدْرَهُ، وَلَا قَدْرَ قِيمَتِهِ. وَمِنْ بَابِ: مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ * حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (أَخَذَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ ﵁ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ) (١). رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي البَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا بِالشَّكِّ (٢) فِي فِعْلِ الحَسَنِ أَوِ الحُسَيْنِ. وَهَذَا الشَّكُّ مِنْ بَعْض الرُّوَاةِ؛ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، وَشُعْبَةُ أَحْفَظُ مِنْهُ، فَرِوَايَتُهُ أَتْقَنُ. وَقَوْلُهُ: (كِخْ كِخْ): زَجْرٌ لَهُ، وَأَمْرٌ بِالْقَاءِ التَّمْرَةِ مِنَ الفَمِ، يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يُلْقِيهِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ: (كِخْ كِخْ) انْفَتَحَ فَمُهُ وَسَقَطَتِ التَّمْرَةُ. وَمِنْ بَابِ: الصَّدَقَةُ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ * حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (وَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ [شَاةٌ مَيِّتَةٌ أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ

стр. 1613

لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ] (١): هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا) (٢). وَبَعْدَهُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِي بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، [وَ] (٣) أَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا) (٤). وَبَعْدَهُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثَتْ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: (إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) (٥). وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ) (٦)، ذَكَرَهُ فِي بَابِ: إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ. فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ دَلِيلٌ أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغ. وَدَلِيلٌ أَنَّهَا لَوْ أَعْطَتْ جِلْدَهَا لِآلِ النَّبِيِّ ﷺ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ صَدَقَةً عَلَيْهَا، كَانَتْ هَدِيَّةً عَلَى النَّبِيِّ، وَعَلَى آلِ النَّبِيِّ ﷺ . وَكَذَلِكَ حَدِيثُ بَرِيرَةَ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ. وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ يَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَيْهَا شَاةً مِنَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَتْ
следующие страницы →